قراءة رواية (قسوة نصار) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (قسوة نصار)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (توتا محمود ) | الفصل: (الخامس عشر)
كانت السماء صافيةً بصفاءٍ سماويٍّ مذهل، وكأنها في لحظة تجلٍّ كونيٍّ قررت أن تحمل في طياتها كل فرحة الدنيا لتسكبها في قلب «إيهاب»، فتلك البهجة الغامرة لم تكن عبثاً، بل كانت تتويجاً لانتصارٍ عظيم؛ فاليوم ستصبح «فيروز»، حبيبة قلبه التي سكنت روحه قبل أن تسكن بيته، نصيباً له هو وحده، حلالاً زلالاً تحت سقفٍ واحد.
كان يقف في قلب الساحة، يتابع حركات العمال بانتباهٍ محموم وهو يتحدث مع الرجل المسؤول عن الزينة؛ زينة فرحه الذي طمح أن يكون أسطورياً، فكانت الأجواء من حوله عبارة عن لوحة فوضوية من الهرج والمرج، والكل يتحرك كخلايا النحل، فالليلة ليست ككل الليالي، إنها ليلة زفافه على «فيروز» قلبه.
ـ يا عم علي بلاش ورد لونه ازرق، هات ورد لونه احمر .
خرجت هذه الكلمات من «إيهاب» بحدةٍ ممزوجة بالتوتر، وهو يبتعد بخطواتٍ واسعة قليلاً عنهم، محدقاً بالأعلى ليراقب كيفية توزيع الأضواء، لكن وجهه انقبض بعبوسٍ واضح وهو ينادي على شخص آخر في الأفق:
ـ يا محمد هات دي كمان الحته دي، انا عايزه الشارع كله في أضواء .
ختم جملته بنبرة آمرة توحي بحجم الهوس الذي تملكه، ثم استدار ليبتعد، فاصطدم بـ «باسم» الذي كان يقترب منه بابتسامةٍ هادئة، وهتف بنبرةٍ جادة حاولت كبح جماح حماس شقيقه:
ـ الطباخ وصل هو والناس اللي معاه، وبدوأ يعملوا اكل .
عقد حاجبيه بحيرةٍ شديدة، ونظر له بعيونٍ غائصة في التعب والإجهاد:
ـ طب والعصاير؟؟؟.
نظر له «باسم» بمللٍ واضح وهو يهتف بنبرته السريعة التي تعكس ضيقه من تدقيق شقيقه المستمر:
ـ يا عم إيهاب مش قصة، هجبلهم كنز بيبس .
انتفضت ملامح «إيهاب» بالغضب، ورفع سبابته في وجه «باسم» كتحذيرٍ صارم:
ـ لا البيبس مقاطعه، خلي حد يعمل عصاير للناس .
تأفف «باسم» بضيقٍ شديد، ونظر له هو الآخر بنظراتٍ تعتريها علامات الإرهاق:
ـ يا عم مجتش علي يوم، ده يوم فرحك .
هنا انفجر «إيهاب» من العصبية، ونظر له بحدةٍ كادت أن تشعل النيران في المكان:
ـ باسم متتكلمش تانى، بيبس مش هدخله فرحي ولا هشتري، انا هخلي حد من الخدم يعمل عصاير للناس .
ختم جملته بحدةٍ قاطعة وغادر المكان سريعاً تحت أنظار «باسم» الذي كان يمسك وجهه بكف يده بغيظٍ مكتوم، متنهداً بيأسٍ فاق حده؛ فشقيقه يغوى التعب والتعقيد طول عمره ولا يرضى بالقليل.
ابتعد «باسم» بخطواتٍ بطيئة وهو يتأمل تجمع الناس الذين يكدحون في عملهم؛ فاليوم حنة شقيقه، وقد قبل بالأمر الواقع، وأدرك كل الخيوط من والدته إلا ذلك الشخص الغامض الذي يحركهم كقطع شطرنج في لعبة لا يفهم قوانينها، ضغط على والدته مراراً لتخبره بهويته، ولكنها بقيت كتومةً لا تبوح بشيء، ويبدو أن هذا سرٌ من ضمن الأسرار الكبرى التي يلفها الغموض..
دخل إلى بيته ليجد والدته في حالة استنفار قصوى، تصرخ في الخدم بصوتٍ عالٍ وهي تهتف بنبرة حادة كالسياط:
ـ اطبخوا انتوا وملكوش دعوه، إيهاب مش بيأكل من برا ابدا .
ختمت جملتها وهي تلتفت لخادمة أخرى وتهتف بلهجةٍ حازمة:
ـ وانتِ اطلعي اوضة إيهاب، هتلاقي شنط فيروز حطيها في الدولاب وظبطيها، وحطي الملايه الجديده اللى لسه جيبها والستاير متنسيش الستاير، انا عايزه الأوضة تبقي حلوه اوي، و التسريحه حطي الحاجه بتعت فيروز كلها وخلي الاوضة منظرها شيك اوى، وبعد ما تخلصي، هتلاقي في ورود كتير قطعيها على السرير وخلي منظر السرير حلو اوي وبعد ما تخلصي كل حاجه اقفلي الاوضة بالمفاتيح وتعالى .
هزت الخادمة رأسها بطاعةٍ عمياء وغادرت، وكل هذا يجري تحت أنظار «باسم» الذي ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة من تعليمات والدته المتسلطة، التي لم تكتفِ بذلك، بل أمرت خادمتين بفرش القصر بأكمله بفرشٍ وثير ولطيف، مع التشديد على تلك الأضواء التي يجب أن تغطي شرفات القصر بأسره.
أمرت خادمة أخرى بإعداد العصائر وخصصت أخرى لمساعدتها، حتى جلست أخيراً على أقرب مقعد من فرط التعب، ولاحظت وقوف «باسم» الذي كان يراقبها بنظراته، مما جعلها تهتف بحيرةٍ من وقوفه الصامت:
ـ واقف عندك بتعمل ايه ؟؟؟ .
ابتسم لها وهو يجلس بجانبها بمشاكسةٍ ومزاحٍ ليخفف عنها:
ـ بشوف لوزة هانم العسل بتعمل ايه .
ابتسمت «لوزة» لدلال ابنها وهي تهتف بتعبٍ ظاهر وتمسك رأسها بكلتا يديها من شدة الألم:
ـ والله مصدعه منمتش كنت بخبز انا والخدم عيش بلدي و مصري من الساعه 7 لحد 11 ونص وهموت وهنام .
ابتسم لها بمراوغةٍ ومشاكسةٍ لا تخلو من حب:
ـ تعيشي وتعملي يا لولو لابنك الثاني .
ابتسمت له بحنانٍ بالغ وهي تربت على كتفه بسعادةٍ غامرة:
ـ يارب يا باسم بس انت شد حيلك وقولي بس اسمها وانا هجبهالك لحد عندك .
في تلك اللحظة، ابتسم «باسم» لوالدته بفخرٍ حقيقي ممزوجٍ بمرارةٍ خفية، فوالدته كانت هي السند الذي عوضه مكان والده الراحل، كان يشعر بالحزن في أعماقه، نعم، لأنه هو الذي تمنى «فيروز» لنفسه، لكن شقيقه أرادها، ووالدته شعرت بلهيب ذلك الشوق في عينيهما، فخططت ودبرت وفعلت كل ما يلزم حتى يظل «إيهاب» هو النصيب المحتوم لـ «فيروز»، ولذلك صمت، صمت لأنه يحب والدته وشقيقه أكثر من أي شيء آخر في هذا الوجود.
❈-❈-❈
داخل أروقة غرفتها التي كانت ملاذها الوحيد، كانت «كيارا» تنسق ثيابها، وهي تسترجع في عقلها شريط أحداث يومها الطويل في جامعة أسيوط.
لقد كانت رحلةً شاقة، واغتراباً جديداً فرضته عليها رغبة والدها الجامحة، الذي أصرّ أن تنهل من علوم وطن أجدادها، بلد جذورها التي لم تكن تعرف عنها سوى ما نُقل إليها في الحكايات.
تنهدت بعمق، وشعورٌ بالوهن ينهش معدتها؛ فقد ظلت طوال النهار خاوية الأمعاء، لم يطعمها شيء منذ بزوغ الفجر.
اختارت بعنايةٍ فائقة بلوفر أبيض فضفاض، يتدلى بانسيابية على جسدها، ونسقته مع بنطال أسود واسع، فهي قد باتت تدرك جيداً تلك التقاليد المتوارية خلف جدران هذا البيت، والتي تفرض عليها التخفي خلف ثيابٍ محتشمة.
خطت خطواتها خارج الغرفة، متجهة بلهفةٍ نحو المطبخ، حيث تعبق الأجواء برائحة طعام الغداء.
لكن بمجرد أن وطأت قدماها العتبة، تجمدت في مكانها؛ فقد اصطدمت عيناها بنظرات «فلة»، تلك النظرات التي كانت تنهش كرامتها بشراسة، نظرات محملة بسموم الكراهية والغيرة.
شعرت برعبٍ يسري في أوصالها، فقررت الانسحاب والتراجع للوراء في صمتٍ ذليل، دون أن تدرك أنها كانت تتراجع مباشرةً نحو رجلٍ يقف خلفها كالجبل، يراقب المشهد برمته، يحلل نظرات «فلة» الحاقدة، ويرصد ارتباك «كيارا» المذعور.
وبصوتٍ عميق، رجّ كيانها وأشعل في قلبها رعشةً مفاجئة، هتف بهدوءٍ حاد:
ـ كنتِ عايزه ايه من المطبخ ورجعتي كده؟؟
استدارت بجسدها المرتجف لتجده أمامها، غاضاً بصره بوقارٍ كعادته، لا يمنح عينيها فرصةً لتستقر في عينيه. وبنبرةٍ تتقطع خجلاً وتردداً، أجابت:
ـ مفيش حاجه كنت بس بشوف اخبار الأكل اي .
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، كان يعلم يقيناً أنها تكذب، كان يرى بوضوح كيف دخلت المطبخ بلهفةٍ طفولية، وكيف انطفأ بريقها بمجرد أن اصطدمت بنظرات «فلة» القاتلة. احتدّت نبرته، وقد استبد به غضبٌ مكتوم من كذبها الذي يظنه حمايةً لنفسها:
ـ بصي انا مبحبش الكدب هتقولي داخله المطبخ ليه واساعدك، ولا مش هتقولي واتكل علي الله؟؟
بدت ملامحها وكأنها ستذوب من الرقة، وهي تهمس بصوتٍ واهنٍ يقطر براءةً:
ـ كنت جعانه مكلتش من الصبح ولا حتي اتعشيت امبارح، في دخلت المطبخ لاقيتها مازالت بتبصلي بصات وحشة وغريبة مع اني معملتلهاش حاجة خالص، كل ما اقول هي تقريبا متضايقة من وجودي، في بطلت اقعد في مكان هي فيه، بس دي الفكره ولما لاقيت بصاتها كده، فـ رجعت وبعدت عن المطبخ .
عقد «فارس» ذراعيه أمام صدره الصلب، يستمع إليها بإنصاتٍ عميق، وعيناه مغلقتان في محاولةٍ للسيطرة على حدة الموقف.
لقد أدرك الآن بوعيٍ مؤلم أنه هو السبب في هذا العذاب، هو شرارة الغيرة التي تحرق «فلة» وتطال نيرانها «كيارا».
وبذات الهدوء الذي يخفي وراءه بركاناً من المشاعر، هتف بنبرةٍ تحمل وعداً بالاطمئنان:
ـ سيبك منها، اقعدي عادي في اي مكان براحتك، طالما معملتيش حاجه وحشه لحد، يبقي اقعدي في اي مكان انتِ عايزاه، خليكي واثقة في نفسك وامشي مبدأ طالما انا معملتش حاجه لحد يبقي طظ في الكل .
ارتقبت «كيارا» كلماته، وكأنها طوق نجاةٍ أُلقي إليها في بحرٍ هائج. شعر هو بوقع نظراتها الممتنة على وجهه، فغضّ بصره أكثر، محاولاً الهروب من تأثيرها الطاغي، ثم أضاف بهدوءٍ آمر:
ـ روحي المطبخ بقي زي الشاطره روحي اعملي سندوتش وسيبك منها كأنها مش موجودة .
ترددت، والشكوك تنهش ثقتها؛ خافت أن تتحول وجبتها البسيطة إلى معركةٍ لا طاقة لها بها:
ـ انت متأكد انه مش هيحصل حاجه ؟؟
أدرك حجم الخوف الذي يكبّل روحها، فلم يدرِ بنفسه إلا وهو يطلق كلماته بجديةٍ حازمة، قاطعة لكل شك:
ـ متقلقيش انا في ضهرك .
ابتسمت له بامتنانٍ غامر، وكأن تلك الكلمات قد منحتها درعاً لا يُقهر.
غادرت أمامه بكل ثقة، بينما بقي هو يراقب المشهد المشحون، مقترباً أكثر ليضع كل حركةٍ تحت المجهر.
رآها تدخل المطبخ، تلقي التحية على الجميع بذكاءٍ اجتماعي، تتجاهل وجود «فلة» تماماً وكأنها هواء، تفتح الثلاجة، وتخرج علبة الجبن وطبق اللانشون. وعندما احتاجت للخبز، وجدته بجوار «فلة»، فوقفت بجانبها ببرودٍ أعصابٍ جليدي، تتجاهلها وتتجاهل سموم نظراتها التي كادت أن تحرقها.
حاولت «فلة» أن تفتح فمها، لكنها تراجعت حين رأت «فارس» يراقب كل حركةٍ تقوم بها تلك الفتاة، مما أشعل الغيرة في دمائها؛ هل يعقل حقاً أنه مهتمٌ بها إلى هذا الحد؟
في الواقع، لم يكن «فارس» ينظر لوجهها، بل كانت عيناه تلاحقان حركات يديها الرقيقة، مشدوهاً بتصرفاتها.
وبعد أن أعدت شطيرتها، وأعادت الأشياء إلى مكانها، ابتعد هو بخطواتٍ وئيدة، غاضاً بصره، ليسمع خطواتها تتبعه وهي تهتف بحماس:
ـ عملت سندوتش، وتجاهلتها زي ما قولتلي لقيت نفسي مرتاحة أكتر شكرا يا فارس .
رسم على وجهه ابتسامةً عذبةً، أسرت قلبها وأوقعت كيانها في حبائلها، وأجاب بهدوء:
ـ الشكر لله وحده، انا معملتش حاجه، افضلي بس على نفس نظامك ده وهترتاحي أكتر .
هزت رأسها بإيماءةٍ طفولية، صامتةً وكأنها لا تجد من الكلمات ما يوفي امتنانها، فهتف هو بنبرةٍ هادئة وهو يوليها ظهره:
ـ انا همشى انا بقى عن أذنك .
غادر بخطواتٍ ثابتة، بينما ظلت هي تلاحق طيفه البصري، تتأمل ظهره بفضولٍ، قبل أن تدير وجهها وتتجه إلى غرفتها، تلتهم شطيرتها بهدوء، وقلبها يخفق بنبضاتٍ جديدة لم تعهدها من قبل.
❈-❈-❈
كان «نصار» منهاراً على أرضية الغرفة الباردة، جسده ينتفض بعنفٍ وكأنه يركض في سباقٍ أبدي مع الزمن، أنفاسه متسارعة، متلاحقة، تخرج من صدره بضيقٍ خانق كأنما يحاول سحب الأكسجين من فراغٍ قاتل.
في تلك اللحظات من العزلة الموحشة، انفتحت بوابات الذاكرة لتجتاح كيانه كالإعصار، مستحضرةً كل لحظة، كل تفصيلة، منذ تلك الليلة الملعونة التي رأى فيها فيروز بين أحضان غيره، وحتى هذه اللحظة التي تجرع فيها مرارة الخيانة.
لقد كانت حياته مسرحيةً تراجيدية، وكانوا هم المخرجون الذين يحركون خيوطها، حيث تلاعبوا به وبـ «فيروز» كما يحرك لاعبٌ محترف قطع الشطرنج فوق رقعةٍ من دماء، كيف انطلت عليه تلك الحيلة الدنيئة؟ كيف عميت بصيرته عن رؤية الحقيقة التي كانت تصرخ في وجهه؟ كيف ابتلع الطعم وصدق أكاذيبهم المسمومة؟
تذكر ملامحها وهي ترتجف أمام طوفان اتهاماته، تذكر عينيها اللتين كانتا تغرقان في بحور من الدموع التي لم يرحمها قط، لم ينصت لنداء قلبها المكسور، ولم يسمح لنفسه بسماع الحقيقة التي كانت تلوح في الأفق، حتى «إيهاب» ذلك الرجل الذي اتهمه بالخيانة، اكتشف الآن أنه كان يحاول يائساً أن يفتح عينيه على سوء الفهم القاتل، مما يعني أنه لم يكن جزءاً من تلك المؤامرة الدنيئة، لم يكن يداً في تلك الخطه اللعينة التي حيكت في الخفاء لتمزيق قلبه.
أغمض «نصار» عينيه بقوة، كأنما يحاول حجب ضوء الحقيقة الباهظة التي بدأت تتجلى أمام ناظريه، وبدأ عقله يغوص في دوامةٍ من الحيرة والتساؤلات التي لا تنتهي ماذا سيفعل الآن وقد طلقها طلاقاً بائناً بينونة كبرى؟
شعر بجمر الندم يحرق أحشاءه، صرخ في أعماقه صرخة صامتة من فرط غبائه، كيف طاوعه قلبه القاسي أن يرتكب في حقها كل هذا الجرم؟ كيف تجرأ أن يلقي بـ «فيروز» إلى المجهول؟ والآن، تأتي الحقيقة كالصاعقة إنها ستكون لغيره، ستصبح زوجة لرجلٍ آخر، ستتلاشى أحلامهما في مهب الريح.
لكن.. لا، لن يسمح بهذا أبداً لن يرضى أن يكتب القدر نهايةً لا يراها مناسبة.
انتفض من مكانه كالمجنون، وقد استقر في قرارة نفسه عزمٌ لا يلين«فيروز» له، وستظل له، ولن تكون لغيره ما دام في صدره نبض.
لا بد أن يتحرك الآن، لا بد أن يشعل فتيل الغضب، أن يقلب الطاولة على رؤوسهم جميعاً، أن يوقف تلك الزيجة اللعينة التي ستكتب نهاية روحه، وأن ينسف مخططاتهم الشيطانية قبل أن يكتمل بناؤها.
❈-❈-❈
أسدل الليل ستائره الثقيلة على البلدة، مُعلناً عن ليلةٍ لا تُشبه غيرها، بينما كانت الأجواء في الخارج تضجُّ بصخب الزغاريد التي تخترق جدران القصر، أصواتٌ تشعُّ فرحاً زائفاً، تُمزق نياط قلبها الذي يعيش مأتمه الخاص. وقفت «فيروز» أمام مرآتها، تتأمل انعكاس صورتها الباهتة داخل ذلك الساري الواسع، الذي فُصِّل بعنايةٍ ليخفي خلف ثناياه سرّاً يحطم كيانها؛ بطنها المنتفخة التي تنمو فيها حياةٌ لا ذنب لها في صراعات الكبار، فُصِّل ليحمي أمانتها من أعين المتطفلين الذين لا يرحمون.
سرحت بنظرها في خصلات شعرها التي تتدفق كشلالٍ من الحرير الحر، وفي يديها التي تزينت بنقوش الحناء القانية، تلك الحناء التي تُزف بها اليوم إلى رجلٍ لا تعرفه ولا ترغب فيه، ولا يملك من قلبها ذرةً واحدة.
يا للسخرية! قلبها الأحمق، ذلك العضو الذي لا يستمع لصوت العقل، ما زال يصرخ باسم «نصار»، يضخُّ اسمه في عروقها رغم كل الجراح.
لكنها اليوم قررت أن تضع غطاءً حديدياً على مشاعرها، أن تدفن قلبها حياً؛ فالحياة لا تتوقف عند خيبة، وعليها أن تبدأ رحلةً جديدة، هي وطفلها القادم، بعيداً عن أطلال الماضي.
كان كل شيء من حولها يتداعى، ينهار كقصورٍ رمليةٍ أمام أمواج الغدر، ورغم ذلك، تقف هي الآن صلبةً كصخرةٍ وسط إعصار، تتظاهر بالثبات الذي يكلفها روحها.
لقد اختار «نصار» طريقه، اختار الغياب، اختار أن يبتعد عنها كما لو كانت مجرد عابرٍ لم يترك أثراً، جرحها جرحاً غائراً في أعماق الروح، جرحاً لا يندمل ولا يُنسى، تركها كأنها لم تكن يوماً تعني له شيئاً.
في وسط هذا الضياع، كانت تحمد الله ليل نهار أنها لم تضع طفلها كرهينة في يده في تلك اللحظة الحاسمة، لحظة الانكسار.
flash back
كان البيت يغطُّ في سكونٍ مريب، سكونٌ كأنه يسبق العاصفة، لا يُسمع فيه إلا صدى وقع خطوات «فيروز» المتوترة، المتثاقلة، وهي تتجول في أرجاء المكان، تحمل في يدها ورقةً بيضاء كانت تحمل في طياتها بداية حلمٍ لم يكتمل.
دخلت غرفتها، كانت خطواتها تترنح بين التردد وبين فرحةٍ طفوليةٍ غامرةٍ كانت تفيض من عينيها.
وضعت الورقة بعنايةٍ مقدسة في أعماق درج دولابها، كأنها تودع كنزاً أسطورياً، ثم التقطت هاتفها، قلبها يقرع في صدرها كطبول حربٍ من شدة الفرح والرهبة.
ضغطت على اسم «نصار»، أنتظرت.. طنين الاتصال يمزق صمت غرفتها، والرد لا يأتي.
مرة.. ثانية.. ثالثة.. ولا مجيب
تنهدت بخفة، لكن تلك الابتسامة المشرقة لم تغادر ملامحها، ظنت أنها مجرد مشاغل السفر. وبدأت بتسجيل رسالةٍ صوتية، خرج صوتها مفعماً بفيضٍ من الحنان، الاشتياق، وفرحةٍ بدت وكأنها خيوطٌ من ذهبٍ تُغزل في سمائها:
ـ نصار ، وحشتنى اوى ، انا مبسوطه اوى يا نصار ليك عندي خبر حلو اوي .
صمتت لثوانٍ معدودات، تلك الثواني التي عاشتها وكأنها دهرٌ من السعادة المطلقة.
ثم أكملت بصوتٍ يرجفُ بالحياة، ونبرةٍ تتراقص من فرط الحماس:
ـ احنا مبقناش اتنين يا نصار بقينا تلاتة ومش هقولك اكتر من كده بقي لان عايزه اشوف تعبير وشك وفرحه صوتك ، متنساش لم تخلص تتصل بيا ، بحبك اوى .
أرسلت الرسالة، ثم نظرت إلى هاتفها، غارقة في خيالاتها.. تمنت أن ترى لمعة عينيه وهو يسمع الخبر، أرادت أن
تلمس فرحته بيدها، أن تحتضن دهشته وهي قريبةٌ منه.
لكن المسافات كانت تقتل رغبتها، فكرت ملياً.. الرسالة قد تُسمع ولا تُرى ملامحها، والخبر يستحق لحظةً لا تُنسى.
وبيدٍ مرتعشة، اتخذت قرارها، ومسحت الرسالة الصوتية، هامسةً لنفسها بكلماتٍ لم تكن تدرك أنها ستكون طوق نجاتها الوحيد في المستقبل:
ـ كده احسن لما يجي من السفر هبقي اقوله واشوف رده فعله .
End flash back
استفاقت من غيبوبة ذكرياتها، وعادت إلى واقعها المرير.
أدركت بمرارةٍ شديدة أنها لو كانت قد أرسلت تلك الرسالة، لو كان هو قد عرف بحقيقة حملها، لكان قد سلبها طفلها، لانتزعه من أحشائها، لتركها وحيدةً تحترق في نار فقدانها للطفل وللحب معاً.
ارتجفت من هول الفكرة، ورفعت كفيها إلى السماء، تحمد الله ألف مرة، وتشكره في سرها، أنها لم تمنحه يوماً مفتاح دمارها، أنها كتمت سر حملها الذي صار الآن ملاذها الوحيد من سطوته.
❈-❈-❈
كانت الأجواء في الخارج أشبه بكرنفالٍ صاخب، حيث تجمهر الشباب يحيطون بالمكان، وتتعالى صيحاتهم المبهجة مع إيقاعات الأغاني الشعبية التي كانت تهز أركان القصر.
كان «إيهاب» يتربع في قلب هذا الحفل، يرقص في نشوةٍ عارمة، وقلبه يرفرف في صدره كطائرٍ أطلقه الرب لتوّه من قفص الأحزان، يغمره شعورٌ بالانتصار والسعادة التي لا تُسعفها الكلمات، وبجانبه كان «باسم» يقف، يرمقه بنظراتٍ تفيض بالحب والفخر، يراقب سعادة شقيقه الذي بدا وكأنه نسي هموم العالم بأسره.
لكن، في غمرة هذا الصخب وهذه النشوة التي أعمت الأبصار عن الخطر المحدق، لم ينتبه أحدٌ لتلك الألسنة اللهب الخبيثة التي بدأت تتسلل في صمتٍ مريب، تلتهم أطراف المكان بجانبهم، تنمو وتكبر كأنها وحشٌ جائع يتربص بالجميع.
وفجأة، تحول صدى الأغاني إلى صرخات فزعٍ مدوية، حين تعالى صراخ العاملين وهم يندفعون نحو المخارج في حالةٍ من الهلع الهستيري، وكأن الموت يطارد أقدامهم.
توقفت الموسيقى، وساد صمتٌ ثقيل مشحون بالرعب، ليلتفت «إيهاب» و «باسم» لبعضهما البعض، وقد تجمدت الصدمة على وجهيهما، وأدركا في لحظةٍ واحدة أن الفرحة قد وئدت قبل أن تكتمل.
في تلك الأثناء، ومن أعلى شرفته التي كانت تطل كبرج مراقبةٍ شيطاني، كان «نصار» يقف كتمثالٍ من الجليد، يراقب المشهد من الأعلى بعينين تلمعان بوميض الانتقام والتشفي، يتابع خروج العاملين المذعورين وهو يرتسم على شفتيه ابتسامةً تفيض بشراً، وتوعداً لا يرحم، هامساً بصوتٍ كأنه فحيح أفعى:
ـ دي النار اللي هتأكل كل حاجه في حياتكم ولسه، دمركم هيبقي علي ايدي انا
❈-❈-❈
وقفت «فايزة» كالمتسمرة أمام شباك غرفتها، تحدق في الأفق الذي تحول لونه إلى لون الجحيم، ألسنة اللهب تتصاعد وتعانق السماء في رقصةٍ شيطانية مرعبة، تلتهم كل ما يقع في طريقها.
لم تكن وحدها في هذا المشهد الكابوسي؛ فقد كانت خلفها «لوزة» التي اصفرّ وجهها من الرعب، و«فيروز» التي تجمدت الدماء في عروقها، وبقية السيدات اللواتي جئن في الأصل احتفالاً بليلة الحناء، ليجدن أنفسهن في قلب ليلةٍ من ليالي الرعب.
فجأة، انطلقت صرخةٌ مدوية من حنجرة «لوزة»، صرخةٌ اخترقت صمت الليل وقطعت أنفاس الحاضرات، اندفعت نحو الخارج بجنونٍ هستيري، كأنها فراشةٌ لا ترى في عتمة الليل سوى نور الموت، كادت أن تقذف بنفسها وسط الجحيم المشتعل لتصل إلى فلذات كبدها، لولا أن تدافعن السيدات نحوها، يشددن على ثيابها ويمنعنها من التقدم بقوةٍ يائسة، بينما كانت هي تتخبط في أيديهن، وتطلق صرخاتٍ تمزق الصدور، صرخاتٍ يملأها الخوف الذي ينهش الأحشاء والفزع الذي يفتت الروح:
ـ ولادي، سبوني اشوف ولادي .
لكن، وسط هذا الضجيج والصخب، خمدت صرخات «لوزة» فجأة، وتصلبت في مكانها وهي تحدق بذهولٍ ودموعٍ تملأ مقلتيها نحو «إيهاب»، الذي كان يبرز وسط المعمعة، يصرخ في الناس بكل قوته، يمنعهم من الاقتراب من ألسنة اللهب المتوحشة، ويوجههم بصرامةٍ نحو شارعٍ آخر بعيداً عن كيد النيران.
وفي الجانب الآخر من الجحيم، كان «باسم» يبذل قصارى جهده، يصارع النار بكل ما أوتي من قوة مع الرجال، في محاولةٍ يائسة لإخماد هذا الحريق الذي يلتهم أحلامهم.
بينما كانت «لوزة» تجلس في الأرض ومازلوا السيدات بجانبها ، تحدق في ألسنة اللهب بشرودٍ ذهنيٍ قاتل، عقلها يعزف مقطوعةً من الندم والذهول، وصوتٌ خفيّ داخل أعماقها المظلمة يهمس لها بحقيقةٍ لا مفر منها، حقيقةٍ تضرب جذور قلبها، أن هذا الحريق ليس مجرد صدفةٍ عابرةٍ في ليالي القدر، بل هو نيرانٌ إلهية أُشعلت لتنال من أفعالها الخبيثة، وعقابٌ ربانيٌّ صاعق على كل خطيئةٍ ارتكبتها يداها وكل مكيدةٍ حيكت في دهاليز روحها.
❈-❈-❈
كانت «سميحة» تقف في شرفة القصر العتيق، كأنها تمثالٌ نُحت من القلق، تحدق في ألسنة اللهب التي كانت تمزق سواد الليل، عيناها تعكسان وهج النار المرعب، وقلبها يخفق باضطرابٍ لا يهدأ.
وبجانبها، وقفت «صفية»، زوجة أبيها، و«حنان»، اللتان كانتا تتابعان مشهد الحريق بعيونٍ جاحظة، ووجوهٍ شحب لونها من هول الفزع.
ورغم أن نيران الجحيم كانت بعيدةً عن حصونهم، إلا أن رعشة الخوف كانت تنهش أجسادهن كأنها تلمس جلودهن مباشرةً، فخرج صوت «صفية» مخنوقاً، يرتجفُ بكلماتٍ تملؤها الرغبة في النجاة، كأنها تستغيث بالسماء:
ـ استر يارب .
ولم تكن «حنان» أقل ذعراً، فقد وضعت يدها فوق صدرها، تضغط بقوة كأنها تحاول كبح قلبها الذي كاد يقفز من بين أضلاعها من شدة الخفقان، وأضافت بنبرةٍ متهدجةٍ تحرق الحناجر:
ـ يارب استرها عليهم .
في تلك اللحظة، رفعت «سميحة» حاجبيها بتعابير غامضة، ملامحها تشي بأن عقلاً شيطانياً يعمل في الخلفية، كانت تحدق في ألسنة اللهب التي بدأت تضعف وتخمد، وتراقب أعمدة الدخان الأسود التي كانت تتصاعد كأنها أشباحٌ تودع أسراراً مدفونة، غارقة في شرودٍ ذهنيٍّ عميق حتى نطقت بصوتٍ باردٍ يحمل في طياته سمّاً من الحقيقة:
ـ النار دي يا عقاب ربنا عليهم، يا نار دي من فعل فاعل ودي اللي شاكه فيه أكتر .
ساد صمتٌ ثقيلٌ ومريب في الشرفة، التفتت إليها «صفية» بعينين تملؤهما الشكوك والريبة، وكأن كلمات «سميحة» قد فتحت باباً لا يمكن إغلاقه، وهتفت بنبرةٍ حازمة ومقتضبة:
ـ قصدك ايه يا سميحة .
أجابتها «سميحة» دون أن تزيح بصرها عن بقايا النار المتلاشية، نبرتها هادئة بشكلٍ مستفز، وكأنها تدرك شيئاً لا يعلمه أحد غيرها، وكأنها تمسك بخيوط اللعبة:
ـ مش قصدي حاجه يا مرات ابويا، الخبر النهارده بفلوس، بكره يبقى ببلاش، ونشوف فعلا إذا كان كلامي صح ولا لا .
انتقلت نظرات «حنان» نحو «صفية»، والتوتر يتصاعد بينهما كأنه سحابةٌ خانقة، راحتا تنظران إلى تلك النيران التي خبت تماماً، تاركةً خلفها رماداً من الأسئلة المحيرة.
كانت كل واحدةٍ منهما تدور في فلك كلمات «سميحة» القاتلة، والغبار يغطي المكان، والشكوك تنهش العقول في صمتٍ قاتل: هل كان ذلك الحريق قضاءً وقدراً من السماء، أم أنه كان مخططاً شيطانياً من يد بشرية لا ترحم؟؟
❈-❈-❈
بعد ساعتان .
كانت «فايزة» تدخل الي القصر وعقلها شارد، فهي جلست أكثر من ثلاث ساعات و «إيهاب» يبحث مثل المجنون حتي يعرفوا ما سبب تلك النيران ولكن لم يعرفوا ابداً، حينها ملت واستاذنت بعد ما الساعه دقت 12 صباحاً، فهي غادرت حين «إيهاب» يتحدث مع والدها بشأن الذي حدث .
دخلت الي القصر وكادت أن تتجه الي الدرج حتي تتجه الي غرفتها ولكن اصدمت بصوت «سميحة» وهي تهتف وهي تجلس على الأريكة بصوتها المرح :
ـ الله يخربيتك انتِ متفحمتيش .
عقدت حاجبيه بحيرة من حديثها واخذت تراقبها وهي تقترب منها وتهتف بسخرية :
ـ والله زعلتيني ده انا كلمت الفاكهاني يجيب فاكهه عشان نزورك في المستشفى وانتِ متفحمة والنار حرقكِ في جسمك زى ما حرقكِ من جوكي يا صفرا .
هتفت هي بنفاذ صبر من حديثها وهي تهتف بملل حقيقي نابع من نبرتها :
ـ بقولك ايه يا سميحة ابعدي عني عشان العفاريت كلها بتتنطط فوق وشي، ومش طايقة اتكلم مع حد ولا اتخانق .
ختمت جملتها وكادت أن تغادر ولكن وقفت «سميحة» امامها بسعادة وهي تهتف بحماس :
ـ مهو ده المطلوب، ويارب يارب يجعلك كده دايما يا بنت سيد مش طايقه حد ولا تتخانقي مع حد .
نظرت لها بملل واضح وكادت أن تتحدث ولكن قطعتها هي وهي تهتف بشك وهي تضع يـ ـده علي خدها كأنه تفكر في شئ ما :
ـ ولا بتفكري ان النار دي قضاء وقدر ولا حد عملها؟؟
تغيرت ملامح وجهها وهي تنظر لها بشك، كيف عرفت انها تفكر في ذلك، نظرت له عده ثواني حتي هتفت «سميحة» بنفس الحماس وهي تراقب ملامح وجهها :
ـ من ملامحك كده لسه معرفتوش مين اللي عملها، او هي فعلا قضاء وقدر ولا لا .
نظرت لها بحماس أكبر وهي تصفق في وجهها حتي تفيق من دوامه وتركز معاها :
ـ متنسيش بس اول ما تعرفي ابقي قوليلي، لان هموت واعرف هي فعلا قضاء وقدر ولا لا، بس قلبي شاكك انه لا مش قضاء وقدر، تصبحي علي خير يا فيفي .
ختمت جملتها وغادرت من امامها تتجه الي الدرج نحو شقتها، مما تنهدت وهي تراقب ذهابها، هل يعقل انها تكون من فعل فاعل؟؟؟ .
❈-❈-❈
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، وتسلل ضياء الشمس الدافئ عبر نافذته ليمزق عتمة ليلته الطويلة، كان العالم يستيقظ على يومٍ مشرقٍ لا يدرك أصحابه أنه قد يحمل في طياته نهايةً دامية أو بدايةً لملحمةٍ جديدة.
في تلك اللحظات الساكنة التي تسبق عاصفة المواجهة، كان «نصار» غارقاً في دوامةٍ من الأفكار الحادة كالنصال، يتأمل الواقع من حوله وهو يغلي برغبةٍ جامحة في تغيير مسار القدر.
لم يكن مجرد تفكيرٍ عابر، بل كان تخطيطاً استراتيجياً في دهاليز عقله الذي لم يعد يعرف السكينة؛ كيف سيقف كالسد المنيع أمام هذه الزيجة اللعينة التي تُحاك خيوطها لتقضي على آخر آماله؟ كان يضرم في صدره نيران العزم، يقطع عهداً على نفسه أمام خالقه وأمام وجعه، بأن مخططاتهم الدنيئة لن ترى النور، ولن تنجح ما دام في عروقه دمٌ ينبض بالحياة.
لقد قرر أن يحاربهم بكل ذرةٍ من قوته، بكل ما أوتي من مكرٍ ودهاء، وبكل غضبِ محبٍ سُلب منه أثمن ما يملك، مستعداً لخوض غمار هذه المعركة مهما بلغت تكلفتها، فهدفه الأسمى هو استعادة «فيروز» من بين براثنهم، وتحريرها من هذا القيد الذي يربطها بغيره.
لقد سقطت كل الأقنعة، ولم يعد هناك مكانٌ للهدنة أو التراجع، ففي قاموسه الجديد لم تعد هناك حدودٌ أخلاقية تمنعه من استرداد حقه، فكل شيء بات مباحاً، وكل الطرق أصبحت مشروعة، فهو يعلم يقيناً أن ما يخوضه الآن ليست مجرد مواجهة، بل هي حربٌ وجودية، فهذه الحرب.
❈-❈-❈
بعد عده ساعات .
كان يقف أمام المرآة، يضع اللمسات الأخيرة على هندامه، يتأمل انعكاس صورته التي تغلفها البدلة السوداء القاتمة كليالي الحزن.
كانت روحه تشعر بالرماد، فالعرس الذي كان من المفترض أن يكون ليلة العمر قد تحول إلى كومة من الذكريات المحترقة بفعل تلك النيران اللعينة التي التهمت كل شيء.
لكن، وسط هذا الخراب، كان يتنفس الصعداء، يحمد ربه سرّاً أن الأرواح سلمت من الموت، فقد استقر بهم الحال على قرارٍ نهائي، عقد القران في رحاب المسجد، لتصبح زوجته أمام الله والمجتمع، وينتهي هذا العبث.
مدَّ يده ليلتقط هاتفه، يستعد للمغادرة، وفجأةخمدت أنفاس القصر، وانقطع تيار الكهرباء في لحظة خاطفة، لتهبط ستائر الظلام الدامس على الغرفة، كأنها تعلن عن بداية فصلٍ مرعب.
تنفس بهدوء، محاولاً السيطرة على دقات قلبه المتسارعة، وبسط يده على سطح الطاولة بتمهل، يبحث عن هاتفه في ذلك الفراغ الموحش، لكن أصابعه لم تلمس سوى العدم.
الغرفة الآن بئر عميق من السواد، لا يبصر فيه شيئاً.
فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت حركةٍ مريبة خلف ظهره، فتهدج صوته بهدوءٍ حذرٍ ممزوج بالترقب:
ـ مين؟؟
تسللت الأقدام خلفه ببطء، وكأنها نذير شؤم يقتحم خصوصيته. وبعد ثوانٍ من التوتر الذي كاد يمزق الأعصاب، أُشعلت شموعٌ على الطاولة، لتنبعث خيوط ضوئية خافتة ومرتعشة، وما أن ركز بصره على صاحب الحركة، حتى تجمد الدم في عروقه، وشهق بشدة وهو يتراجع للوراء، تلتهمه الصدمة التي جعلت عقله يتوقف عن الاستيعاب:
ـ نصار؟؟
كان «نصار» يجلس على الكرسي ببرودٍ أعصابٍ جليدي، يضع قدماً فوق أخرى، وجهه ساكنٌ كقناع من حجر، لكن عينيه كانتا تخبئان خلفهما محيطاً من الغموض والشر المستطير، ليردد بجمود:
ـ اقعد يا إيهاب عايزة اتكلم معاك .
تجاوب قلبه مع الموقف بطرقاتٍ جنونية، وكأن طبول الحرب قد دُقت داخل صدره. جلس «إيهاب» مقابله، وعيناه تشعان بجديةٍ قلقة في ضوء الشموع الراقص:
ـ خير يا نصار .
رسم «نصار» على شفتيه ابتسامةً جانبية تفيض بالسخرية والتعالي، وهتف بهدوءٍ مستفز، جالساً في ثقةٍ توحي وكأن القصر ملكٌ له، لا لغيره:
ـ انا ليا حاجه عندك ولازم اخدها .
عقد «إيهاب» حاجبيه، غارقاً في محيطٍ من الحيرة، والذهول يغلف نبرته:
ـ حاجه ايه؟؟؟
حدق فيه «نصار» لثوانٍ بدت كالدهر، قبل أن يطلق كلمته كقذيفةٍ أصابت قلب الآخر:
ـ فيروز .
اشتعل فتيل الغيرة في أعماق «إيهاب»، وتوهجت عيناه بلظى غضبٍ مكبوت، وهو يضغط على حروف اسمهما بشراسة:
ـ مراتي .
استشاط «نصار» غضباً عند سماع تلك الكلمة، وكأنها إهانةٌ مباشرة لرجولته، فصرخ بصوتٍ مشحون بوقود الكراهية:
ـ مش مراتك لولا اهلك اللي لعبوا لعبتهم الو****، كانت زمانها معايا وفي بيتي وفي حضني .
لم يعد «إيهاب» يحتمل، انتفض كالمارد، ورفع سبابته في وجهه، محاولاً قمع صوته الذي بدأ يخرج بحدّةٍ تفوق غضب نصار بمراحل:
ـ اهلي اي ولعبه اي اللي بتتكلم عليها مش دي فيروز اللي بتتكلم عليها اللي من تلات شهور قولت عليها خاينه وبتخونك وطلقتها من غير ما تسمعها دلوقتي عايزها؟؟.
ظل «نصار» ثابتاً في جلسته، لم يرمش له جفن، واكتفى بالرد بهدوءٍ استفزازي:
ـ انا جاي هنا عشان تسمعني، فـ عايزك تسمعني من غير ما تقطعني .
انتهى من جملته، بينما كان «إيهاب» يهز رأسه بغضبٍ جليّ، إلا أن «نصار» بادله نظرةً مفعمة بالغموض، ثم تنهد بعمق، وبدأ بسرد تفاصيل تلك المكالمة وتلك الليلة المشؤومة، حكى كل شاردة وواردة، كاشفاً الأقنعة التي كانت تخفي الحقيقة.
بعد أن انتهى، وقعت الكلمات على «إيهاب» كالصاعقة، تحطمت صدمته على وجهه، وهو يتمتم بنبرةٍ لا تكاد تصدق الواقع:
ـ اهلي انا يعملوا كده؟؟ ، اخويا وامي يعملوا كده؟؟؟ .
أشفق «نصار» على حالته، فاعتدل في جلسته واقترب منه، بنبرةٍ تخلت عن حدتها لتصبح أكثر ليونة:
ـ انا عارف انك متعرفش حاجه وانت كنت بنسبالهم شطرنج كانوا بيلعبوا بينا، وحتي فيروز اكيد لعبوا بيها، انا عايزك ترجعلي فيروز .
تجمدت ملامح «إيهاب» بصدمةٍ أكبر، ونبرته ارتجفت بعدم تصديق:
ـ ارجعلك مين؟؟؟، انت ناسي ان فيروز حامل، وابوها شايف اني ابو الطفل ده، وانت طلقتها بتلاته يبقي هتتجوزها ازاي؟؟؟
شعر «نصار» بلهيب الغيرة ينهش صدره، وهتف بصوتٍ مزمجرٍ غاضب:
ـ انا هعرف اتعامل اطلع انت منها انا هصلح الدنيا، انت تروح دلوقتي لـ فيروز وتحكيلها اللي حصل وقول ان انتوا الاتنين مش موافقين على الجوازة والجوازه تتلغي وبس كده .
غرق «إيهاب» في دوامةٍ من التفكير، أغمض عينيه بقوة، طأطأ رأسه بين كفيه، يحاول استيعاب جسامة ما يُطلب منه. وفجأة، قطعت دقات الباب حبل أفكاره، لتطل والدته بصوتها المتعجل:
ـ يلا يا بني احنا اتأخرنا وباسم مستنين تحت في العربية، وبعت لمهندس الكهربا وهو جاي حالا يشوف المشكلة فين، بيتنا بس الوحيد اللي في البلد كلها النور قطع فيه .
لم تنتظر رده، بل تابعت طريقها وهي تكمل حديثها:
ـ اخلص يا إيهاب يلا، اتأخرنا .
بمجرد أن خفت خطواتها، التفت «إيهاب» إلى «نصار» بلهفةٍ وتصميم:
ـ انت معاك حق لازم فيروز ترجعلك، انا كنت بس عايزها عشان اهل البلد متتكلمش عليها أكتر من كده بس هعملك اللي انتوا عايزه، وهجبلك فيروز لحد عندك في القصر .
فتش «نصار» في وجهه عن أي ذرة كذب، فلم يجد سوى حقيقة ما عرفه الآن، واطمأن لحديثه. وقف «نصار» بكل هيبة، وهتف بنبرةٍ واثقة:
ـ طيب انا هثق فيك لان معنديش اي خيار تاني، ويارب تكون تطلع قد الثقة لان لو مطلعتش .
توقفت الكلمات عند نبرة تهديدية جعلت جسد «إيهاب» يرتعد لا إرادياً:
ـ صدقني مش هرحمك لا أنت ولا عيلتك كلها، هستناك في البيت تجبلي فيروز.
التفت «نصار» للمغادرة، ثم التفت إليه مرة أخرى، بلمسةٍ أخيرة من الغموض:
ـ واه نسيت انا اللي قطعت اسلاك الكهربا عشان اعرف ادخل .
خرج «نصار» بخطواتٍ واثقة، وكأن الظلام كان حليفه.
وبعد ثوانٍ من رحيله، عادت الحياة للكهرباء وسرى النور في أرجاء القصر، فابتسم «إيهاب» ابتسامةً ساخرة، مدركاً أن عودة النور كانت مرتبطة بخروجه.
غادر القصر وركب السيارة بجانب «باسم»، يغلف الصمت لسانه، بينما كانت عيناه تنطقان بكل ما يحمله قلبه من عاصفة.
في تلك الأثناء، كان «نصار» يقود سيارته والنشوة تملأ روحه، يتخيل فيروز بين أحضانه، وحياتهما معاً وطفلهما القادم، يبتسم بانتصار، عاقداً العزم على رد الصاع صاعين لكل من فرق بينهما، وعلى رأسهم «فايزة».
وصل إلى منزله بعد نصف ساعة، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة الرضا، ولكن بمجرد أن اقترب من القصر، تجمد قلبه على صوت إطلاق نيرانٍ كثيفٍ ومرعب، صدى أصواتٍ تتجه نحو المسجد الكبير. عقد حاجبيه بحيرةٍ شديدة، وسأل «فارس» الذي خرج من القصر بعينين تلمعان بغرابة:
ـ هو أي الطلق النار ده .
تردد «فارس» في الرد، وقد رصد «نصار» علامات التردد، فزمجر به حدة، ليجيبه «فارس» بتلعثم:
ـ الطلقات دي لما بتطلع معنى كده أن في كتب كتاب حصل في البلد، وعلى حسب علمي ده كتب كتاب فيروز، لان عمك سيد عزمني في الجامع الكبير اللي في آخر البلد اشهد على العقد بس انا مرضتش اروح .
سقطت الكلمات عليه كالقنبلة، لم يصدق أذنيه، اقترب منه بجنون، وقبض على قميصه بعنفٍ كأنه يريد انتزاع الحقيقة:
ـ انت بتقول ايه .
لم يكد «فارس» يحاول التهدئة، حتى انطلق صوت المآذن من المسجد القريب، ثم تلاه مسجد آخر، وآخر، وآخر في سيمفونيةٍ مرعبة تعلن زواج «فيروز» و «إيهاب».
وقف «نصار» متجمداً، وكأن العالم انهار فوق رأسه، غير مصدقٍ لما تسمعه أذناه من تكرارٍ لم يُرِد سماعه أبداً.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (توتا محمود)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية