رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 9 - الخميس 5/2/2026
قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية أحفاد إلياس
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة زينب سعيد القاضي
الفصل التاسع
تم النشر الخميس
5/2/2026
أوقات كثيرة تضعنا الظروف في مواقف صعبة لم نعهدها من قبل، وعلينا أن نقف في مجابهتها ونقف في المواجهة حتى لو تطلب الأمر أن تبقى أرواحنا تحت رحمة غيرنا. المهم لدينا ألا يفتضح سترنا وتظهر حقيقتنا ظاهرة للعيان، وقتها أن نستطيع أن نرفع رأسنا مرة أخرى.
فليس كل انكسار يُرى، ولا كل صمت يعني سلامًا. أحيانًا نختار الصمود لا لأننا الأقوى، بل لأن البديل أن ننكشف أمام عالم لا يرحم الضعف. نمضي بخطوات مثقلة، نخبئ ارتجاف قلوبنا خلف ثباتٍ متصنّع، ونقنع أنفسنا أن الكرامة قد تُنقذ حتى حين تُهدَّد الحياة نفسها.
نؤجل السقوط، لا إنكارًا للألم، بل احترامًا لصورة نريد لها أن تبقى واقفة. نُساوم على الراحة، ونقبل القسوة، فقط كي لا نُعرّي ذواتنا أمام من لا يعرفون حجم المعركة التي نخوضها في الداخل. وحين تمر العاصفة، ولو بعد حين، نكتشف أن الرأس الذي رُفع من جديد لم يرفعه الكبرياء وحده، بل التجربة، والوجع، وتلك القدرة الخفية على البقاء دون أن نفقد أنفسنا تمامًا.
❈-❈-❈
تحركت زوجة عمها سريعًا تجاه باب الشقة كي تفتحه ظنًا منها أنه زوجها ولكن قبل أن تصل إلى الباب وجدت قبضة من حديد تجذبها من ذراعها بعنف ويكممم فمها بيده. انقبض قلبها بهلع ونظرت إليه بخوف وترقب.
اقترب آزاد من أذنها وهمس بفحيح:
-شوفي مين على الباب.
ردت بعفوية وهمس مماثل:
-ما أنا هفتح الباب وقتها هعرف مين وده أكيد جوزي يا باشا.
زجرها بعنف، وهتف بحدة:
-أسألي مين على الباب يا غبية وخلصيني.
ابتلعت ريقها بتوجس، وهزت رأسها سريعًا بايجاب، وهتفت بصوت مرتفع آثر ارتعاشها من نظراته:
-مين اللي على الباب؟!
-«أنا إلياس».
❈-❈-❈
هوى قلب مسك بين قدميها، وهي تنظر إلى آزاد بخوف، بينما ارتعشت أوصال زوجة عمها، وهي تطالعه بترقب تنتظر أن يخبرها ماذا تفعل.
اقترب منها، وهمس في أذنها بفحيح، قبل أن يبتعد عنها وينفذ ما قاله:
-أنا هدخل أوضة مسك وأقفل الباب عليّ افتحي الباب واتعاملي عادي.
تساءلت ببلاهة:
-أتعامل عادي إزاي؟!
رمقها شذرًا، وغمغم بحدة:
-يعني بلاش تباني إنك خايفة.
تركها وتحرك سريعًا واتجه إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه انتظرت حتى أغلق الباب خلفه، ونظرت إلى مسك بغيظ وهتفت من بين أسنانها:
-كله منك يا بوز الإخص إنتِ.
أكملت سيرها وفتحت باب الشقة بتمهُل، وما أن فتحته كل عليها وجه إلياس وهو يحمل باقة من الزهور، أتسعت ابتسامتها على الفور وتساءلت بلهفة:
-بسم الله ما شاء الله إنتِ جايبلي ورد يا باشا؟!
رفع حاجبه باستنكار، وتحدث بنبرة متهكمة:
-على أساس إننا واخدين بعض على حب؟! فين مسك؟!
تنحت جانبًا وأشارت له بالدخول، ولج داخل الشقة، وما أن خطى بخطواته إلى الداخل، وجد مسك تقف منزوية ووجهها شاحب كما لو كانت تحاكي الموتى.
أسرع خطواته نحوها، وهو يتفحصها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها وهو يتساءل بقلق:
-مالك يا مسك إنتِ تعبانة؟!
ما كادت أن تجيب إلا وتفاجأت بزوجة عمها تقف أمامه وترد بدلًا منها:
-ما هي زي الفل أهيه يا باشا اطمئن.
رمقها شذرًا، واستطرد قائلًا بتوبيخ:
-هو أنا كنت سألتك إنتِ ما تخليكي في حالك يا ست إنتِ.
لوت شفتيها بامتعاض وقالت:
-أنا غلطانة الحق عليّ إني بتكلم أصلًا أنا رايحة أعملي شوب عصير ليمون بالنعناع يروق دمي.
ابتلعت ريقها بتوجس، ثم تابعت حديثها مستفهمة:
-أعملك معايا شويه يا باشا؟!
قلب عينيه بملل، واستطرد قائلًا بمغزى:
-لا شكرًا اتكلي على الله يلا.
رفعت كتفيها باللامبالاة، وتحركت بخفة تجاه المطبخ، بينما ركز "إلياس" نظراته على "مسك" وتسأل باهتمام:
-مالك في إيه؟! إنتِ تعبانة لسه؟!
وجه نظراته تجاه يدها، وتسأل بقلق:
-ايدك بتوجعك نروح المستشفى؟!
هزت رأسها نافية، وأجابت بصوت خافتٍ:
-كويسة الحمد لله.
تنهد بارتياح وقال:
-طيب كويس .
مد يده إليها بباقة الزهور، وتبسم قائلاً:
-اتفضلي .
رفعت يدها وأخذتها منه على استحياء:
-شكرًا.
تبسم باتساع حتى ظهرت نواذغه وقال:
-العفو أنا هنزل أستناكي في عربيتي غيري هدومك وتعالي هوديكي المستشفى تغيري على الجرح.
دون شعور منها نظرت تجاه غرفتها، وهتفت بصوتٍ مرتبك:
-مش مهم أنا بقيت كويسة خلاص.
امتعض وجه، واستطرد متهكمًا:
-هو إيه اللي بقيتي كويسة خلاص؟! مش إنتِ اللي تقولي بقيتي كويسة أو لا الدكتور اللي يقول هستناكي تحت.
أنهى حديثه وتحرك من أمامها دون أه يعطيها فرصة أن ترد أو تحاول الرفض مرة أخرى، غادر الشقة وأغلق الباب خلفه.
تنهدت بارتياح، وتهاوت على المقعد خلفها، وبين يديها باقة الزهور، جلست تسترد أنفاسها الثائرة.
لم يمر سوى دقائق، وفتح باب غرفتها، وخرج منها آزاد وهو يتحرك صوبها.
اعتدلت في جلستها وابتلعت ريقها بتوجس مما هو قادم، وقف أمامها واضعهًا كلتا يديه في جيوبه، وهو يطالع باقة الزهور باستهزاء:
-رومانسي أوي إلياس.
نظرت إلى الجهة الأخرى، واسترسل هو حديثه بحدة:
-أوعي تكوني فاكرة إنه هينجدك مني، حتى الموت يا مسك مش هيقدر يحميكي مني.
أغمضت عينيها بألم، وهمست بحزن:
-إنتَ عايز إيه مني تاني؟! مش كفاية اللي حصل ليّ؟!
ألتوت شفتيه بابتسامة ساخرة، وطالعها من أعلى إلى أسفل بسخرية:
-ومين السبب في اللي حصل ليكي مش إنتِ؟! ولو مكنش ده حصلك مكنش إلياس هيعرفك ويبقى عايز يتجوزك حتى وإنتِ مستهلكة لسه العين عليكي إلياس مش بيصحح غلطة عمه وبس واضح أوي إنك عجباه وداخله مزاجه عشان كده عايز يتجوزك بس لو عرف حقيقتك وقتها محدش هيقدر يحميكي من جحيمه.
ارتجفت أوصالها، وشعرت بقلبها يهبط إلى قاع صدرها، لكنها تماسكت قدر استطاعتها ورفعت رأسها تنظر إليه بعينين دامعتين، تحاول أن تستجمع ما تبقى من شجاعتها: -حقيقتي؟! أي حقيقة ؟! أنا مفيش حاجة أخبيها أنا ضحية، مش مجرمة.
قهقه بسخرية عالية، اقترب منها خطوة حتى باتت رائحته تخنق أنفاسها:
-ضحية؟! دا إنتِ أكتر واحدة شاطرة تلعب الدور ده بتعيطي، وتكسري، وتستعطفي ورا الستارة بقى؟ كل حاجة سودة.
نهضت من مقعدها فجأة، كأنها استمدت قوة غير متوقعة من قهرها:
-إنتَ مش من حقك تحاسبني! ولا من حقك تبتزني بالماضي. اللي حصل غصب عني، وإنتَ عارف كويس.
تغيرت ملامحه للحظة، ثم عاد جموده أقسى من قبل:
-غصب عنك؟! دا الكلام اللي هتقوليه لإلياس؟ ولا فاكرة إنه هيصدق؟ ده لو عرف بس نص اللي أنا عارفه، هيكون أول واحد يرميكي في الشارع.
اقتربت منه أكثر، وصوتها يرتجف لكنه كان صادقًا:
-حتى لو حصل هيبقى أرحم من اللي إنتَ بتعمله فيا أنا تعبت، يا آزاد. تعبت من الخوف، من التهديد، من إحساسي إني محبوسة في دائرة مالهاش آخر.
تطلع فيها للحظات صامتًا، وكأن كلماتها لامست شيئًا دفينًا داخله، لكنه سرعان ما أدار وجهه بازدراء:
-ما تجيبيش الضعف ده معايا أنا اللي في إيدي اللعبة، وإنتِ لازم تفضلي فاكرة ده.
تحرك مبتعدًا خطوتين، ثم التفت إليها فجأة:
-إلياس ده مجرد استراحة وهم، هينتهي أول ما أقرر فاهمة؟
شدّت باقة الزهور إلى صدرها وكأنها درع أخير:
-إلياس مش وهم حتى لو ما كملش هو أول حد حسسني إني بني آدمة، مش حاجة مكسورة.
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح:
-بني آدمة؟! دا بيشوفك بعينه بس، مش بقلبه الرجال كلهم كده وأنا أكتر واحد فيهم فاهمهم.
سادت لحظة صمت ثقيلة، لم يُسمع فيها سوى أنفاسهما المتوترة. ثم اتجه نحو باب الشقة، وقبل أن يخرج قال دون أن يلتفت:
-استمتعي بالزهور يمكن تبقى آخر حاجة حلوة تدخلك حياتك.
أغلق الباب بعنف، فاهتزت الجدران من حولها. تهاوت دموعها أخيرًا، وانكمشت على نفسها، لكنها لم تكن دموع ضعف فقط، بل كانت ممزوجة بشيء جديد قرار خافت بدأ يتشكل في قلبها.
مسحت دموعها، ونهضت ببطء، نظرت إلى باقة الزهور مرة أخرى، ثم همست لنفسها:
-يمكن ما أقدرش أغير اللي فات بس المرة دي، مش هسيب حد يتحكم فيّ تاني.
وفي داخلها، ولأول مرة منذ زمن طويل، اشتعلت شرارة مقاومة.
❈-❈-❈
فاقت من شرودها على صوت زوجة عمها التي تقف أمامها تناديها بضجر.
تأهبت لها، ورفعت رأسها وتسألت بشرود:
-كنتِ بتقولي إيه؟!
مصمصت الأخرى شفتيها بامتعاض، وقالت:
-بقولك هو راح فين؟!
ألقت نظرة تجاه باب الشقة، وأجابتها:
-مشي.
تنهدت بارتياح واستطردت مستفهمة:
-وإلياس باشا راح فين؟!
انتبهت إلى حديثها، وهتفت بتذكر:
-مستنيني تحت نروح نغير على الجرح.
اتسعت عين الأخرى، ورددت بسخرية:
-لا والله حنين أوي الأخ طيب يلا قومي أجهزي وانزلي ليه قبل ما يطب علينا تاني أنا مش عارفة عمك راح فين وسايبنا كده.
نهضت مسك بضعفٍ ظاهر، كأن جسدها أثقل من أن يطيعها، فأسندت نفسها إلى الجدار حتى دلفت إلى غرفتها بخطوات متعثرة. كانت أنفاسها متقطعة، وصدرها يعلو ويهبط بجهدٍ مكتوم. اتجهت نحو الشماعة حيث تتدلّى عباءتها السوداء، نزعت إسدال الصلاة بيدٍ مرتجفة، ثم ارتدت العباءة على عجل، كأن الوقت يطاردها. لفّت الحجاب فوق رأسها بإهمالٍ لم تعهده منها، دون أن تقف أمام المرآة أو تُصلح خصلات شعرها الهاربة، فليس في داخلها متّسع لكل تلك التفاصيل.
خرجت من الغرفة وهي تجرّ قدميها بصعوبة، خطواتها بطيئة لكنها مصمّمة، تحمل عنادًا صامتًا لا يُرى. كان وجهها شاحبًا، وعيناها غارقتين في شرودٍ بعيد، كأنها تسير نحو قدرٍ تعرف قسوته لكنها لا تملك التراجع عنه.
وما إن أبصرتها زوجة عمّها، حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، وهتفت بصوتٍ يقطر تهكمًا:
-يا مصيبتي السودة! لابسة عباية سودة وطرحة سودة! هو رايح يشحت بيكي في العرافة؟!
لم تلتفت مسك، ولم يتغيّر وقع خطواتها. لم تمنح الكلمات أي وزن، فهي لم تستمع لها من الأساس؛ كانت أذنها مغلقة وقلبها أبعد من أن يُمسّ بسخرية اعتادت عليها. مرّت بجانبها كأنها غير موجودة، وكأن الصوت لم يكن سوى ضجيجٍ عابر لا يعنيها.
فتحت الباب وغادرت الشقة، تاركة خلفها كل شيء: الكلمات الجارحة، والوجوه المتربصة، والجدران التي حفظت وجعها طويلًا. أُغلق الباب خلفها بهدوء، لكن داخلها كان يعجّ بعاصفة صامتة، عاصفة تدفعها إلى الأمام رغم الضعف، رغم الألم، ورغم كل ما حاول أن يكسرها ذات يوم.
❈-❈-❈
في قصر «إلياس» كان يهبط الدرج وهو يدندن ألحان أغنية لكاظم الساهر، صوته منخفض كأنه يخشى أن يوقظ الجدران العتيقة من سباتها الطويل. كانت درجات الرخام الباردة تحفظ وقع خطواته منذ سنوات، تشهد على وحدته أكثر مما تشهد على فخامته. الضوء المتسلل من النوافذ العالية ينسكب بخجل، يرسم ظلالًا طويلة تتراقص مع حركاته، كأن القصر كله يشاركه هذا اللحن الحزين.
توقف عند الدرجة الأخيرة، عدّل ياقة سترته، وتنهد بعمق. لم يكن يدندن عبثًا؛ كان يستدعي ذكرى قديمة، وجهًا غاب، وضحكة كانت تملأ هذا المكان صخبًا وحياة. كاظم الساهر كان رفيق لياليه الطويلة، حين يصمت القصر ويعلو صوت القلب. كل نغمة كانت تفتح بابًا مغلقًا في داخله، وكل كلمة تعيد ترتيب فوضى المشاعر التي حاول طويلًا تجاهلها.
ما كاد أن يكمل طريقه إلى غرفة الطعام إلا وقطعه صوت رقيق حفظه عن ظهر قلب، صوتٌ كان إيقاعه بمثابة ترياق الحياة له. توقف فجأة، كأن الزمن شدّه من كتفه، والتفت إلى الخلف ببطءٍ مشوب بالرهبة. وجدها تقف خلفه باستحياء، يداها متشابكتان، ونظرتها معلّقة بالأرض كطفلةٍ تخشى أن تُوبَّخ على حضورها المتأخر.
للحظةٍ، ظنّ أنه يتوهّم. كم مرةٍ سمع هذا الصوت في ذاكرته؟ في لياليه، في وحدته، في انكساراته الصامتة. لكنه الآن كان حقيقيًا، دافئًا، قريبًا إلى حدٍّ مؤلم. نادت اسمه مرةً أخرى، بصوتٍ أخفض، كأنها تخشى أن يتلاشى إن رفعته أكثر.
اقترب خطوة، ثم توقف. لم يعرف أيهما أثقل المسافة القصيرة التي تفصل بينهما، أم السنوات الطويلة التي افترقت فيها طرقهما. رفع بصره أخيرًا، فالتقت عيناه بعينيها. كانت كما هي، وربما أكثر. شيءٌ في ملامحها ازداد نضجًا، وشيءٌ آخر بقي عالقًا عند أول وداع. ابتسمت بخجل، تلك الابتسامة التي طالما هزمته، والتي لم تنقذها الأيام من تأثيرها عليه.
أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه، ورسم ابتسامة صغيرة على ثغره، وهلل بمرح:
-يا صباح الورد والفل والياسمين على عيونك الحلوين.
خجلت الأخرى من غزله الصريح، واسترسلت حديثها بحدة:
-ينفع نتكلم شوية لو مش هأخرك عن شغلك؟!
جفل من حدتها، لكن رضخ إلى طلبها بابتسامة:
-فداكِ شغلي فداكِ أنا شخصيًا هو أنا عندي كام مرام؟!
رمقته شذرًا، وهتفت بصوت حادٍ:
-حتى لو كنت أصغر منك ياريت تراعي إني أبقى مرات عنك المتوفي وليه في شهور العدة، يعني اللي بتقوله ده ولا ينفع في شرع ولا دين، واللي عملته كمان ميصحش.
اعتدل في وقفته، وتسأل باهتمام:
-وإيه بقى اللي عملته مزعلك أوي كده؟!
أجابت باختصار:
-أنا مش هتجوزك، ومش هتجوز حد.
تبسم بهدوء وكتف ذراعيه فوق صدره، وردد حديثها باستهزاء:
-مش هتتجوزيني ولا هتتجوزي حد؟! حلوة لا حلوة وكمان مرة حلوة.
فك ذراعيه وصقف عدة صقفات متتالية، وهو يرمقها باستهزاء، وتحدث بما جعلها تتخشب مكانها.
«هتتجوزيني بمزاجك أو غصب عنك مجرد ما عدتك تخلص هتكوني حرم أوس إلياس يا مدام مرام بعد إذنك عندي شغل يا برنسس»
أنهى جملته ورحل تاركًا إياها تطلع في آثره بصدمة لم تفيق منها إلا على صوت ضحكات متتالية، التفتت خلفها، وجدت غنى تقف في أعلى الدرج وعلى ما يبدوا كانت تستمع إلى الحديث منذ البداية.
هبطت الدرجات الفاصلة بينهم وتوقفت في مقابلتها وتحدثت معتذرة:
-آسفة والله أنا كنت نازلة بالصدفة والله.
أومأت مرام بتفهم:
-تمام يا حبيبتي ولا يهمك.
حدقت غنى حولها لتتأكد من أن لا أحد يراها، واقتربت من مرام، وهتفت بصوتٍ خافتٍ:
-مش هو اللي عايز يتجوزك؟! والكل بقى عارف إيه مشكلتك؟!
رمقتها مرام بضيق، وردت:
-مشكلتي إني رأي ملوش لازمة، مشكلتي إنه متجوز وعنده طفل ليه أدمر حياتهم؟!
تنهد الأخرى وأجابت بثبات:
-أولًا اللي فهمته إنه جدو خيرك ما بينه وبين عمر وآصف يعني ليكي حرية الإختيار، وأنا من وجهة نظري المتواضعة أوس أنسب واحد ليكي، أما بقى تدمري حياته فهو سواء أتجوزك أو لأ حياته متدمرة مع سيرين والبيت ده كله عارف وعايزاكي تاخدي بالك من حاجة مهمة أوي.
ابتسمت مرام ابتسامة ساخرة، وتهكمت قائلة:
-هو لسه في حاجة أهم من اللي قلتيه؟!
أومأت بايجاب، وأكملت بثقة:
-أيوه إن سواء بمزاجك أو غصب عنك هيتجوزك يبقى ليه تتعبي نفسك بالغصب ما يبقى بالرضا والقبول ده أوس إلياس وإنتِ عشتي معانا في البيت ده وعارفة كويس أوي أحفاد إلياس مفيش حد يقدر يقولهم لا، ولا حد يقدر يقف في وشهم حتى جده ذات نفسه يلا هسيبك وأروح أفطر باي يا قلبي.
تركتها ورحلت بينما ظلت هي واقفة مكانها تفكر في حديث الأخرى، وهي على يقين أن أوس طالما آخذ قراره بأمر زيجتهم لن تستطيع هي الرفض، ولن يكون لديها خيار آخر..
❈-❈-❈
خرج من العقار بثبات وعينيه منصبة فوق "إلياس" الجالس في سيارته ومنشغل في هاتفه، في انتظار "مسك"، ابتسامة ساخرة ارتسمت على ثغره، قبل أن يلقي على غريمه نظرة آخيرة، ويتحرك من مكانه مغادرًا المكان بأكمله، ولسان حاله يقول:
«قريبًا سأنتهي منكم جميعًا يا أحفاد إلياس»
❈-❈-❈
خرجت من باب العقار بوهن شديد، وجدته يجلس في سيارته وما أن رأها، هبط سريعًا من سيارته وتحرك صوبها، وتسأل باهتمام:
-تحبي أسندك؟!
حركت رأسها نافية وردت:
-لا لا مفيش داعي.
أومأ بتفهم، وفتح باب السيارة لها طالعته بتردد واسقلت السيارة بخجل شديد، أغلق باب السيارة، وتحرك بخفة إلى الجهة الأخرى واستقل السيارة خلف مقعد القيادة.
التفت إليها، وتحدث بنبرة هادئة:
-أنا لسه مفطرتش إنتِ فطرتي ؟!
هزت رأسها نافية وقالت:
-لا لسه.
تبسم باتساع قبل أن يقول:
-هايل يبقى نفطر سوا قبل ما نروح نغير على الجرح.
حاولت الرفض لكن لم يعطيها فرصة، عندما استطرد بإبانة:
-مفيش رفض هنفطر سوا يعني هنفطر سوا أنا جعان ومش بقدر أسوق على معدة فاضية يرضيكي أسوق على معدة فاضية ونعمل حادثة يرضيكي؟! أموت وأنا على معدة فاضية؟!
أجابت دون شعور بما جعل الأخر يبتسم بفرحة:
-بعد الشر عنك.
طالعها بابتسامة حانية وأردف بحنان:
-خايفة عليّ؟
تهربت من النظر في عينيه، ونظرت إلى الجهة الأخرى، وقالت:
-بلاش الكلام ده؟!
تسأل بخبث:
-أنهي كلام؟! أنا قلت حاجات كتير الصراحة مش حابة نفطر ونخليها غداء؟!
التفت له بحدة، وهتفت بصوتٍ خافتٍ:
-أنا بتكلم جد.
قهقه بخفة، وعقب قائلًا:
-ولا أنا بهزر هنفطر سواء ولا نخليها غداء؟!
تنهدت بقلة حيلة وقالت:
-أمري لله.
تبسم بارتياح، واستطرد مستفهمًا:
-أيوه كده شاطورة تحبي نروح مطعم ولا أجيب تيك واي؟!
ردت باختصار:
-أي حاجة.
أومأ بتفهم وبدأ في قيادة السيارة متوجهًا إلى وجهته….
❈-❈-❈
وقفت نوران أمام إلياس باستحياءٍ شديد، تطأطئ رأسها قليلًا وكأن الكلمات أثقل من أن تُنطق. كانت أنفاسها مترددة، وعيناها تهربان منه كلما التقتا بعينيه، بينما ارتجفت يداها بخفة فضحت ما حاولت إخفاءه من توتر.
أما إلياس، فابتسم بهدوءٍ لم تشعر معه بالخوف، بل بشيءٍ دافئٍ جعل قلبها يطمئن رغم ارتباكه.
هتفت نوران بتردد:
-حضرتك كنت محتاج حاجة؟!
تبسم بحنان وقال:
-لا رايحة جامعتك؟!
أومأت بايجاب:
-أيوه.
أطلق زفيرًا ببطء، وتسأل بترقب:
-ليه حابة تفضلي هنا؟! ما تسافري القاهرة أفضل من هنا وتبقي وسطنا وأبقى مطمئن عليكِ.
ردت بإبانة:
-أنا بحب هنا وبحس بماما هنا جنبي.
تنهد بقلة حيلة وقال:
-على راحتك يا بنتي وحتى لو أنا مش موجود هنا إنتِ في أمان وعمك مش هيقدر يقرب منك اطمني يا بنتي.
تبسمت بامتنان:
-شكرًا لحضرتك.
رمقها بعتاب، وتحدث بنبرة هادئة:
-مفيش داعي للشكر إنتِ زيك زي أحفادي أنا راجع القاهرة النهاردة محتاجة حاجة ؟!
هزت رأسها نافية وردت بصوتٍ خافتٍ:
-لا سلامة حضرتك.
❈-❈-❈
كان مندمج في قيادة السيارة بينما تجلس هي جواره تطلع من النافذة بشرود تام، فاقت من شرودها عندما توقفت السيارة، حولت بصرها في المكان، وجدت أنهم أمام كورنيش النيل وتحديدًا أمام عربة فول.
جعدت جبينها بحيرة، واسترسلت مستفهمة:
-إحنا وقفنا هنا ليه؟!
أجابها بابتسامة:
-حبيت أفطرك فطار عربي أصيل فول وطعمية من عربية إيه رأيك؟!
حدقت به لثوان، قبل أن تتسأل بفضول:
-هو إنتَ بتأكل زينا؟!
قطب جبينه بعدم فهم:
-مش فاهم السؤال؟! ما هو طبيعي إني بأكل.
هزت رأسها بخفة، واستطردت بإيضاح:
-قصدي يعني هتأكل فول ومن على عربية؟! إزاي؟!
تبسم بهدوء، وأجابها بثبات:
-فهمت سؤالك وهجاوبك أيوه يا ستي بأكل فول من عربية عادي جدًا غير إني وكيل نيابة وبتعامل مع كل الطبقات وبعدين أكيد أيام الجامعة كنت زي زي أي شاب وبأكل الحاجات دي.
بدل نظراته بينها وبين العربة، ثم تسأل باهتمام:
-تحبي أنزل أجيب سندوتشات ولا ننزل نأكل من عربية؟!
أجابت بخجل:
-سندوتشات.
تبسم بخفة، وأشار إلى عينيه:
-من عيوني.
هبط من السيارة بينما ظلت هي جالسة في مكانها تنظر من النافذة بشرود.
❈-❈-❈
خرج آصف من غرفته مرتديًا بدلته الميرية، وقد علّق ذراعه بالحامل الطبي. تزامن خروجه مع خروج والدته من غرفتها، وما إن وقع بصرها عليه حتى صاحت بانفعال:
-لابس كده ورايح فين؟!
أجاب بهدوء:
-رايح شغلي يا أمي.
رفعت حاجبها بسخرية وقالت:
-نعم؟! رايح بوضعك ده؟! هو أنا نفسي أفهم… إنت وأخواتك ناويين تجننوني ولا تشلّوني؟! لا بجد، فهمني! رايح فين يا جنابك؟ مش المفروض تتلقّح لحد ما تخف؟ ولا هو أي تنطيط وخلاص؟!
تنهد آصف بصبر، واقترب منها خطوة محاولًا تهدئة حدّة الموقف:
-يا أمي والله ما تنطيط ولا حاجة، دي شغلانة، وما ينفعش أسيبها كل شوية. وبعدين الدكتور قالّي أقدر أتحرك عادي، بس آخد بالي.
قاطعته فورًا وهي تشير إلى ذراعه المثبّتة بالحامل:
-آه طبعًا! عادي جدًا! لسه خارج من المستشفى من يومين، وتقولّي أتحرك عادي؟! إنت فاكر نفسك حديد ولا إيه؟!
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة يحاول بها امتصاص غضبها:
-لو حديد، كان زماني واقف من غير الحامل ده أصلًا.
لم يعجبها مزاحه، فزمّت شفتيها وقالت بنبرة حازمة:
-ما تهزرش! هو الشغل هيطير؟ صحتك أهم، وبعدين بدلِتك الميرية دي مش رايحة في حتة.
صمت آصف لحظة، ثم قال بنبرة أهدأ وقد خفّف صوته احترامًا:
-عارف يا أمي إنك خايفة عليّا، وأنا مقدّر ده. بس غيابي مش هيعدّي بالساهل، ومش حابب أسيب مكاني لأي حد.
هزّت رأسها بيأس وهي تزفر بضيق:
-مكاني! وكأن المكان ده أغلى منك! هو أنا ربيتكم علشان الشغل يبقى أهم من صحتكم؟! أعمل اللي إنتَ عايزه أنا خلاص جبت آخري منكم.
انهت حديثها وعادت إلى غرفتها مرة أخرى صافعة الباب في وجهه بعنف….
❈-❈-❈
طال انتظاره، فحان منها التفاتةٌ إليه، فوجدته يقف بحلّته الباهظة التي لا تتماشى مع المكان، وكأنّه قطعةٌ منتزعة من عالمٍ آخر. كان حضوره طاغيًا رغم بساطة المحيط، وهيبته تفرض نفسها بصمت، بينما ازدادت حيرتها وهي تتساءل كيف لرجلٍ مثله أن يبدو غريبًا ومألوفًا في آنٍ واحد.
ما كادت تنظر أمامها مرةً أخرى، حتى باغتها ضوءٌ أحمر يستقرّ على جاكيت بدلته. ارتعشت أوصالها، واجتاحها شعورٌ خانق بالذعر. راحت تجيل بصرها في المكان تبحث عن مصدره، إلى أن وقع نظرها على سيارةٍ تقف بالقرب منهما، ومن خلف زجاجها انكشف وجه أسوأ كوابيسها… آزاد.
كان يمسك مسدسًا، يوجّهه بثباتٍ قاتل نحو إلياس، لم تعِ نوران ما حدث بعدها، لم تشعر بنفسها إلا وهي تهبط من السيارة وتركض نحوه بكل ما تبقّى لها من قوة، والهواء يتمزق مع صرختها المذعورة وهي تنادي باسمه:
«إلياس……!»
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
