أحفاد إلياس - الفصل 10 | زينب سعيد القاضي

قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: أحفاد إلياس

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: زينب سعيد القاضي | الفصل العاشر



تجربنا الحياة على أن نسلك طرق نجلها، ونسير بها في دروب جديدة علينا لا نعلم ما تخبئه أنا، وما تخفيه هنا. ولا من سنجده في طريقنا إما يأخذ بيدنا إلى نعيم لا نبصره، إما أن تلقينا في جحيم أبدي لا ندركه بعد. كل هذا ونحن مسلوبين الإرادة ومكتوفي اليد. كل ما علينا فعله هو التسليم ورفع الراية بها.


وفي غمرة هذا الصمت المفروض علينا، نتعلّم كيف ننصت لخطواتنا فوق رصيف الحيرة. لسنا سوى عابري سبيل في روايةٍ كُتبت فصولها قبل أن نولد، نرقب تحولات المَشاهد بقلوبٍ وجلة وعيونٍ تترقب وميضاً في نهاية النفق. ومع كل تعثر، ندرك أن التسليم ليس دائماً علامة انكسار، بل هو أحياناً الهدوء الذي يسبق التصالح مع الأقدار، والاعتراف بأننا، ورغم قلة حيلتنا، ما زلنا نملك القدرة على الصمود في وجه العاصفة، حتى وإن غابت عن أعيننا الخريطة.

❈-❈-❈

كانت تجلس في السيارة في انتظار عودته، ولكن ما أن أبصرت سيارة آزاد تقف في الجهة المقابلة، وزجاج السيارة يفتح رويدًا رويد، ويطل وجه هذا البغيض ملقيًا لها ابتسامة ماكرة قبل أن يخرج مسدسه من جيبه موجهًا فوهة المسدس تجاه إلياس الذي يقف مواليًا إياه ظهره، لم تدري بنفسها سوى وهي تهبط من السيارة وتركض صوبه وهي تصرخ بإسمه بأقوى صوت لديها تكاد تجزم أن أحبالها الصوتية أوشكت على الانقطاع.


في نفس اللحظة التي وصلت إليها عند إلياس، تحركت سيارة آزاد بسرعة فائقة تاركة خلفها عاصفة ترابية شديدة، تزامنًا مع التفات إلياس تجاه وتين بصدمة، وهو يطالعها بقلق شديد:

-مالك في إيه؟


توقفت الكلمات بحلقها لا تدري بما تنطق ولا ما تقوله من الأساس، أيقظها من حالتها تلك سؤاله القلق:

-إنتِ كويسة؟


ظلت ترمقه بنظراته شاردة حتى شعرت بدوار يصيب رأسها لم تدري بنفسها بعد ذلك إلا على صوت صراخه باسمها.

-وتين……لااااااا….

❈-❈-❈

استقلت جوار شقيقها السيارة بصمت تام، ينظر لها تارة، وتارة أخرى يتابع القيادة.


عضت شفتيها بتوتر وتساءلت:

-هو في حاجة يا عمر؟


رمقها بنظرات ذات معنى، وتحدث بنبرة حادة:

-يعني مش عارفة.


طالعته باستغراب وقالت:

-عارفة إيه بالظبط هو في إيه يا أبيه؟


أوقف السيارة جانبًا، والتفت لها مواليًا اهتمامه الكامل:

-نوران كانت بتتكلم عن مين؟ هو في حد في حياتها؟


ازدردت ريقها، ونظرت من النافذة وهي تردد بتوتر:

-لا طبعًا وبعدين حتى لو فيه حرف أنا منين؟


ضرب بقبضة يده على عجلة القيادة وصاح بانفعال:

-بت إنتِ متجننيش أنا سامعها بتتكلم معاكي بوداني كانت بتتكلم عن مين؟


كتفت ذراعيها فوق صدرها وتحدثت باقتضاب:

-أنا من رأي تسأل صاحبة الشأن مش أنا.


رفع حاجبه مستنكرًا، وردد حديثها بغيظ:

-أسألها؟ لا والله مش سألتها قدامك وهزأتني؟ 


أشار إلى نفسه باستنكار:

-بقى أنا حتة بت مفعوصة زي دي تكلمني أنا بالطريقة دي؟ أنا عمر إلياس واحدة زيها تعمل معايا كده.


كبتت ابتسامتها، وهتفت بارتباك:

-هنفضل واقفين كده مش هتتحرك إحنا اتأخرنا يا حبيبي.


رمقها بنظرة مشتعلة، وأدار عجلة القيادة وهو يتوعد بداخله إلى تلك النوران.

❈-❈-❈

هبط الدرج بخفة وهو يحمل صغيره بين أحضانه يهدهده مستمتعًا بضحكاته البريئة. ما أن وصل إلى أسفل الدرج وجدها تأتي من الخارج وقفت في مقابلته وأصبح وجهها مواجه لوجهه.


ما أن أبصرت الصغير حتى اتسعت ابتسامتها ومدت يدها كي تحمل الصغير وهي تناديه بلطف:

-صباح الخير يا زوز عامل إيه؟


مد الصغير يده إليها ببراءة فتلقفته على الفور داخل أحضانها وهي تقبله بحب.


بينما وقفت الآخر مكتفًا ذراعيه فوق صدره مبتسمًا بحب فخورًا بها، ويروقه كثيرًا حبها ولطفها مع صغيره، من يراها برفقته يظنها والدته شتان بينها وبين والدته الحقيقة، وعلى ذكر سيرتها امتعض وجهه.


نفض وجهه سريعًا وتوجه بنظراته إليها، وغمغم متسائلاً:

-إنتِ كنتِ فين؟


أجابت باقتضاب:

-كنت بتمشى شوية.


أومأ بتفهم وتسأل بنبرة هادئة:

-فطرتي؟


هزت رأسها نافية بخفة:

-لا مليش نفس.


اتسعت ابتسامته وقال:

-حلو أوي طيب يلا بقى تعالي معايا أنا وزين باشا نفطر سوا ونفتح نفس بعض.


طالعته بتردد خوفًا من مجئ سيرين ورؤيتهم سويًا:

-لا مش هينفع.


قطب جبينه بحيرة وتساءل:

-ليه إيه المشكلة.


ارتسمت ابتسامة ساخرة على زاوية فمها، واستطردت بإبانة:

-لو مراتك نزلت وشافتك الوضع مش هيبقى لطيف.


قهقهه بخفة قبل أن يسترسل حديثه بسخرية:

-بجد؟ على أساس إننا هنأكل على كازينو على النيل. ما إحنا هنفطر على السفرة زي كل يوم إيه إللي جد؟!


أغمضت عينينا بتحسُر، وتدراكت متهكمة:

-ده كان قبل قده وفريد عايش وأنا مر…


قبل أن تكمل حديثها قاطعها بعنف وهو يصيح بها:

-بس أخرسي ولا كلمة إسم فريد ميجيش على لسانك تاني فاهمة ولا مش فاهمة؟


ارتعدت من حدته وتراجعت للخلف، حتى أن الصغير ارتعد هو الآخر وأخفى وجهه في عنقها وهو يبكِ.


مسح على وجهه عدة مرات في محاولة بائسة من في تهدئة حاله، لكن في حضرتها لا يستطع فلديها قدرة فائقة على إثارة استفزازه.


-حصليني على السفرة يا مدام.

نطقها بحدة قبل أن يتركها متوجهًا إلى وجهتها.


طالعت هي أثره، وحركت رأسها بيأس، وحدقت في الصغير، وهتفت ممازحة:

-والله أبوك ده شكله هيجنني يا زوز.


ابتسم الصغير ببلاهة، فتبسمت هي بدورها وقبلت وجهه بحب:

-بتضحك يا حبيبي. ماشي يا بكاش يلا نروح وراه قبل ما يجي ياخدنا من قفانا أبوك قادر ويعملها.

❈-❈-❈

في غرفة الطعام. كانت تجلس هالة على مقعدها بوقار، وفي الجهة المقابلة يجلس أحمد وإلى جواره منى زوجته.


دلف أوس إلى الغرفة ملقيًا تحية الصباح:

-صباح الخير.


ردد الجميع:

-صباح النور.


اقترب من والدته مقبلًا رأسها باحترام:

-أخبارك إيه يا ست الكل؟


ربتت على ظهره بحنان وقالت:

-بخير يا حبيبي طول ما أنتَ بخير.


توجه إلى مقعده وجلس فوقه، ونظراته منصبة تجاه باب الغرفة، دقائق ووصلت وهي تحمل الصغير، ألقت عليهم التحية بأدب وتوجهت إلى مقعدها.


مدت هالة يدها إليها وهي تنادي حفيدها الحبيب:

-زين قلب نانا تعالى.


فكت أسر ذراعيها عنه، وتركت الصغير الذي ركض ببراءة تجاه جدته التي ضمته بحب مقبلة جبهته:

-قلبي إنتَ يا حبيبي عامل إيه؟


تبسم الصغير بدل وهو يتمسح بجدته كهرة صغيرة تتمسح بصاحبها.


تسأل أحمد باهتمام:

-هو بابا مقالش هيرجع إمتى يا هالة؟


هزت رأسها نافية، وأجابت:

-لا.


زفر بضيق وقال:

-أنا المفروض أسافر وعايز أودعه قبل ما يجي.


توجه بنظراته تجاه أوس وتسأل باهتمام:

-إيه موضوع الصفقة ده يا أوس؟ مين الشركة إللي أخدتها؟


امتعض وجه الآخر، ورد باقتضاب:

-لسه معرفتش.


دلف آصف الغرفة، ألقى عليهم تحية الصباح، وتوجه إلى والدته مقبلًا رأسها، وبعدها حمل نجل شقيقه يقبله بحب وهو يداعبه بحنان:

-حبيب قلب عمو يا ناس إنتَ يا واد إنتَ طالع حلو لمين لا أبوك حلو ولا أمك حلوة.


لكزته والدته في ذراعه بحدة:

-مين ده إللي مش حلو. أخوك زي القمر يا حبيبي.


رفع كتفيه باستسلام، وعقب ممازحًا:

-حبيبتي يا ست الكل آسفين يا باشا.


نهض أوس من مكانه مستئذنًا بلباقة:

-بعد إذنكم يا جماعة.


توجه إلى صغيره قبله بحب، فنهض آصف بدوره، بعد أن أعطى الصغير إلى والدته:

-أستنى يا أوس خدني معاك. سلام يا جماعة.


غادر كل من أوس وآصف، وكذلك نهض أحمد وزوجته وغادروا المكان. وتبقى كل من هالة ومرام والصغير زين.


شعرت مرام بالتوتر من نظرات هالة تجاهها، فكررت أن تنهض وتغادر كي تهرب من نظراتها المصوبة تجاهها، لكن أوقفتها هالة بنبرة هادئة:

-أقعدي كملي فطارك.


ازدردت ريقها بتوتر، وأجابت متلعثمة:

-أنا شبعت الحمد لله.


تنهدت الأخرى تنهيدة حادة وقالت:

-أقعدي أنا حابة أتكلم معاكِ شوية.


جلست مرة أخرى بتوتر، تنصت إليها باهتمام شديد.


أخذت هالة نفس عميق، تستعيد به رباطة جأشها، وتحدثت بهدوء:

-أنا مش بكرهك يا مرام وإنتِ عارفة كده كويس. يمكن معاملتي اتغيرت ليكي بعد موت فريد بس ده غصب عني لما شوفت أوس بيتعلق بيكي. مش عارفة إمتى ولا إزاي بقى عنده مشاعر تجاهك، يمكن لو كان قابلك إنتِ قبل سيرين يمكن كان الوضع أتغير. حاولت أوقفه كتير وأبعده عنك لكن هو مُصر إنه يقرب منك مع الآسف مضطرة أرضخ وأرضى بالأمر الواقع. بس خدي بالك ابني سعادته هي رقم واحد في حياتي لو يوم زعلتيه يا مرام وقتها متلوميش غير نفسك ابني غامر ببيته وزوجته وابنه عشانك إنتِ أتمنى إنك تكوني قد المسؤولية دي تقدري تقومي لو حابة.


نهضت من مكانها سريعًا تفر هاربة، وهي تحاول أن تتنفس بصورة طبيعية فبعد حديثها مع من كانت سلفتها يومًا، وبالقريب العاجل ستكون حماتها، لا تنكر أن حديثها معها أراحها، لكن في نفس الوقت أقلقها وأحزنها، هي لا تريد أن تدمر حياة امرأة أخرى كي تحيي هي حياتها، لكن ما باليد حيلة. أوس شخص عنيد لن يرجع في كلامه، ولن يتركها وشأنها.

❈-❈-❈

كانت الغرفة تفوح برائحة المعقمات الباردة، لكنها لم تنجح في طمس رائحة الخوف الكثيف التي تملأ الأرجاء. كان يقف جوارها بقلق شديد، جسده متصلب كتمثال صخري، وعيناه معلقتان بوجهها الشاحب الذي غادرت منه دماء الحياة.


على الجانب الآخر من الفراش، كان الطبيب يحاول إفاقتها 

بحركات سريعة ومدروسة. يضغط على معصمها تارة، ويسلط ضوءًا صغيرًا نحو حدقتيها تارة أخرى، بينما يوجه أوامر حاسمة للممرضة التي تحركت في الغرفة كظل هائم. كل ثانية تمر كانت تبدو كجبل يثقل كاهله، وكل محاولة فاشلة لاستعادتها كانت تقتطع جزءاً من روحه.


أطبقت عليه غشاوة من الذعر، وبدأ صخب العالم الخارجي يتلاشى ليحل محله صوت نبضه الهائج في أذنيه. الآن ترقد هنا، بين برزخين، يغازلها الموت في غفلة منه.


وقف بجانب الفراش، ممسكًا بيدها الباردة، يضغط عليها بكل ما أوتي من قوة كأنه يحاول ضخ الحياة من جسده إلى جسدها. لم يكن يملك سوى الدعاء الصامت الذي يتردد في أعماقه كصرخة مكتومة.


فاق من حالته تلك على حركة أهدابها بضعف شديد، انتفض من مكانه وتوجه بنظراته إلى الطبيب الذي ابتسم بدوره:

-الحمد لله بدأت تفوق إيه.


تنهد بارتياح وهو يبصر عينيها تفتح ببطء شديد، وهي تنظر حولها غير مدركة أين هي، ثوانٍ وانتفضت من مكانها وهي تتمسك بيده بلهفة، وتتساءل بهلع:

-إلياس إنتَ كويس حاجة حصلت ليك؟


جعد ما بين حاجبيه وتساءل بتعجب:

-حاجة حصلت ليّ؟! أنا بخير لكن إنتِ إللي مش كويسة إيه إللي حصلك؟ طمنيني عنك؟ إيه إللي نزلك من العربية من الأساس؟


تراخى جسدها مرة أخرى وهي لا تدرك بما تجيبه من الأساس. انتبهت إلى حديثه مع الطبيب الذي استرسل حديثه بهدوء:

-اطمئن يا إلياس باشا هي بخير. إللي حصل ليها مجرد ضعف عامل مش أكتر.


أومأ بتفهم:

-تمام طيب هي تقدر تخرج الوقتِ؟


رد الطبيب باختصار قبل أن يتحرك مغادرًا الغرفة:

-أيوه يا فندم بس ياريت الهانم تهتم بأكلها وشربها أكتر من كده عشان الضعف إللي عندها ده.


اعتدل بوقفته ودار بعينيه حتى وجد ضالته مقعد جلدي، سحبه وجلس جوارها مكتفًا ذراعيه فوق صدره، ويطالعها بعينين متربصتين كما يطالع الذئب فريسته.

❈-❈-❈

بينما على الطرف الآخر، كان الصرح العملاق يشق عنان السماء، حاملًا في طياته تفاصيل حكاية أخرى. وهناك، وتحديدًا في جوف الطابق الخامس، حيث يهدأ صخب العالم الخارجي، كان يجلس في مكتبه العريق. مكتبٌ لم يكن مجرد أثاثٍ خشبي فاخر، بل كان شاهدًا على أسرار وقرارات غيرت مصائر الكثيرين. جلس خلف طاولته المهيبة، محاطًا بهالة من الغموض والوقار، وعيناه تشخصان نحو الأفق وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون، يقلب في رأسه صفحات الماضي وينسج خيوط المستقبل بصمتٍ مطبق، مستعدًا للخطوة التالية في هذه اللعبة المعقدة التي بدأت خيوطها تتشابك الآن.


دلف مساعده المكتب ووقف أمامه، كما لو كان طفلًا صغيرًا ينتظر عقاب والدته.


تبسم الآخر، وعاد بظهره إلى الخلف مستندًا على ظهر مقعده الوثير، نافخًا دخان سيجارته بتمهل شديد، نافثًا دخان سيجارته في الهواء، أشار إلى الآخر بيده بإشارة تفهم مغزاها أن يتحدث.


وعلى الفور تحدث بجدية:

-أغمى عليها ونقلها مستشفى عندها ضعف. وهو قاعد جنبها الوقتِ هناك.


أغمض عينيه قبل أن ينفجر ضاحكًا، مما أثار ريبة الآخر الذي يراقبه كما لو كان تنين مجنح لا كشخص عادي مثلهم من بني البشر.


توقف عن الضحك وردد بتسلية:

-طلع حنين أوي إلياس باشا أكاد من فرط الحب أن أذوب، شكل الباشا وقع ولا حد سمى عليه.


حمحم الأخر يجلي حنجرته، وهتف بحذر شديد:

-هو ممكن أسأل حضرتك سؤال؟


أومأ بخفة كإشارة له أن يتحدث، فاسترسل حديثه بتمهل شديد. وهو يراقب تعبير وجهه:

-هو حضرتك كنت هتضربه بالنار فعلاً؟


هز رأسه بخفة، واسترسل بإبانة:

-لا بس حبيت ألعب مع وتين شوية وأعرفها إن عيوني عليها لأنها بدأت تتمرد عليّ فاكرة أنها لم تهرب من جحيمي هتروح لجنة إلياس. متعرفش أنها بتحط تتر النهاية بإيدها لأن جحيم إلياس إللي هتعيش فيه جحيمي أنا بالنسبة ليه رحمة ليها. فهمت؟ 


حرك رأسه بنفي:

-الصراخة لا أنا مش فاهم إيه سبب كرهك ليهم ولا إيه سبب العدواة إللي بينكم من الأس…


بتر كلماته ما أن رأى تقلب عين آزاد، حيث أسودت عيناه وتوحش وجهه كما لو كان وحش مفترس على وشك الانقضاض على فريسته، تلقى منه إشاره بعينيه، فلبى النداء سريعًا وفر هاربًا حتى لا يصيبه شيء من غضبه وهو أدرى الناس بغضبه جيدًا.

❈-❈-❈

كان يخيم السكون عليهم، فقط صوت أنفاسهم هو من يعلو، ازدردت ريقها بتوتر، وتساءلت بنبرة صوت خافته:

-في إيه إنتَ بتبص ليّ كده ليه؟


ارتسمت ابتسامة ملتوية على ثغره، وتحدث ببراءة مصطنعة:

-معجب ليكِ عشان كده ببص عليكِ مش إنتِ خطيبتي؟ حبيبتي؟ وقريب أوي هتبقي مراتي أم عيالي.


أغمضت عينيها في محاولة بائسة منها تستدعي بها الصبر، فهي تكاد أن تصاب بسكتة قلبية من الرعب الذي تحيي به، بينما الآخر يعيش في قصة حب نسجها داخل عقله والأدهى أنني بطلتها.


فاقت من شرودها على صوته، فالتفت له بانتباه:

-نعم بتقول حاجة؟


عدل من لياقة قميصه، واسترسل بزهو:

-أنا عارف إني وسيم ومن حقك تسرحي فيّ بس خليني في المهم حاليًا إيه إللي نزلك من العربية؟ وليه كنتِ بتصرخي؟


نظرت إلى الجهة الأخرى متهربة من نظراته التي تكاد أن تخترقها:

-مفيش حاجة عربية كانت هتخبط فكنت ببعدك عنها.


رفع حاجبه مستنكرًا وردد حديثها:

-عربية كانت هتخطبني فكنتِ بتبعديني عنها؟ وتين أنا كنت واقف على الرصيف يا بنت الحلال غير إن مكنش في عربيات أصلاً؟!


حسنًا هو لن يصمت، وليس بالشخص الغبي الذي سيصدق مثل هذه التراهات فعليها أن تحاول صرف ذهنه عن ما حدث، فهتفت بأول شيء جال بذهنها:

-أنا جعانة أوي.


تعجب من تغيرها مجرى الحديث، لكن تبسم بلطف، وقال:

-طيب قومي معايا يلا عشان نروح تغير على الجرح وبعدين أخدك أفطرك في أحسن مطعم فيكِ يا مصر هو أنا عندي كان برنسيس وتين بس هي واحدة إللي تاعبة قلبي وعقلي معاها.


تبسمت بضعف، وطالعته بنظرة لم يتسطع تفسيرها، ولكن بداخلها تمنت لو تقابلوا من قبل لم كان سيحدث ما حدث.


وقف على الفور ومد يديه إليها كي يساعدها أن تعادل، لكن رفضت بلباقة. ونهضت بتثاقل شديد، وبدأت تتحرك معه إلى الخارج.


توجهوا إلى الطبيب الذي سيقوم بالتغير على الجرح، والذي استقبلهم بترحاب، وقام بالتغير على الجرح، وبعدها آخذها وغادروا المستشفى.


وصلوا إلى السيارة وقام بفتح الباب لها، فاستقلت السيارة بتردد، أغلق الباب خلفها. وتوجه هو إلى مقعده خلف عجلة القيادة. والتفت لما مبتسمًا:

-لا يا ستي حابة تفطري إيه؟ 


ردت بصوت خافت:

-أي حاجة.


تبسم بحماس وقال:

-طالما مفطرناش فول وطعمية إيه رأيك بقى أفطرك حاجة على ذوقي وغير تقليدية إيه رأيك نفطر أكل صيني؟!


ظهرت علامات الامتعاض على وجهها وهتفت باشمئزاز:

-لا لا استحالة أكل صراصير.


انفجر ضاحكًا وهو يطالعها بعدم تصديق:

-صراصير؟! بجد؟! كل مخيلتك إن الأكل الصيني حشرات؟ لا طبعًا إحنا هنأكل سوشي إيه رأيك؟


ردت بتقزز:

-سمك زي؟! لا آسفة مش هقدر.


رفع يديه باستسلام وعقب ممازحًا:

-خلاص يا برنس وتين نخلينا في الفول والطعمية ونختم بشوب عصير قصب إيه رأيك بقى؟


تبسمت رغمًا عنها، وقالت:

-تمام.

❈-❈-❈

توقفت السيارة الأجرة فجأة، محدثةً صريرًا خفيفًا امتزج بصوت محركها المتهالك الذي أعلن نهاية الرحلة. التفت السائق إليه ينتظر الحساب، لكنه كان غائبًا عن الوجود، متجمدًا في مقعده الخلفي وعيناه شاخصتان نحو النافذة. هناك، على رصيف الشارع المقابل، كان ينتصب المنزل؛ ذلك الصرح البارد الذي يمثل آخر بقعة على وجه الأرض تمنى أن تطأها قدماه، أو يلمح طيفها في أحلامه.


عامٌ كامل مضى بحلوه ومره، ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وهو يجاهد لقطع كل حبال الوصل، مغيرًا أرقامه وعناوين حياته ليصنع فجوة من العدم بينهما. ظن أنه نجح في محو الأثر وإخماد رماد الماضي، لكن الذاكرة كانت تخبئ له كمينًا لم يحسب له حسابًا.


كل شيء حدث في غضون ساعات قليلة دون تخطيط؛ ففي الصباح الباكر، استقل السيارة رفقة شقيقه الذي تطوع كالعادة لإيصاله إلى مقر عمله. كان الحديث بينهما روتينيًا، والطريق مألوفًا، ونزوله أمام باب الشركة بدا كأي يوم آخر. لكن، ما إن غابت سيارة شقيقه عن الأنظار، حتى شعرت روحه بخللٍ غامض، واجتاحته رغبة مبهمة وقاسية لم يستطع مقاومتها. سار بخطوات شبه مغيبة نحو رصيف الشارع الرئيسي، وأشار بيده لأول سيارة أجرة عابرة، ونطق بالعنوان القديم الذي اعتقد أنه نسيه، دون أن يدري بنفسه أو يعي خطورة ما يفعل.


والآن، ها هو يواجه حقيقته العارية خلف زجاج الأجرة. يراقب النوافذ المغلقة للمنزل ويتساءل إن كان صاحبه بالداخل، أم أن الغياب قد غير الملامح والساكنين. شعر بضيق في صدره وكأن هواء المقصورة لم يعد يكفيه، وقبضت يده على محفظته بتردد مرير. لقد هدم في لحظة واحدة جدار الحظر العازل الذي بناه طوال عام كامل، ليجد نفسه واقفًا على أعتاب بركان خامد، لا يعلم إن كان سيثور في وجهه، أم سيحرقه بصمته.


هبط من السيارة وتحرك بخطى ثابتة تجاه العقار وهو يقدم قدم ويؤخر الأخرى، توقف أمام الشقة، وأخذ نفس عميق وضغط على زر الجرس.


دقائق بسيطة مرت كما لو كانت سنوات طويلة مرت عليه، فتح الباب وطل وجه أكثر شخص يبغضه في حياته، والذي صدم هو الآخر بروايته وردد بعدم تصديق:

-آصف؟


تبسم ببرود وأجاب:

-مفاجأة يا حازم مش كده؟ 

❈-❈-❈

توقف بسيارته في مكانها المعتاد، التفتت إليه شقيقته وتساءلت باهتمام:

-محتاج حاجة مني؟


هز رأسه بخفة:

-لا خدي بالك من نفسك.


هبطت من السيارة متوجه إلى مبنى الكلية الخاصة بها، بينما أغلق هو السيارة وزفر بضيق، وهبط هو الآخر من السيارة بعد أن آخذ متعلقاته الشخصية متوجهًا إلى مبنى الكلية. وما كاد أن يعبر البوابة حتى تفاجئ بها تلج إلى الداخل هي الأخرى.


رمقها بنظرات مشتعلة، فالتفتت له وهتفت بابتسامة مصطنعة:

-صباح الخير يا دكتور.


رد باقتضاب:

-صباح النور.


تخطته سريعًا وتوجهت إلى الداخل متوجهة ناحية الدرج، بينما أكمل سيره يزهو متوجهًا تجاه الأسانسير. لكن ما أن أبصر هذا الشاب يتحرك نحوها ويناديها، وتلك البلهاء تقف برفقته، وعلى وجهها ابتسامة عريضة تحرك نحوهم، كما لو كان شياطين الجن تلبسته.


« السابق جميع الفصول التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيدالقاضي، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم