موسى الحكمدار - الفصل 4 | سهام محمود

قراءة رواية موسى الحكمدار كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: موسى الحكمدار 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: سهام محمود | الفصل الرابع



عودة إلى روح التي بدأت تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا. أتضحت رؤيتها الضبابية سريعًا و اسندت جسدها عن الأرض ببطء، نظرت في الأرجاء و لم تجد موسى في أي مكان أثناء تمسيدها لرأسها النابض بشكل طفيف من أثر

الصداع.


تنهدت بروية ثم أستقامت أخذت منشفتها مجددًا و سارت إلى الحمام دون اهتمام لما حدث قبل نصف ساعة، لكنها في الحقيقة لا تريد التفكير فيما حدث حتى لا تصاب بالصداع مجددًا و مع ذلك سيأتي موسى عاجلًا حتى يفهم ما حدث و هي كذلك.


بعد الاستحمام خرجت من المرحاض مرتدية منامة مريحة أخرجت منشفة أخرى من الخزانة تجفف شعرها بها، ذهبت إلى المطبخ نحو طاولة الطعام الصغيرة تتحسس علب الطعام بكفها لتجدها باردة، عبست بوجهها و أخذتها بين كفيها تضعها داخل الميكروويف لتسخينه لمدة دقيقة أثناء تجهيزها للأواني المائدة.


وضعت الطعام على الطاولة و كانت على وشك أن تضع أول لقمة من الطعام في فمها فـ رأت جسده أمامها. أغمضت عيناها على مضض تضع الشوكة في فمها دون اهتمام به و أصبحت عيناها لا مبالية تماماً.


بالطبع كان يراقبها موسى بحذر و اقترب خطوة منها لترفع الشوكة نحوه دون النظر إليه تحذره بنبرة شبه تهديد ليس وكان تهديدها سيحدث فارقًا معه:


«متقربش مني ولا تلمسني تاني، أنا بحذرك أهو»


«أنتِ عارفة كويس إن كلامك مش فارق معايا»


اقترب خطوة أخرى لتمسك الشوكة بأحكام و أردفت بنبرة منزعجة تنظر إليه:


«ما هو أكيد مش هيفرق معاك في حاجة ده أنت واحد بلطجي و مفتري أصلاً هتوقع إيه منك يعني!؟»


بدأ يقبض كفه و بيسطحها عدة مرات كـ حركة هدوء بينما ملامح الانزعاج تجلت على وجهه الرجولي، تقدم نحوها بسرعة يرفع يده مستهدفًا عنقها لكنها أبتعدت عن متناول يدي سريعاً في حذر.


أمسكت كأس الماء المتواجد على الطاولة في ترقب شديد مردفة:


«متحاولش تاخد جسمي تاني أنا بحذرك أهو!»


«عايز بس أتأكد من اللي حصل مش أكتر»


أخبرها بابتسامة طفيفة جداً، لكن بالنسبة لها كانت ابتسامة سعيدة مجنونة كأنه وجد خلاصة في استخدام جسدها كما يريد، بالطبع لن تسمح له بفعل ذلك.


رفعت سبابتها في وجهه أثناء اقترابه منها ببطئ في نفس الوقت هي تتراجع للخلف مع كل خطوة يخطوها نحوها:


«متفكرش إني هسمحلك تستخدمني زي ما أنت عايز لأنه ده مستحيل»


« مش بمزاجك، عشان لما دخلت جسمك مكنش بإرادة منك كان بإرادتي أنا»


تغيرت نبرته إلى أخرى خبيثة و ابتسامة جانبية مذهلة لا تُرى إلا نادرًا يكمل حديثه:


"و طالما بإرادة مني هعمل اللي أنا عايزه مش محتاج إذن منك»


«لو أنت مفكر إني هسكت عن كده تبقى غلطان، فاهم؟»


كانت يدها ترتجف و عيناها تَرف كثيراً فـ علم بما أصابها، هز رأسه و هو ما زال يقترب و هي تتراجع حتى سارا في جميع أرجاء المطبخ في دائرة متزامنة الخطوات معًا. 


ساورها الشك في حديثه لأنها تذكر جيد ما حدث سابقًا فعندما لمسته هي لم يحدث شيء لكن عندما بادر

بلمسها استولى على جسدها لمدة وجيزة حتى طردته من داخلها صدفة دون أن تعلم كيف فعلتها و يبدو أن حديثه صحيح.


كانت على شك الصراخ لكنها تماسكت بشكل جيد، عندما اقترب منها بسرعة ينوي لمسها مهما كلفه الأمر. رغم معرفتها بأن لا شيء يمكن أن يمنع جسده الروحي من العبور فقد ألقت بمحتوى الكأس بين يديها لعله يربكه أو

يسبب له الاضطراب لبضعة ثواني حتى.


لكن هيهات لقد مضى الماء المرشوق من خلاله دون أن يرف له جفن أنسكب الماء بلا حول ولا قوة أرضًا. عندها لم يبقى أمامها خيار آخر سوى أن تركض في الأرجاء حتى يمل منها أو حتى يتعب!؟ هل يتعب جسده الروحي

إذا ركض خلفها!؟.


لم تهتم روح و بدأت بالركض في الأرجاء تلقي عليه الوسائد الصغيرة و تصرخ بين الفنية و الأخرى كلما اقترب منها، أستمرت هذه المطاردة لمدة طويلة بعض الشيء حتى أصبحت حركتها بطيئة بينما هو بكامل نشاطه، تعرق جسدها و تسارعت وتيرة تنفسها بسبب الحركة المفرطة ثم ألقت جسدها على الأريكة منهكة تماماً.


كان تنفسه طبيعياً عندما وقف فوق رأسها يراقب ملامح وجهها المنهكة و المجهدة من الحركة، و كانت وجنتاها حمراء زاهية و شفتيها ترتعش قليلاً تحاول التقاط كمية كبيرة باللهواء و التي كان أنفها غير قادر على امدادها

بالأكسجين الكافي، أهدابها ترفرف كثيراً و عيناها تجول حولها قليلاً ثم تعود للنظر إليه في خوف و قلق.



عبست ملامحه قليلاً ثم دنى منها جاثياً و وجهه بالقرب من خاصتها متحدثاً بصوت منخفض:


«قولتلك اللي أنا عايزه هعمله من غير إذنك»


«حرام عليك اللي بتعمله فيا ده .... أرحمني»


أجتاحتها رغبة في البكاء في هذه اللحظة لكن ما الفائدة؟ أمامها زعيم مافيا لا يوجد في قاموسه معنى لكلمة الرحمة التي ناشدته بها. و هو فكر في سخافة طلبها كيف ترجوه بالرحمة، و يديه تحمل دماء المئات من الناس و أعدائه. 


سواء كانوا أبرياء كما يَدعون أو ظالمين؟ ما الفرق؟.


عبست ملامحه لبُرهة، و هو ينظر إليها ثم عاد وجهه خالياً من التعبير، أستقام في وقفته مبتعداً عنها يوليها ظهره و توقف في المكان ذاته الذي كان فيه منذ ظهوره الأول.


 كلمة واحدة أجتاحت عقله - الرحمة - جعلته ينظر

إلى الواقع من جديد، في حالته الغريبة هذه و رغم أنه في أمس الحاجة للمساعدة منها حيث لا أحد يمكن أن يساعده ،هي لا تريد أن تفعل ذلك.


تَعرض للغدر و الخيانة مِن قِبل أحد رجاله و هذا بالتأكيد كان سبب نجاح الإغتيال. و اصابته بشكل بليغ حتى أصبح في غيبوبة، جسده مفقود ولا يعلم أين مكانه و مع مَن؟ لا يعلم إن كان الشخص الذي يهتم بجسده حالياً هو عدو أم حليف؟.


 له مصلحة في إبقائه حياً أم لا؟، لماذا لم يتمكن أحد من رجاله المخلصين في العثور على جسده حتى الآن!؟، هل تم التخلي عنه من قِبل الجميع فجأة!؟ هل تخلوا هم عنه!؟ كيف سولت لهم أنفسهم بالتفكير في هذا بعدما ذاق جميع أنواع الألم و العذاب!؟


هل ثمنه رخيص إلى هذا الدرجة!؟.


رفع كفيه و خرجت منه تنهيدة حارة تكبت الألم و القهر داخله بصعوبة بالغة، مسد وجهه مروراً بشعره الأسود حتى أستقرت على الجزء الخلفي من عنقه، أدار نصفه العلوي نحو روح التي أستعادة بعضاً من هدوئها و هو يفكر.



"طلبتي الرحمة مني لمجرد أنني طاردتك لمدة طويلة قليلاً. لم تستطيعي تحمل أعباء تعب الهروب مني لمدة أطول أيضاً.


 رغم أنه لم يمضي على لقائي بكِ أقل من يوم توسلتي للرحمة مني، أنا مَن كان يرجو الرحمة في أمس الحاجة لها منذ الطفولة. 


ها أي طفولة هذه التي تَذكُرها يا موسى؟ مَن سِواكَ تعيس الحظ منذ لحظة ولادته، تخلى عنك والديك و ترعرعت في دارٍ للأيتام.


مَن هذا الذي يعيش طفولته في السرقة و النهب من الآخرين حتى يسد جوعه؟ ألست أنا أحق بالرحمة منها عندما ذُقت هذا الألم و العذاب؟، ماذا عن ذهابي لبيت ذاك الرجل تحت مُسمى جد يرعى حفيده؟ 


أي رجل هذا الذي يعذب حفيده من أجل امساك السلاح و قتل شخص ما!؟. لماذا كان صعباً علي أن أطلب الرحمة!؟.



تنهد موسى مجدداً مُستمراً في التحديق بها بينما هي لاحظت أن به خطأ ما و عندما كانت على وشك التحدث إليه، أتخذت خطواته مخرجاً سريعاً عبر الحائط مُعلناً إختفائه من أمامها كأنه يهرب منها، رمشت عدة مرات بحيرة من

أمرها تتسأل عما حدث له و متسألة داخلها عما إذا اصابه الملل من مطاردتها أو نفذ صبره منها!؟.


رفعت كتفيها النحيلين بلا أهتمام في الوقت الحالي تعود للمطبخ حتى تتناول الطعام من فرط جوعها ثم تعيد ترتيب الشقة التي أصبحت في فوضى عارمة بسبب مطاردته إياها.


❈-❈-❈



في مكان آخر تحديداً في منطقة نائية كلياً كان يوجد منزل مكون من طابقين فوق الأرض، و طابق سُفلي مُجهز بالكامل على أرقى مستوى من التأثيث و غيرها. 


في القبو كان في منتصف أحد الغرف سريراً أبيض يرقد

عليه جسدُ جريح و مصاب بشدة، صوت الألات الطبية تصدح كل ثانية مُظهراً المؤشرات الحيوية في حالة نشاط جيدة. كان يقف طبيب و ممرضة أثناء الفحص الدوري للحالة.


بعد مدة من الوقت صعد الطبيب إلى الطابق العلوي و جلس في المطبخ. أخرج هاتف ذو أزرار و قديم الطراز جداً و طلب مكالمة هاتفية ثم بعد وهلة قصيرة تحدث بخفوت:


«الحالة الجسدية للمريض في تحسن مستمر بس لسه في غيبوبة لمدة مش قادر أحددها»


هذه الجملة و في عشرون ثانية أنهى المكالمة دون إنتظار رد الطرف الآخر، لأنه يُدرك تماماً مدى خطورة هذا التواصل، دلّك جبينه ببعض التوتر خوفاً من حدوث أي إقتحام في أي لحظة لأن ما يفعله يضع حياته في خطر محدق يحيط حياته من جميع الجوانب.



❈-❈-❈



في منتصف الليل داخل قصر موسى درغام.


أستلقى على الأريكة في الصالة الفسيحة للقصر، جسده منهك بشدة لقلة الراحة و عدم النوم بشكل متواصل حتى أن الطعام كان بالكاد يدخل فمه، هذا كله من أجل البحث عن موسى الذي يعتبره شقيقه.


بحث غيث عنه في جميع الأماكن المحتملة أن يكون فيها لكن لا أثر له.


كأن لا وجود له من الأساس مما جعل صبره ينفذ مع كل ثانية تمضي، أستقام من جديد يضع رأسه بين كفيه متنهداً بتعب يحاول التفكير في أي مكان يمكن أن يكون موجودا فيه حالياً.


 يراجع نفسه إن كان قد نسي مكاناً ما دون أن

يدرك بسبب ارتباكه!! لا هو متأكد من أنه بحث في جميع الأماكن الواردة و التي يعرفها حتى السرية منها، أتت مدبرة المنزل في منتصف عقدها الثالث ترتدي ملابس

عادية إلى حد ما، و هي مسؤولة عن تلبية احتياجات موسى و إعداد الطعام له لأنها متواجدة في العمل منذ زمن طويل.


أتت للعمل في هذه الوظيفة بناءً على طلب من جد موسى حتى تربيه و ترعاه كما يهوى هو، نظر غيث إليها بملامح وجهها التي جعلتها أكبر سناً مما هي عليه بالفعل، كانت تقلب كفيها في توتر قبل أن تسأله بنبرة قلقة بصوت خافت:


«هو .... هو موسى مات فعلاً يا غيث زي ما قالوا!؟»


تنفس غيث قليلاً و هو يحاور نفسه إذا كان سيخبرها بالحقيقة، أم يتركها تعتقد أنه مات كما حال الناس، زم شفتيه و ملامحه عابسة قليلاً مجيباً بهدوء:


«هما قالوا كدة بس أحنا لسه مش متأكدين إذا كان الكلام ده صح ولا غلط، عشان الجثة متأمن عليها كويس حتى رجالتنا اللي في المستشفى مقدروش يعملوا حاجة»


ترقرقت عيناها بالدموع تحاول كبت شهقاتها لتسرع بخطواتها نحو غرفتها بالقرب من السلم الطويل، كان غيث يتوقع ردة فعلها هذه لكن ما باليد حيلة يجب عليه الحذر حتى من ظله في هذا الوضع الحرج.


 بما أنه قتل الخائن بيده جعله هذا الشك يساوره في جميع أتباعه بالفعل. أخذ جاكيت بذلته و رفعه عرضاً على كتفه أثناء سيره لأعلى حتى يحظى ببعض الراحة التي نسي طعمها بالفعل، مروراً بغرفة موسى الخاصة.


كان على وشك إكمال طريقه لكنه توقف عن السير عندما شعر بحركة في نهاية الردهة المعاكسة لطريق غرفته.


كان الظلام حالكاً في نهاية الردهة دون وجود أي غرف كذلك ما عدا ممر سري لا يستخدمه سواه هو و موسى في اللحظات الأكثر حرجاً، لكن مَن عساه يكون هذا الذي يستخدمه الآن بينما موسى مفقود!؟.


نزع حذائه في مكانه و ترك جاكيت البدلة على منضدة في المنتصف ثم أخرج سلاحه، سار سريعاً ليقف بمحاذاة الحائط بحيث إذا فُتح الجدار يكون خلف الدخيل مباشرة.


 بعد مرور عشرة دقائق من الوقوف مستعداً بالكامل أندفع الجدار جانبياً ثم ظهرت شخصية نحيلة جداً و قصيرة بالكاد أستطاع غيث تمييز هذه الصفات وسط الظلام.


لكنه قبض على الدخيل واضعاً المسدس في رأسه من الخلف، أمسكه كذلك من كتفه بقبضة قوية و همس بخفوت بنبرة تحذيرية:


«اثبت مكانك ولا هفضي المسدس ده في راسك»


تزامناً مع كلماته كانت قبضته تزداد قوة تدريجياً على الكتف النحيل أسفل كفه، صَدر تأوه أنثوي ثم بحركة دفاعية تم أخذ سلاحه منه عندما كان في حالة شرود من الصوت الأنثوي الذي سمعه.


لا يعرف كيف تشنج جسده في هذه اللحظة التي تحدث نادراً مع جسده المدرب جيداً، على عكس توقعه تم إمساك غيث من ياقة قميصه الرمادي و جُذب نحو الإضاءة الخافتة في الردهة، سطع جانب وجهها و بشرتها البيضاء و عينيها العسلية تحدق به برود، ثم همست بنبرة خافتة جعلته

في صدمة من أمره:


«اثبت مكانك يا هاشم، مفيش حاجة بتخبيها عني، عارف إنك لسه بتدور عليها»


لم يهتم غيث بالمسدس الذي في رأسه كما يهتم بمعرفة هوية الأنثى القابعة أمامه في هذه اللحظة.


 احتدت عيناه العسلية الشبيهة بخاصتها و قبض على عنقها بقوة يسألها بحدة:


«أنتِ تعرفي اسمي مين!؟ و الكلام الباقي ده!؟»


صرخت بألم عندما أصطدم ظهرها بالحائط لتترك المسدس يسقط أرضاً حتى تمسك ذراعه بكلا كفيها، أحتقن وجهها بالدماء بسبب اختناقها ليصبح صوتها محشوراً بينما تضرب ذراعه دون فائدة:


«سيبني بسرعة .... موسى ... موسى بعتني»


«موسى بعتك؟!»


قطب حاجبيه في دهشة و لم يتركها تُفلت لتستمر في نضالها و قالت تلهث تحاول التقاط أنفاسها:


«منك لله يا بعيد ... سيبني هوووت»


ركلت ساقه بقوة ليتركها متأوهاً من الألم فـ تسقط هي أرضاً تسعل بحدة ممسكة عنقها الذي طُبعت عليه آثار خنقها بـ أنامله الغليظة.


 نظر غيث نحوها بحيرة بينما هي أدارت وجهها نحو الهواء و صرخت بانزعاج كأنها مجنونة تحدث نفسها لكنها في الواقع تتحدث مع موسى:


«منك لله يا بعيد كله منك»


لسبب ما مجهول ابتسم موسى على طرافة ما حدث أسفل أنظاره قبل قليل، ردة فعل روح كانت مثيرة للاهتمام بالنسبة له و مضحكة قليلاً أما ملامح

غيث يجب أن توصف في كتاب بالتفصيل الممل.


« السابق جميع الفصول التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سهام محمود، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم