لسه أجمل يوم مجاش - الفصل 7 | نور إسماعيل

قراءة رواية لسة أجمل يوم مجاش كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: لسة أجمل يوم مجاش 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: نور إسماعيل | الفصل السابع


كان ذلك اليوم يحمل في طيّاته نكهةً مختلفة؛ إنه يوم الكريسماس، وآخر نهارٍ في السنة. داخل الشركة، كان الضغط في ذروته، فالعروض تتوالى، والمكالمات لا تهدأ، والعملاء يتدفقون مع اقتراب العام الجديد. جلس وسام بين زملائه، إلى جواره شريف، وعلى الطرف الآخر منى، وكلٌّ منهم يحاول أن يُنهي ساعاته الأخيرة بتركيزٍ ممزوج بلهفةٍ خفية لبدايةٍ جديدة.

انتهى الشيفت أخيرًا، وكأن عقارب الساعة أطلقت سراحهم. التفت شريف إلى وسام وقال بابتسامةٍ مشاغبة:

"حضّر نفسك يا نجم، أنا هعدّي عليك وننزل على الكافيه، الليلة دي لازم تبقى جامدة."

اكتفى وسام بهزّ رأسه، لكن في داخله كان يشعر بشيءٍ يتبدل.

عاد إلى منزله، فتح خزانته، وتوقّف قليلًا قبل أن يُخرج ذلك التيشيرت الأحمر. ارتداه، وتأمّل نفسه في المرآة، فبدا كأنه استعاد سنواتٍ من عمره. ابتسم بخفة، كأنه تحرّر من قيدٍ لم ينتبه له من قبل.

لم تمضِ دقائق حتى دوّى طرقٌ سريع على الباب. فتحت والدته، ودخل شريف بخفّته المعتادة. وجد وسام يشغّل فيروز ويندمج في هدوء اللحظة، فاقترب وأغلق الأغنية فجأة، ثم شغّل مهرجانًا صاخبًا.

وسام (مستاء): "يا عيل يا بيئة!"

شريف (ضاحك): "أوعى يا عم، النهارده يوم غير عادي… عايزين نستقبل السنة بحاجة جديدة طحن!"

تأمّل شريف صديقه بإعجاب:

"إيه رأيك كده؟ تمام؟"

وسام (بثقة خجولة): "آه، تمام."

شريف (مبالغًا): "قمررررر!"

لكن ما إن همّ وسام بإحضار الجِل حتى أمسكه شريف سريعًا:

"استنى! رايح تعمل إيه؟"

وسام: "هظبط شعري."

شريف: "لا لا لا… النهارده مفيش التسريحة القديمة. بص جايبلك إيه!"

رفع السيشوار كأنه كنز، فتراجع وسام بخوفٍ مصطنع:

"سيشوار؟! لااا… مش عايز أبقى شبه الكلب أبو فروة!"

شريف (وهو يلاحقه): "تعالى بس… والله ما هسيبك!"

كان صوت ضحكاتهما يتسلّل إلى الخارج، حيث جلس والد وسام يتابع التلفاز ويبتسم على ما يحدث.

توقّف وسام أخيرًا وقال بجدية:

"بص، أنا مش بحب عرف الديك ولا الشعر الطويل ده."

شريف (بثقة): "سيبها عليّا… والله هتدعيلي."

وبالفعل، بدأ شريف يعمل بتركيز، يبدّل ويجرّب، حتى انتهى إلى تسريحةٍ جديدة تمامًا. وقف وسام أمام المرآة، صامتًا للحظة، ثم ابتسم بإعجابٍ حقيقي. بدا أصغر، أخف، وأكثر حيوية.

مدّ يده ليرتدي نظارته القديمة، لكن شريف أوقفه فورًا:

"وِدي تفوتني برضه؟ سيبك من دي… والبس دي!"

أخرج من كيسٍ صغير نظارة أنيقة، بإطارٍ أحمر لامع. أمسكها وسام بدهشة، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة:

"إيه دي؟ عملتها إمتى يا قرد؟"

شريف (بفخر): "فاكر يوم ما نضارتك ضاعت؟ أنا كنت واخدها وعملت دي على مقاسك."

وسام: "بجد؟"

شريف: "آه والله… ومكلفاني 500 جنيه كمان!"

ضحك وسام، لكن عينيه كانتا تقولان شيئًا أعمق من المزاح. في تلك اللحظة، لم يكن الأمر مجرد استعدادٍ لسهرة، بل كان بداية شعورٍ مختلف… كأن العام الجديد بدأ قبل أن تدقّ ساعاته.

كان الموقف كله يحمل خفّةً دافئة، كأن الصداقة نفسها قررت أن تحتفل بهما قبل حلول العام الجديد. نظر وسام إلى النظارة في يده، ثم إلى شريف، وقال ضاحكًا:

وسام: "يعني أنا مصاحب نشّال بقى؟"

شريف (يرفع حاجبيه): "لا أرجوك… حرامي وتايب!"

ضحكا معًا، لكن شريف سرعان ما هدأ قليلًا، وهو يقول بنبرةٍ صادقة:

"دي هدية عيد ميلادك قبل ما ييجي بكرة… كل سنة وانت طيب."

تغيّر وجه وسام، وارتسمت عليه ابتسامة امتنان عميقة، ثم احتضنه بقوة:

"وانت طيب يا شريف… تعرف إني ماليش صحاب غيرك؟ عندي معارف كتير… بس صاحب بجد؟ انت وبس."

شريف (ضاحكًا ليكسر اللحظة): "وليا الشرف يا معلمي… يلا بقى، زمان الموز حمضوا هناك!"

وسام: "يلا يا قليل الأدب… هتودّيني في داهية!"

خرجا من الغرفة، فلاحظت والدته التغيير الواضح في مظهره، ابتسمت بحنان وقبّلته، ثم لوّح لوالده قبل أن يغادرا. كان في خطواته خفّة لم يعتدها، كأن شيئًا جديدًا وُلد داخله.

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت الأجواء لا تقل حماسًا. قادت ميّ سيارتها، وقد جمعت البنات حولها، كلهن يرتدين الأحمر، يضحكن ويتبادلن الحكايات. حتى منّة، التي كانت مثقلة بالحزن، قررت أن تمنح نفسها فرصةً للتنفس.

وصلن إلى الكافيه، فوجدن سامح وممدوح في الانتظار. وما إن دخلوا حتى اندمجوا في الأجواء الصاخبة؛ موسيقى عالية، أضواء متراقصة، وضحكات تتناثر في كل زاوية. الكافيه كان مكتظًا، شبابٌ يحتفلون، وآخرون يرقصون، وكأن المكان ينبض بالحياة.

دخل وسام وشريف بدورهما، وتوقّف وسام لحظة يتأمل المشهد. كانت هذه أول مرة يسهر فيها بهذا الشكل، وشعر بمزيجٍ من التوتر والفضول.

وسام (بصوت منخفض): "هو احنا هنلاقي مكان أصلًا؟"

شريف (وهو يشق طريقه): "سيبها عليا بس… الليلة دي بتاعتنا!"

وبينما كان شريف يحاول إحضار مشروبين لهما، اصطدم فجأة بفتاة من شدة الزحام، فكاد الكوب أن ينسكب.

شريف: "آسف!"

الفتاة (تضحك بخفة): "لا عادي… الحمد لله العصير مادقش على هدومي!"

تنفس شريف الصعداء: "طب يا ستي اتسترت."

توقّفت الفتاة لحظة، ثم نظرت إليه بتدقيق، وضيّقت عينيها كأنها تحاول استرجاع ذكرى بعيدة:

"ثواني كده… أنا أعرفك!"

شريف (مازحًا): "يبقى أكيد علّقتِك قبل كده!"

الفتاة (متعجبة): "أفندم؟!"

شريف (معتدلًا): "قصدي… شفتيني فين؟"

اقتربت خطوة، وقالت بثقة:

"مش انت شريف بتاع كلية تجارة القاهرة؟ اللي طلعت رحلة أسوان وانت في رابعة؟"

تجمّد قليلًا، يحاول التذكر.

"رحلة أسوان…؟"

الفتاة بحماس: "أيوه! كنت أمين اتحاد الطلبة… فاكر سوسن؟ سوسن عبدالله!"

أضاءت ملامحه فجأة:

"سوسن عبدالله… بتاعت السكرتارية؟ آه!"

ابتسمت: "أنا أختها… كنت طالعة معاكم الرحلة، كنت في تالتة ثانوي ساعتها."

اتسعت عيناه بدهشة:

"ياااه… بس انتي كنتي صغيرة أوي!"

ضحكت بثقة:

"أهو كبرت بقى… واتخرجت وبشتغل دلوقتي."

مال قليلًا للأمام، وقد عاد إليه فضوله:

"بتشتغلي فين؟"

وفي تلك اللحظة، وسط الضجيج والموسيقى، بدا أن صدفة صغيرة قررت أن تفتح بابًا لحكايةٍ جديدة، لم يكن أيٌّ منهما يتوقعها.

❈-❈-❈

بدت أمنية أكثر ثقةً وهي تُخبره، في لهجةٍ يغلب عليها الاعتزاز، أنها قد كبرت وتخرّجت، وأنها تعمل حاليًا في مكتبٍ خاص للحاسبات والكمبيوتر تمتلكه مع بعض أصدقائها. استمع شريف بإعجاب، ثم أخبرها بدوره أنه يعمل في خدمة العملاء بإحدى شركات الاتصالات. أبدت دهشتها بإعجابٍ واضح، قبل أن ينتقل الحديث سريعًا إلى الماضي، حين سألها عن شقيقتها سوسن. أخبرته أنها بخير وقد تزوّجت، فداعبها مازحًا عمّا إذا كانت قد أنجبت طفلًا يُسمّى باسمه، لتضحك مستغربة، فيؤكد أنه كان يمزح فحسب.

لم يطل الحديث حتى سألها إن كانت بمفردها، فأجابته بأنها جاءت مع أصدقائها، واقترحت أن تعرّفه عليهم. قادته إلى الطاولة حيث يجلسون، وقدّمت له المجموعة واحدًا تلو الآخر. وما إن وقع بصره على ميّ حتى توقّف، كأن ذاكرةً بعيدة تحاول أن تستيقظ. سألها مترددًا عن مكان سكنها، وبدأ يصف العمارة والشارع، لكنها لم تتعرّف عليه في البداية. حاول أن يُذكّرها بموقفٍ قديم في المصعد، حين اصطدمت به وجمعت أوراقها المتناثرة، فبدت الدهشة على وجهها فجأة، قبل أن تتذكره، وتُعلّق بسخريةٍ لاذعة، مُشيرةً إلى صداقته بوسام.

في تلك اللحظة، كان وسام يقترب منهم، وقد لاحظ تأخر شريف. تساءل بنبرةٍ متعجبة عن سبب تأخّره في إحضار المشروب، لتنفجر ميّ بالضحك وكأنها وجدت في الموقف فرصةً جديدة للمزاح. أما شريف، فبدا مستمتعًا بالمصادفة، وسأل أمنية عن اسمها مجددًا ليُعيد تقديمها، موضحًا أنها شقيقة زميلته القديمة، وأنه التقاها صدفةً هنا، لتتداخل الخيوط أكثر بينها وبين أصدقاء ميّ.

تقدّمت منّة بخطوةٍ خجولة، لكنها كانت مبتسمة بشدة، ورحّبت بوسام بحرارةٍ لافتة، كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة. بادلها التحية بلطف، بينما لم تفوّت ميّ الفرصة لتعليقٍ ساخر على مظهره الجديد، مشيرةً إلى أناقته بطريقةٍ تحمل مزيجًا من الإعجاب والاستفزاز. لم يُخفِ وسام انزعاجه الخفيف، وردّ ببرودٍ مقتضب، لتزداد سخريتها وتصفه بالثقل.

تقدّم ممدوح وسامح بدورهما للترحيب، وساد جوٌّ من الألفة السريعة. لم ينسَ وسام أن يسألهم إن كانوا قد شهدوا شجاره الأول مع ميّ، فأكّدت غادة ذلك، معتذرةً بلطف ومُبرّرةً تصرّفات صديقتها بأنها تميل إلى المزاح الثقيل. أما منّة، فأوضحت أنها لم تكن حاضرة حينها، وأنها حاولت لاحقًا أن تُعاتب ميّ على أسلوبها.

لم تُعلّق ميّ على الحديث، بل انسحبت قليلًا نحو ساحة الرقص، واندمجت مع الموسيقى، وسحبت معها أمنية لتُكمل معها الحديث حول شريف وتلك المصادفة الغريبة. في هذه الأثناء، أبدى وسام تسامحه، مؤكدًا أن الأمر انتهى ولا يستحق الوقوف عنده.

اقترب شريف منه مجددًا، وهمس له بنبرةٍ مازحة أنه سيبتعد قليلًا ليُحسّن الأجواء ويمنحه مساحةً، مشيرًا بطريقةٍ ساخرة إلى ضرورة أن يتصرّف بشكلٍ أكثر انطلاقًا وألا يتوتّر، ومؤكدًا أن أحدًا لن “يختطفه” كما يظن. ابتسم وسام على مضض، وتركه يبتعد.

جلس بعدها مع المجموعة، يتبادل الحديث مع غادة وممدوح وسامح، بينما كانت منّة تُبدي اهتمامًا واضحًا به، تنظر إليه بانتباهٍ وتشاركه الحديث بحماسٍ ملحوظ. كان الجو يزداد دفئًا، رغم صخب المكان.

لكن ميّ عادت مجددًا، وكأنها لم تكتفِ بعد، وحاولت أن تجمع الفتيات وتُبعدهن عن الطاولة، إلا أن غادة رفضت هذه المرة بهدوءٍ حازم، مؤكدةً أنهم سيبقون في أماكنهم، وأنه لا داعي للانصراف، في إشارةٍ واضحة إلى أن الأمور بدأت تأخذ مسارًا مختلفًا عما اعتادت عليه ميّ.

❈-❈-❈

تبدّل الجوّ فجأةً عند الطاولة، بعدما حاولت ميّ أن تفرض سيطرتها المعتادة على المكان. ابتسم وسام ابتسامةً خفيفة، ثم نظر إليها بنظرةٍ تحمل قدرًا من المزاح، وقال:

وسام: "روحِي انتي اقعدي لوحدك هناك… ههههههه، أقولك في ألعاب أطفال، اتسلّي هناك شوية."

رفعت ميّ حاجبيها باندهاشٍ مصطنع، ثم أخرجت لسانها له في تحدٍّ طفولي:

مى: "دي تروح تلاعب فيها أحفادك يا جدو… يا أبو سيشوار!"

ضحك من حولهما، وانكسر التوتر في لحظةٍ عابرة، لكن قبل أن يستمر الجدال، حدث ما لم يتوقعه أحد.

انطفأت الأنوار فجأة في الكافيه بأكمله.

ساد صمتٌ قصير، تبعته همهمات متسائلة، ثم بدأ ضوءٌ خافت يقترب تدريجيًا. التفتت الأنظار جميعها نحو مصدره، حيث ظهر شريف، يسير بحذرٍ بين الطاولات، يحمل بيديه تورتة كبيرة، تتلألأ فوقها الشموع.

كانت تحمل صورة وسام، وإلى جوارها رقم (31) مضيئًا بوضوح.

وفي اللحظة نفسها، ارتفعت الموسيقى في المكان، وانطلق صوت الجميع يغنّي:

"هابي بيرث داي تو يوووو…"

تجمّد وسام في مكانه، وكأن الزمن توقّف للحظة. اتسعت عيناه بدهشةٍ صادقة، وارتسمت على وجهه ملامح لم يعتدها، مزيج من الذهول والفرح الخالص.

اقترب شريف منه ببطء، يبتسم بفخرٍ واضح، ثم وضع التورتة أمامه، وانحنى قليلًا ليقبّله على خدّه قائلاً:

شريف: "كل سنة وانت طيب يا صاحبي."

لم يستطع وسام الرد فورًا. شعر بحرارةٍ غريبة تتسلل إلى وجهه، حتى احمرّت وجنتاه دون أن يشعر. كانت تلك أول مرة منذ زمنٍ طويل يحسّ فيها بهذه الدرجة من السعادة المفاجئة.

نظر حوله، فوجد الجميع يصفّقون ويبتسمون، حتى ميّ كانت تراقب المشهد بصمتٍ مختلف هذه المرة، خالٍ من السخرية.

ابتلع وسام تأثره بصعوبة، ثم نظر إلى شريف بعينين لامعتين، وقال بصوتٍ منخفض لكنه صادق:

وسام: "انت مجنون… بس أحلى مجنون في الدنيا."

ضحك شريف، بينما ظلّ وسام ينظر إلى التورتة، غير مصدّق أن لحظةً كهذه يمكن أن تكون له… بعد كل هذا الوقت من الاعتياد على الهدوء، وربما الوحدة.

❈-❈-❈

انطفأت الأنوار فجأة في أرجاء الكافيه، فغرق المكان في ظلامٍ مفاجئ أربك الحاضرين للحظة، قبل أن يتسلل خيطٌ خافت من الضوء من جهة المدخل. كانت الموسيقى قد توقفت، وساد صمتٌ قصير يحمل في طياته ترقبًا غامضًا. في تلك اللحظة، ظهر شريف، يتقدم بخطواتٍ محسوبة، يحمل بين يديه طاولة صغيرة فوقها تورتة كبيرة، تتوسطها صورة وسام، وتتوهج فوقها شموع تحمل الرقم واحد وثلاثين.

ما إن اقترب حتى انطلقت الموسيقى مجددًا، هذه المرة بنغمةٍ مألوفة: “هابي بيرث داي تو يووووو…”

تجمّد وسام في مكانه، وقد انعكس الضوء الخافت على ملامحه التي تحولت سريعًا إلى لونٍ أحمر دافئ. لم يكن يتوقع شيئًا كهذا. في داخله، كان هناك شيء قديم يتحرك… إحساس غائب منذ زمن، كأن الفرح طرق بابه بعد طول غياب.

اقترب شريف منه، وضع التورتة أمامه، ثم مال نحوه وقبّله على خده وهو يقول بابتسامة صادقة: “كل سنة وانت طيب يا وسام.”

تلعثم وسام قليلًا، وابتسم بتأثر واضح: “بس ده لسه بكرة عيد ميلادي…”

رد شريف وهو يرفع حاجبه بمكر: “مش مهم… عشان أبقى أول واحد احتفلت بيك.”

ضحك وسام بخفة، ثم فتح ذراعيه فجأة: “أنا مش عارف أقولك إيه… هات حضن يااض!”

ضحك شريف وهو يحتضنه بقوة: “أمووووت في الأحضان يا عم الحج!”

اقتربت منة، وقد بدت عليها الدهشة: “إيه ده؟ عيد ميلادك النهارده؟”

رد وسام مبتسمًا: “لا بكرة… بس شريف عنده فرق توقيت خاص.”

ضحكت منة وقالت: “كل سنة وانت طيب… لو كنا عرفنا كنا جبنا هدية بقى.”

“ميرسي ليكي جدًا”، قالها وسام بنبرة ممتنة.

تقدمت أمنية وهي تلوّح بيدها بحماس: “كل سنة وانت طيب يا عم وسام! وعشان الصحوبية اللي من غير معاد دي… أي مشروب على حسابي الخاص بمناسبة بلوغك!”

ثم توقفت فجأة وهي تنظر إلى الشموع: “إيه ده؟! إنت عندك 31 سنة؟!”

مال وسام ناحية شريف وهمس له بامتعاضٍ ساخر: “الله يسامحك… يعني يوم ما تفرحني تفضحني!”

ثم نظر إلى أمنية وقال بثقة مصطنعة: “أيوة… في مشكلة؟”

ابتسمت أمنية: “لا خالص… ميبانش عليك!”

وفي تلك اللحظة، كانت مي تقترب من بعيد، تراقب المشهد بابتسامةٍ خفيفة تحمل شيئًا من السخرية. تقدمت بخطواتٍ واثقة، ثم التقطت السكينة بسرعة وقالت: “يلا يا جماعة ناكل تورتة جدو ويسو اللي عنده 55 سنة النهارده!”

قبل أن تكمل، أمسك وسام يدها بقوة، ورفع السكينة من بين أصابعها، ثم دفعها للخلف قليلًا وهو يقول بحدة: “لو كل الناس مش هتاكل منها وفضلت واترمت… أفضل إنها تترمي عن إنك إنتي تاكلي منها يا تيتة تفيدة.”

اتسعت عينا مي بدهشة، ثم قالت بتهكم: “أوووووه! بخيييييل أوي كده؟!”

رد وسام وهو يقلد نبرتها بسخرية: “إيييييااااه…”

ثم رمقها بنظرة تحمل ضيقًا واضحًا، قبل أن يشيح بوجهه عنها.

تدخل شريف سريعًا ليكسر التوتر، وهو يصفق بيديه: “طب يلا يا جماعة… كلنا بصوت واحد!”

تجمعوا حول وسام، وارتفعت أصواتهم في انسجامٍ مرح: “هابي بيرث داي تو يو…”

ابتسم وسام، نظر إلى الشموع المتراقصة أمامه، ثم أخذ نفسًا عميقًا. في تلك اللحظة، لم يكن يفكر في العمر، ولا في السنوات التي مضت، بل في هذا الشعور الدافئ الذي أحاطه فجأة.

“بسرعة بقى!” قال شريف ضاحكًا، “عشان نطفي الشمع قبل ما يسيح!”

ضحك الجميع، بينما مال وسام للأمام، وأغمض عينيه للحظة قصيرة… ثم نفخ الشموع، وكأنّه يطفئ معها كل ما كان ثقيلًا في قلبه.

❈-❈-❈

ارتفعت الأصوات داخل الكافيه فجأة، واختلطت الضحكات بالموسيقى، بينما وقف الجميع حول وسام، يرددون بصوتٍ واحد، من يعرفه ومن لا يعرفه: “هابي بيرث داي تو يووووو…”

كان المشهد صاخبًا، عفويًا، ومليئًا بطاقةٍ غريبة من الفرح. والغريب أكثر… أن مي كانت تردد معهم، تضحك بلا تحفظ، وكأنها لم تكن قبل ساعات قليلة على استعدادٍ لإفساد أي لحظة تخصه. ابتسامتها هذه المرة لم تحمل تلك النية المعتادة، بل بدت… مختلفة.

انحنى وسام قليلًا، وأطفأ الشموع وسط تصفيق الجميع، وفجأة أطلق شريف صاروخًا ورقيًا لأعلى، فتطايرت أوراق الزينة في الهواء كأنها مطرٌ ملون، زاد المشهد بهجةً وصخبًا.

بعدها، بدأت لحظة توزيع التورتة. كلٌ أخذ نصيبه، بينما كانت منة تلتصق بالمشهد بحماسٍ طفولي. أما مي، فاقتربت بخبثٍ واضح، وقالت وهي تمد يدها: “هات حتة بقولك…”

نظر لها وسام بحزم: “لا يا مي.”

لكنها لم تنتظر، بل غمست إصبعها سريعًا في قطعة التورتة أمامه، وأخذت قليلًا من الكريمة، ثم أكلتها وهي تخرج له لسانها في استفزازٍ طفولي.

في لحظة، تبدل وجه وسام، وضرب الطبق على الطاولة بغيظ: “جاتك القرف!”

انفجرت مي ضاحكة، غير مبالية، وكأنها حققت انتصارًا صغيرًا.

لم يدم التوتر طويلًا، إذ عادت الأغاني تعلو من جديد، واشتعلت الأجواء. دخل شريف وسط الزحام، شدّ وسام من ذراعه ودفعه نحو ساحة الرقص.

“مش هرقص أنا!” قالها وسام وهو يقرب فمه من أذن شريف بسبب الصوت العالي.

رد شريف وهو يصرخ ضاحكًا: “لاااااااا ده عند أمك هناااااااك!”

وسام: “ولاااا؟!”

شريف: “النهارده خمر ونساء نياهاهاهاهاها!”

ضحك وسام رغمًا عنه: “نياهاهاها يا أبو لهب!”

“آآآه جت!” قالها شريف وهو يصفق.

في تلك اللحظة، اقتربت منة، ومدّت يدها نحو وسام: “طب تيجي ترقص معايا؟ أصل غادة بترقص مع ممدوح، وأمنية شبكت مع شريف… وأنا لوحدي سنجل بقى!”

تردد وسام للحظة، لكنه لم يجد مفرًا بعد دفعة خفيفة من شريف، فاستسلم وبدأ يرقص معها. لم يكن رقصه صاخبًا كالبقية، بل هادئًا، متزنًا، يعكس شخصيته.

وعلى الطرف الآخر، كانت مي تقف خارج ساحة الرقص، تراقبه.

لكن نظرتها هذه المرة لم تكن كسابقاتها… لم تكن مليئة بالاستفزاز أو الرغبة في المضايقة. كانت نظرة هادئة، طويلة، تحمل شيئًا أقرب إلى… الإعجاب.

شيءٌ غريب لم تعهده هي نفسها.

وكأن سهمًا صغيرًا، غير مرئي، قد انطلق في تلك اللحظة.

انتهت الرقصة سريعًا، فعاد وسام إلى الطاولة، بينما كان شريف وأمنية في عالمٍ آخر، يرقصان بجنونٍ عشوائي، بلا أي نظام.

جلست منة بجانب وسام، وبدأت تتحدث بحماس: “أنا بقى طول عمري بحب القعدة الهادية… والناس البسيطة…”

كان وسام يستمع بهدوء، يهز رأسه بين الحين والآخر. لم ينكر أنه شعر بالراحة معها، وجد فيها بساطةً صادقة، بلا تعقيد.

لكن داخله كان واضحًا: “دي أخت… بس.”

استمرت منة في الحديث، تحكي عن حياتها، أحلامها، تفاصيلها الصغيرة، بينما ظل وسام يؤدي دوره المعتاد… المستمع الجيد.

فهو دائمًا يسمع… لكن نادرًا ما يجد من يسمعه.

وفي زاويةٍ أخرى، جلست مي وحدها للحظات، قبل أن تنهض فجأة وتتجه نحو منة، تسحبها من يدها: “إنتي سايباني لوحدي كده؟!”

منة باستغراب: “في إيه يا مي؟ طب تعالى اقعدي معايا أنا ووسام.”

رفعت مي حاجبها وقالت بسرعة: “لا أنا مقعدش مع الواد ده!”

ضحكت منة بخفة: “ليه ده؟ ده كيوت خالص!”

ردت مي بسخرية وهي تدفعها: “طب روحي يا أختي… يكش تتعدي منه وتبقي كيوت زيه!”

ومشت، لكنها لم تبتعد كثيرًا.

انتهت الليلة أخيرًا، والجميع غارق في سعادةٍ واضحة. ضحكات، صور، ذكريات صغيرة تكوّنت في ساعات قليلة.

الجميع كان مبسوطًا…

إلا مي.

ورغم ذلك، لم تفعل شيئًا. لم تفسد اللحظة، لم تخطط لمقلب، لم تسرق الفرحة كعادتها.

وهنا كان السؤال الحقيقي: ما الذي أوقفها؟

هل هو مجرد مزاجٍ عابر… أم شيءٌ بدأ يتغير بداخلها؟

عادوا جميعًا إلى بيوتهم، خفاف القلوب، مليئين بالتفاؤل، ينتظرون عامًا جديدًا بضحكاتٍ صادقة.

أما وسام…

فكان هذا اليوم مختلفًا.

لم يكن مجرد عيد ميلاد.

بل كان بدايةً لشيءٍ جديد… شيءٍ لم يكن يتوقعه.

❈-❈-❈

في هدوء غرفتها، جلست هويدا أمام شاشة الحاسوب، وقد انعكس ضوء الاتصال على وجهها الذي بدا مرهقًا بعد ليلةٍ صاخبة. لم تكن الحفلة وحدها ما يشغل تفكيرها، بل تلك اللحظة العابرة التي رأت فيها وسام بعد غيابٍ طويل. ترددت قليلًا قبل أن تجري الاتصال بدنيا، التي انقطعت عن الحديث معها منذ أيام، وكأنها تعمدت الاختفاء.

ما إن ظهرت دنيا على الشاشة حتى لاحظت هويدا ذلك الشحوب الخفيف الذي يكسو ملامحها، رغم محاولتها إخفاءه بابتسامةٍ هادئة. بادرتها هويدا بالسؤال، مشوبةً بقلقٍ واضح، عن سبب غيابها، إلا أن دنيا سارعت إلى طمأنتها، متجنبةً الخوض في التفاصيل، ومحوّلةً الحديث إلى أخبارها وأحوال البلاد.

لم تُخفِ هويدا ضجرها وهي تصف الأوضاع بسلبية، لكن دنيا لم تستسغ هذا الحديث، خاصةً في بداية عامٍ جديد، فعاتبتها برفق. إلا أن الحديث لم يلبث أن اتخذ منحىً آخر، حين توقفت دنيا لحظة، وكأنها تستجمع شيئًا من داخلها، ثم اعترفت بأن هذا اليوم يحمل لها قيمةً خاصة.

استغربت هويدا، فسألتها عن السبب، لتفاجئها دنيا بأن اليوم يوافق عيد ميلاد وسام. عندها، تذكرت هويدا على الفور ما رأته في الحفلة، فأخبرتها بأنها صادفته هناك. لم تخفَ لهفة دنيا، إذ اقتربت من الشاشة وكأنها تحاول التقاط أي تفصيلة، أي أثرٍ يدل عليه.

بدأت هويدا تصف ما رأته، مشيرةً إلى أن وسام بدا مختلفًا تمامًا عمّا كان عليه من قبل؛ أكثر حيوية، أكثر انفتاحًا، وكأنه شخصٌ آخر. ومع كل كلمة، كانت ملامح دنيا تتغير تدريجيًا، بين دهشةٍ وقلقٍ خفي.

ثم جاءت الجملة التي أربكت سكونها: أنه كان يرقص.

توقفت دنيا عند هذه النقطة تحديدًا، غير مصدقة، فهذه الصورة لا تتفق مع وسام الذي تعرفه. حاولت أن تستوعب الأمر، لكن المفاجأة لم تنتهِ بعد، حين أضافت هويدا أنه لم يكن يرقص وحده، بل مع فتاةٍ بدت قريبةً منه.

عندها، لم تستطع دنيا إخفاء اضطرابها. لم يكن السؤال الذي طرحته بحثًا عن إجابة بقدر ما كان محاولةً لإنكار ما سمعته. غير أن الحقيقة، مهما بدت بسيطة، كانت كفيلةً بإثارة شيءٍ أعمق بداخلها… شيء لم تستطع تجاهله، رغم كل محاولات التجاهل.


« السابق جميع الفصول التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم