قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (14)
كان اليوم السابق مختلفًا تمامًا بالنسبة إلى وسام. لم يكن يتخيل أنه قد يترك نفسه للعفوية إلى هذا الحد، أو أن يخرج عن روتينه المعتاد بهذه الخفة. لكنه حين فعل، شعر وكأن شيئًا ثقيلًا انزاح عن صدره. تبدلت طاقته بالكامل، وأصبح أكثر انفتاحًا وحيوية؛ في عمله، مع أصدقائه، وحتى مع والديه.
وسام بطبعه شخص طيب ومتزن، لكن الإنسان مهما كان هادئًا يحتاج أحيانًا إلى كسر عاداته ليشعر أنه يتنفس من جديد. وحين يحدث ذلك، يستقبل يومه بابتسامة مختلفة، وكأن الحياة استعادت ألوانها فجأة.
أما مى، فكانت في حالة لا تقل اضطرابًا عنه. منذ الصباح وهي تتحرك في الشقة بلا هدف واضح، تذهب وتعود، تقف أمام المرآة تبتسم لنفسها ثم تضحك بخجل، وكأنها تكتشف شخصًا جديدًا بداخلها. لم تنم جيدًا من كثرة التفكير، وكانت سعادتها تفضحها بطريقة طفولية وعفوية.
والحقيقة أن مى لم تحب من قبل، لذلك كان ما تمر به الآن أشبه بصدمة جميلة لا تعرف كيف تتعامل معها.
وفي العمل، بدا الأمر أوضح من أي وقت مضى. كانت تمزح مع الجميع، تضحك بصوت مرتفع، تعبث بهذا وتشاكس تلك، حتى إن مزاجها المرتفع لفت انتباه من حولها.
اقتربت من أمنية ونادتها بخفة، طالبة منها رقم وسام. لم تفوت أمنية الفرصة للسخرية والمزاح، وبدأت تلمح لها بأن شيئًا ما قد حدث بالفعل. حاولت مى التظاهر بالبرود، لكنها في النهاية استعجلتها كي تحضر الرقم بسرعة، بينما أكدت لها أمنية أنها ستنتظر منها الاعتراف بكل شيء لاحقًا.
بعد ذلك ذهبت مى إلى مكتب منة، فوجدتها منشغلة بمحادثة عبر فيسبوك. وما إن عرفت أن الطرف الآخر هو وسام، حتى شعرت بوخزة غيرة صغيرة حاولت إخفاءها بابتسامة ساخرة. طلبت من منة أن تخبره بأنها ترسل له السلام، فجاء رده مازحًا كعادته، فاندفعت الفتاتان بالضحك.
وحين أحضرت أمنية الرقم أخيرًا، أخذته مى واتصلت به فورًا.
في الجهة الأخرى، كان وسام يتحدث مع منة عندما ظهر له رقم غريب، فرد مستغربًا. لم يسمع سوى صوت مى وهي تكرر كلمة «ألو» بطريقة عبثية متعمدة، تكتم ضحكاتها بصعوبة. أدرك فورًا أنها هي، فانفجر ضاحكًا وبدأ يبادلها المزاح.
ظلت تماطله وتدّعي أنها تتأكد إن كان الرقم له أم رقم الإسعاف، بينما كان يضحك على جنونها وخفة دمها. وحين أخبرها أن لديه عملًا، غارت مجددًا من حديثه مع منة وطلبت منه أن يضيفها بدلًا منها. تبادلا التهديدات الساخرة والضحكات، حتى اضطر في النهاية لإنهاء المكالمة وهو ما يزال مبتسمًا.
وفي تلك اللحظة، كانت منى قد دخلت وجلست أمامه، تتأمل ضحكته الهادئة التي لم ترها منذ فترة، ثم علقت بابتسامة مستغربة على حالة الصفاء والسعادة التي يبدو غارقًا فيها، بينما أغلق هو الهاتف وما تزال ابتسامته معلقة على وجهه.
ظلّت ابتسامة وسام عالقة على وجهه حتى بعد أن أنهى المكالمة، وكأن شيئًا خفيفًا ومرحًا تسلل إلى قلبه دون استئذان. لمحته منى وهي تجلس أمامه، فابتسمت بدورها وهي تميل قليلًا فوق المكتب.
— إزيك يا منى؟ عاملة إيه؟
رفعت رأسها إليه وقالت بنبرة دافئة:
— أنا بخير طول ما إنت بخير يا وسام… المهم، إيه سبب الضحك ده؟ ما تضحكنا معاك.
هزّ رأسه ضاحكًا وهو يستند إلى مقعده.
— لا، دي البلوة جارتي… كانت بتتجنن عليّا شوية. المهم، إنتِ شكلك مبسوطة وعايزة تقولي حاجة.
ابتسمت منى ابتسامة مترددة، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.
— آه، بصراحة…
أشار إليها بيده في اهتمام صادق.
— وأنا كلي آذان صاغية يا ست الكل.
تنهدت قليلًا، ثم قالت:
— بص… المرة دي مش هقولك إن في حد معجب ولا حد متقدم وخلاص. في واحد جارنا، يعني من نفس الشارع… أسلوبه معايا محترم جدًا، وفاتح سوبر ماركت كبير، ومش متجوز.
رفع وسام حاجبيه.
— آها… وبعدين؟
خفضت عينيها للحظة.
— بقاله فترة بيلمح إنه معجب وعايز يتقدم… وأنا، بصراحة، خايفة المرة دي.
تغيّرت ملامح وسام إلى الجدية.
— خايفة من إيه؟
قالت بتردد:
— هو معاه دبلوم… مش زيّي، أنا مؤهلي أعلى. وكمان شغلي أنا مش هسيبه لو اتجوزنا، ومش عايزة أحس إني أعلى منه أو أسببله ضيق… بس أنا مرتاحة له. أعرفه من يوم ما اتولدت، وأهلي يعرفوه كويس.
ظل وسام صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء:
— طيب… صلّي استخارة. واسألوا عنه مرة واتنين وعشرة. وقبل أي حاجة، اتكلمي معاه بنفسك. روّحوا مكان عام، واقعدوا قولوا كل حاجة على البلاطة. قوليله إنتِ مين، ظروفك إيه، وطموحاتك إيه… وإن شاء الله، أنا حاسس إن المرة دي فيها خير.
رفعت رأسها إليه بسرعة.
— بجد؟
ابتسم لها بثقة.
— إن شاء الله. بس اعملي اللي بقولك عليه… علشان ما تكرريش غلطة زمان.
ضحكت بخفة وقالت:
— لا، خلاص… توبة.
ثم مالت نحوه قليلًا، وسألته في حيرة:
— طب وقصة الفرق اللي بينا؟ التعليم، وطبيعة الحياة؟
ابتسم وسام ابتسامة هادئة.
— إنتِ هتتكلمي معاه وتشوفي. وبعدين، أجمل حاجة لما ترتبطي بحد مختلف عنك… علشان تكملوا بعض. اللي شبهك جدًا، ساعات الحياة معاه تبقى مملة.
بدت الراحة واضحة على وجهها.
— كلامك ريّحني جدًا، والله. خلاص، هشوف وأقولك الأخبار أول بأول.
— وأنا مستني.
في تلك اللحظة، دخل شريف إلى المكتب وهو يلوّح بيده.
— وسّعي يا منى، الله يرضى عنك.
ردّت وهي تنهض ضاحكة:
— منى ماشية وسايبالك المكان كله.
قال وهو يجلس مكانها:
— يارب على طول… أصحى الصبح ما ألاقيكيش هنا.
التفتت إليه بتهكم:
— أنا وإنت يا خويا… يسمع منك.
انفجر وسام ضاحكًا، بينما غادرت منى وهي تهز رأسها.
جلس شريف أمامه وحدّق فيه طويلًا.
— إزيك يا أبو الويس؟
— تمام يا جميل، إنت عامل إيه؟
لوّح شريف بيده بلا مبالاة.
— فكك من أخباري… إيه مالك؟ متغير ومبسوط، والـ٨٨ راحت من وشك.
عقد وسام حاجبيه.
— تكره يعني؟
ضحك شريف.
— بالعكس… بس شكل الصنارة غمزت، وهنشوف سمك كتير بعد كده.
— صنارة إيه يا واد إنت؟
اقترب منه شريف هامسًا بمكر:
— بقى في فونات ومكالمات… وهئ ومئ وشخاليل.
ضحك وسام رغمًا عنه.
— لا، لسه لا في هئ ولا مئ ولا شخاليل.
أشار إليه شريف بإصبعه.
— هيبقى، متخافش. أهم حاجة إنك سمعت كلامي.
— في إيه؟
ابتسم شريف بانتصار.
— لما قلتلك إنك محتاج واحدة مجنونة… تجنّنك وتقلب حياتك فوقاني تحتاني. مش واحدة زي دنيا… عاملة زي فيلم قديم بيتعاد، وإنت واقف تبكي على الأطلال.
هزّ وسام رأسه ضاحكًا.
— والله إنت هتروح جهنم من تريقتك على الناس دي. بس إنت عرفت منين حكاية الفون؟
انفجر شريف ضاحكًا.
— ما أنا اللي اديتهولهم!
ضحك وسام بصدق هذه المرة.
— ربنا ما يحرمنيش من هبلك.
ربت شريف على المكتب بحماس.
— الخطوة الجاية بقى، تثبّت البت… وتخرجوا على طول. ما تديهاش فرصة تاخد نفسها. مكالمات، مسجات، عزومات، حفلات…
رفع وسام يده مقاطعًا وهو يضحك:
— إيييييه؟ حيلك يا بني!
جلس شريف على طرف المكتب يراقب وسام بنظرات ماكرة، بينما الأخير يحاول التركيز في شاشة الحاسوب أمامه، متظاهرًا بالهدوء رغم الابتسامة التي لا تفارق وجهه منذ الصباح.
قال شريف وهو يهز رأسه ساخرًا:
— أومال هتقعد تسمعها فيروز و"أيها الراقدون" وتبعت في جوابات؟ البت دي مش سِكّتها كده.
رفع وسام عينيه إليه ببطء وقال:
— ومين قالك إني عايز سِكّتها أصلًا؟
ضحك شريف بصوت مرتفع.
— أومال أنا تبت، وإنت هتكمل مسيرتي في اللعب بالبنات ولا إيه؟
رمقه وسام باشمئزاز مصطنع.
— الله يخربيت عقلك يا شيخ. لا طبعًا… بس الحكاية إني بفكر، وأحسبها، وأتكلم بعقل… مش زيك، داخل في أي حاجة زي الأهبل.
رفع شريف يديه مستسلمًا.
— طيب يا عم… أهم حاجة إنك تفرح. تفرح وبس.
ثم نهض عائدًا إلى مكتبه، لكنه التفت إليه فجأة قبل أن يبتعد وقال بنبرة واثقة:
— على فكرة يا وييس… إنت بدأت تحبها. أهلًا بيك في السرايا الصفرا.
انفجر وسام ضاحكًا وهز رأسه، ثم لفّ مقعده ناحية المكتب ليكمل عمله، لكن كلمات شريف بقيت عالقة في ذهنه رغم سخريته منها.
طوال طريق عودته إلى المنزل، كان هاتفه لا يكف عن الرنين.
مى تتصل… وما إن يفتح حتى تغلق.
يعيد الاتصال فترد ثانية وتغلق وهي تضحك.
وفي النهاية، حين كرر الاتصال مرات متتالية، فتحت الخط أخيرًا وهي تتظاهر بالضيق:
— إيوة يا عم، صدعتني! في إيه؟
ضحك وسام وهو يقود سيارته.
— أنا اللي صدعتك؟ إنتِ اللي عاملة رن رن رن من الصبح. عايزة إيه؟
قالت بخفة:
— مفيش… عايزين نتفق على اليوم الوسامي، ولا نسيت؟
ابتسم رغماً عنه.
— ومين قالك إني خارج معاكي أصلًا يا أم سيد؟
ردت فورًا بثقة طفولية:
— أولًا، مش بمزاجك… بمزاجي أنا. ثانيًا، أنا قررت، وإنت تنفذ.
قهقه بصوت عالٍ.
— اجري يا بت روحي العبي في الطينة اللي قدام بيتكم.
ضحكت هي الأخرى.
— ليه؟ عم سليمان راشش النهارده؟
زادته ضحكتها مرحًا.
— ههههه… عايزة إيه بقى؟
— ما تخلص وتقول هننزل إمتى؟
— بعد بكرة، بعد الشغل… زي المرة اللي فاتت.
— أوكي… موافقة.
أغلق الهاتف ودخل غرفته. شغّل أغنية "مشاعر" لشيرين، ووقف في الشرفة يتأمل هدوء الليل.
وفي الجهة المقابلة، كانت مى قد شغّلت الأغنية نفسها بالمصادفة بينما ترتب شقتها مع صديقاتها. وما إن لمحته يفتح الشرفة حتى أسرعت نحوها ووقفت تنظر إليه بعناد طفولي.
— لو سمحت يا إنت!
التفت إليها.
— نعم؟
— متقلدنيش.
رفع حاجبيه بدهشة ساخرة.
— أنا اللي طلعت الأول أصلًا.
عقدت ذراعيها.
— ومشغل الأغنية زيي ليه؟
أجابها وهو يقلد تعبيرًا ساخرًا:
— معلش… بغير منك.
ضحكت رغمًا عنها، ثم قالت وهي تشير بيدها:
— طب امشي، عشان بحب أقعد اللحظة دي في صفا نفسي.
رد فورًا:
— طب ما تمشي إنتِ يا صفاء.
هزت رأسها بعناد.
— نو.
اقترب من زرع الشرفة، وأمسك برشاش المياه.
— نو يعني؟ امشي بقى… الله يهديكي!
وما إن بدأ يرش الماء عليها حتى صرخت وهي تضحك وتهرب للداخل، قبل أن تعود بقطع ثلج وتلقيها عليه.
تحولت الشرفتان إلى ساحة حرب صغيرة مليئة بالضحك والمشاكسات، حتى تعب الاثنان وعادا إلى الداخل.
وجاء أخيرًا يوم "الخروجة الوسامية".
خرجت مى من شقتها بحماس واضح، ثم طرقت باب وسام. فتح لها الباب، فتوقفت ابتسامته للحظة وهو يتأملها. كانت قد عادت إلى تسريحتها القديمة المنفوشة، ووضعت مساحيق تجميل مبالغًا فيها قليلًا.
قطّب حاجبيه فورًا.
— لا… كده لا.
نظرت إليه باستغراب.
— لا إيه؟
اقترب منها قليلًا، ثم رفع يده بهدوء وأعاد خصلات شعرها إلى الخلف.
— تسمحيلي؟… الشعر ده يتلم كده، والميكاب الأوفر ده ما يخرجش معايا بيه، واللبس يتغير.
رفعت ذقنها بعناد خفيف.
— أنا ما بحبش حد يعدل عليا.
ترك شعرها فورًا، ثم ضغط زر المصعد وقال ببرود متعمد:
— غيري الطقم، وبلاش تشميرة الكم دي… وأنا مستنيكي تحت في العربية. عشر دقايق، لو ما نزلتيش همشي لوحدي.
فتح المصعد أبوابه، فدخل وهو يلوّح لها بيده:
— باي.
ظلت واقفة مكانها للحظات، متضايقة في البداية… ثم بدأت ابتسامة صغيرة تتسلل إلى شفتيها.
كانت غاضبة من أوامره، نعم… لكنها، وللمرة الأولى منذ وقت طويل، شعرت بسعادة غريبة لمجرد أنه اقترب منها بذلك الشكل، ولمس شعرها بكل تلك العفوية التي أربكت قلبها بالكامل.
❈-❈-❈
توقفت مى أمامه بعنادٍ ظاهر، بينما كان وسام يرمقها بنظرةٍ ثابتة تحمل شيئًا من الضيق وشيئًا آخر لم تستطع تفسيره. رفع يده بهدوء، ثم أبعد خصلات شعرها إلى الخلف بحركةٍ تلقائية جعلت قلبها يرتجف دون إرادة منها. أخبرها بنبرةٍ حاسمة أن شعرها يجب أن يُرتَّب بهذه الطريقة، وأن مساحيق التجميل الصارخة لا تناسب خروجه معها، ثم ألقى نظرةً سريعة على ملابسها وأردف بأن عليها تغييرها أيضًا.
تجمدت مى للحظة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وهمست بضيقٍ واضح بأنها لا تحب أن يعدّل أحد عليها أو يتدخل في اختياراتها. لكن وسام لم يناقشها طويلًا، بل تركها وضغط زر المصعد، ثم أخبرها بلهجةٍ جادة أن تغيّر ملابسها وتتخلى عن تلك الطريقة التي رفعت بها أكمامها، وأنه سينتظرها أسفل البناية داخل السيارة. وحين وصل المصعد، استدار نحوها محذرًا بأنه سيغادر وحده إن لم تنزل خلال عشر دقائق، ثم دخل المصعد ولوّح لها بيده مبتسمًا قبل أن تختفي صورته خلف الباب المعدني.
وقفت مى مكانها متجهمة في البداية، تشعر بالضيق من أسلوبه الآمر، لكن بعد ثوانٍ بدأت ابتسامة صغيرة تتسلل إلى شفتيها دون وعي. رفعت يدها تلمس خصلات شعرها بالطريقة نفسها التي لمسها بها قبل قليل، وظلت للحظة تحدق في انعكاسها بالمرآة وهي تستعيد إحساسها حين اقترب منها. فجأة تذكرت تهديده بأنه لن ينتظر أكثر من عشر دقائق، فاتسعت عيناها واندفعت نحو غرفتها بسرعة.
بدلت ملابسها على عجل، فارتدت بنطالًا أسود مع بلوزة فيروزية وجاكيت مغلق، ثم جمعت شعرها وخففت زينتها قبل أن تندفع إلى الأسفل وهي تلهث. وجدته يجلس داخل السيارة يشغّل المحرك بالفعل، فاندفعت نحوه معاتبةً إياه لأنه كان سيغادر ويتركها وحدها.
رمقها وسام بنظرة جانبية هادئة، وأخبرها أنه كان جادًا فعلًا لأنه لا يحب تكرار كلامه. ابتسمت مى بسرعة وهي تدور أمامه نصف دورة تسأله إن كان مظهرها مناسبًا الآن، فألقى عليها نظرة متفحصة قصيرة ثم أخبرها باقتضاب أن الأمر أصبح أفضل.
تحركت السيارة في الشوارع الهادئة، وبعد دقائق سألت مى بفضول عن وجهتهما، لكنه أخبرها أن هذا اليوم يخصه هو، ولذلك عليها ألا تطرح الأسئلة. تمتمت بكلمات استسلامٍ ساخرة وهي تنظر من النافذة، إلى أن فوجئت به يوقف السيارة أمام معرض الكتاب.
حدقت بالمكان بدهشة حقيقية وهي تهتف باستغراب أن وجهتهما كانت معرض الكتاب فعلًا. أخبرها وسام أنه كان ينتظر افتتاحه منذ أيام، وأن هناك عدة كتب يبحث عنها تحديدًا. رمقته بنظرة طويلة ثم أخبرته أنه شخص معقد وغريب الأطوار، لكنه تجاهل سخريتها وسألها إن كانت ستنزل أم سيتركها تنتظره وحدها داخل السيارة، فاضطرت للحاق به.
دخلت معه للمرة الأولى، وبمجرد عبورها البوابات شعرت بهدوءٍ ثقيل يملأ المكان. الناس من مختلف الأعمار يتحركون بين الأجنحة بهمسٍ خافت، بينما كان وسام يتجول بسعادةٍ واضحة، يتأمل عناوين الكتب وكأنه طفل وجد كنزه المفضل.
أما هى، فكانت تسير خلفه بملامح متبرمة. اقتربت من أذنه متسائلةً بضيق عن ذلك الجو الكئيب، لكنه اكتفى بالنظر إليها لثانية ثم عاد يتفحص الكتب متجاهلًا تعليقها تمامًا. وفجأة لمح كتابًا كان يبحث عنه، فالتقطه بسرعة وقد ارتسمت على وجهه فرحة حقيقية.
وبينما انشغل هو بالتجول، بدأت مى تشعر بالملل القاتل. لمحَت رجلًا مسنًا وزوجته يجلسان بهدوء، وكلٌ منهما يضع بجواره مجموعة كتب مختلفة. تسللت إليهما بخفةٍ طفولية، ثم بدلت أماكن الكتب بينهما دون أن ينتبها لانشغالهما بالقراءة.
بعد دقائق، أمسك الرجل بكتبه ليكتشف أنها ليست كتبه، وفي اللحظة نفسها أدركت المرأة الأمر أيضًا. تبادلا الاتهامات سريعًا، وارتفعت أصواتهما وسط دهشة الموجودين، بينما انسحبت مى من المكان بخفة وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة.
سمع وسام الضجة، ثم لمحها تقترب من بعيد بملامح بريئة زائفة، فضيق عينيه وسألها عمّا كانت تفعله هناك. اعترفت ببساطة أنها شعرت بالملل من الهدوء فأرادت أن تضيف بعض “الحيوية” للمكان.
نظر إليها بصدمة ممزوجة بالاستنكار، ثم أمسك بذراعها يدفعها أمامه وهو يطلب منها الخروج فورًا قبل أن تتسبب بكارثة أخرى.
وما إن ركبا السيارة حتى أخذت تنظر إلى أكياس الكتب الكثيرة بجواره، ثم سألته بسخرية إن كان ينوي جمع الكتب كلها والجلوس بها عند سور الأزبكية. أطلق وسام ضحكة ساخرة قصيرة، ثم أخبرها بثقة أن ما يفعله يُسمى ثقافة، لكنها — للأسف — ما زالت جاهلة بمعناها.
❈-❈-❈
كانت مي تسير بجواره وهي لا تزال غير مقتنعة تمامًا بفكرته عن “الفسحة المثالية”. بالنسبة لها، الخروجات تعني ضحكًا عاليًا، سينما، أغانٍ صاخبة، أو أي شيء يشعرها بالحياة السريعة التي اعتادتها. أما وسام، فكان يبدو كأنه خارج من زمن آخر؛ شاب يحمل داخله هدوءًا غريبًا وذوقًا عتيقًا، كأن روحه أكبر من عمره بسنوات طويلة.
حين قال لها قبل ساعات:
— «أبقى ملم بكل الثقافات اللي أقدر أتصفحها… الحياة إيه غير إننا نتعلم؟»
لم تفهمه تمامًا، لكنها ابتسمت وهي ترد ساخرة:
— «طب بس بس… جبت كتبك؟»
ابتسم وقتها وأجاب بهدوء:
— «آه.»
ثم ظل طوال الطريق صامتًا، يقود سيارته وكأنه غارق داخل أفكاره، بينما كانت هي تعبث بمحطات الأغاني في محاولة لكسر ذلك الصمت الثقيل.
— «بقولك إيه… هو إحنا رايحين لواحد مسجون؟»
التفت لها بانفجار ضحك مفاجئ، حتى اضطرت هي نفسها للضحك معه.
— «ليه يعني؟»
— «أصل كاتم وقافل… فك واحكي وروشن يا عم.»
هز كتفيه ببساطة:
— «هقول إيه طيب؟»
— «ولا حاجة… هو يوم وسام فعلًا.»
وحين وصلا إلى محل التحف والأنتيكات، شعرت مي أن الكارثة قد اكتملت. المكان ضخم وفخم، مليء بروائح الخشب القديم ولمعان النحاس العتيق. تحف وتماثيل وساعات كلاسيكية ولوحات تبدو وكأنها خرجت من قصور قديمة.
لكن بينما انبهرت عينا وسام بالمكان، كانت هي تقف بوجه متجهم، تنظر حولها وكأنها دخلت متحفًا مغلقًا.
قال لها بحماس طفل:
— «اتفرجي.»
— «أتفرج على إيه يا عم؟ إيه الأماكن دي؟ حد قالك إني عايزة أدفن نفسي بالتراب؟»
نظر لها بدهشة حقيقية.
— «المكان ده مش عاجبك؟»
— «لأ.»
اقترب من إحدى اللوحات وهو يشرح بحماس:
— «بصي… التابلوه ده شبه اللي كان في قصر الخديوي إسماعيل، ودي نسخة شبه علبة دهب لأميرة من عهد محمد علي… وده جرامافون الملك فؤاد.»
أطلقت ضحكة طويلة وهي تهز رأسها.
— «هييييه يا عمنا… إحنا في 2014، افتحلي آخر إصدار وسيبك من الفيلم الأبيض والأسود ده.»
لكنه لم يغضب، بل ابتسم فقط، ثم قال بصوت هادئ جعلها تسكت رغماً عنها:
— «الحاجات دي بتحسسني بالرقي… قد إيه إحنا كنا مجتمع راقي بس معرفناش نحافظ على الرقي ده.»
ورغم اعتراضها، استسلمت لفكرته حتى النهاية، خاصة حين قال:
— «إنتِ لما خرجتيني قبل كده وعملت معاكِ حاجات معرفهاش، سيبتك للآخر. النهارده يومي أنا.»
وقتها فقط بدأت تلاحظ شيئًا لم تنتبه له من قبل… وسام لا يحاول فرض نفسه عليها، بل يحاول فقط أن يشاركها عالمه.
اشترى المكحلة التي اختارتها له، ثم اصطحبها إلى مطعم راقٍ هادئ، تغمره إضاءة بنية دافئة، وموسيقى بيانو حيّة تنساب بين الطاولات كأنها جزء من الهواء.
توقفت مي مبهورة للحظة.
— «حلو ده.»
ابتسم وسحب لها الكرسي بذوق جعلها تنظر له باستغراب خفيف قبل أن تجلس.
قال وهو يتأمل المكان:
— «بقالي أكتر من سنتين مجتش هنا.»
رفعت حاجبها بمكر.
— «أكيد كنت بتيجي مع موزة طبعًا.»
رد ببساطة أربكتها:
— «آه.»
تجمدت ابتسامتها.
— «مين؟»
— «خطيبتي السابقة.»
شعرت بوخزة غريبة داخل صدرها، لكنها أخفتها سريعًا.
— «حبيتها؟»
أخذ نفسًا قصيرًا وقال:
— «وأنا معاها كنت أسعد الناس… ولما سابتني بقيت أتعسهم.»
لأول مرة تراه هشًا بهذا الشكل.
ثم جاءت الموسيقى.
مقطوعة هادئة، ناعمة، تشبه الحنين أكثر مما تشبه اللحن.
قال وهو ينظر نحو العازف:
— «بتعرفي ترقصي تانجو؟»
شرقت بالعصير فورًا.
— «أنا؟! لأ طبعًا.»
ابتسم ومد يده إليها.
— «سيبيها تكلم روحك… وتعالي.»
للمرة الأولى منذ عرفته، شعرت مي بالخجل الحقيقي. احمر وجهها وهي تضع يدها بيده، بينما قربها هو برفق وبدأ يقود خطواتها على أنغام الموسيقى.
في البداية كانت مرتبكة، تدوس على قدمه، تتلخبط، تضحك بتوتر، لكنه كان يبتسم فقط، يحركها بسلاسة وكأن أخطاءها جزء من الرقصة نفسها.
ومع الوقت… نسيت الناس.
نسيت المكان.
حتى الموسيقى نفسها تلاشت، ولم يبقَ سوى عينيه.
أما وسام، فكان يراقبها بإحساس لم يشعر به منذ زمن طويل. وكأن الرقصة أعادت إليه شيئًا ظن أنه مات داخله مع رحيل دنيا.
وحين انتهت الرقصة، جلسا يلتقطان أنفاسهما.
قالت بخجل خفيف وهي تبتسم:
— «أنا عمري ما تخيلت إني أرقص مع شاب.»
ضحك بهدوء:
— «وأنا مكانش في بالي إني هرقص تاني بعد دنيا.»
وبينما كانا يأكلان، ظلت مي تنظر إليه طويلًا، حتى انتبه أخيرًا.
— «في إيه؟»
ابتسمت بعفوية:
— «إنت عيونك حلوة أوي.»
اتكسف فورًا، حتى إنه ترك الشوكة وشرب ماء بسرعة.
— «يا بنتي المفروض أنا اللي أبدي إعجابي بيكي.»
ضحكت وهي تهز كتفيها:
— «مافيش فرق… فيك حاجة عجبتني وقلتهالك.»
وحين خرجا يتمشيان في الشارع الهادئ بعد العشاء، كانت مي تشعر بخفة غريبة داخل قلبها.
التفتت إليه فجأة وقالت بحماس طفولي:
— «واد يا وسام… إنت برنس يا جدع.»
نظر لها بصدمة مصطنعة.
— «برنس؟! بتكلمي سواق لوري؟»
ضحكت وهي تشير نحوه بإصبعها.
— «لا بجد… جواك أمير كده، راجل من زمن تاني.»
وقبل أن يرد، مرت فتاة جميلة ترتدي ملابس أنيقة، فحدقت مي فيها بإعجاب صريح.
— «يا جمالها… إيه القمر ده!»
فتح وسام عينيه بذهول.
— «إيه ده؟! بتعاكسي إنتِ؟! والله لا أنا راجع… الله يحرقك يا شيخة!»
واستدار يمشي متظاهرًا بالغضب، بينما انفجرت مي ضاحكة وركضت خلفه وهي تنادي:
— «استنى يا ويسو… إنت يا واد!»
لحقت به مي قبل أن يغادر، فقفزت إلى جواره في السيارة وهي تطلق تعليقاتها الساخرة المعتادة محاولةً انتزاع ضحكة منه حتى لا يبقى غاضبًا منها. ظل متجهمًا لدقائق، بينما كانت هي تعبث بالكلمات وتبالغ في حركاتها الطفولية حتى تنهد أخيرًا، فنظرت إليه قائلة إن غضبه مخيف للغاية. لكنه أوضح لها أن الأمر لم يكن مجرد غضب، بل اعتراضه على تصرفاتها المندفعة التي لا تليق بفتاة، مؤكدًا أن حكمه السابق عليها بأنها لا تتصرف كأنثى كان في محله.
عندها انتفضت مي محتجة، ثم جمعت شعرها أمام وجهها ومالت بعينيها بطريقة مضحكة محاولة إثبات أنوثتها، فانفجر وسام ضاحكًا وهو يؤكد أن ما تفعله يجعلها أشبه بقرد صغير لا فتاة رقيقة، ثم أخذ يمازحها بأنها لن تموت يومًا موتة طبيعية بسبب جنونها المتواصل.
وصلا إلى البناية بعد يوم طويل ومليء بالمشاكسات. وقبل أن يصعدا، اعترفت مي بأنها استمتعت كثيرًا باليوم مثله تمامًا، لكنها كانت تتعمد مضايقته والعناد فقط. لم يتفاجأ وسام، فقد كان يعلم ذلك منذ البداية. ثم تذكرت فجأة أكياس الكتب التي اشتراها، فشهقت وهي تشير إلى السيارة، ليهرع هو لإحضارها. أصرت على مساعدته رغم كثرتها، فحملاها معًا حتى باب شقته.
هناك أخذ الكتب منها شاكرًا إياها بلطف، فابتسمت بانتصار وهي تمازحه لأنه اعترف أخيرًا بأنها جميلة. تبادل معها السخرية كعادته، لكن ملامحها تغيرت فجأة حين شكرته بصوت خافت، معترفة بأنه منذ فترة طويلة لم يُشعرها أحد بالسعادة كما يفعل هو، وأن آخر من منحها هذا الشعور كانت والدتها. لمعت عيناها بالدموع، فرفض وسام رؤيتها حزينة، مؤكدًا أنه يفضل دائمًا تلك الفتاة المشاغبة المجنونة، واعترف بدوره أنه يشعر بالراحة والسعادة بقربها.
ابتسمت له بخجل، ثم تمنت له ليلة سعيدة وركضت نحو شقتها، وقبل أن تغلق الباب صاحت ضاحكة بأن الله لا يحرمه من جنونها، لتغلق الباب بقوة بعدها مباشرة. وقف وسام يضحك وحده للحظات قبل أن يدخل شقته بهدوء.
كان والداه نائمين، فوضع كتبه الجديدة فوق مكتبه بعناية، ثم بدّل ثيابه وصلى العشاء قبل أن يفتح حاسوبه ويتصفح مواقع التواصل. وما إن دخل حتى ظهرت أمامه رسالتان؛ الأولى من دنيا تسأله كيف استطاع نسيانها، والثانية من منة تتساءل بقلق عن الصورة التي يراها بها. قرأ الرسالتين، ثم أخذ نفسًا طويلًا وهو يحدق في الشاشة بصمت.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
