قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (12)
ها قد عدنا إليكم من جديد، نحمل بين أيدينا فصلًا آخر من حكايةٍ لم تُكتب سطورها بالحبر وحده، بل خُطَّت بمزيجٍ من الشغف، والخذلان، والقدر، وتلك المصادفات التي تبدو للوهلة الأولى عابرة، ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت المنعطف الحقيقي الذي غيّر كل شيء.
ثلاثة أشهرٍ مضت من الأحداث، وربما عاش أبطال الرواية خلالها أعمارًا كاملة من المشاعر المتناقضة؛ ضحكاتٌ أعقبها بكاء، ولقاءاتٌ حملت بين طياتها وداعًا مؤجلًا، وقلوبٌ ظنت أنها بلغت يقينها، فإذا بها تقف على أعتاب أسئلةٍ جديدة لا تعرف لها جوابًا.
وقبل أن نمضي معًا في هذا الفصل، أخبروني... ما انطباعاتكم حتى هذه اللحظة؟ أي شخصية استطاعت أن تتسلل إلى قلوبكم دون استئذان؟ ومن الذي ما زلتم تعجزون عن فهمه؟ هل غيّر أحدهم نظرتكم إليه بعدما كنتم تظنون أنكم أدركتم حقيقته، أم ما زلتم تنتظرون اللحظة التي يكشف فيها القناع الأخير؟
وأخبروني أيضًا... ماذا تتوقعون لما هو آتٍ؟ هل تظنون أن الحب سينتصر بسهولة كما تمنّت القلوب؟ أم أن القدر يخبئ للأبطال امتحاناتٍ أشد قسوة مما مروا به؟ هل ترون أن بعض النهايات قد اقتربت، أم أن كل ما حدث حتى الآن لم يكن سوى بداية الطريق؟
الأغرب من كل ذلك أن الحكايات التي ستتوالى أمامكم لن تكون مما يخطر على البال. ستتشابك الخيوط بطريقة قد تبدو مستحيلة، وستلتقي الطرق التي أقسم أصحابها يومًا أنها لن تتقاطع أبدًا. ستتبدل القناعات، وتتغير الوجوه، وسنكتشف أن كثيرًا مما حسبناه صدفة، لم يكن إلا تدبيرًا إلهيًّا بالغ الحكمة.
فكم من لقاءٍ ظنه الناس خطأً، فإذا به أعظم أبواب الخير. وكم من فراقٍ بكى له القلب طويلًا، ثم أدرك بعد حين أنه كان النجاة التي لم يكن يراها. وكم من إنسانٍ رفضته العقول أول الأمر، ثم اختاره القلب أخيرًا، بعدما تكشفت الحقائق وسقطت الأقنعة.
إن حكمة الله في هذه الأرض أعظم من أن تدركها أعيننا المحدودة. نحن لا نرى سوى صفحةٍ واحدة من الكتاب، بينما يعلم سبحانه نهاية الحكاية منذ بدايتها. ولذلك، كثيرًا ما نعترض على الطرق التي يسوقنا إليها القدر، ثم نبتسم بعدها بسنوات لأننا سرنا فيها. ونحزن على أشخاصٍ غادروا حياتنا، ثم نحمد الله أنهم رحلوا قبل أن يصبح بقاؤهم وجعًا لا يُحتمل.
ولعل أجمل ما في قصص الحب الحقيقية أنها لا تشبه القواعد التي يضعها البشر. فالحب ليس معادلةً ثابتة، ولا قانونًا يمكن حفظه. إنه ذلك الشعور الذي يولد في أكثر الأماكن غرابة، وبين أكثر الشخصيات اختلافًا، وفي أكثر اللحظات التي يستحيل أن نتوقعها.
ولهذا، لا تتعجبوا إن وجدتم أن أكثر العلاقات غرابة هي التي يُكتب لها الاستمرار. فحين يجتمع شخصان لا يشبه أحدهما الآخر، يكمل كل منهما النقص الذي يحمله الثاني، وتتحول الاختلافات إلى جسورٍ للمودة لا أسبابٍ للنفور. قد يلتقي الهدوء بالعاصفة، والعقل بالاندفاع، والصمت بالكلام، فيصنع ذلك المزيج حياةً لا يستطيع المتشابهان أن يصنعاها.
إن العلاقات التي تبدأ بصورة غير مألوفة، أو تأتي على غير ما خطط لها أصحابها، كثيرًا ما تحمل في داخلها صدقًا لا تصنعه المقدمات المثالية. فالمشاعر الصادقة لا تسأل عن توقيتٍ مناسب، ولا عن ظروفٍ كاملة، ولا عن تشابهٍ مطلق، بل تبحث عن روحٍ تشعر معها بالأمان، وقلبٍ إذا حضر هدأت الفوضى كلها.
وربما لهذا السبب ستجدون أنفسكم خلال الفصول القادمة تعيدون النظر في كثير من أحكامكم السابقة. ستتعاطفون مع من لُمتموه، وتغضبون ممن وثقتم به، وربما تكتشفون أن البطل الحقيقي لم يكن من توقعتموه يومًا.
لا تتعجلوا إصدار الأحكام، فكل شخصية تحمل داخلها قصةً لم تُحكَ بعد، وكل قرارٍ اتُّخذ كان خلفه سببٌ خفي، وكل دمعةٍ سالت كان لها موعدٌ مع ابتسامةٍ مؤجلة.
شدوا أحزمة قلوبكم، واتركوا مساحةً للدهشة، فالقادم لا يشبه ما مضى، والأحداث المقبلة لن تمنح أحدًا فرصةً لالتقاط أنفاسه. وما حسبتموه نهايةً، قد يكون أول الطريق... وما ظننتموه بدايةً، ربما كان الفصل الأخير من حكايةٍ لم تكتمل إلا الآن.
فهيا بنا... لنقلب الصفحة التالية، ونرى ماذا خبأ القدر لأبطالنا، وماذا كتب الله لكل قلبٍ ظن أن رحلته قد انتهت، بينما كانت في الحقيقة على وشك أن تبدأ.
❈-❈-❈
انسحب الآباء إلى الشرفة الواسعة يتبادلون الأحاديث الرسمية المعتادة، ولحقت بهم الأمهات بعد دقائق قليلة، تاركين وسام وآية وحدهما في الصالون الهادئ. خيّم صمت قصير بينهما، لم يكن مزعجًا بقدر ما كان محمّلًا بالتوتر والخجل. كانت آية تُخفض بصرها إلى الأرض منذ جلست، تعبث بأصابعها في ارتباك واضح، بينما تأملها وسام بابتسامة هادئة محاولًا كسر الجليد بينهما.
قال لها بلطف إن ملامحها تفضح خجلها الشديد، فاعترفت بخفوت بأنها بالفعل تشعر بإحراج كبير. حاول أن يخفف عنها، وسألها عمّا تحب أن يتحدثا فيه، لكنها ازدادت ارتباكًا وأجابته بأن أي موضوع سيكون مناسبًا. ابتسم ابتسامة صغيرة وأخذ يبحث عن بداية طبيعية للحديث، فسألها عن حالها، فأجابته بأنها بخير والحمد لله.
تدرج الحديث بينهما ببطء، وعرف منها أنها لا تعمل رغم العروض الكثيرة التي جاءت إليها بعد تخرجها، سواء بسبب تفوقها الدراسي أو معارف والدها. أوضحت ببساطة أنها لا تحب أجواء العمل من الأساس، فتقبل الأمر دون تعليق حاد، ثم سألها عن عمرها. أخبرته، بابتسامة خجولة هذه المرة، أنها تجاوزت الرابعة والعشرين بقليل وتسير نحو الخامسة والعشرين، فدعا لها بطول العمر بلطف جعلها تشعر بشيء من الألفة.
وبعد لحظة صمت قصيرة، رفعت عينيها إليه فجأة وسألته إن كان قد خُطب من قبل. بدا السؤال مفاجئًا له قليلًا، لكنه أجابها بصراحة أنه كان مرتبطًا بالفعل. سألته إن كان قد أحب خطيبته السابقة، فتردد لحظة قبل أن يعترف بأنه لم يكن يعرفها جيدًا في البداية، فقد كانت خطبة تقليدية، لكنه مع الوقت تعلق بها وأحبها بشدة. وحين سألته عمّا حدث بعد ذلك، قال بهدوء إن النصيب لم يكتمل بينهما، ثم اعتذر خشية أن يكون حديثه قد أزعجها، لكنها نفت ذلك تمامًا، وإن ظلت ملامحها هادئة بصورة يصعب معها معرفة ما تشعر به حقًا.
انتقل الحديث بعدها إلى أمور أكثر عمقًا. سألها إن كانت محافظة على صلاتها، فأجابته بثقة أنها كذلك، ثم أخبرته فجأة بأنها أيضًا كانت مخطوبة من قبل. بدا عليه الاهتمام، فأوضحت أنها انفصلت عن خطيبها لأنها لم تشعر بالراحة أو التفاهم معه. وافقها الرأي قائلًا إن فترة الخطوبة خُلقت أساسًا لاكتشاف التفاهم الحقيقي بين الطرفين.
حينها تنفست آية بعمق، وكأن كلماته دفعتها لاتخاذ قرار كانت تؤجله. أخبرته أن حديثه جعَلها ترتاح له، ولذلك أرادت أن تصارحه بأمر مهم. ثم طرحت عليه سؤالًا غريبًا في ظاهره، تسأله فيه عن رجل أحب فتاة ووعدها بالزواج، ثم فرقت الظروف بينهما مؤقتًا، بينما بقي كل منهما متمسكًا بوعده للآخر. هل يستطيع هذا الرجل أن يرتبط بامرأة أخرى بعد ذلك؟
فهم وسام مقصدها سريعًا، وأجاب دون تردد أن من يحب بصدق ويمنح وعدًا حقيقيًا لا يستطيع ببساطة أن يهب قلبه لشخص آخر، لأنه لن يشعر بالسعادة مع غير من أحبها فعلًا.
عندها رفعت آية عينيها إليه للمرة الأولى بثبات كامل، واعترفت بأنها مرتبطة بشخص تحبه منذ سنوات الجامعة، لكن ظروفه المادية تمنعه حاليًا من التقدم لها. أخبرته أنه يبذل كل ما يستطيع ليصبح جديرًا بها وبالمستوى الذي تعيش فيه. ثم قالت بصوت اختلط فيه الصدق بالحزن إن أهلها دفعوها لمحاولة نسيان تلك القصة والارتباط بغيره، لكنها جربت ذلك مرة من قبل وفشلت، ولن تستطيع أن تكرر الخطأ نفسه فتظلم رجلًا لا ذنب له، حتى وإن كان رجلًا محترمًا مثل وسام.
ساد الصمت لثوانٍ قصيرة بعد كلمات آية الأخيرة، لكنّها لم تكن ثوانٍ ثقيلة بقدر ما كانت مشبعة بشعورٍ غريب من الارتياح. كان وسام ينظر إليها بابتسامة هادئة، بينما بدت هي متوترة تعبث بأطراف أصابعها وتشيح بعينيها إلى الأرض كلما التقت نظراتهما. لم يكن الموقف عاديًا بالنسبة لها؛ فهذه أول مرة تصارح رجلًا جاء ليتقدّم لها بحقيقة مشاعرها كاملة، دون تجميل أو مواربة.
ابتسم وسام بخفة وقال: — «صراحتك دي خلتني أحس إنك بجد إنسانة كويسة ومتربية صح… بس أنا فهمتك. طيب لو جه عريس تاني هتعملي إيه؟ هتحكي نفس الحكاية دي؟»
رفعت آية عينيها نحوه للحظة، ثم قالت بصوت هادئ: — «تعرف إن محدش يعرف الحكاية دي غيرك؟ والله أنا مكنتش عايزة إنك تتعذب، وأنا كمان أتعذب بارتباط عايزينه أهلينا مش إحنا.»
هزّ رأسه بتفهّم، لكنه عاد يسألها: — «برضه مجاوبتنيش.»
تنهدت بخفة قبل أن ترد: — «بص… أنا كتير بطلع عيوب في أي عريس يجيلي، وأهلي هنا بيقتنعوا بوجهة نظري. لكن إنت… هما شايفينك كامل الأوصاف، وأنا كمان لقيتك كده بصراحة، فمعرفتش أخرج من الجوازة دي غير إني أقولك الحقيقة.»
تأملها وسام للحظات، ثم سأل بنبرة أقل حدة: — «هو الشخص اللي إنتِ مرتبطة بيه ده… واثقة من وعده؟»
ابتسمت آية لأول مرة براحة حقيقية، وكأن السؤال وحده جعلها تستحضر صورته أمامها، ثم قالت: — «أوي… لدرجة إنه محبش حتى يكلمني ولا أي حاجة غير لما تبقى فيه خطوة رسمية. بيشتغل ليل ونهار، وبيحضر دراسات وبيتعب جدًا عشاني، وأنا عارفة إنه هيجيلي في معاده زي ما وعدني.»
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي وسام، رغم تلك الوخزة الخفيفة التي شعر بها داخله، وقال: — «أتمنى كده… وربنا يهنيكم ببعض.»
نظرت له آية بتردد وسألته: — «زعلت مني؟»
ضحك بخفة وهو يهز رأسه: — «بالعكس… أنا النهارده كسبت صديقة جميلة جدًا وصريحة جدًا.»
انفجرت آية بالضحك، فابتسم هو الآخر وقال: — «وبجد أنا مبسوط. إنتِ صح… الواحد لازم ياخد حد بيحبه عشان يعرف يعيش مبسوط.»
سألته وهي تبتسم: — «طيب هنعمل إيه يا أستاذ وسام؟»
أشار بيده معترضًا: — «وسام بس… خلاص، إحنا من النهارده إخوات وأصحاب. سيبيها على الله ثم عليّا، هتيجي مني أنا. بس متزعليش من السبب اللي هخترعه لرفضي ليكي.»
ضحكت آية بقوة هذه المرة: — «لا بالعكس خالص، ياريت!»
ابتسم وسام وهو يلمح حركة عند باب الغرفة، ثم قال بسرعة: — «أوكي، وهو كذلك… الجماعة جم، خليكي عادي خالص.»
اعتدلت آية في جلستها فورًا، وفي اللحظة التالية دخلت الأمهات والآباء بابتسامات مترقبة.
قالت والدة وسام بحماس: — «ها؟ سيبناكم تتكلموا شوية.»
وأضافت والدة آية: — «إن شاء الله خير ولا إيه؟»
رد وسام بهدوء: — «آه إن شاء الله.»
أما آية فاكتفت بابتسامة خجولة وهي تقف من مكانها.
ضحك والدها وقال: — «السكوت علامة الرضا يا أستاذ عاصم.»
لكن والد وسام لم يتسرع، وقال بهدوء رزِين: — «متستعجلش… خد رأيها واسمع منها، وابقى بلغنا. ها، نستأذن إحنا.»
نهض الثلاثة استعدادًا للمغادرة، وقالت والدة وسام بمجاملة لطيفة: — «إن شاء الله نبقى نيجي تاني.»
ردت والدة آية بابتسامة واسعة: — «تأنسوا وتنوروا، يا أهلا وسهلا.»
خرج أهل وسام أخيرًا، واستقلوا السيارة في طريق العودة. طوال الطريق كان وسام صامتًا تمامًا، ينظر من نافذة السيارة بملامح متجهمة متعمدة، حتى إن والدته بدأت تشعر بالضيق.
التفت إليه والده قائلًا: — «مالك ساكت يا وسام يعني؟»
رد دون أن ينظر إليه: — «مفيش يا بابا.»
تبادلت والدته النظرات مع والده، ثم تنهدت بحزن وهي تخفض عينيها إلى الأرض. كانت تشعر أن الفتاة لم تعجبه، رغم الانسجام الواضح الذي رأته بينهما منذ قليل، ولم تفهم ما الذي تغيّر فجأة. أما وسام، فكان يحاول بكل قوته أن يحافظ على ملامحه المتضايقة… حتى يكتمل الدور الذي وعد آية أن يلعبه للنهاية.
❈-❈-❈
في شركة صغيرة اتأسست على الحلم والصحوبية قبل الشغل، كان غياب شخص واحد كفيل يخلّي اليوم كله متلخبط. الصبح عدى تقيل على المكتب، والكراسي اللي حوالين الترابيزة المستديرة شكلها ناقص، كأن المكان نفسه حاسس إن فيه حاجة غلط.
رفعت أمنية عينيها من على اللابتوب وهي بتبص حوالين المكان بتوتر، وبعدها قالت بصوت عالي شوية:
— "مى مجاتش يا شباب... والفون مقفول."
محدش رد في الأول، وكل واحدة كانت مستنية التانية تقول حاجة تطمنها. اتنهدت أمنية بضيق ومسكت فونها تاني تبعت رسالة، لكن كالعادة... الرسالة متبعتتش.
وفجأة دخل صوت منة من وراها وهي شايلة كوب القهوة:
— "إيه يا أمنية؟ في إيه؟"
بصتلها أمنية بسرعة وقالت:
— "بقولكم مى فين؟"
منة هزت كتفها بلا مبالاة مصطنعة:
— "معرفش."
غادة رفعت عينيها من الورق اللي قدامها وقالت وهي بتحاول تهدي الجو:
— "شايفانا مضيعنها إنتي كمان؟ تلاقيها عيانة عشان كده مجاتش."
أمنية عقدت حواجبها بعصبية:
— "عيانة يومين وقافلة فونها؟ لاااا... أنا بدأت أقلق."
منة سكتت، لكن جواها كان فيه خناق أكبر من أي كلام. قلبها الطيب كان بيشدها ناحية القلق على مى، لكن زعلها منها كان واقف سد قدام أي محاولة تسامح بسهولة. هى نفسها مكانتش فاهمة ليه مى اختفت بالشكل ده، وليه اختارت البعد بدل ما تواجههم.
أما مى...
فكانت عايشة في عالم تاني تمامًا.
اليوم عندها بقى ليل، والليل بقى نهار. قاعدة في بيت أبوها، مستخبية من الدنيا ومن نفسها. تنام وهما صاحيين، وتصحى وهما نايمين، كأنها بتحاول تهرب من أي سؤال أو مواجهة.
وفي ليلة هادية، كانت قاعدة في أوضتها، السماعات في ودانها، وأغنية حزينة شغالة بصوت واطي. ضامة رجليها فوق السرير وعينيها تايهة في السقف.
الباب اتفتح فجأة، ودخل أبوها وهو باصلها باستغراب لطيف.
— "إيييييه؟ يا ميوش... عاملة إيه يا حبيبتي؟"
شالت سماعة من ودنها وقالت بابتسامة باهتة:
— "أهو... تمام."
قرب منها وقعد على طرف السرير وهو مركز في وشها كويس.
— "بصي... إنتي جيتي ومتكلمتيش، ومقولتيش مالك. حاسسِك متغيرة وتعبانة ومخنوقة. سايبك براحتك تيجي لبابا حبيبك تقولي مالك، ومع ذلك مقولتيش... ومش بتروحي الشغل كمان. تبقى حاجة جامدة بقى."
ابتسمت بخفة وهي بتحاول تهرب بعينيها:
— "صدقني مفيش يا بابا... مجرد سوء تفاهم بسيط بس مش أكتر. بس مضايقني يعني."
— "مع أصحابك؟"
— "آه."
هز راسه بهدوء وقال:
— "طيب ما تحاولي تتصالحوا، مدام إنتي بتبقي مرتاحة وإنتوا سوا."
نزلت عينيها للأرض وهمست:
— "بس ضايقوني أوي يا بابا..."
اتنهد بحنان وربّت على شعرها:
— "يا حبيبة بابا... الصحاب ياما بينهم زعل وخصام، وبيرجعوا يتصافوا ويحبوا بعض من تاني... وإلا مكانوش صحاب بقى."
رفعت عينيها ليه بتردد:
— "تفتكر يا بابي؟"
ابتسم وقال:
— "بصي يا ميوش... غادة ومنة وأمنية صحابك من الكلية، اللي طلعتي بيهم وعملتوا شركة سوا عشان متتفارقوش. وبعد ده كله تقعدي زعلانة كده ومخنوقة؟"
فجأة، ارتمت في حضنه وهي بتضحك بخفة لأول مرة من يومين.
— "بحبك يا بابتي."
ضحك وهو ضاممها:
— "قوليلي بقى... مفيش حاجة كده ولا كده؟"
اتجمدت للحظة، وبعدها قامت بسرعة من حضنه وقالت بخضة:
— "زي إيه؟"
رفع حاجبه بمكر:
— "يعني... حاجة خبطت على الباب كده؟"
وشها احمر فورًا وهي بترد بسرعة مبالغ فيها:
— "خااالص! متلكأآآآ يا بابتي... أبسلوتلي! أنا اللي بقول لا."
انفجر ضاحكًا وقال:
— "يا واد يا جااااامد! ربنا يخليكي ليا... إنتي وسهر كل حاجة في حياتي."
ضحكت وهي بتشاور ناحية الصالة:
— "والست اللي قاعدة بره دي؟"
بص حواليه بخوف مصطنع، وبعدها عمل نفسه بيضربها خبطة خفيفة على وشها:
— "إنتي قليلة الأدب!"
ضحكت مى من قلبها المرة دي، وخرجت معاه بره الأوضة. أول ما قعدت وسطهم، رجعت تضحك تاني، وكأن البيت الدافي ده بدأ يفك الحزن اللي كان محبوس جواها واحدة واحدة.
❈-❈-❈
ذهبت أمنية إلى شقة مى، وقفت أمام الباب وبدأت تطرق عليه بإلحاح شديد، تطرق مرة بعد مرة دون توقف، لكن لم يصلها أي رد. ازداد قلقها شيئًا فشيئًا، وظلت تحاول لعلها تسمع صوتًا من الداخل أو تجد أحدًا يفتح لها، لكن الصمت كان هو الجواب الوحيد.
وأثناء ذلك، سمع وسام الصوت من الداخل، فخرج ليرى ما يحدث، وما إن رأى أمنية حتى حيّاها بابتسامة هادئة وسألها عن حالها. ردّت عليه باقتضاب، ثم بادرت تسأله عن مى، متسائلة إن كانت لا ترد على الهاتف أو الباب. أخبرته أنها تطرق منذ فترة طويلة، وأن هاتف مى مغلق، وأنها لم تذهب إلى عملها منذ يومين، وهو ما جعلها تشعر بقلق شديد عليها.
تغيرت ملامح وسام قليلًا عند سماع ذلك، وسألها باستغراب إن كانت مى لم تعد بعد، فأجابته أمنية بأنها لم تعد إلى أي مكان، مما زاد من حيرته. عندها أوضح وسام بهدوء أن مى كانت عند والدها، وأنه هو من أوصلها بنفسه، لكنه لم يكن يدرك أنها متضايقة إلى هذا الحد.
تفاجأت أمنية كثيرًا مما سمعته، وازداد قلقها أكثر، وأعلنت فورًا أنها ستذهب إليها للاطمئنان عليها. عندها طلب منها وسام أن تنتظره دقائق قليلة فقط حتى يرتدي ملابسه ويذهب معها، لأنه يريد الاطمئنان بنفسه أيضًا ومعرفة ما يحدث.
استجابت أمنية للأمر، ودخلت معه وهي لا تزال مستغربة من اهتمامه المفاجئ، بينما كان هو في الداخل يجهز نفسه بسرعة. وبعد لحظات، خرج معها ونزل ليستقلا معًا.
وفي تلك الأثناء، كان والدا وسام يراقبان الموقف في صمت واستغراب، متسائلين عن سبب هذا الاهتمام الزائد من جانبه بمي، خاصة بعد موضوع العروس الذي لم يُحسم بعد، مما أثار لديهم قلقًا وتساؤلات كثيرة حول ما يدور في ذهنه وما يخفيه من مشاعر أو قرارات.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
