ما تبقى لدي - الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح - الفصل 20 | رانيا الخولي

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: ما تبقى لدي 

الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: رانيا الخولي | الفصل العشرون



بعد أن استقرت حروف اسمه على الورقة اتكأ تميم بظهره للخلف ونظر إلى نادين بمكر لمع في عينيه وقال بنبرة ذات مغزى

_إحنا كدة عملنا بروفة للاسم وطلعت زي الفل ما تيجي بقى يا نادين نعمل بروفة للدخلة يمكن تطلع برضه زي الفل.


عقدت نادين حاجبيها ونظرت إليه بحيرة حقيقية وسألت ببراءة

_ماذا تقصد يا تميم بكلمة الدخلة؟ هل تقصد الدخول إلى مكان ما؟


ضحك تميم بخبث واقترب منها أكثر هامساً

_الدخلة يا نادين يعني ليلة الزفاف اليوم اللي هتكوني فيه ملكي قدام الدنيا كلها.


فهمت نادين مقصده لكنها قررت أن تلاعبه قليلاً وتدعي الجهل فقالت بمكر وهي تبتعد عنه قليلاً 

_آه تقصد يعني رقص العروسين؟ هل سنتدرب على الرقص سوياً؟


نظر تميم إليها باستنكار وارتسمت على وجهه ملامح الغيرة الصعيدية الصارمة

_رجص؟ رجص إيه يا بنت الناس؟ إنتي اتچنيتي؟ تبجي مرات الشيخ تميم وعايزة ترجصي جدام الناس؟ ده أنا أطير فيها رجاب.


تابعت نادين مكرها ببرود مصطنع

_ وماذا في ذلك؟ عمتي نغم أخبرتني بأن القاعة ستكون مغلقة تماماً وباستطاعتنا أن نرتدي ما نشاء ونرقص كما نحب فلن يكون هناك رجال في القاعة.


رد تميم بحدة وهو يضيق عينيه

_وعلى أساس إن يامن أخويا مش هيكون موچود؟ يامن ده راچل ولا مش راچل؟ أنا بجول نلغي الفرح ده خالص ونكتفي بكتب الكتاب، يامن عايز يعمل فرح هو حر أنا هكتب الكتاب بكرة وآخدك ونطلع أوضتنا وخلصنا على اكدة.


ضحكت نادين من غيرته المفرطة وقالت بإصرار

_لا يا تميم أنا أريد أن أفعل فرحاً مثل كل الفتيات.


تنهد تميم بيأس أمام إصرارها ثم قال بلهجة محذرة

_ خلاص يبجى شعرك بس اللي يبان ويامن اكدة ولا اكدة مش هيبص ناحيتك لإنه هيكون مشغول بحنين ومش هيبص نحيتنا بس غير اكدة مفيش.


لمعت عينا نادين بالفرح وفجأة اقتربت منه وطبعت قبلة رقيقة وسريعة على خده وقالت بصوت مبهج

_شكراً لك يا تميم أنت الأفضل.


وقبل أن يستوعب تميم ما حدث أو يحاول جذبها إليه مرة أخرى قفزت نادين من مكانها بسرعة البرق واتجهت نحو الباب وهي تضحك قائلة

_إذن سأذهب الآن لأخبر عمتي نغم بموافقتك.


خرجت من الغرفة وتركت تميم مكانه يلمس خده بيده والابتسامة تشق طريقها لوجهه 


……


في ساحة السرايا الخارجية وقف جاسر بوقاره المعهود يستقبل ضيوفه من الرجال، تقدم سالم ومالك وابنيه يمان وكريم ومعهم سند وابنيه عدي وساهر حيث تعانق الجميع بحرارة وعلت الأصوات بالتبريكات

 _ألف مبروك يا جاسر ربنا يتمم بخير ويجعلها قدم السعد عليكم.


رد جاسر بابتسامة ترحيبية واسعة

 _الله يبارك فيكم يا رجالة نورتوا السرايا مع إنكم جايين متأخرين أوي ده أنا قولت خلاص نسيتونا.


ضحك مالك وهو يربت على كتف جاسر قائلاً

_ نسينا إيه بس يا حاج؟ ده إحنا بعتنالك حريمنا من الصبح بدري عشان يلحقوا التجهيزات، وقعدنا إحنا اتغدينا لحالنا لأول مرة من غيرهم، البيت كان فاضي علينا والله.


قال جاسر وهو يشير لهم بالدخول

_عشان كدة كنت عايزنا كلنا نتجمع على الغدا، بس ملحوقة هنتعشى كلنا مع بعض بعد ما ليلة الحنة تخلص والجو يهدى شوية.


أما في الطابق العلوي وتحديداً في قاعة النساء كانت الأجواء تضج بالحيوية انتهت نادين من ارتداء ثوب الحناء الذي اختارته لها ليال كان ثوباً طويلاً من الحرير الناعم لكنه تميز بحمالات رفيعة تبرز رقة كتفيها بشكل لافت

 نظرت نادين إلى انعكاس صورتها في المرآة بانبهار ممزوج بالقلق وسألت ليال بالفصحى

 _من اختار هذا الثوب يا ليال؟ إنه جميل جداً، لكنه جريء.


قالت ليال بفخر 

_ أنا طبعاً اللي اخترته قولت لازم نادين تظهر النهاردة بشكل مختلف تماماً.. بس خلي بالك أنا اخترته من ورا تميم لأنه لو عرف إني جبتلك فستان كدة هينفخني حرفياً.


قطبت نادين جبينها بحيرة وقالت بنبرة قلقة

_ إذاً تميم لا يعرف شيئاً عن هذا الفستان، وتريدين مني أن أرتديه؟ أنتي تعلمين مدى غيرته يا ليال.


تدخلت تاليا بروية وهي تحاول طمأنتها

_ ليه لأ يا نادين؟ إحنا هنكون بنات مع بعضنا، ومفيش أي راجل غريب هيدخل هنا إحنا وعماتنا وبنات خالتنا وأهل ماما مش أكتر، ومفيش تصوير بالموبايلات يعني متقلقيش خالص.. استمتعي بجمالك النهاردة.


هزت نادين رأسها بحيرة وقالت

_ أنا لست قلقة من وجود الغرباء، لكنني أعرف تميم جيداً لن يوافق على أن أرتدي شيئاً كهذا حتى أمام النساء، هو يرى أن جمالي ملك له وحده.


في تلك اللحظة طرق الباب بخفة فسمحت ليال بالدخول.، دلفت مجموعة من الفتيات الجميلات وهن بنات خالاتهن اللواتي جئن للمشاركة في الفرح، دخلت نورين ونغم ابنتا مالك ومعهن وفدوى وفرحة ابنتا عدي ووعد

تعالت صرخات الترحيب والقبلات بين الفتيات وبدأت الغرفة تمتلئ بضحكاتهن

نظروا إلى نادين وقالوا بانبهار

_ما شاء الله اللهم بارك عروسة زي القمر.


قالت فدوى 

_انا عارفة إن تميم ابن خالتي ده مش سهل ابدًا لما وقع وقع واقف.


قالت فرحة بمزاح

_لا اهدي كدة وامسكي الخشب خلي الليلة تعدي على خير.


ساد الضحك بينهم

لكن لاحظت نورين بذكائها وهدوئها المعهود نظرات القلق في عيني نادين وهي تتحسس حمالات الفستان الرفيعة اقتربت منها وهمست لها بصدق

 _نادين.. الفستان يجنن عليكي ومخليكي زي القمر، بس لو حاسة إنك مش مرتاحة أو إن تميم ممكن يزعل بجد بلاش تلبسيه، الفرحة مش بالفستان الفرحة براحة بالك.. طالما عارفة إن ده ضد رغبته، بلاش تفتحي باب للمشاكل في يوم زي ده.


نظرت نادين لنورين بامتنان وشعرت أن كلامها لامس مخاوفها الحقيقية

 فبين رغبتها في أن تبدو جميلة ومختلفة، وبين حرصها على مشاعر تميم ووقاره، وجدت نفسها في حيرة لا يحسمها سوى قلبها الذي يعرف قدر غيرة تميم المجنونة.

_صدقتِ انا لا اريد ان ازعج تميم.


قالت نغم ابنة مالك

_خلاص خليكي لبساه وحطي شال على كتفك وخلاص.


بدأت الفتيات في تشغيل الموسيقى والرقص، بينما بقيت نادين تنظر للمرآة تتساءل إن كانت ستغامر بارتداء هذا الثوب، أم ستستمع لنصيحة نورين وتختار ما يضمن لها ليلة هادئة في أحضان زوجها.

لكن نادين لم تقتنع فقالت لتاليا

_لا لست مقتنعة به تميم لن يقبل سأبدله بآخر.


انبهر الجميع بعقلها وحبها لتميم وحرصها على الا تفعل ما تغضبه

قامت بارتداء واحد آخر بأكمام طويلة فأصبحت اجمل بكثير وأثنى عليه الجميع.


كانت نادين تقف أمام المرآة الكبيرة ترتدي فستاناً أبيضاً رقيقاً يبرز جمالها الهادئ وشعرها منسدل بنعومة خلف ظهرها

كانت تلمس وجهها في المرآة وكأنها تتأكد من حقيقة وجودها وعيناها تحملان ذلك التحفظ المعتاد وشعوراً دفيناً بأن كل هذا البذخ والحب ليس إلا حلماً جميلاً سينتهي بمجرد أن تفتح عينيها على واقع الغربة المرير.


فجأة فتح الباب بهدوء ودخلت امرأتان تفيضان بالرقي والوقار كانت الأولى زينة بملامحها المرحة والذكية التي تعكس شخصيتها كطبيبة ناجحة والثانية شروق التي تحمل في طلتها لمسة من بلاد الغرب حيث تعيش مع زوجها

 توقفتا عند الباب وتجمدت أنفاسهما وهما تنظران إلى نادين


اقتربت شروق بخطوات مرتعشة ومدت يدها لتلمس وجنة نادين برقة وكأنها تخشى أن تتلاشى

_يا حبيبتي يا بنتي.. سنين وإحنا بندور على ريحة فايز في كل مكان ومكنتش أتخيل إننا هنلاقيكي بالجمال والنقاء ده، نورتي عيلتك يا نادين.


نظرت نادين إليهما بحيرة وتحفظ وشعرت بغصة في حلقها وهي تسأل بصوت خفيض

_هل أنتما حقاً عماتي؟ هل لي عائلة كانت تبحث عني طوال هذه السنوات؟


احتضنتها زينة بقوة وضمتها إلى صدرها بحنان يذيب الجليد

_إحنا أهلك يا نادين ودمك هو دمنا وجعك كان وجعنا وغيابك كان غصة في قلوبنا الموت والظروف فرقونا، بس النهاردة ربنا جمعنا عشان نعوضك عن كل لحظة حزن عشتيها لوحدك.


بكت نادين في حضنهما ولأول مرة شعرت بأن هذا ليس حلماً؛ فدفء أحضانهما كان حقيقياً ورائحة العائلة التي تفيض منهما كانت الترياق الذي تحتاجه روحها المكسورة

 نظرت إليهما بامتنان وقالت بلهجتها الفصحى

_كنت أظن أنني وحيدة في هذا العالم وأن الماضي قد ابتلع كل من أحبهم شكراً لأنكما جئتما شكراً لأنكما جعلتما لهذا اليوم معنى حقيقياً.


مسحت شروق دموع نادين برفق وقالت بابتسامة مشجعة

_النهاردة مفيش مكان للدموع يا عروسة النهاردة بداية حياة جديدة وإحنا هنكون جانبك في كل خطوة تميم راجل وسيد الرجالة وهو اللي عرف يرجع لنا درة عيلة التهامي.


ساد جو من السكينة والبهجة في الغرفة وشعرت نادين لأول مرة بأن البيت الكبير لم يعد مخيفاً بل أصبح حصناً يجمع شتات القلوب وأن ميثاق النور الذي ستبدأه اليوم مع تميم محمي بدعوات وحب عائلة عادت من رماد الماضي لتنير حاضرها.


❈-❈-❈


في غرفة حنين

وقفت نغم وروح ووعد مع حنين التي اختارت أخيرًا فستان سماوي تماشى مع لون بشرتها فقالت وعد بانبهار

_الفستان جميل أوي زوقك جميل يا جميلة.


قالت روح بصدق

_والله الفستان وصاحبت الفستان الاتنين جمال.


قالت نغم 

_البنات اخروا اوي قالوا هنخلص مع نادين ونيجي.


قطع جملتها دخول الجميع ومعهم نادين التي انبهر الجميع بجمالها الهادئ قالت وعد 

_ما شاء الله طلعت مش سهل ابدا يا تميم.


اقتربت منها روح لتقبلها

_كنت بقولكم كدة متصدقنيش، ان اللي زي تميم بيقع صح.


بدأت مراسم الحنة حيث جلست العرائس نادين وحنين تحيط بهما النساء وهن يغنين الأغاني التراثية

 كانت نقوش الحنة تتشكل على أيديهن كل نقش يحمل قصة وأملاً

سألتهم نادين بحيرة

_ما هذا؟


قالت ورد التي انحنى ظهرها بفعل السنين وهي نقش الحنة لنادين

_دي بقى يا قلب ستك طقوس اساسية في افراحنا بالصعيد.


كانت نادين تنظر للرسومات بانبهار وحنين أيضاً تنقش لها ليل بحب

 رقصت الفتيات على أنغام الموسيقى وارتفعت أصوات الأهازيج التي تمجد الحب والزواج

كانت نورين وزهور وفدوى وليلى وحبيبة وحنين يرقصن معاً، وكأنهن زهرات متفتحة في بستان واحد

نظرت نادين إلى كل هذا إلى الوجوه الضاحكة إلى الأيدي المتشابكة، إلى العيون التي تفيض بالحب

لم ترى أي أثر للكراهية أو العداء الذي سمعت عنه، رأت عائلات اجتمعت على المحبة ونسيت مرارة الماضي رأت رجالاً ونساءً وأطفالاً يشاركون بعضهم البعض الفرحة، وكأنهم جسد واحد

في تلك اللحظة أدركت نادين أن الصورة التي رسمتها لها الأيام كانت خاطئة تماماً

هؤلاء الناس بكل هذا الترابط وهذا الحب، لم يكونوا أبداً أعداءً بل كانوا عائلة واحدة قوية ومتماسكة تعرف كيف تتجاوز الأحزان وتصنع الفرح

همست لنفسها وعيناها تلمعان بدموع لم تكن دموع حزن بل دموع فهم واعتراف: 

"هؤلاء الناس الكرام لا يمكن أن يؤذوا أحداً أبداً."

 شعرت وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهلها وأن قلباً جديداً بدأ ينبض داخلها قلباً مليئاً بالأمل والمحبة لا بالثأر والكراهية.


……


في اليوم التالي 


في بهو السرايا الواسع وقف جاسر التهامي بشموخه المعهود يتوسط ولديه يامن وتميم، لم يكن جاسر مجرد أب

بل كان الجدار الذي يستندون إليه والصديق الذي يقرأ أفكارهم قبل أن تنطق بها ألسنتهم، كانت نظراته إليهم تفيض بالفخر حنينة مغلفة بوقار لا يكسر هيبته سوى ابتسامة خفيفة تظهر في أوقات الصفاء.


وضع جاسر يده على كتف كل منهما وقال بصوته الرخيم الذي يحمل نبرة مزاح وقورة

_مبروك يا رجالة، بما إنكم اتولدتوا مع بعض في يوم واحد ودلوجت بتكملوا نص دينكم مع بعض في ليلة واحدة يبقى الظاهر كدة ناويين تخلفوا مع بعض ولا دي ممكن تخلفوا فيها؟


ضحك يامن الذي لا تفارقه سرعة البديهة ونظر إلى أخيه بمكر قائلاً

_من جهتي أنا يا ابويا متجلقش أنا جاهز بس اقلق من اللي متجوز بجاله أكتر من شهر ولسه مخلفش ولا حتى سمعنا خبر يفرح.


تجمدت ملامح تميم للحظة من أثر المفاجأة ثم اشتعلت عيناه بحدة مداعبة وهو ينظر ليامن الذي سارع بالاختباء خلف ظهر والده جاسر محتمياً بهيبته، حاول تميم الاندفاع نحو أخيه بغيظ

_تعالي هنا إنت بتقول إيه؟ ده أنا هعلمك الأدب.


رفع جاسر يده بحزم لكن بابتسامة لاحت بالظهور رغم محاولته كبتها مانعاً تميم من الوصول لأخيه

_إيه في إيه؟ اهدى يا تميم هي النسوان هتخسركم بعض من أولها ولا إيه؟ اخوك ميجصدش وبعدين بصراحة أنا كمان مستغرب بس جولت يمكن عشان الشيخ تميم مستني لما العقد يبقى باسمها الحقيقي.


انفجر يامن في ضحكة عالية هزت أرجاء المكان بينما حاول تميم كتم غيظه احتراماً لوالده، لكنه لم يستطع منع نفسه من الابتسام أمام حكمة والده الممزوجة بالدعابة


في تلك اللحظة كانت نغم تهبط الدرج الرخامي بوقارها المعهود فتوقفت تنظر إليهم بدهشة ممزوجة بالفرح

_إيه يا چماعة؟ واجفين اكدة ليه وصوت ضحككم جايب لآخر السرايا؟ ما كل واحد يروح ياخد عروسته ويخلصنا.


نظر تميم إليهم بغيظ مصطنع وهو يتحرك مبتعداً

_ماشي ماشي يا يامن لما نشوف مين اللي هيضحك في الآخر.


بعد أن انصرف الشابان اقتربت نغم من جاسر وسألته بفضول وهي تضع يدها على ذراعه

_كنتوا بتضحكوا على إيه يا جاسر؟ أول مرة أشوف يامن بيضحك بالچمال ده.


جذبها جاسر إليه برفق وانحنى نحو أذنها ليهمس بنبرة تفيض بالعشق الذي لم تهزه السنين

_بجولهم بلاش تبقوا عبط زي أبوكم يوم فرحه وسيبتك تنامي لحالك.


نظرت إليه بغيظ

_دا انت تحمد ربنا اني مقتلتكش وقتها.


غمز بعينيه بمكر

_ما انتي قتلتيني فعلا وقتها بس بعيونك يا عيوني.

احمر وجه نغم خجلاً وابتسمت له بحب، بينما كان جاسر ينظر في عينيها وكأنه يرى فيها كل سنين عمره الجميلة مؤكداً بلمسة يده أن الحب في هذه السرايا هو الأصل وأن الأبناء مهما كبروا سيظلون ينهلون من نبع هذا الترابط الذي بناه الصقر بحكمة وحب.


❈-❈-❈


كان القصر يضيء وأصوات الزغاريد تملأ الساحة الكبيرة التي امتلأت بالمدعوين من كل النجوع والقرى المجاورة


وقف تميم أمام الغرفة 

و كان قلبه يدق بسرعة لم يعرفها من قبل وعيناه تبحثان باستمرار نحو الباب الخشبي الكبير الذي يفصله عنها


فجأة ساد هدوء لم يسبق له مثيل ثم بدأت الزغاريد تتعالى من داخل الغرفة وعلم الجميع أن العروسة قادمة


انفتح الباب ببطء وظهرت نادين

وحينها تجمد تميم في مكانه وكأن الزمن توقف حوله، وكأن الأرض توقفت عن الدوران وكأن كل الأصوات تلاشت فجأة، ولم يبق سوى هي

كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً لكنه بدا كأنه مصنوع من نور لا تطغى عليه تطريزات كثيرة ولا زينة مبالغ فيها تماماً كما أرادت، شعرها الذهبي الطويل منسدل على كتفيها كالحرير وفي عنقها عقد بسيط من اللؤلؤ أهدته إياها نغم ووضعت طوق من الياسمين على رأسها جعلها تبد كأميرة خارجة من كتاب اساطير


لكن ما أسره حقاً لم يكن الفستان ولا العقد

كان وجهها

وجهها الذي كان دائماً يحمل طيف خوف أو أثر حزن بدا الآن كالقمر يتوهج بنور غريب، براءة وهدوء وثقة غامرة عيناها الكبيرتان كانتا تبحثان عنه وسط الزحام وعندما وجدته توقف قلبه للحظة


بدأت تمشي نحوه بخطوات هادئة وكأنها تمشي على الماء وكأن الأرض قد أطاعت أمراً بأن تكون وطئاً لقدميها


لم يشعر تميم بالخطوات التي قطعها نحوها، لم يدرك أنه ترك مكانه وبدأ يمشي في اتجاهها حتى التقت عيناه بعينيها عن قرب، وتوقفت هي أمامه


نظر إليها طويلاً يتأمل كل تفصيلة في وجهها وكأنه يراها لأول مرة وكأنه يقرأ سفراً مقدساً لن ينتهي منه أبداً


تقدم بضع خطوات أخرى، ثم همس بصوت لا يسمعه سواها

_ نادين أنتِ أجمل حاجة عينيا شافتها في الدنيا.


رفعت نادين عينيها إليه بدهشة خالصة، لم تكن دهشة مصطنعة ولا تواضعاً مطلوباً، بل كانت دهشة حقيقية نابعة من أعماق روح لم تسمع هذا النوع من الكلام من قبل


في أمريكا حين كان الرجال ينظرون إليها، كانت عيونهم تتكلم لغة أخرى، لغة الجسد المكشوف لغة الرغبة الآثمة، كانت كلمات المدح التي تسمعها دائماً تدور حول شيء واحد حول جسدها، حول ما يمكن أن يأخذوه منها لم يمدحها أحد من قبل على جمال روحها، على نور وجهها، على نقائها هي كإنسانة

صمتت نادين لحظة ثم فتحت شفتيها المرتعشتين وسألت بصوت خافت كالهمس

_ هل... هل تراني حقاً جميلة يا تميم؟


لم يجب تميم بكلمة بل تقدم خطوة أخرى، ثم أخذ نفساً عميقاً وأخذ يقرأ بصوته الرخيم الهادئ:

ما قيلَ في الحُسنِ إلا بعضُ ما فيكِ من عجبٍ،

وما الشعرُ إلا خجلٌ إذا وُضِعَتْ لكِ مثيله.


ثم نظر في عينيها بعمق وأكمل بصوت اكثر هدوءاً

ولو أنَّ المتنبي رآكِ يومًا لقال مُعتذرًا:

"وقفتُ هنا… فكلُّ الفخرِ صارَ قليلَه."

"""شعر المتنبي…"""


سكت تميم وساد بينهما صمت طويل صمت كان يحوي كل شيء، يحوي كل الكلمات التي لم تقل بعد وكل المشاعر التي لم تجد طريقها للحروف بعد


انهمرت دموع نادين بهدوء ليس حزناً بل لأنها شعرت للحظة أن الله قد أراد لها هذا اليوم، أراد لها أن تسمع هذا الكلام، أن تشعر بأنها ليست مجرد جسد يراه الرجال، بل روح ترى بالقلب قبل العين


همست نادين بصوت مرتعش بلهجتهم التي اكتسبتها منهم

_ تميم أنت أول حد يشوفني كده أول حد يشوفني أنا مش مجرد….. مش مجرد…..


لم تكمل اختنقت دموعها بكلماتها

رفع تميم يده برفق ومسح دمعة كانت تسيل على خدها وقال بهدوء 


_ ششش مش محتاجة تقولي حاجة... عارف كل حاجة وعارف إن اللي جواكي أجمل من اللي برا بمية مرة.


ابتسمت نادين من بين دموعها، ابتسامة صافية وقالت بلهجتها الفصحى التي كانت تتقنها

_ أتحبني؟


قال تميم بثقة غامرة

_ بحبك يا نادين مش عشان شكلك ولا عشان عيونك بحبك عشان إنتي إنتي... عشان الروح اللي جواكي اللي اختارت تكون طيبة بالرغم من كل الوجع، عشان إنتي فضلتي زي ما إنتي بالرغم من إن الدنيا حاولت تكسرك


وضعت نادين يدها المرتعشة في يده وشعرت للحظة بأن الرعشة التي كانت تسكن أصابعها منذ سنوات لم تكن رعشة خوف هذه المرة، بل رعشة حب، ورعشة يقين بأنها أخيراً وصلت إلى مكان آمن


_ دلوقتي بقيتي مراتي رسمي وأنا مش هسيبك أبداً طول ما فيا نفس.


أغلقت نادين عينيها وشعرت بأن آدم الذي كان يحميها هناك في أمريكا، آدم الذي مات من أجلها كان يبتسم لها الآن من السماء، راضياً مطمئناً، لأنه تركها في الأيدي الأمينة أخيراً


نظرت نادين إلى تميم ثم إلى السماء التي بدت في تلك الليلة مضاءة بألف نجم وقالت في قلبها

"آدم... أنا بخير... أنا أخيراً بخير"


❈-❈-❈


 من خلف جبال النجع الذي جمع فيه بيتان متجاوران على فرحين في وقت واحد زينت ساحة القصر الكبرى بالأضواء والزينات، وامتلأت المدخل برائحة البخور والياسمين التي مزجتها رياح الصباح اللطيفة


أما في الملحق الصغير بالحديقة، حيث تقيم حنين مع والدتها منذ أسابيع فكان الهدوء مختلفاً.


وقف يامن أمام باب الملحق الخشبي العتيق، كان يرتدي بدلته السوداء الأنيقة 

 مرت يداه على شعره المنسدل قليلاً على جبينه ثم تنهد بعمق.


كان يسمع من خلف الباب أصواتاً خافتة ضحكات حنين المكبوتة ونصائح والدتها المتكررة، وقعقعة أحذية العروس وهي تحاول المشي بثقل فستانها الأبيض.


لم يتمالك يامن نفسه فرفع يده وطرق الباب ثلاث طرقات متزنة

فتح الباب قليلاً وظهر وجه تالين وهي تبتسم له ابتسامة عريضة

_ممكن اعرف حضرتك جاي ليه دلوقت؟


ابتسم يامن لأخته 

_انا لقيت نادين خلصت قلت يبقى هي كما خلصت.


افسحت له الطريق

_هي فعلا خلصت اتفضل.


كانت حنين تقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة على حائط الغرفة وظهرها إليه لم تنتبه لوجوده

 كان فستانها أبيض ناصعاً بقصة كلاسيكية بسيطة تعكس شخصيتها العملية 

اقترب يامن ببطء حتى وقف خلفها مباشرة

_العروسة خلصت ولا لسة.


استدارت مسرعة ونظرت إليه بلهفة

_يامن؟! انت دخلت امتى؟


طافت عينيه على ملامحها الهادئة

_لسة حالاً، مش قادر استنى يا حنين أنا بحس إن الساعات اللي فاتت دي كانت أطول من شهرين من أول ما دخلتي مكتبي.


نظرت إليه حنين وابتسامة خفيفة رسمت على شفتيها بخجل وحاولت تغيير حديثه

_يامن أنت عارف إن أنا مش من النوع اللي بيحب الأضواء والزحمة بس النهاردة بحس إن كل حاجة مختلفة.


أدارها يامن بلطف لتواجهه ونظر إلى عينيها الخضراوين اللتين تلمعان بدموع مكتومة

_إنتي النهاردة أجمل حاجة شوفتها في حياتي يا حنين مش عشان الفستان أو المكياج لأ عشان النور اللي في عينيكي النهاردة مختلف النهاردة إنتي مش بس دكتورة حنين، ولا حتى خطيبتي النهاردة إنتي مراتي، وشريكة عمري.


ارتعشت شفتا حنين وحاولت أن تبتسم فسالت دمعة من عينها اليمنى

_يامن.. أنا خايفة.


تفاجئ يامن قليلاً وسألها بحنان

_من إيه يا حنين؟ من الجواز؟


هزت رأسها بالنفي وقالت بصوت مرتعش

_مش من الجواز أنا خايفة إني أكون مش قد المسؤولية إنت عارف إن أنا عشت عمري كله بحاول أثبت نفسي إن أنا دكتورة ناجحة وإن أنا أقدر اعتمد على نفسي بس دلوقتي….


أمسك يامن وجهها بين كفيه وأزال دمعة أخرى بسبابته بحنان

_شوفي يا حنين أنتِ مش مضطرة تثبتي حاجة لأي حد، لا ليا ولا لأهلي ولا لأي حد في الدنيا إنتي كفاية عليكي اللي عشتيه لوحدك من النهاردة وإحنا الاتنين سوا أنا هكون سندك زي ما انتي هتكوني سندي مش لازم تكوني قد المسؤولية لوحدك دي مسؤوليتنا إحنا الاتنين.


بكت حنين بصمت لكنها لم تشعر بالضعف هذه المرة شعرت بأن يامن يمتص كل خوفها بنظراته الدافئة

_أنا بحبك يا يامن أنا ماقولتهاش قبل كده، بس أنا بحبك من يوم ما دافعت عني قدام القاضي وقلتله: 

دي دكتورة أنقذت مريض ومحدش هياخد حقها منها.

ساعتها عرفت إن أنا مش بس لقيت محامي، أنا لقيت إنسان.


ابتسم يامن ومسح آخر دموعها بقبلته الأولى على جبينها

_وأنا بحبك يا حنين من يوم ما شوفتك واقفة قدامي في مكتبي خايفة بس رافعة راسك، عارف إن إنتي أقوى إنسانة هتقابلني في حياتي وإني هفضل جنبك للأبد.


فتح الباب فجأة ودخلت والدتها بصحبة نغم وليال 

صرخت تاليا بحماس

_كفاية دلع بقى العريس التاني مستني على آخره هناك.


فتح الباب فجأة، ودخلت والدتها بصحبة نغم وليال 

صرخت تاليا بحماس

_كفاية دلع بقى العريس التاني مستني على آخره هناك.


❈-❈-❈


في تلك الليلة اختلطت رائحة البخور الصعيدي الفاخر برايحة الورود وتلألأت الأضواء كنجوم هبطت وجوه الجميع


في صدر القاعة وقف تميم ويامن كجبلين من الهيبة يرتديان بدلتهما السوداء التي زادتهما وسامة وشموخاً.


التفت تميم نحو يامن ولاحظ ارتعاشة خفيفة في يده وهو يسوي ربطة عنقه فهمس له بصوت رخيم يحمل مودة الأخوة

_مالك يا سيادة المستشار؟ يظهر إن المحاكم والقضايا أهون بكتير من الوقفة دي؟


ضحك يامن ضحكة قصيرة خرجت من أعماق قلبه المتوتر، وأجاب وهو يتنفس بعمق

_صدجت يا تميم أنا اللي وقفت قدام أصعب القضاة ومتهزتش النهاردة حاسس إن رجلي مش شايلاني الرهبة دي مكنتش أتخيلها واصل.


ربت تميم على كتفه بقوة وتهكم

_اومال فين الثقة اللي كنت بتتكلم بيها قدام أبوك؟


انفتحت الأبواب الخشبية الكبيرة، وكأنها تفتح بوابة لعالم من الأحلام

خرجت نادين أولاً فحبست الأنفاس

 كانت تبدو كقطعة من النور اخذت من القمر 

فستانها الأبيض ينساب حول جسدها الضئيل برقة وشعرها الأشقر ينسدل على كتفيها كسلاسل من ذهب خالص يلمع تحت الأضواء ويتمرد مع كل خطوة


كانت عيناها الزرقاوان تائهتين في البداية تبحثان عن مرفأ حتى التقت بعيني تميم في تلك اللحظة ذاب الخوف القديم وتلاشت أشباح الماضي

 مد تميم يده نحوها وعندما لمست أصابعها كفه العريضة جذبها إليه برفق وسحبها إلى عالمه الخاص، انحنى نحو أذنها وهمس بصوت يرتجف بالعشق

_النهاردة يا نادين إنتي مابقتيش روزا الغريبة ولا نادين الهاربة، النهاردة إنتي نادين تميم التهامي يعني ملكي وروحي، وعوضي اللي هفديه بدمي

مفيش قوة في الأرض هتقدر تلمس شعرة منك تاني.


نظرت إليه نادين ولأول مرة لم يكن هناك ارتعاش في يدها بل كان هناك بريق انتصار في عينيها

ابتسمت له بامتنان جعل قلبه يخفق بعنف وشبكت أصابعها بأصابعه بقوة وكأنها تعلن للعالم أن هذا الرجل هو وطنها الوحيد


ثم سكن الضجيج مرة أخرى وخرجت حنين

توقفت حنين عند العتبة غمرها الضوء فجأة فبدت كأنها تخشى التقدم فستانها البسيط الأنيق كان يجسد شخصيتها المترفعة، وشعرها العسلي يحيط بوجهها كإطار للوحة فنية نادرة، وقف يامن ينظر إليها بذهول وكأن كل القوانين التي حفظها قد تلاشت أمام قانون جمالها.


تقدم نحوها بخطوات واثقة وعندما وصل إليها لم يكتفي بإمساك يدها، بل رفعها بوقار شديد إلى شفتيه وطبع عليها قبلة طويلة وكأنه يعتذر لها عن كل لحظة انكسار عاشتها قبله همس لها 

_حنين أنا آسف إني اتأخرت عليكي كل السنين دي كان لازم أكون جنبك من زمان عشان أحميكي من غدر الناس بس وعد مني من اللحظة دي مفيش دمعة هتنزل من عينيكي إلا وتكون دموع فرح أنا هعوضك عن كل اللي فات وهخلي الدنيا كلها تحلف بحبك.


اغرورقت عينا حنين بالدموع لكنها كانت دموعاً طاهرة تشرق بالحب وردت بصوت خفيض يملؤه اليقين


_إنت عوضتني يا يامن من أول يوم شفتك فيه من أول مرة حسيت إن فيه ضهر بستند عليه ومبيكسرنيش أنا مش عايزة تعويض من الدنيا أنا عايزة أفضل جنبك وبس.


سار الثنائيان وسط تصفيق وزغاريد ملأت المكان وتحت نظرات جاسر ونغم التي كانت تفيض بالدموع والفخر، كانت ليلة لم تشهد السرايا مثلها ليلة تزاوجت فيها القوة بالرقة، والعدل بالرحمة ليعلن الجميع أن عائلة التهامي قد كسبت اليوم ليس فقط زوجات لأبنائها، بل أرواحاً جديدة أعادت للحياة معناها الأصيل.

« السابق جميع الفصول التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم