ويهفو القلب بالعشق الجزء الثاني من رواية إيوان العشق- الفصل 5 | يارا حسين

قراءة رواية ويهفو القلب بالعشق كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: ويهفو القلب بالعشق 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: يارا حسين | الفصل الخامس



​أوَّلُ انتصاراتِنا اليوميَّة على ذواتِنا تبدأُ بصلاةِ الفجر! أن تهجرَ لذَّةَ المنامِ ودفءَ الفراشِ استجابةً لنداءِ الفلاح، فهذا من أعظمِ أسبابِ الفوزِ برؤيةِ اللهِ في الجنَّة.

​جاء في الحديث: «إنَّكم سترونَ ربَّكم كما ترونَ هذا القمر، لا تُضامونَ في رؤيتِه، فإنِ استطعتم ألَّا تُغلَبوا على صلاةٍ قبل طلوعِ الشمسِ وقبل غروبِها فافعلوا».


​❈-❈-❈


​بعد مرور أسبوع


​خرج سيف الشافعي من شركته متوجهاً إلى سيارته ومعه حراسة كبيرة، وعلى أحد المباني وقفت بسملة ومعها أحد القناصين الماهرين.

_ يلا يا إيفان، عايزة طلقة في القلب وطلقة في الجنب وطلقة في معدته.


​رد إيفان بطاعة قائلاً بالروسية:

_ Как повелеваешь, моя госпожа.

"كما تأمرين سيدتي الصغيرة".


​وما هي إلا دقائق حتى استعد وققبل أن يطلق قالت بسملة بشر:

_ لحظة موت سيف سليم الشافعي.


​وهنا كانت الإشارة إلى إيفان وأطلق النار عليه وأصابه أما سيف وقبل أن يصل إلى السيارة وقبل أن يقترب منه حتى بمسافة كبيرة وجد ثلاث رصاصات تخترق جسده، وبدأ بالنزيف، وما كان برأسه إلا! هل حان موعد موته، هل سيترك كل من يُحب الآن! وحبيبته سيتركها هكذا...


​فوقع على الأرض وكل من حوله مصاب ومرمي، الجميع موتى ولا يوجد ناجٍ بينهم، فكانت أشبه بمجزرة صغيرة في وسط النهار....


​ضحكت بسملة بشر ثم اتصلت بأحد الأرقام:

_ها يا شريف الفلوس وصلت حسابي ولا لسه


​صُدم شريف من الفيديو الذي أرسلته له وقال:

_ده أنتِ مش حفيدة توفيق ده أنتِ أقوى منه!؟ الفلوس هتوصلك حالًا


​ثم أغلقت معاها كانت تعطي ظهرها لـ إيفان وهو أحد قناصين المنظمة ولكنه لم يرَ دموعها تنزل لم يرها وهي تبكي بصمت فلماذا قد يبكي القاتل وهو من أراد القتل!؟ ثم مسحت دموعها وقالت لـ إيفان:

_ابعت لـ روسلان وقوله المهمة الأولى خلصت، وبعدها هنطلع على الزمالك نخلص على مالك المنصوري.


​لمَّ إيفان أشياءه ووضعها في حقيبته فقال:

_كما تأمرين سيدتي الصغيرة


​❈-❈-❈


​في الزمالك كان مالك قد أنهى حديثه مع موكله وقد ذهب أما هو فقد نظر إلى مكتبه وخصيصًا أحد الصور التي قد بُروزت على مكتبه وقد كانت له ولأشقائه الاثنين، فقد كان مالك يقف في المنتصف ويبتسم وفي الناحية اليمنى يقف سيف وهو ينظر لمالك بعفوية، ورنيم على الناحية اليسرى تبتسم وتنظر للكاميرا، كان منظرهم عفويًا وجميلًا كانت تلك الصورة قبل ثمان سنوات وقبل حتى أن يسافر سيف


​أردف مالك بينه وبين نفسه:

_أنا تعبت واللهِ تعبت يا سيف نفسي أحس إنك شخص مسؤول وأقدر أتسند عليك لكن كل ما بحتاجك فيها مش بلاقيك حتى! أنت ازاي اسمك أخ


​فكر بكل ما حوله وأن أشياء كثيرة داخل قلبه وهو لا يقدر على فعل أي شيء حتى! فأكمل:

_أنا واثق إنك هترجع لأننا وطنك، المكان اللي الكل بيبقى عايزك ترجع له بيبقى اسمه وطن، أول مرة ترجع هرنك علقة تمام وبعدها هاخدك في حضني وهعاتبك وأوريكَ إنك مهما روحت ومهما شوفت ملكش غيري، لأني أخوك الوحيد


​أنهى حديثه هذا وهو ينظر إلى صورة سيف، ثم اتصل برقم دولي وكان لشخص يدعى فِين:

_أهلًا يا مالك باشا أول مرة تتصل بيا من فترة طويلة


​فرد عليه مالك بحزم:

_سيف علمك الرخامة يا فين


​_آه، كل ما يشوفني يقولي أنا رايح فين أنا راجع تاني بقولك إيه يا فينو بالجبنة، الواد واخدني محتوى يا مالك ومش ملاحظ إني حد مهم في ألمانيا


​ضحك مالك على حديثه وعلى أفعال شقيقه:

_سيف دمه خفيف وبيحبك معلش، وبعدين إيه يعني ولاه أنت حتة محامي ألماني لا راح ولا جه حتى دي باراغواي طلعت المنتخب بتاعكم


​_لا بقولك إيه إلا منتخب بلدي أنا بقولك أهو، وبعدين متصل ليه يا خويا هو أنا أخلص من أخوك تطلعي أنت


​تبسم مالك على ردة فعله تلك، فـ فِين هو مواطن ألماني وكان زميل لـ مالك أثناء دراسته في ألمانيا فقد علمه مالك اللغة العربية العامية وعلم فين مالك اللغة الألمانية، وحينما سافر سيف إلى ألمانيا كان فين عونًا له وقد كان يراعيه دائمًا حتى صارا صديقين:


_عايزك تشغل سيف معاك أي شغلانة وتديه مرتب كبير أوي، أنا هبعتلك المرتب ده، أنا منعت أي فلوس توصله من حسابي أو حساب بابا، وبما إنك حكتلي على الشخص اللي كان عايز يشغله معاه شغل وِحش فهو يبقى محتاج فلوس جامد، وأنا مش هرجع في كلامي وأبعتله فلوس


​_بتحبه أنت أوي يا مالك! اتحمل طيشه عشان أنا عايز أقولك حاجة محدش تقريبًا يعرفها ولا حتى أنت ولا عمي حازم يعرفها حتى ومش هتلاحظوا ده غير لما سيف يرجع مصر، سيف اتغير وبقى راجل وشخص عاقل ناهيك عن بعض الأفعال، بس هو بيعملها معاكم أنتم، أنا شخص عنده تلاتين سنة وأنا عاقل وواعي عن سيف بس كان مستحيل أرفض عرض وائل

لكنه رفضه من غير تفكير، ولو عايز الحق أنا فخور بـ سيف وبـ إنه حاول ورفض الشخص ده عشان يليق بتربيتكم


​لم يعارض مالك على حديثه بل هو يعلم ذلك:

_ياريت فعلاً يكون عِقل وأنا أول الناس اللي هترفعه للي يتمناه... المهم زي ما قولتلك وحاول تركز معاه الفترة دي


​أومأ فِين وأنهى الاتصال معه


​❈-❈-❈


​بـ ألمانيا وبالشقة التي يعيش بها سيف، والتي يشترك فيها فين معاه فتح سيف باب الشقة ووجهه مملوء بالحنقة والملل، وما إن أغلق الباب ووجد فِين يجلس في الصالة فهتف بمرح:

_عامل إيه يا عيش فينو.


​رد فين بزهق:

_حمد الله على سلامتك يا سيف


​_الله يسلمك يا عيش فينو، إلا صحيح يا فِين أنت ليه مبقتش تجبلنا عيش فينو، لا وهتجيب ليه وأنت موجود


​ألقى فِين إحدى الوسائد عليه وهو يقول:

_خِف شوية يخرب بيت تقل دمك ده، المهم أنا لاقيتلك شغل ودول زي تحفيز كده عشان تنزله


​أعطاه خمسة آلاف يورو وأكمل:

_هديك ملفات بالعربي تترجمها للألماني بما إنك مش عايز تشتغل معايا في المكتب


​ابتسم سيف بتهكم:

_كتر خيرك يا عيش فينو، تسلملي واللهِ ده أنا كنت مأشفر على الآخر


​وضع فين يده على كتف سيف وهتف:

_أنت أخويا الصغير يا سيف، وده واجبي اتجاهك

​عانقه سيف بامتنان وهو لم يدرك أن هذا من الأساس فعل أخيه


​عودة لمصر كان مالك ما زال يبحث في أوراقه حتى اقتحمت عليه الغرفة فتاة نحن نعرفها جيدًا "بسملة"

وقبل أن يسأل كيف دخلت إلى هنا أطلقت عليه النار فأصيب في كتفه فقالت:

_ابعت رسالة لأبوك وقوله إن الخراب هينزل يرف على عيلة المنصوري، وزي ما أخدت روح سيف الشافعي هاخد روحه.


​ثم غادرت لم يستوعب ما قالته وتألم من تلك الإصابة التي بكتفه الأيمن، ولكن دموعه التي كانت تنزل ليست من ألم الإصابة. بل كانت بسبب خوفه من فقدان خاله الوحيد، اتصل بخاله عدة مرات فلم يُجب


​_يارب يارب تكون بتكدب، أنا أفدي خالي واللهِ أفديه بروحي بس هو لا محدش هيتحمل موته، يارب خالي يكون بخير


​ثم اتصل بـ يحيى و يونس ولكن لم يُجب أي منهم، فاتصل بزيدان:

_زيدان بالله رد عليا بكل صراحة، خالي كويس؟!


​رد زيدان عليه بصوت مكتئب يملؤه الحزن وكأنه يكاد يبكي:

_مش عارف أقولك إيه، سيف في العمليات بين الحياة والموت، وإحنا هنا مش عارفين نتحرك من مكانا ولا نتصل بحد حتى.


​وقع الهاتف من يد مالك ودموعه تنهمر على وجنته ثم قور يديه بخوف وغضب معًا بكى، قد بكى وهو رجل لا يُبكيه شيء!! حتى!!


​❈-❈-❈


​في مشفى عائلة الشافعي انتشر خبر اغتيال رجل الأعمال الشهير سيف الشافعي

​أتى الجميع الكبير والصغير امتلأت المشفى بهم، وأمام غرفة الجراحة، جلس الكِبار (حازم، زياد، فِراس، فارس) أما الصغار فمنهم من يجلس ومنهم من يقف ومنهم من يجلس على الأرض، إن الأمر صار صعبًا عليهم فـ سيف ليس مجرد خال أو عم بل هو أكثر من ذلك


​أتى مالك عليه وقميصه مليء بالدم ويده اليمنى معلقة ومربوطة برباط طبي جلس بجانب أبيه الذي حينما نظر له صُدم وفُزع على ولده


​_إيه اللي حصلك، إيه اللى عمل فيك كده رد عليا


​ارتمى مالك داخل أحضان أبيه وهو يقول:

_مش مهم حصلي إيه، المهم هيحصلنا إيه لو خالي حصله حاجة


​لم يفهم ما يقصده ولكن حينما رفع حازم نظره إلى الشباب وجدهم مهمومين وكأن أصابتهم مصيبة

​كان يحيى يجلس وبجانبه يونس وبجانب يحيى يعقوب الذي كان وجهه متجهمًا لاحظ يحيى هذا فقال:


​_أنت مالك وشك محمر كده ليه؟!


​نظر له يعقوب بخوف، وهو يحاول كتم غضبه وحزنه على أبيه فقال:

_ها أبدًا أنا كويس الحمد لله


​صمت يحيى بيأس فتلك عادة يعقوب، ولكن يونس وكز يحيى فهم يحيى الأمر فقال لـ يعقوب:

_ما تتكلم وتقول مالك يا لاه هو أنا هقعد أتحايل عليكَ خلص.


​صمت يعقوب ونظر للأرض ثم أن مسك يحيى يده ومن عِند مكان نبضه فوضع إصبعين من يده ثم نظر إلى ساعته، وبعد دقائق قال:

_يعقوب أنت عندك ضغط؟! وشك المحمر ونبضاتك سريعة أوي.


​أومأ له يعقوب بتعب وهو يتنفس بصعوبة:

_يعقوب رد عليا ا، أنت كاتم حاجة جواك رد في إيه


​قالها يحيى بقلق شديد على أخيه الأصغر انتبه يونس إليه وجلب له شيئًا حلوًا حتى ينزل الضغط قليلًا فتكلم يعقوب:

_أنا... أنا خايف على بابا، هم ليه عملوا فيه كده، أنا بكرهم ازاي عايزني ياخدوه مننا بالسهولة دي، ميعرفوش إن في ناس متعرفش تعيش من غيره


​عانقه يحيى بهدوء ثم قال بحنان:

_عيط يا يعقوب قول كل اللي جواك


​_أنا مش عايز أخسر، عايزه يشوفني وأنا قوي بعرف أتصرف نفسي يشوفني شخص واعي ويفخر بيا، أنا بعمل كل أقدر عليه عشان يبقى فخور بيا، بس... بس لسه لسه مورتهوش اللي أقدر أعمله، أنا مش هقدر أعيش من غيره!


​حينما استمعا يونس ويحيى إلى كلامه شعرا أن ذاك الشاب بداخله طفل صغير يسعى إلى أن يفخر به أباه، تلك هي المرة الأولى التي يتكلما فيها مع يعقوب، فهتف يونس بابتسامة واسعة:

_ومين قال بقى إن سيف الشافعي هيحصله حاجة، هو هيعمل عملية انهارده وواحدة بكرا وهيقوم يطيح فيا أنا ويحيى عشان عطلنا الشغل، ويرجع يزعق لـ يوسف عشان بيسهر برا، افهم يا ض ابوك بيعشق يقلقنا ويربينا، هو بس عارف إننا بنحبه أوي فقال يخوفنا عليه، لكن لو جينا للحق، سيف وقع وقام مية مرة مستحيل يحصله حاجة


​هدأ يعقوب قليلًا ثم أكمل يحيى بلطف:

_يعقوب يمكن دي أول مرة تتكلم فيها معانا بس عايز أفهمك حاجة، عادي نقلق ونخاف بس مينفعش نفقد الأمل في ربنا، ده أنا بقول يعقوب أكتر واحد فينا ملتزم وبيجاهد نفسه، خليكَ كده


​ثم صفعه على مؤخرة رأسه وقال:

_ثم إن مينفعش تعيط أو تتهز فاهم، بالذات قدامنا ليه بقى عشان كلنا بنستمد القوة من بعض، شايف عمي فِراس أراهنك إنه هيموت ويعيط وكذلك عمي زياد ولا خالي حازم، وعمي فارس، كلهم هيموتوا ويبينوا قلقهم بس لازم يكونوا صامدين قدامنا عشان إحنا كمان منقعش فاهم وأنا ويونس برضو قلقانين وزيدان ومؤمن و مالك كلنا مش قادرين بس مش هنبين عشان أنتم الصُغيرين تفضلوا صامدين برضو، أما أنتم بقى ليه لازم تفضلو متماسكين عشان الستات اللي معانا، لما يشوفونا كده هيعملوا إيه أمك وأختك مش قادرين ومنهارين وعمتي والكل، إحنا رجالة يا يعقوب الرجالة ينهاروا بس مش قدام حد عشان هم وراهم ناس محتاجهم فاهم


​ابتسم يعقوب على الدرس الذي أعطاه له يحيى، فأت عليهم يوسف ووضع يده على كتف يعقوب وقال:

_قوم يا جاكو نقيسلك الضغط ونشوف ماما أنا عندي فرط حركة مقدرش أقعد كده، محبش الكآبة


​كان يوسف يستمع إلى حديثهم فحاول أن يُغلف خوفه بالضحك فأردف يحيى بهدوء:

_خده واتمشوا يا صايع، ومتعاكسش حد ها احترامًا إن أبوك في العمليات


​_يا خويا يا بن أمي وأبويا، النسوان بتجري في دمي مقدرش معاكسش حد


​فصاح به يعقوب ويونس:

_حرام يا يوسف..


​وفي نفس المكان جلس أمير بجانب إيهاب على ناحيته اليمنى وقال:

_أنا قلقان على عمي سيف، هم اتأخروا كده ليه


​تحدث إيهاب بتعب:

_مش هيبقى فينا حِيل نقوم لو حصله حاجة، مقدمناش حاجة غير إننا ندعيله


​❈-❈-❈


​في ألمانيا


كان يجلس سيف بالصالة ومعه بعض الملفات فأتى إليه فين بذعر:

_سيف أنت مشوفتش الأخبار!


​لم يفهم سيف ما يقصده فقال:

_ليه يا عيش فينو الحرب العالمية التالتة جت!


​ضحك بسخرية فنظر له فين بضيق فأخذ سيف يرتشف من كوب الشاي، ففتح له فين شاشة الأخبار وكان على الشاشة خبر هام وعلى لافتة حمراء كبيرة، "اغتيال رجل الأعمال الشهير سيف الشافعي"


​وقع الكوب من سيف بصدمة شديدة ثم نظر إلى فين:

_فِين؟ دي إشاعة صح، ازاي ازاي، يعني إيه خالي.. مستحيل يكون حصل حاجة


​تحدث فِين بأسف:

_للأسف، اتصلت بـ مالك واتأكدت


​ارتعشت يد سيف بخوف شديد، ثم توجه إلى غرفته وقال:

_"فِين" احجزلي طيارة بسرعة على مصر أنا لازم أرجع دلوقتي.


​ثم دخل غرفته وتوجه للحمام استحم بسرعة وارتدى ملابسه وحضر حقيبة ظهر وضع فيها لاب توب و شاحن وأخذ كل المال الذي معاه

​وخرج وأخذ تاكسي إلى المطار...


ومن ثم توجه إلى الطيارة برحلة مباشرة إلى مصر تستغرق خمس ساعات


​في مكان آخر بـ ألمانيا، كان سليم الشافعي موجودًا به وهو يحاول حل بعض الأمور حتى أتى عليه حربي ووجهه متجهم:

​_سليم باشا، سيف المنصوري ركب طيارة متجهًا لمصر


​فرح سليم مما قاله فهذا سيخلصه من وجوده هنا:

_ياه أخيرًا، طب كويس يا حربي


​_بس لو تفتكر أنت قولت إيه اللي هيخلي سيف المنصوري ينزل مصر


​فكر بها سليم فجحظت عينه مما تذكره فقال بثقل:

_أن.. أن سيف الشافعي يحصله حاجة.


​أجابه حربي بأسف شديد:

_سيف الشافعي اتصاب وهو حاليًا في العمليات بين الحياة والموت.


​نزل الخبر كالصعقة على سليم فبالنهاية سيف هو ولده الذي تبقى حاول أن يهدأ من روعه:

_احجزلنا ننزل مصر، وخلي رجالتنا تتدور على السبب ومين عمل كده، وتجبولي راسه


​❈-❈-❈


​بـ مصر، الواحدة بعد منتصف الليل، لم يخرج سيف من العمليات بعد فقد تعرض للعملية الثانية، ولكنه لا يستجيب لأي شيء، قد ما زالوا جالسين لم يتحرك أحد منهم بل ما زالوا خائفين عليه أكثر وأكثر

​حتى أتى عليه سيف المنصوري وتلك أول مرة منذ ثمان سنوات يراه أهله على الواقع اقترب منهم ونظر لهم بحزن شديد، كان أمير يجلس على جانب إيهاب من ناحية اليمين فرأى سيف فهز أخاه وهو يهتف


​_إيهاب... إيهاب هو ده سيف! بص يا لاه


​رد عليه إيهاب وهو ما زال يضع وجهه على قدميه:

_اسكت يا أمير.. إيه اللي هيجيب سيف من ألمانيا لـ هنا أنت شكلك شارب حاجة


​قرص أمير نفسه فتأوه ثم صاح بهم:

_أنا مش بتخيل سيف راجع أهو


​نظر الجميع له ثم نظروا إلى سيف الذي كان يقف بقربهم كان ذلك صدمة كبيرة عليهم وخصيصًا مالك و حازم اللذان لم يصدقا وجوده، لم يتحدث سيف أبدًا فذلك ليس وقت السلامات جلس بجانب إيهاب ووضع حقيبته بجانبه، ظل الجميع صامدين صامتين، ثم خرج سيف من صمته


​_هي إيه حالة خالي


​نظر له إيهاب بألم شديد قائلًا:

_مستنيين يطلع من العمليات ونشوف الدكتور هيقول إيه، قلبه متصاب بشدة ولو الموضوع استمر هيحتاج لنقل قلب، وكليته اليمين فيها ضرر كبير فاستأصلوها، ومش عارفين دلوقتي حالته هتبقى عاملة إيه، الدكاترة اتأخروا أوي


​أنهى حديثه ثم خرج الطبيب وهو يقول بأسف:

_العملية نجحت بس مفيش أي استجابة للمريض، إحنا هندخله الرعاية المركزة لو الـ ٤٨ ساعة الجايين عدوا على خير هيفوق، بس من الجانب الكويس، مفيش أي إشارة على دخوله في غيبوبة


​تنفسوا الصعداء وهدأت أرواحهم قليلًا فقال فِراس بتساؤل:

_طب وإيه هي مدى استجابته إنه يفوق


​قال الطبيب:

_مش هكدب عليكم، إذا مفقاش خلال الساعات الجاية، هيفضل عايش على الأجهزة لغاية ما ربنا يكتبله التعافي أو لا قدر الله الموت


​_شدوا حيلكم وظنوا في الله خير، بإذن الله


​تركهم مصدومين بما قاله لم يعلموا ما الذي سيفعلونه ظلوا هكذا لمدة ساعة حتى تكلم فِراس بعصبية شديدة للشباب:

_إيه مهمومين كده ليه؟! هو قالوكم سيف مات!؟ لا قال لسه عايش، سيف هيقوم وهيهزق فيكم تاني وهيربيكم تاني، أنتم فاهمين محدش يحسسني إنه قال إنه مات، سيف هيقوم، ويلا أنت وهو روحوا، أنا كمان هروح أرتاح وهدعي لصاحبي، مهما بلغ حبكم له محدش هيحب صاحبي أو هيكون خايف عليه زاي فاهمين


​لم يتحدث أحد منهم بل ظلوا كما هم حتى أردف زياد بتعب:

_اسمعوا كلام فِراس، إحنا مع سيف من ساعة ما كنا في اللفة نعرفه ونعرف يعني إيه موت، نعرف كمان إنه هيقوم بإذن الله وجودكم هنا مش مسموح بيه، مش عشان المستشفى بتاعتنا يبقى نخالف القوانين خلاص سيف هيقوم، فكل واحد فيكم ياخد أخوه ويتكل من هنا


​بدأوا بالنظر لبعضهم وهنا تكلم فارس:

_إيه يا كبار يا عاقلين ده اللي سيف سايب وراه رجالة؟! متقوموا إخواتكم الصُغيرين!؟ ولا أنتم محتاجين اللي يفوقكم


​ثم أشار لـ عبد الرحمن وطه كي يقوما بما أنهم من الشباب الصغار:

_أنتم يلا قدامي على البيت أمكم مش هترضى تسيب أختها وهي تعبانة بس إحنا هنروح وهنرجع شغلنا، مش عايز سيف يقوم يلاقي الخيبة دي


​فتحدث عبد الرحمن بضيق:

_بس يا بابا!


​_مبسش! قوم يلا وهات أخوك، وأنت يا يحيى باشا ما تقومهم يا كبيرهم، إيه يا زيدان وأنت يا مالك، أنتم إيه مالكم، إحنا بنعتمد عليكم لأنكم الأكبر، بس وقت الشدة أهو منلاقيش حد فيكم عارف يتصرف يبقى أنتم لسه عيال.


​هتف حازم بتعب شديد ونظره على سيف الجالس على الأرض:

_قوموا روحوا وبكرا حد يمسك الشغل وحد يجي هنا، وأنا هنزل الشغل محدش هيقعد، أصل اللي عملوا في سيف كده عايزين يدمروه ويدمروا اللي حواليه خليهم بقى ينتصروا يا يحيى، وأنت يا يونس أنت وزيدان، وعبد الرحمن، أنتم مش شغالين تبع الحكومة قاعدين كده ليه ها، مش دوركم تدوّروا على اللي عمل في سيف كده، يلا مشوفش حد هنا خلصوا أنا مش بتفاهم


​تحدث يحيى بإرهاق:

_اسمعوا كلامهم يلا، من بكرا هنرجع لكل حاجة وهنيجي لـ بابا نلاقيه قام، أنا عارف إنه صعب بس يلا


​فأكمل زيدان:

_اتصرفوا وقوموا دلوقتي عشان مقومش أعجن اللي هلاقيه قدامي، وأنا على آخري أصلًا


​قام منهم بخوف وبدأ الكبار بشدهم كي يرحلوا فقال مؤمن لأخويه:

_يلا إحنا كمان، أنا ماسك المشروعات الإنشائية لعمي سيف، يعني لو غبت الدنيا هتتقلب، وأنت يا إيهاب عندك مطعمك يلا يا أمير خلصوا وقوموا


​قام الجميع وبدأوا بالرحيل واحد تلو الآخر وحتى يحيى ويونس الذين ظلوا ينظرون لـ سيف المنصوري الذي لم يرفع رأسه لهم حتى كادوا أن يتحدثوا معه، فأوقفهم مالك الذي اقترب منهم، ففهموا الأمر

​حتى اقترب مالك من أخيه وهو يُتمتم:

_قوم عشان نروح


​_انا مش عايز أسيب خالي


​صاح به مالك بغضب:

_هو أنت فاكر إن حد فينا مبسوط وهو ماشي، كل واحد مننا خايف يمشي خالي سيف يحصله حاجة، بس لازم نقوم ونستمر عشان خالي لما يقوم ميلاقيش خراب، خالي هيفرح أوي لما يلاقيك رجعت يا سيف يلا نقوم نروح البيت


​عجز سيف عن الرد فهتف بصعوبة:

_أنا مليش بيت أروح لُه


​ضربه مالك في جانبه فتأوه ثم قال مالك بعصبية خفيفة:

_لأ ليك بيت، إحنا بيتك يا سيف، إحنا وطنك اللي مهما غبت عنه هيفضل يرحب بيكَ في كل مرة ترجع ليه إحنا مكانك الثابت، ومهما عملت هفضل أخوك الكبير اللي يقف جنبك وقت ما تكون عاجز، ويعنفك وقت ما تحتاج للي يوجهك، أنا هنا عشانك ياللي تعبتني وجبتلي الضغط.


​كانت كلماته حنونة للغاية قد أذابت كل ما بداخله من قسوة وضيق قام مع أخيه وتوجهوا إلى سيارتهم مع أبيهم الذي لم يتحدث قط


​❈-❈-❈


​في اليوم التالي، في منزل حازم المنصوري، وخصيصًا في غرفة سيف، استيقظ بهدوء وهو مندهش لما حوله إنه في غرفته القديمة استرجع بعض الذكريات القديمة كان الأمر محزنًا فآخر ما حدث هنا هو شجاره مع أبيه ومغادرته دخل الحمام ثم استحم وصلى بخشوع وخوف، دعا إلى خاله كثيرًا ثم أنهى صلاته وارتدى ما أعطاه له أخوه ثم نزل للأسفل فوجد أخاه في المطبخ يحضر الطعام والقهوة فتحدث:


_أومال فين ماما؟!


​فرد مالك بابتسامة وهو يحضر الطعام بصعوبة فيده اليمنى معلقة:

_ماما مع عماتي في المستشفى، عمتك مليكة أغمى عليها وتعبانة، فهم معاها وكذلك رنيم، مفيش غيرنا أنا وأنت وبابا


​ثم حاول تحضير البيض فأتى سيف كي يساعده وهو يقول:

_إيه اللي عمل في إيدك كده!؟


​كان حديثه جافًا قليلًا ولكن مالك رد بابتسامة:

_بنت كده بنت مجانين ضربت عليا رصاصة ومشيت


​_وقعت في حبك باين وأنت قولتلها خلينا إخوات


​ضحك مالك بسخرية من قوله:

_طبعك بيغلب عليك حتى لو زعلان


​لم يرد سيف فأنهى سيف إعداد البيض وأعدوا الجبن و الفول حتى أتى أبيهم فسأله مالك:

_إيه يا بابا أنت مش هتاكل ولا إيه؟!


​_لا هنزل الشركة بعدها هعدي على المستشفى، متتعبش إيدك عشان الجرح ميتفتحش تاني


​ظن أن مالك هو من حضر الطعام فرد عليه مالك بقول كي يهدأ الوضع بين أبيه وأخيه:

_لا ده سيف اللي حضر الأكل


​فهتف سيف بسخرية:

_متقولش كده عشان كده مش هيقرب من الأكل


​نظر له حازم بامتعاض:

_آه أصلك واحد قال إنه مش هينزل لما أبوه يموت، بس جه جري لما خاله اتصاب


​حرك سيف حواجبه باستفزاز:

_أصل خالي مرمنيش في الغربة، لكن أبويا رماني، علمتني الرماية وأنت اللي رمتني.


​_عميقة دي من واحد فاشل زيك


​قالها حازم ردًا عليه فاستفز ذلك سيف فقال:

_أنت بعتني عشان تخلص من مصايبي يبقى تتحمل اللي عملته


​تألم حازم من تلك الجملة ثم ذهب، وما أنهى سيف و مالك طعامهما ذهبا إلى المشفى

​ما حدث هنا قد حدث بجميع البيوت إفطار بالإجبار، وذهاب للعمل إجبارًا


​❈-❈-❈


​في المشفى


وخصيصًا في غرفة النساء


كانت مليكة تجلس على السرير وهي صامتة وبجانبها ندى تشاركها الشعور نفسه ومعهما حور و نور و حبيبة وكذلك أميرة

​دق الباب فارتدوا الحجاب ثم فتحت ندى الباب فوجدته سيف صُدمت ندى وحضنته فدخل الغرفة فرح الجميع من رؤيته وبعد سلامات جلس سيف بجانب مليكة وقَبّل يديها وهو يهتف:


_وحشتيني يا أجمل عمة في الدنيا إيه الجمال والحلاوة دي، أنتِ بتصغري ولا بتكبري يا مليكة لا لا لازم تقوليلي إيه سر الجمال ده


​ضحكت مليكة بيأس منه فهو لم يتغير أبدًا حتى قالت حور:

_ بتنتهز أنت الفرصة فأن خالك مش موجود.


​فرد عليها بثقة:

_طبعاً يا يا حور يا بنتي أصل خالي ده طماع عايز ياخد الحلاوة دي لوحده


​_اسكت يا واد متقولش على أخويا كده


​تمتمت بها ندى وهي تنظر له فأردف هو:

_لا بقولك إيه روحي شوفي جوزك أنا أصلًا على آخري منكم ها أنا بقولك أهو


​_اخرس، أبوك هو في زيه


​كانت نظراته باردة فهتف:

_ده من فضل ربنا ورحمته بيا إن مفيش زي أبويا.


​ضحك الجميع على صياحه فوجه سيف حديثه إلى مليكة:

_حضرتك ناوية تفضلي مكتئبة كده كتير، أومال خالي يقوم يلاقي وردته المفتحة دي ازاي، لا بقولك إيه أنا ميعجبنيش الحال ده قومي كده يلا


​أخذها من يديها فكانت ترتدي ملابس مناسبة للخروج ذهب بها إلى العناية خلسة ووقف أمام الغرفة التي راقد بها سيف الشافعي فوقفوا من خلف الزجاج قائلًا:


_بصي ازاي هو مش مستسلم، تعرفي ليه!؟ عشان هو بيحبك وأكيد بيجاهد عشانك وعشانا اوعي تستسلمي كده، بل صلي وادعيلي وأنا هشوف طريقة تدخلي بيها ليه، هو مش هيحبك تزعلي، الكل خايف، أنتِ بالذات مينفعش تخافي أو تقلقي لأنك الطريق الوحيد اللي خالي يعرفه، ولما الإنسان بيلاقي طريق بيرحب بيه.. بيحارب عشان يرجعله


​أعطاها أملًا وجعلها تفيق، فأتت عليهم ندى مُكملة:

_أنا واثقة إنه هيقوم، لازم نبقى أقوى من كده


​فردت مليكة بأمل:

_أيوا هيقوم ده الحاجة اللي عندي أمل فيها


​وبعد فترة أتى عليهم شاب بمنتصف العقد الثاني له ومعاه فتاة. كان الشاب هو حُسام خطيب قِبلة الذي خُطب لها قبل أسبوع وكانت معه قِبلة فقد أراد أن يقابل مليكة


​_ألف سلامة عليه يا طنط ربنا يقومه بالسلامة، بإذن الله يقوم ويبقى بخير


​لم تبدِ الفتاة أي ردة فعل حتى سأل سيف باستغراب:

_مين البت الكئيبة المزة دي، ومين النطع اللي معاها ده


​ردت ندى بقلق:

_دي.. دي قِبلة بنت عمتك حور، وده حُسام، اتخطبوا من أسبوع كده.


​اتسعت عينه وكأنها ستخرج من مكانها فقال:

_قِبلة... الفراشة؟!


​_آه يا سيف كنت فاكر أنها هتفضل مراهقة صغيرة، ولا فاكر أنها هتفضل مستنياكَ تمن سنين من عمرها لا يا سيف البنت الصغيرة الجميلة اللي كنت بتحبها، انطفت بسببك، وفي واحد تاني غيرك هيتجوزها


​كان ذلك الأمر صعبًا عليه حتى وجد حُسام يقول:

_ربنا يقومه على خير عمي سيف ساعدني كتير إني أخطب قِبلة، وأنا هفضل ممتن ليه طول عمري


​فقال سيف بينه وبين نفسه:

_ماشي يا خالي لما تقوملي


​عرفته مليكة حسام على سيف فقال:

_اتشرفت بيك يا سيف


​فرد سيف بخبث:

_أنا مش أشرف


​لم يفهم حُسام ولكنه ضحك فتكلم سيف مع قِبلة وعينه تفيض بمشاعر:

_ازيك يا قِبلة، مبارك على الخطوبة، ربنا يتمملك على خير


​امتلأت عيناه بالدموع وهو يقولها فردت هي بعد أن استوعبت أنه قد عاد:

_الله يسلمك يا سيف، حمد الله على سلامتك، عقبالك ربنا يرزقك زوجة صالحة


​فقال هو مُتمنيًا، وهو يلعن غباءه الذي أوصله لتلك النقطة:

_لا معلش مش ناوي أتجوز أصل تم استئصال عواطفي كلها.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (يارا حسين)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل