قسوة نصار - الفصل 14 | توتا محمود

قراءة رواية قسوة نصار كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: قسوة نصار

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: توتا محمود | الفصل: الرابع عشر 


تجمد الزمن في تلك اللحظة وكأن أرواحاً قد أُزهقت، نظر «فارس» لها بصدمه وانحرج كثيراً وهي تعانـ ـق قميصه وتقـ ـبله، تلك المشاهد التي اخترقت بصره كسهام مسمومة؛ مما نظر إلى الأرض بإحراج شديد، وقد تلونت وجنتاه بلهيب الخجل الممزوج ببركان من الغضب الذي لا يكاد يجد له مخرجاً، فاشتعلت أعصابه حتى بات جسده يرتجف من حدة الضيق، مما حمحم بصوت عالي، زئير مكتوم رج أرجاء الغرفة، جعلتها تشهق بذعر كمن سقط في هاوية سحيقة، ووقع القميص منها وكأنه جمرة ملتهبة لا تحتمل لمسها، مما نظرت له بصدمه مروعة، وهي تشعر بالتوتر والخجل ينهشان أحشاءها نهشاً، والدم يتجمد في عروقها من هول الموقف:


ـ سي فارس انا …. كـ …. كنت بـ….


لم تكد حروفها المبعثرة تجد طريقها للهواء، حتى قطعها هو بحده قاسية، ونبرته كالمشرط الذي يشق الصمت، ومازال يرفض رفع عينه، ناظراً الي الأرض بجمود:


ـ فله أطلعي برا معلش عايزه انام .


كأن خنجراً طعن قلبها، هزت رأسها بانكسار، وكادت أن تخرج بالفعل، لكن عيناها خانتها و انجذبت نحو القميص الملقى كأنه أثرها الوحيد، مالت بجسدها المرتعش وكادت أن تميل وتمسكه بيـ ـدها، غير أن صوته الصارم، كأنه صاعقة نزلت على رأسها، قطع حركتها تماماً:


ـ سيبيه .


وقفت أمامه متسمرة، كتلة من التشتت والذهول، وهي لا تفهم ما سر تلك النبرة المرعبة، أيعقل أن رآها؟؟، قلبها راح يطرق كالطبول في صدرها المذعور، وهي تشعر بالتوتر يستولي علي جـ ـسدها كله، يجري في عروقها مجرى الدم من فكرة أنه رأها بهذا الشكل الفاضح لمشاعرها.


لحظ وقوفها الذي طال، ولم تتحرك ابداً، لذلك شعر بالضيق الشديد يغلي على وجهه، وهو يخرج من الغرفة، يجر خلفه ذيول الإحباط، بعد أن هتفها بضيق وملل يضج بالمكان:

ـ خلاص خليكي واقفة يا فله انا اللي ماشي .


خرج من الغرفة كالإعصار، إنما هي، وكأن مغناطيساً جذبها، اقتربت منها بلهفه جنونية وهي تنادي عليه بلهفه وتوسل، حتى خرجت من الغرفة خلفه، وكاد أن ينزل الدرج، ولكن يـ ـدها امتدت كالمستغيثة تمسك يـ ـده تستوقفه، وكادت أن تتحدث بكلمات التبرير، ولكن لم تكمل شفتيها الجافتين الا وهو يدفع يـ ـده بعيداً عن يـ ـدها، بحركة عنيفة خالية من كل رحمة، وهو يهتف بحده تهز الكيان:

ـ انتِ اتجننتي، إياكي تلمسيني مره تانيه انتِ فاهمه .


تراجعت للخلف، توترت أعصابها وانهارت حصون كبريائها، وشعرت بالحزن يعتصر قلبها من حركته هذه الجافة، ولم تحتمل صوته الحاد، مما بكت امامه بانهيار، فهي لم تحتمل لا نظراته القاسية ولا حديثه الحاد معها، فهي لم تقصد كل هذا القبح، كل الذي قصدته أن لا يغضب منها ابداً، نظر الي بكاءها بنظرات محيرة، واستغفر ربه في سره، كأنه يحاول كبح شيطان الغضب المستعر في صـ ـدره، وأشاح بنظره بعيداً عنها، مما أغمض عينيه بقوة وأخذ يستغفر ربه عده مرات، حتى هدأ قليلاً، وهتف بنبرة هادئة، لكنها تحمل ثقل الجبال:


ـ بصي يا فله انا وانتِ مينفعش وقفتنا كده، ولا ينفع اصلا تمسكني من ايدي وتبصيلي لان ده هتتحاسبي عليه، انا ليا مبادئي وبخاف من ربنا، فـ بتمنى انتِ كمان تعملي كده، انا واحد ليا حدود مش بتخطها، وانتِ برضوا لازم يكون ليكي حدود مينفعش تتخطيها لانك بنت ولازم تخافي من ربنا .


ختم جملته بتنهيدة مسموعة، تنهيدة زفرت معها كل ضيق صدره، وهتف بنفس الهدوء وهو مازال لا ينظر لها، لكنه سمع هدوء أنفاسها، مما يعني أنها توقفت عن البكاء وصمتت:


ـ اللي شوفته في الأوضة ميحصلش تاني وإياكي إياكي تقربي من الأوضة او من حاجاتي تاني .


رمشت عدة مرات، تحاول استيعاب الصدمة، لتدرك بوضوح جملته تلك؛ مما يعني انه رأها، رآها وهي تقبـ ـل قميصه وتعـ ـانقه بتلك الطريقه المفتضحة، مما شعرت بسخونه بشرتها تشتعل من الخجل الشديد، ومن الوضع الذي وضعت نفسها فيه، مما تردت وهي تنظر له، والي وسمته التي تخطف قلبها وتجعله ينبض بجنون، ولم تدري بنفسها الا وهي تهتف بحُب كبير، بحرارة خارجة من أعماق روحها:


ـ انا بحبك .


اصطدم هو الأخر وكأن زلزالاً ضرب أركانه، وجحظت عينيه بذهول قاتل، وهو مازال لم ينظر لها، عقدت حاجبيها بحيرة شديدة، وغير تصديق يغزو عقله؛ فهو متي تعامل معها حتى تحبه؟؟


متي نظر لها أو اجتمعوا هما الأثنين بمكان واحد لوحدهم حتي تحبه؟؟، فهو لم ينظر لها ولم يحدثها وهي تقول له انها تحبه؟؟


بالطبع فهي جنت، كاد أن يتحدث، ولكن قطعه نزول «سهر» من الدرج والسعادة تغمر وجهها المشرق، وهي تتجه له بحماس ولهفه لافتة:


ـ فارس فارس نصار جاه تحت مع واحده جامدة موت اجمد من العقربة اللي كانت معاه .


شعرت «فله» بالغيره السامة تنهش قلبها من حديثها، وكادت أن ترد حتى تستفهم من هذه الفتاة، ولكن قطعها اقتراب «سهر»، وهي تمسك يـ ـد «فارس» بقوة حتى يتوجهوا الى الأسفل، وبالفعل «فارس» استسلم لها ونزل الي الدرج معها وكأنه يهرب من جحيم مكانه.


مما اشتعل وجهها غيرة وحنقاً وهي تنزل الي الدرج هي الأخرى حتى ترى من هذه الفتاة التي «فارس» نزل لها سريعاً حتى يراها، ولم تعرف أن «فارس» لم يتجه الى هذه الفتاة حتي يراها، فهو يغض بصره دائماً، وإنما فعل هذا حتي يهرب منها لا أكثر.


دخل «نصار» إلى البيت برفقة فتاة، تتلفت حولها بانبهار طفولي، فهي تتميز بملامح مميزة، بشرتها بيضاء كالثلج وصافيه كالمرايا، وعينيها العسليتين تشعان ببريق آسر، وشعرها الطويل الحريري البني، والذي فيه من جانب أذنيها اليمين خصلة بنفسجية تضفي عليها طابعاً فريداً، وتضع ثلاث اقراط علي أذنيها، وكانت ترتدي بلوزة بيضاء بحمالات تضعها داخل بنطلون جينز واسع بشكل جيد ولابق، مما دخلوا إلى القصر وهي تنظر حولها بانبهار لا يوصف.


اقترب «فارس» منهم وعينيه وقعت عليها بعد ما تسلسلت رائحتها الجذابة إلى أنفه، نظر الي ملامحها التي تتأمل القصر بذهول، وتوجهت عينيها الى عينيه، تاهت في عينيها التي سحرتهم وسلبت منهم العقل، مما ابتسمت له براءة وظهرت أسنانها، مما أفاق من سحره، واستغفر ربه عدة مرات، وغض بصره بعيداً عنها بجفاء.


كانت كل هذا تتأمله بإعجاب، مما أفاقت هي الأخرى على عنـ ـاق «سهر» من «نصار» وهي تهتف بلهفة وشوق:


ـ حمد الله علي السلامه يا حبيبي. 


وكان كل هذا هدوء «نصار» وجهه تحكي الكثير والكثير عن الحزن والغضب الذي يسكنه، والذي لم يظهر عليه إلا عندما سمع الخبر، مما خرجت من احـ ـضانه، واقتربت من هذه الفتاة، مما تحدثت هذه الفتاة برقة، وعينيها يملؤن من الحماس الجارف:


ـ انتِ بقي سهر ولا سميحه؟؟؟


انبهرت «سهر» من حديثها العفوي مثلهم، وهي تهتف هي الأخرى بحماس مماثل:


ـ لا أنا الصغيرة سهر .


ختمت جملتها وابتسمت لها، مما اقتربت هذه الفتاة وعانـ ـقتها بحرارة وهي تقول برقة، وعينيها وقعت علي «فارس» الذي كان بعيداً نسبياً:


ـ اتشرفت بمعرفتك انا كيارا .


خرجت «سهر» من اعنـ ـاقها وهي تهتف بمحبة وهي تراقب ملامحها عن قرب، فهي شعرت بالراحه الغريبة من هذه الفتاة:


ـ اهلا يا حبيبتي نورتي .


لحظت «سهر» انها تنظر الي «فارس» بغرابة واهتمام، مما ابتسمت لها وهتفت بمحبة:


ـ ده بقي فارس اخو نصار الصغير .


مما هزت رأسها وهي تهتف بترحيب له بدون أن تقترب منه، باحترام ملحوظ:


ـ اهلا فارس


رد عليه بأختصار مقتضب، وهو مازال يغض بصره عنها بشدة:


ـ اهلا .


ختم جملته واقترب من «نصار» وهتف بقلق عميق وهو ينظر الي حالته:


ـ مالك ومقولتليش ليه انك جاي؟؟


نظر له وهتف بهدوء وبنبرة متعبة أنهكت روحه:


ـ مفيش بس عايزة انام شوية .


التفت الي «سهر» التي كانت واقفة بجانب «كيارا» ونظر الي «سهر» بهدوء آمر:


ـ سهر خلي الخدم يروقوا اوضة الضيوف، كيارا هتقعد معانا ومطوله هنا معانا شوية .


مما هزت رأسها، واتخذت من يـ ـدها و هتفت بحماس وهي تأخذها وتتجه الى الدرج، مما نظرت «كيارا» الي «فلة» وهي تتجه الى الدرج وتبتسم لها ابتسامة بريئة ، مما نظرت «فلة» لها باشمئزاز وضيق يغلي في صـ ـدرها، مما اتخذتها «سهر» سريعاً الى الدرج، وهي لم تفهم «كيارا»؛ لم تنظر لها بهذه النظرات المريبة؟؟؟

❈-❈-❈

في لحظةٍ تجلت فيها أسمى معاني اللهفة والارتباط، اندفعت «سما» بكل ما أوتيت من مشاعر جيّاشة وأمسكت يـ ـد «سالم» سريعاً، وكأنها تستمد من نبضِ عروقهِ الحياة ذاتها، وبترقبٍ يكاد يوقف أنفاسها، هتفت بلهفه ممتزجة بالأمل وهي تري الأجهزه التي بجانبها، تلك الأجهزة التي ترسم خطوط القدر البيانية، حتى تري نبضات قلبه، وجدتهم مازالت هي هي بنفس الإيقاع الذي يحمل في طياته ألف وعدٍ بالبقاء، حتى ارتسمت على ثغرها ابتسامة نورانية، وجلست على الفراش بجانبه بكل رفق، وكأنها تخشى أن تخدش سكون لحظته، و هتفت بسعادة حقيقية تملأ جدران الغرفة دفئاً:


ـ أنا متاكده انك هتفوق قريب يا سالم


أبحرت بقلبها وعينيها في تفاصيل ملامحه الوسيمة التي نالت منها وعثاء المرض، تلك الملامح التي رغم التعب، لا تزال تفيض بسحرٍ لا يُقاوم، فتجرأت كأنها تقتحم حصوناً من النور، و وضعت يـ ـدها تلمس وجهه بحنان، لمسةً خفيفة كأجنحة الفراشات، وكأنها تضخ الحياة في أوصاله، وهتفت بحنان مثل ملمس يـ ـدها، نبرة تذيب الجليد وتجبر الخاطر:


ـ وعارفه انك حاسس بيا وسامعني .


توهجت ابتسامتها أكثر، وكأن شمساً قد أشرقت في مقلتيها حتى ظهرت غمازتيها اللتان كانتا كبئرٍ من العسل، و هتفت بحماسٍ يملأ الأرجاء طاقةً وبشائر:


ـ ومتأكده انك لما تصحى هنبقي اصحاب اوي، بس انت قوم بسلامه وشد حيلك .


في لحظة من السحر الذي لا يدركه إلا المحبون، اقتربت من أذنيه وكأنها تودع في روحه سراً من أسرار القوة، وهي تهمس بفخر حقيقي له، وهي تري محاولته في الاستيقاظ، تلك المعجزة الإلهية التي تترجم في رعشات جفونه، وتري تحسنه المفاجئ حين جاء الي المنزل وكأن طاقة الحياة قد دبت فيه من جديد:


ـ انا فخوره بيك، فخوره بمحاولاتك، بكل حاجه بتعملها عشان متستسلمش .


ختمت حديثها بهذا الشجن العذب، وأخذت تتأمله بغرقٍ كامل في تفاصيله، وهي تستعد في الأيام المقبلة، تلك الأيام التي تؤمن إيماناً يقيناً بأنه سيستيقظ فيها بكل تأكيد ويبقي كصديق لها، فهي تائهة في هذه البلاد، تائهة في غربةٍ لا ترحم، وتريد من أحد أن يشعرها بالاطمئنان في عالمٍ يتأرجح، وهي تشعر، بل وتوقن بقلبها الذي لا يخطئ، انه هذا هو الشخص التي ستشعر معه بالاطمئنان حين يستيقظ .



❈-❈-❈



كانت «سميحه» تقف أمام المرآة تتأمل نفسها بإعجابٍ يغزو روحها، فهي ترتدي عبايه بيتيه لونها اسود فاحم كليلٍ بلا نجوم، مطرزة بألوان الذهبية التي تلمع كبريق القصور، واسعة عليها بشكلٍ انسيابي ينسدل على جسدها، بأكمامها الطويلة التي تضفي عليها وقاراً، وقد فعلت شعرها ذيل حصان مشدوداً يبرز تفاصيل وجهها المنحوت بدقة، وخرجت من غرفتها بلا من شقتها بأكملها بخيلاءٍ وثقة، وهي تتجه الى الدرج بخطواتٍ موزونة و متبخترة.


لفت انتباها مجئ «ورد» و «مروة» وخالتها كأنهم طوفانٌ من الضجيج، مما اتجهت وسلمت عليها بترحيبٍ مصطنعٍ بعض الشيء، وجلست بجانب زوجة أبيها التي كان بجانبها الكرسي فارغ، تنتظر لحظة الهدوء المفقودة.


وبعد قليل، دخل «نصار» بهيبته المعتادة يسلم على خالته بعدما علم بوجودها، مما انشغلت «سميحه» عنه قليلاً، فنظرت الى الهاتف وهي تفتح الفيسبوك بفضولٍ ينهشها، وتقلب عليه بمللٍ قاتل، وهي لم تركز معاهم ولا من حديثهم الذي بدأ يتلاشى في أذنيها.


فجأة، لفت نظرها منشور نشرته «سهر» كالنار في الهشيم، أخذت تقرأه وتلتهمه عيناها، مما عقدت حاجبيها بغضبٍ اشتعل كالجمر، فهذا المنشور شقيقتها تفضح شاباً يحاول أن يحدثها في تصرفٍ طائش، رأيت العديد من التعليقات وجدت ان البنات بأكمله يسخرون من الشاب ومن الرجال بأكملها، فـ مازالت تقرأ العديد من التعليقات وهي تشعر بالغضب يتأجج في صدرها اتجاه شقيقتها، قطع قرأتها لكزاتٌ حادة من والدة أبيها في ذراعيها، مما نظرت لها وهي في قمة دهشتها، وجدتها تنظر لها وتغمز لـ «ورد» بمعني أن تقول لها " ان تري نظراتها التي تتأمل «نصار» بعشق جارف " تكاد تلتهمه بها، مما أجبرت نفسها على التركيز في حديث «نصار» وخالتها:


ـ انا لما عرفت انك انتِ هنا قولت اجي اسلم عليكي .


ربتت خالته على يـ ـده بمحبةٍ غامرة وهي تهتف بلهفةٍ صادقة:


ـ تسلملي ويسلم سؤالك عليا يا بن الغاليه .


قـ ـبل رأسها وهو يهتف بمحبةٍ نابعة من أعماق قلبه واعتذارٍ رقيق لها كابنٍ بار، وهو يبتعد عنها بعد ما انتهى من حديثه بثقلٍ شديد:


ـ حبيبتي يا خالتي استاذن انا بقي عشان جاي من السفر تعبان وعايز انام والمرة الجاية ان شاء الله هعوضهالك وهقعد معاكي .


ختم جملته وكأنه يستعد للهروب من قيد اللحظة، وكاد أن يغادر ولكن وقفت «ورد» بلهفهٍ كادت أن تفضح مشاعرها وهي تنادي عليه، مما توقف والتفت لها باضطرار، مما هتفت بلهفهٍ مخنوقة:


ـ ما تقعد معانا يا نصار شويه نص ساعه مش هتغلبك يعني .


توتر «نصار» لدرجة أن عروقه كادت تبرز، وهو لا يحب أن يحرج احداً ولكنه متعب حتى النخاع، ويشعر بالضيق يخنقه بعد ما سمع الخبر الصادم بان «فيروز» ملك أحد أخر غيره، فهو لا يريد أن يلاحظ احدٌ ضيقه بهذا الشكل الذي قد يكشف انكساره، لذلك نظر الى «سميحه» التي تتابع الموقف بصمتٍ مراقب، نظر لها نظره فهمتها هي في الحال، كأنه يستنجد بها، يصرخ بصمت أن تنقذه من هذا الموقف المحرج، مما وقفت «سميحه» بجانب شقيقها وهي تربت على كتفه كأنها درعه وحاميته :


ـ اطلع نام يا حبيبي وارتاح .


ختمت جملتها ونظرت بسخريةٍ لاذعة لابنه خالتها وهي تهتف بنبرة نفس نظراتها السامة:


ـ جرا ايه يا ورد هو هيطير منكم يا حبيبتي، الراجل لسه جاي من السفر وعايز يرتاح سيبيه يرتاح .


مما توترت «ورد» وكأنها صُفعت بكلماتها، وهي تنظر إلى مغادرة «نصار» المتسارعة، مما هتفت بهدوءٍ يخفي داخله توتر كبير لها:


ـ مقصدش يا سميحه انا بس عايزه اخفف عنه شويه ومش عارفه .


مما ابتسمت لها «سميحه» بسخريةٍ مريرة ونظرت لها هذه المره بحدهٍ تسبق العاصفة:


ـ لا اطمني هو مش محتاج حد يخفف عنه هو كويس اوي كمان .


ختمت جملتها وهي تنظر لخالتها التي تتحدث مع والدتها في تفاهات الأمور، مما هتفت باعتذارٍ مقتضب هي الأخرى:


ـ عن اذنك يا خالتي انا طالعه فوق عشان الجو بقى حر جدا فجاة .


مما هزت خالتها رأسها وهي لم تفهم حديثها، ظنت أنها بحسن النية فقط، ولكن «مروة» شعرت ان في شئ قد حدث معاها، لذلك رمت حديثها وهي تقصد «ورد» بهذا الحديث المبطن، مما نظرت «سميحه» لـ «ورد» بحدهٍ تقطع الأنفاس، وتركتها وغادرت وهي تمشي بغضبٍ متقد، متجهة الى غرفة «سهر» وهي تتوعد لها وتغلي دماً عن ما فعلته بذلك المنشور الذي أهان كرامة الرجال!



❈-❈-❈


كان «حازم» يقود سيارته بكل ما أوتي من سرعة، ينهش الطريق نهشاً وكأنه في سباق مع الزمن، وهو يخرج من القرية كالسهم المنطلق، فقد تأخر عن عمله كثيراً، والضغط يتراكم على صدره كالجبال، فوالده قد أرهقه بحديثه المستفيض، شاكياً له عن «زياد» وأفعاله المتهورة التي لا تنتهي، لذلك استسلم لحديثه صاغراً، فكان السمع والولاء لوالده، لكن الثمن كان غالياً، فقد تأخر علي عمله بسبب هذا الانشغال الإجباري الذي سلب منه هدوء صباحه.


وقف بسيارته الفارهة أمام السوبر ماركت، يترجل منها بملامح يكسوها الإرهاق، ليشتري كوب قهوة لعل حرارته تطفئ نيران التوتر في جوفه، وبعد دقائق خرج والقهوة في يده، يتطلع إلى يومه المزدحم، وكاد أن يركب سيارته، ولكن في لحظةٍ تبدل فيها كل شيء، وجد طوبة غادرة أُلقيت علي سيارته بحده مرعبة، مما انكسر زجاج سيارته المتهشم وتناثرت شظاياه كبلوراتٍ تحطمت في قلب هدوئه، مما ابتعد بجسده غريزياً وهو ينظر بذهولٍ شلَّ أطرافه الي فتاة قصيرة القامة، ملامحها تشع بشراً وغضباً، وشعرها ربطه كحكه عشوائيه تتطاير خصلاته مع هواء الغضب الذي يحيط بها، وهي تلقي طوب أخرى على سيارته بكل قوة وبسالة، مما كسرت له الزجاج الأخر في لحظة من الجنون، وهي تهتف بغضب ولم تهدأ من ضرباتها بلا زادت، وصوتها يصدح كأنه رعد في السماء:


ـ عشان بعد كده تحترم البنات يا قليل الأدب، وتعرف أن بنات الناس مش لعبة، حسبي يالله ونعم الوكيل فيك .


ختمت جملتها، وفي حركةٍ سينمائية لا يصدقها عقل، مسكت طوبة كبيرة، وكأنها تملك قوة بأسٍ خارقة، جعلت الزجاج بأكمله الذي يخص سيارته انكسر بأكمله في منظرٍ مهيبٍ من الخراب، ده غير المصابيح الذي في سيارته التي تحطمت في ومضةٍ خاطفة، وبعد ذلك ركضت كالفراشة في التوكتك الذي كان خلفها، وانطلقت به مبتعدة عن مسرح الجريمة الذي خلفته خلفها.


وهو مازال مصدوماً، يقف كتمثالٍ من حجر، وينظر لـ سيارته بصدمه لا توصف، وينظر إلى الطريق التي غادرت فيه الفتاة بصدمة تعصف بكيانه، نظر الى الناس التي تجمهرت، تنظر له بشماته وكأنه ارتكب جريمة لا تُغتفر، مما اقتربت سيدة عجوز، تقترب منه بخطواتٍ بطيئة وعيونٍ تقدح شراً، وهي تنظر له باشمئزاز مقزز:


ـ مش عيب علي سنك تتسلي ببنات الناس حسبي يالله ونعم الوكيل في اللي زيك


صُعق تماماً من حديثها، تجمدت الدماء في عروقه من هول الاتهام، فهما يتحدثون عنه هو؟؟؟، عن حازم الذي يغض بصره ويتقي الله في خطواته؟؟ فهو لم يحدث فتاة طول عمره، لم يرفع لنظر فتاة أبداً، ويعيش حياته في سياجٍ من الأخلاق والمبادئ، والآن، وفي لمح البصر، يقولون أنه يتسلى بالفتيات؟؟ لقد كانت الفضيحة كالصاعقة التي أصابت كرامته في مقتل.



❈-❈-❈



كانت «سهر» تجلس أمام الهاتف بوضعيةٍ تشبه الانحناء، حيث يلتهم الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة ملامحها، تستمع الى فيديوه مراجعة محمد صلاح مدرس لغة عربية، وملامحها منهمكة ومرهقه جداً، كأنها تحارب في معركةٍ لا هوادة فيها ضد تعقيدات اللغة، مما قطع تركزها صوت فتح الباب فجأة وبقوة، كأنه صرخةٌ مدوية في سكون الغرفة، مما نظرت الى الداخل برعبٍ مباغت، وجدتها «سميحه» تقتحم المكان كالإعصار، مما وقفت الفيديوه وهي تنظر لها بحيرة تملأ عينيها المذعورتين، مما اندفعت «سميحه» اتجاها بلهبٍ مشتعل في عينيها، وهي تهتف بعصبيه تكاد تفجر عروق رقبتها:


ـ بقي في واحده محترمه اهلها مربينها تعمل اللي بتعمله ده؟؟


نظرت لها بحيرة أكثر، وقلبها يخفق كالطير المذبوح، وهي لم تفهم معني حديثها، مما هتفت بتوترٍ يرجف صوتها:


ـ عملت ايه؟؟


اقتربت منها بحدهٍ كأنها ستقذفها بجمر الغضب، جعلتها تتراجع الي الخلف بتلقائيه وخوفٍ فطري، وهي تهتف بعصبيه أكثر، وصوتها يتردد صداه في الغرفة:


ـ اي الزفت اللي انتِ منزلاه ده، مش مكسوفه من نفسك وانتِ عامله حفله لراجل ميعرفكيش ولا تعرفيه اصلا .


مما هتفت هي الأخرى بنفس النبرة، مدافعاً عن نفسها بضراوةٍ ومقاومة:


ـ والله هو المفروض يتكسف مش انا هو اللي طلب يكلمني وهو خاطب .


هتفت هي بحده أكثر، وشعرت بالعصبية اتجاها، بعصبيةٍ تفوق الوصف بعد ما نظرت لشقيقتها ولعاندها التي لا تعترف بغلطها، وكأنها ترى الغباء يتجسد أمامها:


ـ مفكرتيش لثانيه واحده لما تعرف خطيبته هتحس بـ ايه؟؟، معاكي انه الراجل غلط بس انتِ افورتي اوي، كنتي اعملي حساب لخطيبته وتراعي مشاعرها .


مما بلعت بما جوفية بتوترٍ شديد، كأنها تبتلع كتلةً من النار، وهي تهتف بتوتر وخوف من ردة فعلها:


ـ مهي فركشت الخطوبة .


جحظت عينا «سميحة» في صدمةٍ مميتة، وكأن الأرض انشقت لتبتلعها، وهي تهتف بصدمه: 


ـ أي فركشت الخطوبة؟؟؟


هزت رأسها بدون أن تتحدث، كأنها تعترف بخطيئةٍ لا تُغتفر، مما جن جنونها، وهتفت بعصبيهٍ جنونية فقد طفح بها الكيل من تصرفات شقيقتها الحمقاء التي لا تدرك عواقب الأمور:


ـ انتِ السبب في فركشة الخطوبة وتأكدي ان ربنا مش هيسيبك امسحي المنشور ده دلوقتي واحمدي ربنا انه نصار ولا فارس مشغولين مشافوش المسخره وقله الادب دي، كانوا هما اللي اول ناس تقفلك .


ختمت جملتها و«سهر» تمسك هاتفها، وأصابعها ترتجف من هول الموقف، تحذف المنشور، ونعم هي شعرت بالذنب من فعلتها التي نخرت في ضميرها، مما هتفت شقيقتها بهدوءٍ مخيف هذه المره، هدوء يسبق العاصفة، جعلتها تشعر بالذنب أكثر واكثر:


ـ اي واحده بدالك متربيه كانت عملت لشاب بلوك وتريح نفسها من الحورات اللي تحصل بسببها، لكن انتي ابدا علطول تعملي فعلك من غير ما تفكري في غيرك، ومفكرتيش فى خطيبته لما تشوف البوست هيحصلها ايه، ودي كانت أقل ردة فعل هي تعملها انه تسيبه بعد الفضيحة اللي انتِ عملتيها، متتكررش تاني سامعة متتصرفيش من دماغك قبل ما تحسبي حساب لردة فعل غيرك .


ختمت جملتها ونظرت الي «سهر»، وجدت دموع مغرقه لؤلؤتها التي تتلألأ بحزنٍ ندم، مما تجاهلتها وهي تمسك الهاتف حتي تري انه اتحذف اما لا، وبعد ذلك اعطت هاتفها وغادرت بوقارٍ حازم، نعم هي قست عليها، ولكن عليها أن تتعلم، عليها أن تنضج من تفكيرها السطحي، حتي لا تري خسائر مرة أخرى بسببها في مستقبلاً مجهول.

❈-❈-❈


في جوف الليل ، حيث تسود العتمة وتتعالى أصوات الأنين المكتوم، كانت «سميحة» تأن بوجعٍ ينهش عظامها نهشاً، فـ كامل جـ ـسدها المنهك يؤلمها بقوةٍ تفوق احتمال البشر، مما بدلت ملامحها الشاحبة إلى ملامح الالم الممزوج بالانكسار، دخلت لها «فيروز» وفي يـ ـديها علبه المُسكن كأنها طوق نجاة، وفي يـ ـدها الأخرى كوب ماء، وبعد ثوانٍ من الترقب، أعطت لها حباية صغيرة هي الأمل الوحيد للسكينة، مما امسكتها «سميحه» بيدٍ مرتعشة وتناولته، مما هتفت بألمٍ يمزق نياط القلب:


ـ تعبانه اوي يا فيروز .


شفقت عليها «فيروز» شفقةً تملأ أرجاء الغرفة، وهتفت بحنانٍ يلامس الروح لها، وهي تمسد علي شعرها بأصابع دافئة:


ـ المُسكن هيخليكي احسن باذن الله اطمني .


وبعد ربع ساعه او أقل كانت «سميحة» قد استسلمت لنومٍ عميق بسلام، مما غطتها «فيروز» جيداًّ بحرصٍ أمومي، ودخلت المطبخ حتي تعمل لها شوربة خضار، غذاءً للروح قبل الجسد، حتي تأكلها وترمرم عضمها المنهك، مما تنهدت تنهيدةً تخرج من أعماق بحر أحزانها، وهي تمسد على بطنها بحنانٍ فائق، فقد تذكرت الليلة الماضية حين سألها ذلك السؤال الذي اخترق جدران سرها، حين سألها من هو والد الجنين .


flash back .


كانت «لوزة» قد وصلت معها الي البيت، و«إيهاب» بقي في الخارج ينتظر، استغل والداها انشغال الجميع بأن «لوزة» تجلس مع «فايزة»، مما أخذ «فيروز» بعيداً نسبياً عن الأنظار، وهو يهتف بشكٍ يحرق الأخضر واليابس، وينظر لها بعينين لا تعرف الرحمة وبلهجة هادئة مرعبة:


ـ ابنك اللي في بطنك ده ابوه يبقي باسم ولا إيهاب فعلا؟؟

نظرت له بصدمه مروعة، فقد قالت له الحقيقه منذ شهرٍ كامل وها هو يعيد الكرة ويسألها مرة أخرى، نعم فـ الأمور اختلفت جذرياً واكتشفت خيانه «نصار» لها، وإذا قالت انه من «نصار» فالعواقب وخيمة؛ ممكن أن يضربها حتي تجهض، مما بلعت بما جوفيها وهي لا تعرف الأجابة ابداً، غارقة في بحرٍ من الحيرة والخوف.


لحظ توترها الفاضح وخوفها الذي يرتجف له الجسد، مما هتف بحنانٍ زائف لأول مره وهو يسهل لها الأجابة التي يريد سماعها لتستر فضيحة العائلة:


ـ من إيهاب صح عشان كده طلب ايديك .


تنفست بصعوبةٍ كأن الهواء شح في صدرها، وهي تدري وتعرف جيداً ان البلد بأكمله يتحدثون عنهم هما الأثنين في كل مجلس، لذلك تقدم «إيهاب» لخطبتها وسيتزوجها علي حسب حديث «لوزة» الماكر، التي أقنعتها بضرورة هذه الكذبة حتي تستر ما تبقي من سمعتها المهشمة.


كادت أن تهتف بحقيقةٍ تود قولها، ولكن جاءت «لوزة» كأنها تستمع لحديثهم من خلف الجدران، مما هتفت بمزاحٍ ثقيل لـ «سيد» :


ـ في ايه يا سيد انت عايز تكسف البت، البت سكتت والسكوت علامه الرضا وانا جيت قولتلك ان ابن فيروز بيكون إبن إيهاب، عشان كده إيهاب مش قادر يستحمل خايف علي حبيبته وإبنه، فـ اول ما شهور العدة تنتهي بتاعت فيروز، تاني يوم هيبقى فرح إيهاب وفيروز ولا انا اللي بقوله غلط، البت بطنها هتكبر بعد تلات شهور يا سيد في كده غلط، كل ما تأخرنا كل ما بطن البت كبرت ما شاء الله في لازم نستعجل يا سيد .


تنهد تنهيدة مسموعه من والدها وهو يهتف بهدوء بعد ما فكر في حديثها المسموم جيداً واقتنع به:


ـ معاكي حق يا لوزة عشان كده انا موافق .


ختم حديثه وهو يخرج لـ «إيهاب» ببرودٍ يثير الرعب، وهو يهتف بهدوء:


ـ هروح اقف مع إيهاب برا، عن أذنكم .


مما تأكدت «لوزة» من خروج «سيد» حتي نظرت لـ «فيروز» التي بات علي وجهها الحزن الذي لا يزول، مما هتفت بنفاذ صبرٍ شديد:


ـ مالك يا ختي اديها كل حاجة اتحلت اهي، وابوكي مش هيقربلك عشات إيهاب اتقدم مالك بقي .


هتفت بألمٍ يقطر دماً من قلبها وهي تنظر لها بعيون غارقه في الدموع الحارقة:


ـ صعبان عليا نفسي انا عمري ما عملت حاجه غلط، واكدب بالطريقة دي بس عشان نصار .


مما نظرت لها «لوزة» بعصبيه جاحظة وعينيه تنظر لها من الغلِ المكبوت:


ـ ايوا هو السبب، ده قال لاهل البلد كلها انك خونتيه، ولو قلتي لابوكي انك حامل منه، مش هيرحمك، هيضربك ويكسر عضمك عشان هيشوف انك عايزه تخربي علي اختك وتقيدي نار انتي مش قدها .


مما بكت امامها بكاءً مراً وهي تهتف بحزنٍ يملأ قلبها ويحطمه:


ـ متقلقيش مش هقوله انا بس صعبان عليا نفسي .


مما ربتت «لوزة» علي كتفها وهي تنظر لها بسعادةٍ شيطانية:


ـ بكره وبعده تولدي، وإبنك هيلاقي أب يحبه والناس كلها تحترم إبنك عشان عنده أب يعلمه احسن تعليم في الدنيا، ومتقلقيش انا فهمت إيهاب علي كل حاجه ومش هيضغط عليكي، ده إيهاب بس بينقذ سمعتك واللي هيحصلك من ابوكي .


مما هزت «فيروز» رأسها بتفهمٍ منكسر وهي تمسح عينيها، ولم تنظر لـ «لوزة» التي ابتسمت لـ «سميحة» التي تتبع حديثهم وتضحك بخبثٍ شيطاني هي الأخرى.

مما أفاقت «فيروز» على صوت والدها وهو يهتف بهدوءٍ مفاجئ:


ـ امال فين سميحة؟؟


ردت عليه بهدوء وهي تفعل الطعام قبل أن تستيقظ «سميحة» :


ـ خدت المُسكن ونايمة .


مما نظر لها بهدوءٍ غامض، وقبل أن يخرج من المطبخ هتف بلهفهٍ غريبة:


ـ طيب انا هصحها عشان عايزها في موضوع واعمليلي كوباية شاي عندك .


لم ينتظر ان يسمع ردها، مما دخل الغرفة واغلقه بإحكام حتي لا تستمع «فيروز» بما يقولانه، مما اقترب منها ونادها مرتين حتي استيقظت، وجلست نصف جلسه علي الفراش بأنزعاجٍ شديد:


ـ أي يا بابا في ايه


جلس علي الكرسي الذي كان بجانبها، وهتف بصوت منخفضٍ يحمل أوامر لا تُناقش:


ـ سميحة انتِ ان شاء الله لما تقومي بسلامه هتروحي بيت جوزك .


مما نظرت له بحدهٍ كالسيف، وهتفت بصدمهٍ تجمد الأنفاس:

ـ اي ؟؟؟


مما نظر لها بحده وهو يهتف بغضبٍ متقد:


ـ زي ما بقولك انتِ لازم تعملي دورك علي اكمل وجهه معاهم، وكمان انا سمعت من رجالة القهوة ان الراجل لما يكون في غيبوبة بيحس بكل حاجه ولما بيفوق بيبقي فاكر، فـ هو لازم يعرف انك كنتي جنبه طول الوقت، وعشان سمعتك متبقاش في الطين زي اختك في البلد، لأن البلد مركزه عليكم بعد عمله اختك .


نظرت له «فايزة» وقد اقتنعت تماماً بحديثه، وهتفت بهدوءٍ مطيع:


ـ ايوا فعلا انت معاك حق انا لازم اروح، انا بس كان نفسي في فرح .


رد عليها بنفاذ صبرٍ شديد وهو ينظر لها بغضبٍ عارم:

ـ مش هيعملوا فرح، لان علي لسه مكملش شهرين ميت، وانا ناوي اني معملش فرح، إيهاب عايز يعمل فرح هو حر يعمل هو، عايز يعمل حنة برضوا هو حر انا مش هعمل .


مما هزت «سميحة» رأسها وهي تستعد لشفاء، حتي تعيش في هذا القصر ويتعاملون معها على أساس ملكة، وعندما تتخيل تلك الحياة يطرق قلبها بسعادةٍ غامرةٍ ومطامع لا تنتهي.

❈-❈-❈


بعد ثلاث شهور.. 


خرج من المسجد بعد أن أدى صلاة العصر، بقلبٍ ينهشه القلق وروحٍ تتوق للسكينة، وما إن وطأت قدماه خارج الباب حتى اصطدم بواقعٍ أشد قسوة من كل التوقعات؛ وجد رجالاً كثيرة يتكدسون أمام الشارع الرئيسي كأنهم جدار من الصمت المُريب، سأل عم عبدة بتساؤل يرتجف في نبراته وهو لا يفهم ما سر هذا التجمع الذي ينذر بوقوع كارثة، اقترب من عمه عبدة، وبخطواتٍ أثقلها الفضول، يسأله بحيرة تجتاح كيانه:


​ـ هو ليه اللمه دي كلها .


​نظر له بترددٍ يغلف عينيه وكأنه يحمل خنجراً سيغرزه في قلبه، وهو يهتف بأحراجٍ شديد:


​ـ دي، دي حنه فيروز وبكره الفرح عقبال ليلتك يا باشا .


​تجمدت الدماء في عروقه، اشاح نظره بعيداً عنه في محاولة يائسة للهروب من طعنة الكلمات، وانحبست انفـ ـاسه داخل صـ ـدره كأن أكسجين العالم قد نفد، وهز رأسه بدون أن يهتف بحرف، غارقاً في صمتٍ أبدي، نظر الي التجمع بحزنٍ يمزق الروح، فهو الذي يكون من المفترض أن تكون حنتهم معاً، هو الذي كان يجب أن يمسك يدها ليحتفل بها، لا أن يرى غيره يختطف حلمه أمام عينيه.


​بعد كل هذا تركته بقلبها القاسي؟؟


​بعد كل حبهم وعشقهم الذي أقسموا عليه تحت ضوء النجوم، تخلت عنه وذهبت لغيره بهذه البساطه؟؟؟


​بدأت الغشاوة تغزو بصره، دمعت عينيه بمرارةٍ لا تُحتمل وهو يتذكر احلامهم وشغفهم وحديثهم وعودهم التي تبخرت كالدخان في مهب الريح.


​تراجع الي الخلف بخطواتٍ متعثرة، وهو يحاول أن يذهب بعيداً، بعيداً عن هنا، عن هذا المكان الذي يفوح برائحة خيانتها، التفت بسرعه ولهفه، وهرول مبتعداً بسرعة جنونية، كأن الشياطين بأكمله تلحقه، وكأن ذكرياتها هي التي تطارده لتمزق بقايا قلبه.


​فهي لم تفكر بأي شئ سوى سعادتها الأنانية، لا تهمه هو ولا تهم أي احد، لا قلبها ولا ضميرها يرف له جفن.


​حتي لا تهتم بالذين فارقوا الحياة في تلك الحادثة الأليمة، لا تهتم بأي شئ سوى انها عروس الأن، اللعنة على تلك المرأة التي باعت الوفاء بثمن بخس.


​فـ لم يكمل أربع شهور علي موتهم، لم تجف دموع الفراق بعد، وها هي تحتفل الأن وتدنس ذكراهم بضحكاتها الفجة..


وصل الى البيت والدموع على وشك الهطول كأنها سيلٌ من العذاب لا ينتهي، حاول أن يحبسهم بقدر الكافي، يضغط على عيونه وكأنه يضغط على جرحه الغائر وهو يتذكر خيانتها، عندما رأها تعانـ ـق راجل غيره بهذه البساطه؟؟ مشهدٌ حفر في ذاكرته ككيٍّ بالنار، لا يغادر خياله ثانية.


فهو لم يصدق أي شئ مما رأي، وظل مصدوماً يومها، روحٌ معلقة بين السماء والأرض، حتي افاق من خيانتها المزعومة، فهو في ظل الثلاث شهور لم يرأها والأن يتعمد أن يراها وهي عروس لغيره، كأنما يُساق إلى مشنقة كرامته، لذلك الراجل الذي خانته معه؟؟ تساؤلٌ ينهش عقله كالدود.


اتجه الى غرفته بخطواتٍ واهنة، ولكن سمع صوت والدتها والخادمة ينظفون غرفته، ضجيجٌ يزيده تنفراً، مما لجأ إلى غرفة «سالم» شقيقه الكبير، وقد تناسي امر «فايزة» أنها أصبحت تعيش في الغرفة، لم يعد يبالي بشيءٍ في هذا العالم القاسي.


وضع يـ ـده علي مقبض الباب، وكاد أن يفتحه ليغيب عن وعي الناس، ولكن توقف، تجمد في مكانه كمن أصابته صاعقة، حين سمع صوت «فايزة» وهي تتحدث مع أحد على الهاتف بصوتٍ يقطر شراً:


ـ يعني ليلتها كان اخوك اصلا مش أنت .


عقدت حاجبيه بحيرة وهو لا يفهم من الذي تتحدث معه، مما كاد أن يتجاهل الأمر ويغلق الباب بهدوء بعد أن فتحه فتحة صغيره، ولكنه تجمد، ويـ ـده تجمدت، ارتجفت أوصاله حين سمع «فايزة» تقول بثقة وهي تلف في الغرفة كأفعى تعودت على اللدغ:


ـ ايوا يا باسم انا متأكده اني شربتها البرشام اللي ادتهولي، يبقي هي حضنت أخوك يومها ونصار شافها، بس انا بجد عملت كل حاجه قولتها، هو النصيب بقي اللي بعت اخوك في طريقها وحضنته بسبب المخدر اللي ادتهولها .


صمتت قليلاً، وهو «نصار» مازال يسمع حديثها بصدمة تفوق قدرة البشر على الاحتمال، وبعد ثواني ردت عليه بحزن وعصبيه مكبوته، كأنها تحاسبه على إجرامها:


ـ كنت عايزني اعمل ايه اضطريت احط ايدي في ايد لوزة عشان الطلاق يتم وإيهاب ياخد فيروز، انا عملت اللي قولتلي عليه بالظبط رميت الفلانه اللي ادتهالي وحطيت الفلوس في الدرج يومها و اضطريت اكدب علي نصار في العيد واقوله كلام يشكك في فيروز انا مقصرتش معاك في حاجه حتي الاخبار كنت بقولهالك أول بأول فـ متجيش تعمل نفسك مقموص دلوقتي .


جحظت عينيه وهو يرمش عده مرات كأنه يستوعب حديثها، فكأن جبالاً من الثلج انزاحت عن بصيرته، فهو لا يستوعب انها فعلت كل هذا، وجعلته يصدقها ولا يصدق حبيبته التي كانت طهر قلبه؟


نظر لها وهي تتحدث بضراوة، تهتف بعصبيه وحده وهي مازالت تلف علي الغرفة ذهاباً وإياباً، كأنها في ساحة معركة انتصرت فيها:


ـ نصار ميعرفش ولا هيعرف أن ابن فيروز يبقي من إبنه ومن صلبه لان هو فاكر لحد دلوقتي أنه هو ابن إيهاب، يبقي انت بتقول ايه اصلا؟؟ .


تنهدت بعد ما خرجت الكلام من حديثها، وهتفت بملل كأنها انتهت من حياكة نسيج مؤامرتها:


ـ طيب طيب هعمل اللي انت عايزاه، وانا وشويه وهروح الحنه وهعدي عليك ، سلام دلوقتي .


ختمت حديثها وأغلقت الخط وتنهدت بعمق، وبعد ذلك دخلت الي المرحاض حتي تأخذ شاور يريح جـ ـسدها، أما هو، اغلق الباب بهدوء، كأنما غادر عالم البشر ودخل في عداد الموتى، ودخل غرفته بغضبٍ يعجز عن وصفه بشر، ولم يجد والدته ولا الخادمه، اغلق الباب علي نفسه، وأوصد العالم خلفه وهو يتذكر رده فعل «فيروز» حين طلقها، فما الذي فعله؟؟


كيف ظلمها؟؟ كيف كان أعمى البصيرة وصدق كل شئ ولم يصدق دموعها او عينيها التي كانت مرايا للصدق، ولما لم تقول له شئ حتي تثبت براءتها، ولما فعلت «فايزة» و «باسم» و «لوزة» هذه اللعبه الحقيرة؟؟

كيف صدقهم ولم يصدق حبيبته التي كانت روحه في جسدٍ آخر؟؟


وقف أمام المرأه، كأنه يرى أمام نفسه شبحاً غريباً لا يعرفه، وهتف بعدم تصديق وهو يتنفس بغضبٍ حارق:


ـ انا ازاي صدقتهم، ازاي صدقتهم؟؟


لم يدري بنفسه وهو يمسك ازازه البرفان التي ممتلئة بالعطر الذي يضعه، وهو يدفعه أمام المرأة يكسرها إلى أشلاء، يتطاير الزجاج في كل مكان كأنه شظايا قلبه، ولم يكتفي بذلك، بل كسر كل شئ حواله، يحطم الواقع، يمزق الأثاث، وهو يصرخ بغضبٍ من نفسه، من حماقته، من طعنته لقلب حبيبته:

ـ ازاي صدقتهم..


« السابق جميع الفصول التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم