قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (13)
استيقظ وسام في صباح اليوم التالي على غير عادته. فتح عينيه بتكاسل، ثم اعتدل في فراشه وهو يشعر بخفةٍ غريبة تسري داخله. كان يوم عملٍ عاديًّا، الطريق ذاته، والوجوه ذاتها، والمكتب ذاته… لكن شيئًا ما اختلف هذه المرة.
اليوم سيخرج مع مى.
ولم يكن وسام من ذلك النوع الخفيف من الشباب الذي يقفز فرحًا لمجرد خروجة، مثل شريف وأمثاله. كان هادئًا بطبعه، منطويًا قليلًا، يهرب من الضوضاء إلى الصمت، ومن الزحام إلى وحدته. لكنه، ولأول مرة منذ زمنٍ طويل، شعر بأنه يريد تغيير الجو، يريد أن يضحك مع أحد، أن يشارك يومه مع شخص مختلف.
ومى… كانت مختلفة فعلًا.
فتاة عصبية، مشاكسة، كثيرة الجدال، عكسه تمامًا، وربما لهذا السبب بالتحديد تعلّق بها دون أن يشعر. المقالب، والخناقات، والمواقف السخيفة التي جمعت بينهما… كل ذلك بدأ يدفع القصة إلى تلك المنطقة التي نعرفها جميعًا، المنطقة التي يبدأ فيها القلب بالتدخل دون استئذان.
وصل إلى مقرّ عمله، ألقى السلام على زملائه، ثم جلس خلف مكتبه وبدأ يومه المعتاد. لم تمضِ دقائق حتى جاءه اتصال.
ـ «ألو… فودافون مع حضرتك.»
جاءه صوت رجلٍ هادئ:
ـ «ألو… سلامو عليكم.»
ابتسم وسام بخفة.
ـ «وعليكم السلام ورحمة الله، نتشرف باسم حضرتك.»
ـ «حمدي.»
ـ «أيوه يا أستاذ حمدي، اتصالك بخصوص الرقم ده ولا رقم تاني؟»
أعطاه الرجل الرقم وشرح المشكلة، فبدأ وسام يتابع الأمر بهدوءٍ معتاد، قبل أن يقترب شريف من خلفه فجأة ويصيح:
ـ «بَخ!»
رفع وسام يده سريعًا يشير له أن ينتظر.
لكن شريف لم يسكت.
ـ «إيه النظام يا عم؟ ما تفكك كده!»
خلع وسام السماعة من فوق أذنه وهمس بغيظ:
ـ «بشتغل يا بني آدم، اسكت.»
ضحك شريف بصوتٍ مرتفع:
ـ «يا عم محدش واخد منها حاجة!»
وفي اللحظة نفسها مرّ المدير المشرف، فتجمّد شريف مكانه.
ـ «إنت مش قاعد على مكتبك ليه يا مستر شريف؟»
ابتلع شريف ريقه بصعوبة.
ـ «هه… كنت بقوله على حاجة وراجع حالًا يا فندم.»
نظر إليه المدير بصرامة.
ـ «هكتفي بلفت نظر المرة دي، لكن لو اتكررت هتبقى تحقيق.»
ـ «متأسف يا فندم.»
وما إن ابتعد المدير حتى انفجر وسام ضاحكًا.
ـ «إنت مش هتبطل هبل غير لما تترفد.»
غمز له شريف بمكر.
ـ «سيبك من ده… إيه أخبارك مع الوتكة؟»
احمرّ وجه وسام فورًا.
ـ «يا ابني ما تحسسنيش إني خطفت البنت وروحنا كتبنا عرفي في الصحرا.»
قهقه شريف عاليًا.
ـ «طب ما هنا أحسن من الصحرا! بس خليك بعيد عن البت بتاعتي.»
وفي وقتٍ لاحق من الاستراحة، جلست منى معهما وهي تحمل سندوتشاتها، بينما استمرت المشاحنات والضحكات بينهم، وفي الجهة الأخرى من المدينة، كانت مى تفتح صفحة جديدة مع صديقتيها.
قالت غادة وهي تعقد ذراعيها:
ـ «بس يا مى، لو تبطلي تفكري في نفسك شوية.»
تنهدت مى بضيق.
ـ «أنا مش أنانية يا غادة…»
قفزت غادة فوق المكتب وهي تضحك بعناد:
ـ «طب يا أنانية… يا أنانية… يا أنانية!»
ضحكة مى العالية ملأت المكتب، وهي تضرب منة بحقيبتها بخفةٍ طفولية، ثم قالت بغيظٍ مصطنع:
— إنتِ بنوتة رخمة على فكرة!
قهقهت منة وهي تحاول حماية رأسها، لكن الباب انفتح فجأة، ودخل ممدوح يتقدمه كومة ملفات ضخمة، وخلفه أمنية وسامح، وكل واحد فيهم شايل كمية ورق كأنهم داخلين أرشيف مش مكتب.
تنهد ممدوح وهو يرمي الملفات على المكتب القريب:
— العصافير التلاتة يدوروا معانا على ورق شركة الوادي للحاسبات عشان عايزين مننا حاجات، وأنا مش لاقي الورق فدول.
رفعت غادة رأسها من فوق الكمبيوتر بسرعة وقالت بنبرة مطيعة:
— حاضر يا حبيبي.
شهقت مى وهي تبص لأمنية بمكر:
— شفتي يا مَنّة؟! "حاضر يا حبيبي"... متشيعة أوي البنت!
انفجرت أمنية ضاحكة وهي تشير لهم:
— هههههههههه، اخلصوا وبطلوا غلاسة عليهم يا جوز الكناريا بتوع المكتب!
هزت منة كتفيها باستسلام:
— طيب يا ستي.
انتشروا كلهم بين الأدراج والمكاتب يدورون على الملف المطلوب، ومع الزحمة والرخامة والضحك، مر الوقت أخف من المعتاد. أخيرًا، وجدت غادة الملف وهي ترفعه بانتصار:
— لقيته أهووو!
صفق سامح ساخرًا:
— عظيمة يا مصر.
وعادت الأجواء لهدوئها المعتاد. أصوات الكيبورد، ورائحة القهوة، والمشاكسات الصغيرة بين الحين والآخر. حتى جاءت لحظة الخروج.
وفجأة…
قفزت مى من مكانها كأن أحدًا ضغط زر تشغيل فيها، وخطفت حقيبتها وهي تصرخ:
— يلا يلا نرووووح!
رفعت أمنية حاجبها وهي تراقبها تجري ناحية الباب:
— طب وصلينا يا نَدلة مااااااشي!
ردت مى وهي تنزل السلم بسرعة البرق:
— ابقوا خدوا تاكسي… بااااي!
اختفت ضحكتها في آخر السلم، فأطلقت أمنية تنهيدة طويلة:
— مفيش فايدة… مى هي مى، سلام يا أختي.
ضيقت غادة عينيها وهي تراقب الباب المغلق:
— أقطع دراعي إن ما كان في حاجة ورا البت دي.
ابتسمت منة وهي تجمع أغراضها:
— يلا ربنا يسعدها ويسعدنا كلنا ياااااااارب.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان وسام قد انتهى من شيفت العمل أخيرًا.
❈-❈-❈
دخل شقته وهو يشعر بطاقة غريبة تسري في جسده. أخذ دشًا سريعًا، ثم خرج يصفف شعره أمام المرآة بينما صوت إليسا يملأ الغرفة:
“سلّملي عليه…”
ابتسم لنفسه دون سبب واضح. كان يختار ملابسه بعناية غير معتادة؛ قميص مودرن، ساعة أنيقة، وحذاء لامع. حتى عطره اختاره وكأنه ذاهب لموعدٍ مهم… رغم أنه يرفض الاعتراف بذلك.
وفي نفس اللحظة تقريبًا، كانت مى أمام مرآتها.
لكن هذه المرة… لم تكن مى المعتادة.
فردت شعرها الطويل وتركته منسابًا حول وجهها بنعومة، كأنه ستارة حرير تخفي ارتباكها. وضعت مكياجًا خفيفًا بالكاد يُرى، وارتدت طقمًا ورديًا ناعمًا مع كعب عالٍ زادها أنوثةً بشكلٍ صادم.
وكانت تدور حول نفسها أمام المرآة بينما أغنية سامو زين تصدح:
“حلمت بيكي…”
ابتسمت بخجل وهي تهمس لنفسها:
— يا نهار أبيض… أنا مالي؟
واضح أن كيوبيد قرر يبدأ شغله بدري جدًا.
الله يرحم أيام الخناق والمقالب.
كان وسام يجلس يربط حذاءه عندما توقفت أمه فوق رأسه، تنظر له بضيق واضح.
— نازل؟
رفع عينيه إليها:
— أها… عايزة حاجة يا أمي؟
تنهدت وهي تجلس:
— كنت عايزة نتكلم في موضوع آية يا ابني. مش معقول نعلق بنت الناس معانا كده.
اعتدل وسام في جلسته وهو يضغط شفتيه بحركة معناها: “يا ساتر… مش وقته خالص.”
— آه… آية. بصي يا ماما، هي بنت كويسة، بس أنا مرتاحتش. صليت استخارة… ومرتاحتش.
وفي داخله كان يردد: استغفر الله العظيم.
أكمل سريعًا:
— تفكيرها سطحي ومش هتفهمني.
ظهر الحزن على وجه أمه:
— يعني دي كمان معجبتكش يا وسام؟ هقعد عمري كله أتمنى أشيل ابنك وإنت مكبر دماغك!
ابتسم بحنان، أمسك يديها وقبّلهما:
— ألف بعد الشر عنك يا أم وسام. ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا.
تمتمت بعتاب:
— أومال إيه بقى؟
اقترب منها أكثر وقال بهدوء:
— الحكاية إن في واحدة… موجودة في مكان معين… هي دي اللي هتبقى مراتي.
ضيقت عينيها بسرعة:
— دي مين إن شاء الله؟
رفع كتفيه بحيرة صادقة:
— معرفش… بس هي موجودة ومستنياني. ادعيلي بس، الفرحة جاية يا ماما.
ربتت على خده بحنان:
— يا رب يا ابني.
قبّل رأسها وغادر.
وبعد دقائق، كان يقف أمام باب شقة مى.
طرق الباب مرة خفيفة، فانفتح الباب لتظهر هى…
تجمد لثانية.
كانت مختلفة بشكل أربكه فعلًا.
ناعمة… جميلة… وخطيرة بطريقة لا تشبه مى التي يعرفها.
خرجت بثقة كعادتها، بلا خجلٍ مصطنع ولا ارتباك مبالغ فيه.
ابتسم وسام وهو يرمقها من أعلى لأسفل:
— أنا جيت حسب المعاد المبرم بيننا… ممكن تندهيلّي واحدة لسانها طويل كده اسمها مى؟
رفعت ذقنها بكبرياء تمثيلي:
— أجل يا سيدي، ما هي واقفة قصادك أهو.
ضحك وهو يضغط زر الأسانسير ويفتح الباب بانحناءة مسرحية:
— إذًا تسمحيلي بركوب المراجيح معكِ سيدتي؟
انفجرت ضاحكة:
— اتفضل يا عزيزي… يا أهلا بيك.
نزلا إلى السيارة، واستقرت هى بجواره بينما يدق قلب كلٍ منهما بشكلٍ مختلف.
أدار وسام المحرك، ثم نظر لها بطرف عينه:
— عايزانا نروح فين؟
ابتسمت مى وهي تنظر للطريق أمامها بثقة غامضة:
— اطلع بس… وبعدين أقولك.
ساد الصمت داخل السيارة لعدة دقائق، لا يُسمع سوى صوت المحرك الخافت وضوء الأعمدة الممتد على الزجاج الأمامي. كان وسام يقود بهدوء، بينما جلست مى بجواره تضم ذراعيها في ملل واضح، قبل أن تزفر فجأة وتميل ناحية الـmb3 المثبت قرب التابلوه.
انطلقت موسيقى هادئة لفيروز تملأ المكان، فرفعت مى حاجبها باستنكار وهي تقلّب بالأغاني سريعًا.
ـ «إيه يا عم الأغاني دي؟ فيروز… عبدالرحمن محمد…»
ثم ضغطت الزر مرة أخرى وهي تتمتم:
ـ «إيه يا عم ده؟»
ضحك وسام بخفة دون أن يبعد عينيه عن الطريق.
ـ «ده ذوقي… عاجبك ولا لأ؟»
التفتت له بوجه ساخر.
ـ «لا، مش عاجبني… استنى كده.»
وفجأة صدح صوت إليسا بأغنية ارجع للشوق، فشهقت مى بحماس طفولي وهي ترفع صوت الأغنية.
ـ «أيوة بقى! كده اشطااااات!»
رمقها وسام بطرف عينه مبتسمًا.
ـ «إنما إيه الحلاوة دي… وفاردة شعرك زي البنات العاديين يعني، مش أم سيد بتاعة العيش.»
شهقت بضيق مصطنع وضربته على كتفه.
ـ «أم سيد مين يا بتاع إنت؟ ده ستايلش يا حمار.»
رفع حاجبه بدهشة تمثيلية.
ـ «حمار؟! هقلبك من العربية والله.»
انفجرت ضاحكة وهي ترفع كفيها باستسلام.
ـ «هههههههه لا خلاص، هحاول أمسك نفسي.»
هز رأسه مبتسمًا، ثم سألها:
ـ «مقولتيش نطلع على فين؟»
اعتدلت فى جلستها بحماس.
ـ «على كورنيش.»
التفت لها باستغراب.
ـ «كورنيش؟!»
ـ «أيوة… سوق سوق إنت بس.»
تنهد باستسلام.
ـ «طيب يا أختي… إنما نشوف آخرتها.»
بعد نصف ساعة تقريبًا، توقفت السيارة قرب كورنيش قصر النيل، أمام فاترينة صغيرة يتصاعد منها دخان الطعام الساخن. أشارت مى بسرعة.
ـ «بس بس هنا!»
ـ «هنا فين؟»
لكنها لم تجبه، بل فتحت الباب وقفزت للخارج وهي تصيح بحماس:
ـ «زكريااااااا! إزيك يا جميل؟ بقولك ظبطلنا فطير بقى على ذوقك.»
ثم التفتت ناحية وسام الذي كان يراقبها بذهول.
ـ «إنت مش جعان؟»
نظر لها وكأنه يحاول استيعاب طاقتها المجنونة.
ـ «ها؟»
هزت رأسها بلا مبالاة.
ـ «أوك… فطير من اللي قلبك يحبه عشان واقعييييين.»
اقترب وسام من النافذة وشدها بخفة من ذراعها.
ـ «تعالي هنا… هناكل في الشارع؟»
عقدت حاجبيها بدهشة وكأنه قال شيئًا غريبًا.
ـ «على فكرة بقى، ده نضيف جدًا… وأكله تحفة، وهتشوف.»
وبالفعل، بعد دقائق عاد زكريا بأطباق الفطير الساخنة. جلست مى داخل السيارة وهي تفتح العلبة بحماس طفلة، ثم بدأت تأكل.
ـ «زكريا ده ابن واحد كان بيشتغل في الكافتيريا عندنا فالجامعة… كان بيساعد باباه، وبعدها عمل الفاترينة دي عشان ماكانش معاه يفتح ريستوران كبير. المشروع نجح جدًا وبقى يجيله ناس من آخر الدنيا… بذمتك، الأكل مش حلو؟»
كان وسام يأكل بصمت، لكن الابتسامة المرتاحة على وجهه فضحته.
ـ «جداااااا.»
ابتسمت بانتصار وهي تشير إليه بقطعة فطير.
ـ «أنا قلتلك إني هعيشك يوم مى صح؟ أراهنك إنك عمرك ما كلت في الشارع قبل كده.»
هز رأسه معترفًا.
ـ «بصراحة… آه.»
مالت نحوه وهي تبتسم بثقة.
ـ «إنت النهاردة هتعمل كل حاجة كنت مكتف نفسك فيها… أوك؟»
رفع عينيه إليها، وظل ينظر لها للحظات وهو يمضغ طعامه، وعلى شفتيه شبح ابتسامة هادئة.
ـ «بس أنا…»
قاطعته سريعًا وهي تلوّح بيدها.
ـ «بقولك إيه، أنا مش هستناك تفكر… النهاردة يوم ميوشي جاااااامد.»
ضحك بصوت واضح هذه المرة.
ـ «هههههه يعني إيه يوم ميوشي؟»
رفعت كتفيها بفخر طفولي.
ـ «يعني تعيش يوم وكأنك مى… وتشوف حياتي أحلى ولا حياتك القفيلة الفصيلة.»
رفع حاجبه ساخرًا.
ـ «أنا حياتي قفيلة وفصيلة؟ طب كلي وإنتِ ساكتة بدل ما أناولك.»
انفجرت ضاحكة وهي تأكل، لكن الضحكة تحولت إلى شرقة مفاجئة. انتفض وسام فورًا، تناول زجاجة المياه بسرعة وفتحها لها.
ـ «خدي… بالراحة.»
شربت الماء وهي تلهث قليلًا، ثم رفعت عينيها إليه. كان ينظر لها بقلق حقيقي، فابتسمت له ابتسامة واسعة دافئة، جعلته يبتسم تلقائيًا دون أن يشعر.
••••
في تلك اللحظة، كان والدا وسام يجلسان في صمت ثقيل، يفكران للمرة التي لا تُحصى في الطريقة التي سيواجهان بها الناس هذه المرة. فمنذ أن فسخ وسام خطبته الأولى، صار يكرر الأمر ذاته كلما تقدّم لفتاة ثم تراجع في اللحظة الأخيرة، تاركًا والديه يتحملان حرج الاعتذار وتبرير الموقف أمام العائلات. كانت والدته تشعر بالخجل كلما أمسكت الهاتف لتطلب رقم والد فتاة جديدة، وكأنها تعتذر عن ذنب لم ترتكبه.
ناولته الهاتف هذه المرة بصمت، فتنهد عاصم طويلًا قبل أن يتصل بوالد آية. جاءه الصوت هادئًا مرحبًا، فتبادل الرجلان عبارات السلام والسؤال عن الأحوال والأولاد، لكن التوتر كان ظاهرًا في نبرة عاصم ونظراته المترددة نحو زوجته.
وبعد لحظات من المجاملة، جمع شجاعته وأخبره بأنه اتصل ليرد بشأن موضوع الأولاد، موضحًا أن وسام صلى الاستخارة، وأنه رغم إعجابه بأخلاق آية واحترامها، فإنه لم يشعر بالارتياح لإتمام الأمر. قالها بصعوبة وكأنه ينتظر لحظة الانكسار أو العتاب.
إلا أن المفاجأة جاءت هادئة ومريحة؛ إذ أخبره والد آية بأن ابنته أيضًا تشعر بالأمر نفسه، وأنها لم تكن مرتاحة لإتمام الارتباط. عندها شعر عاصم وكأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدره دفعة واحدة. تبدلت نبرته إلى راحة واضحة، وتحدث الرجلان بعدها بودّ أكبر عن أن الزواج قسمة ونصيب، وأن الأهم أنهم كسبوا معرفة طيبة وعلاقة احترام متبادل.
وحين انتهت المكالمة، أطلق عاصم زفرة طويلة لم يستطع حبسها. للمرة الأولى منذ مدة، لم يشعر بأن ابنه تسبب في جرح أحد أو إحراج عائلة بأكملها. وفي الجهة الأخرى، كان والد آية يعيش الشعور نفسه؛ فقد احتار هو وزوجته طويلًا في كيفية إخبار الناس برفض ابنتهما، لكن الله دبّر الأمر بلطف، وجعل القبول بالرفض يأتي من الطرفين معًا، وكأن الأقدار أحيانًا تعرف كيف تُخفف وقع الكلمات الثقيلة على القلوب.
°°°°°
بعدما انتهيا من الطعام، اقترحت مى فجأة أن يتركا السيارة قليلًا ويتمشّيا على الكورنيش. لم يعترض وسام هذه المرة، وكأنّه بدأ يعتاد اندفاعها الغريب. أوقف السيارة على جانب الطريق، ونزلا يسيران بمحاذاة النيل، بينما الهواء الليلي يداعب وجوه المارة وأصوات الضحكات تختلط بأغاني الباعة الجائلين.
اشترت مى آيس كريم، وأخذت تلعقه بسعادة طفولية واضحة، ثم التفتت إليه وهي ترفع حاجبها بمشاكسة:
ـ «برده مش عايز آيس كريم؟»
كان يسير بجوارها، واضعًا يديه في جيبه، يضحك بخفة.
ـ «لا.»
رمقته بنظرة طويلة قبل أن تنفجر ضاحكة.
ـ «أنت عارف يا وسام؟ أول مرة شوفتك فيها قلت عليك شبه الإنسان الآلي!»
رفع حاجبه ساخرًا.
ـ «أنا إنسان آلي يا أم أربعة وأربعين؟ طب أنا قلت لشريف إنك شبه الكنكة المصديّة.»
غرقت فى الضحك، حتى كادت تسقط منها الملعقة الصغيرة.
ـ «حتى تشبيهاتك قديمة يا أخي!»
ضحك هو الآخر، وقال:
ـ «ده إنتِ ضايعة أوي.»
وفي أثناء سيرهما، مرّ مصور فوتوغرافي يلتقط صورًا للناس على الكورنيش. لمحتْه مى، فركضت نحوه بحماس طفولي.
ـ «يا عم تعالى خدّلنا صورة!»
أسرع وسام يشدها من كمّ سترتها.
ـ «مبحبش الصور… وبعدين آخد معاكي صورة ليه يعني؟»
استدارت إليه بعناد.
ـ «أولًا عشان تفتكر اليوم ده… ثانيًا، إنت ليك الشرف إننا نتصور سوا.»
استسلم أخيرًا، والتقط المصور الصورة في اللحظة التي رفعت فيها مى إصبعين خلف رأس وسام كأنهما قرنان صغيران، بينما كان ينظر إليها باستغراب ممزوج بضحك مكتوم.
تأملت الصورة بانبهار.
ـ «تحفة! ابقى سيبهالنا عند زكريا.»
ثم عادا للمشي، فقالت وهي تنظر أمامها:
ـ «ليه مبتحبش الصور؟»
ساد الصمت لحظة قبل أن يجيب بهدوء:
ـ «عشان بتبقى ذكريات توجع بعد كده.»
نظرت إليه طويلًا، وكأنها فهمت شيئًا لم يقله.
ـ «وليه متبقاش تفرّح؟ اتعود تضحك يا بني… محدش واخد منها حاجة.»
وقبل أن يرد، دوّى صوت الطبول والزغاريد فجأة. موكب زفّة عرسان كان يمرّ على الكورنيش، مليئًا بالرقص والغناء.
شهقت مى بحماس:
ـ «الله! زفّة! تعالى تعالى.»
ـ «تعالى فين؟ إنتِ اتجننتي رسمي.»
ـ «هو أنا لسه هاتجنن؟»
أمسكت يده وركضت به نحو الزفّة. خلال دقائق كانت ترقص وسط الناس وكأنها تعرفهم منذ سنوات، تغني مع الفرقة، وتصفق للعروسين، بينما السيدات يزغردن لها بحب تلقائي.
أما وسام، فوقف بعيدًا يراقبها ويضحك لأول مرة بلا تحفظ.
وفجأة جذبته من يده وبدأت ترقص أمامه بحركات عشوائية مجنونة، فما كان منه إلا أن أمسكها سريعًا وسحبها بعيدًا وسط ضحكاته.
ـ «إنتِ هربانة منك رسمي.»
قهقهت بقوة وهي ترد:
ـ «وفيها إيه؟ ما ياما تعبت وبكيت… أضحك بقى.»
توقّف عن الضحك لحظة.
ـ «إنتِ بتعيطي؟ بصراحة استغربت يوم شوفتك بتعيطي… لكن إنك عيطتي كتير قبل كده؟ مش مصدق.»
خفّت ابتسامتها قليلًا.
ـ «مش كلنا عارفين كل حاجة عن بعض يا وسام… أحلى حاجة إنك تقلع القناع اللي لابسه طول النهار وتعرف تنام.»
هز رأسه مبتسمًا.
ـ «الكلام الكبير ده ميليقش على المجنونة اللي قدامي.»
ضحكت مجددًا، ثم انشغلا بالكلام حتى نسيا الطريق، ولم ينتبها إلا وهما وسط شارع للسيارات.
ـ «ده مش طريق مشاه… تعالى نرجع.»
لكن مى كانت تنظر للعربيات المسرعة بعينين تلمعان بالمغامرة.
ـ «قولّي… عمرك غامرت بحياتك قبل كده؟»
ـ «إيه الهبل ده؟ لأ طبعًا.»
ابتسمت فجأة، ثم اندفعت تركض بعكس اتجاه السيارات بسرعة مرعبة. اتسعت عينا وسام وهو يصرخ باسمها، لكنها لم تتوقف.
جرى خلفها بجنون حتى لحق بها أخيرًا، وجذبها بقوة نحو الرصيف. جلسا يلتقطان أنفاسهما بصعوبة.
قال وهو يضع يده على صدره:
ـ «إنتِ مجنونة… قوليلي إنك مجنونة الله يخربيتك.»
ضحكت وهي تحاول استعادة أنفاسها.
ـ «إيه رأيك؟ مش حلوة؟»
ـ «ده اسمه استعباط! كان ممكن تتخبطى وتموتي.»
هزّت كتفيها بخفة.
ـ «بس ما اتخبطتش… وعرفت قيمة حياتي.»
نظر إليها طويلًا، وكأنه يراها للمرة الأولى حقًا.
وفي نهاية الليلة، بعدما أوصلها إلى البيت، وقفت عند باب شقتها تبتسم له بعينين لامعتين.
ـ «انبسطت؟»
ابتسم وسام بصدق نادر.
ـ «أكتر من إني انبسطت… أنا عرفت وسام تاني خالص.»
ضحكت مى بخبث.
ـ «ولسه… ده أنا هروّشك.»
ثم أغلقت الباب سريعًا وهي تصرخ:
ـ «مافيش باي!»
تعالى صوت ضحك وسام في الممر، لأول مرة، عاليًا وصادقًا إلى هذا الحد.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
