ما تبقى لدي - الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح - الفصل 21 | رانيا الخولي

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: ما تبقى لدي 

الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: رانيا الخولي | الفصل الواحد والعشرون



خرج جاسر من القاعة الكبرى بعد أن أسدل الستار على مراسم عقد القران، بفيض من فرحة يوم طال انتظارها، كانت عيناه تلمعان ببريق سعادة لم يعهدهما منذ سنوات طوال، سعادة تكسر حواجز الزمن وتوقظ الروح

تبعه باقي أفراد العائلة وبجانبه سارت نغم، قوامها يتهادى في ثوبها المخملي الأنيق وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة رضا هادئة كأنها لوحة فنية تعكس سكينة الروح

أمامهما جلست زينة وشروق وبجانبهما ليال وتالين كباقات الزهور المتفتحة يرتدين فساتين زاهية الألوان، تتراقص مع كل حركة لتناسب بهجة وفرحة اليوم الذي طالما حلموا به

قالت زينة بصوتها المرح المعهود الذي يملأ الأرجاء حيوية وبهجة وكأنها تعزف سيمفونية الفرح

_مبروك يا جاسر فرحتك بتم النهاردة بعرسين مرة واحدة، تستاهل كل خير يا أخويا.


ابتسم جاسر ابتسامة دافئة امتدت لتلامس أطراف قلبه ورد بنبرة حانية تحمل في طياتها كل معاني الشكر والامتنان

_الله يبارك فيكي يا زينة وعقبال ولادك يا رب نشوفهم عرسان وعرايس.


ضحكت زينة ضحكة خفيفة وألقت نظرة سريعة ذات مغزى على ليال التي كانت تجلس بجوار والدتها نغم وقد بدت عليها علامات الخجل والترقب

_آه يا جاسر كلامك ده خلاني أفتكر حاجة احنا مستنيين موافقة منك بس وموضوعها بقاله كتير.


احمر وجه ليال فجأة وعرفت على الفور ما تقصده عمتها زينة

خفضت بصرها إلى الأرض وكأنها تبحث عن مفر وتعلثمت كلماتها في حلقها لكن صمتها كان أبلغ من أي كلام

لاحظ جاسر احمرار وجه ليال وتلعثمها الصامت، فأدار رأسه إلى زينة بفضول يكسوه بعض القلق

_موافقة على إيه يا زينة؟ مفهمتش قصدك.


أشارت زينة برأسها نحو ليال وقالت بمرح يكسر حدة الموقف

_على خطوبة ليال يا جاسر في شاب محترم من عيلة كريمة جايين يخطبوا من زمان بس انت كنت مشغول كعادتك، عايزين بس كلمة منك كلمة تفرح قلوبنا.


نظر جاسر إلى ليال طويلاً نظرة تحمل في طياتها حباً أباً عميقاً وفخراً لا يوصف رأى فيها خجلها الرقيق، وشبهها الكبير بوالدتها نغم، وكأن الزمن يعيد نفسه في أجمل صوره تذكر كل لحظة مرت بها وكل حلم راودها

ثم قال بنبرة هادئة وحاسمة، تملؤها الثقة والأبوة

_ليال دي بنتي الغالية قطعة من روحي وأي حد يستحقها لازم يكون عارف قيمتها ويصونها في عينيه يبقى أنا معنديش مانع بالعكس، فرحتنا هتكمل بوجودها في بيت سعيد.


رفعت ليال رأسها ببطء وعيناها تلمعان بدموع الفرح المكتومة كحبات اللؤلؤ نظرت إلى والدها وابتسمت ابتسامة صغيرة وهمست بصوت خافت بالكاد يسمع

_شكراً يا بابا شكراً على كل حاجة.


ابتسم جاسر لها بحنان ثم قالت زينة وقد علت وجهها ابتسامة عريضة

_خلاص أول ما نرجع من السفر نكتب الكتاب على طول ما فيش أي تأخير الفرحة ما بتستناش.


في تلك الأثناء كانت شروق تجلس بجانب تالين التي تتميز بوجهها البريء وعينيها الواسعتين

نظرت شروق إلى تالين وقالت بنبرة مرحة ومشجعة

_فاضل كده تالين، هنفرح بيكي قريب ولا لسه؟


خجلت تالين 

_يا عمتي أنا لسه قدامي سنة كمان.


كان جاسر ينظر إلى تالين بصمت مطول ثم قال فجأة بصوت هادئ لكنه قطع كل الضجيج

_تالين كمان قريب إن شاء الله.


التفتت تالين إلى والدها بدهشة بينما كانت نغم تبتسم بهدوء وتعرف أن جاسر لا يقول كلمة إلا ولها معنى

_بابا أنا مش مرتبطة بحد.


ابتسم جاسر ابتسامة غامضة وقال

_ انا مقولتش انك مرتبطة انا بقول قريب إن شاء الله.


نظرت شروق إلى زينة وتبادلتا نظرة مليئة بالمعاني كانت تعرف شروق أن جاسر لا يتحدث هكذا عبثاً، فهو إما يعرف شيئاً أو أنه يخطط لشيء.


قال جاسر وهو ينهض

_طيب يلا بقا نتعشى كلنا مع بعض


نظر باتجاه عائلة الرفاعي الذين خرجا بدورهم استعداداً للذهاب فتقدم منهم

_على فين؟ انا قلت كلنا هنتغدى مع بعض.


قال سالم بمودة

_خليها مرة تانية انما دلوقت الوقت اخر ولازم نروح.


رفض جاسر وأصر على بقاءهم ليتناولوا جنيعا العشاء في جو اسري جميل


​❈-❈-❈



انتهى الزفاف وانسحب ضجيج الفرح تدريجياً ليحل محله سكون الليل

 صار الجميع إلى غرفهم تاركين القاعة الكبرى غارقة في شبه ظلام لا يكسره إلا بقايا الأضواء الخافتة التي كانت تودع يوماً استثنائياً

صعد تميم الدرج المؤدي إلى الجناح الخاص به وكانت خطواته تحمل مزيجاً غريباً من الثقل والخفة

 ثقل الترقب لمرحلة جديدة وخفة الفرحة التي تملأ روحه وقبل أن يفتح باب الجناح استدار نحو نادين وعيناه تعكسان نوراً هادئاً وقال بروية وخشوع

_أول حاجة يا نادين سمي الله وأنتِ بتدخلي الليلة دي، البيت اللي ميبقاش فيه ذكر الله ميبقاش فيه خير وميبقاش فيه بركة.


أطاعت نادين بقلب خافق وهمست باسم الله لكنها نظرت إليه بحيرة خفية؛ فكل خطوة يخطوها وكل كلمة ينطق بها يذكر فيها الله، وكأن حياته كلها نسك وعبادة

 دلفت معه إلى الجناح وأغلق الباب خلفه بهدوء ثم أخذ بيدها برفق كمن يقود كنزاً ثميناً إلى مأمنه وسار بها إلى عمق الغرفة.


صمت تميم للحظة وعيناه تنتقلان ببطء من وجهها المشرق إلى شعرها الطويل الذي كان منسدلاً على كتفيها كشلال من الحرير يغازل ضوء الغرفة الخافت، رفع يده بحذر ولمس خصلة من شعرها برفق شديد كأنها شيء ثمين لا يمس وهمس بصوت يكاد يكون مسموعاً

_تعرفي النهاردة رغم إن مكنش فيه رجالة غير بابا ويامن بس بس أنا كنت مضايق.


نظرت نادين إليه بدهشة لم تتوقعها، فملامحه كانت هادئة طوال الحفل

 سألته بصوت خفيض

_لما يا تميم؟ كل شيء سار كما يرام.


استمر تميم بالنظر إليها وكأنها كتاب مفتوح يقرأ فيه أسراراً لم يكتشفها بعد

 تنهد تنهيدة خفيفة ثم قال بصدق وعفوية

_كنت حاسس بالغيرة غيرة غريبة، أنا واثق في يامن، يامن ده أخويا وعارف إنه ميتلفتش ليكي أصلاً احتراماً ليا على الأقل بس كنت غيران من نظرات الناس اللي كانت مبهورة بيكي، عارف إن الموضوع عادي وإنك كنتي زي القمر بس مكنتش عايز حد يلمح الجمال ده غيري كنت عايزك ليا أنا وبس.


اتسعت عينا نادين بإعجاب لم تكن تتوقعه، كانت تعرف أن تميم شيخ محافظ يلتزم بالدين والأخلاق، لكنها لم تكن تتخيل أن غيرته ستصل إلى هذا الحد الرقيق الذي يمزج بين الحب والغيرة الطاهرة، ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تستطع إخفاءها وسألته بمرح خفيف

_هل غيرتك هذه شك يا تميم أم حب وخوف؟


نظر تميم في عينيها طويلاً بعمق يلامس الروح، ثم قال بصادق لم تسمع مثله من قبل وبنبرة حاسمة لا تقبل الجدل تعكس مبادئه الراسخة

_لو كان في شك يا نادين لحظة واحدة شكيت فيها مكنتش وافقت أتجوزك أنا مبحبش الكدب ولا الخداع، والشك ده أول طريقهم يمكن أنا أناني في الحتة دي بس أنا عايز أكون أول واحد يدخل حياتك من كل النواحي، يعني ميكونش قلبك دق لغيري ولا حد قرب منك غيري، عايزك صفحة بيضا أنا اللي أكتب فيها أول سطر.


لاح الحزن على ملامح نادين وابتسامتها الواسعة تلاشت اهتزت نظراتها لكنها لن تترك شيء يعكر صفو فرحتها

وتركت قلبها يذوب من كلماته الصادقة التي اخترقت أعماقها، نظرت إليه بعينيها الممتلئتين بالامتنان والحب وقالت بصوت خفيض بلهجته التي بدأت تتسلل إلى قلبها

_ كل ما استطيع قوله أن لا أحد احتل قلبي بحبه كما فعلت انت.


ساد صمت جميل بينهما صمت مليء بالكلمات غير المنطوقة بالوعود الخفية، وبداية قصة حب طاهرة

 شعر تميم بسعادة طاغية تسري في عروقه، كالنهر الذي يروي أرضاً عطشى اقترب منها أكثر ووضع يده على خدها برفق وكأنه يلامس زهرة نادرة

_الحمد لله كلامك ده أسعدني يا نادين بجد أسعدني.


تراجع خطوة إلى الوراء وعاد إلى جدية الشيخ الذي يعرف واجباته ويضع الله نصب عينيه في كل خطوة

_خلاص خلينا نكمل طاعة تعالى نتوضأ ونصلي ركعتين شكر لله عشان الليلة دي تبقى بداية خير ليكي وليا، بداية مباركة من عند ربنا.


كانت هذه أول مرة تشعر فيها نادين بأن الزواج ليس مجرد عقد اجتماعي بل ميثاق عظيم أمام الله، بداية لحياة مبنية على أسس الإيمان والتقوى، نظرت إليه بعينين تملؤهما الطاعة والتقدير

_تميم لما كل ذلك؟ يبدو أننا داخلين حرب وليس زواج.


اقترب تميم منها خطوة ووضع يده على كتفها بلطف وعيناه تحملان حكمة السنين

_لأن دي وصايا رسولنا الكريم يا نادين مش أي جواز دي ليلة الزفاف، أول ليلة نبتدي فيها حياتنا سوا، وحياتنا لازم تبتدي بطاعة رب العالمين عشان تفضل مباركة لينا وعشان ربنا يطرح فيها الخير والبركة.


أطاعت نادين دون تردد شعرت بأنها ليست مجرد زوجة جديدة بل تلميذة في مدرسة حب وإيمان بدأت للتو أول دروسها دروس ستغير حياتها إلى الأبد.


​❈-❈-❈


ساد صمت مريب في الغرفة بعد تلك اللحظات التي كان من المفترض أن تكون بداية حياتهما

فجأة ابتعد تميم عنها واتجه نحو الحمام ثم أغلق الباب خلفه بقوة هزت أركان الغرفة


بقيت نادين في مكانها متجمدة من الصدمة والذهول، اتسعت عيناها بذهول وهي تتساءل في سرها:

 "ماذا حدث؟ هل أخطأت في شيء؟ هل فشلت في إسعاده؟"

 بدأ الخوف يتسلل إليها وشعرت بموجة من الخزي تكتسح روحها وكأنها ارتكبت جرماً لا تعرف ماهيته.


بعد دقائق مرت كأنها دهر خرج تميم من الحمام، كانت ملامحه مبهمة باردة كالثلج، وعيناه تشتعلان بنار مكتومة

 لم ينظر إليها بل بدأ يبحث عن هاتفه فوق المنضدة وفي أرجاء الغرفة بصمت.


نهضت نادين بسرعة وارتدت روبها الحريري وهي تحاول لملمة شتات نفسها، اقتربت منه بخطوات مرتعشة وسألته بصوت يملؤه القلق

_تميم.. ما بك؟ لماذا أنت غاضب هكذا؟


رد عليها بحدة باردة دون أن يرفع عينه إليها وهو لا يزال يبحث عن الهاتف

_مفيش.. مفيش حاجة.


لم تستطع أن تتركه هكذا فالحيرة كانت تنهش قلبها وقفت أمامه مباشرة وسألته بمرارة

_إذاً لماذا هذه المعاملة؟ لماذا تشعرني وكأنني ارتكبت خطيئة؟ أخبرني ماذا حدث.


توقف تميم عن البحث ورفع عينيه إليها كانت نظرة غريبة نظرة لم تألفها منه من قبل، نظرة ذبحتها في مكانها.

 قال بصوت منخفض ومحمل بالخيبة

 _أنا طلبت منك تصارحيني بكل حاجة.. قولتلك لو سمعت الحقيقة منك مش هيفرق معايا أي حاجة في الدنيا، بس أنتي كذبتي عليا يا نادين.. وأنا أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الكذب.


تجمدت الدماء في عروق نادين وشعرت بضياع تام همست بذهول

_ أنا لا أفهم ما تود قوله.. عن أي كذب تتحدث؟ أنا لم أخفي عنك شيئاً.


اقترب منها تميم خطوة واحدة وبصوت كأنه طعنة خنجر نطق بالكلمات التي حطمت كل شيء

_ أنتي مش بنت يا نادين.


في تلك اللحظة وجد هاتفه تحت الوسادة فأمسكه وخرج من الغرفة بسرعة تاركاً خلفه حطام امرأة

 سقطت نادين على ركبتيها وشعرت أن الأرض تبتلعها، وأن العالم الذي بنته بدموعها وصبرها قد انهار فوق رأسها للمرة الثانية، وبشكل أكثر بشاعة من المرة الأولى

 ساد الصمت القاتل في الغرفة ولم يبقى سوى صدى كلماته القاسية يتردد في أذنيها، معلناً نهاية حلم لم يكد يبدأ.


​❈-❈-❈


جلس تميم في ركن بعيد من الحديقة حيث يلفه الظلام والبرودة التي لم تكن أقسى من البرد الذي استوطن قلبه فجأة

 كان يفرك وجهه بيديه بعنف وكأنه يحاول إزاحة كابوس جثم على صدره

 لم يكن تميم يوماً رجلاً ضيق الأفق بل كان يعلم أن الحياة في الغربة قد تكسر أعتى النفوس، وكان مستعداً لأن يكون هو الجبر لهذا الكسر.


حدث نفسه بمرارة وأسى

_ليه يا نادين؟ ليه كذبتي عليا؟ أنا قولتلك إني شاري، وقولتلك إن الماضي ملك ليكي لوحدك بس صارحيني.. كنت مستعد أكون ليكي الستر والسند، وأشيل معاكي أي شيلة مهما كانت تقيلة

ربنا بيستر على عباده وأنا كنت عايز أكون سترك في الدنيا، بس الكذب ده معناه إنك مأمنتنيش على سرك، معناه إن لسه فيه وراكي حكايات وأسرار أنا معرفش عنها حاجة.


تذكر تميم نظرة الانكسار في عينيها قبل أن يخرج وشعر بطعنة في ضميره، هو الذي تربى على أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه

 وجد نفسه يتحول إلى وحش كاسر أمام رقة نادين

 استغفر ربه بصوت مسموع، وهمس بوجع:

 _يا رب سامحني لو كنت قسيت عليها، بس الوجع كان أكبر من طاقتي، أنا مش زعلان عشان اللي فات أنا زعلان عشان الثقة اللي اتهدت قبل ما تتبني، إزاي هقدر أغمض عيني وأنا عارف إن اللي نايمة جنبي مخبية عني حياتها؟ إزاي هصدق أي كلمة تانية هتقولها بعد كدة؟


بدأ الندم يتسلل إلى قلبه وهو يتخيل حالتها الآن وحيدة في الغرفة كان يلوم نفسه لأنه لم يتمالك أعصابه ولأنه جرح كرامتها في ليلة كان يجب أن تكون ليلة العمر

 قال في سره بنبرة يملؤها الندم

_أنا غلطت إني سبتها ونزلت كدة، وغلطت إني واجهتها بالبشاعة دي.. بس الصدمة كانت فوق احتمالي، أنا حبيت نادين بجد وحبي ليها هو اللي مخليني مش قادر أقبل إنها استغفلتني

 يا رب دلني على الطريق الصح أنا مش عايز أظلمها وفي نفس الوقت مش قادر أعيش في كذبة.


بقي تميم ممزقاً بين حبه الذي يرفض أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبين كبريائه الذي يرفض الخديعة، وبين تدينه الذي يذكره بأن الستر من شيم الكرام

 كان مشهداً يفيض بالوجع لرجل يحاول أن يجد مخرجاً لقلبه من زنزانة الشك التي أغلقت أبوابها عليه في ليلة فرحه.


……


في غرفتها التي كانت منذ دقائق تضج بأحلام العمر 

 كانت نادين تجلس على الأرض الباردة مسندة ظهرها إلى حافة السرير وعيناها شاخصتان نحو الفراغ لم تكن تصرخ بل كانت تبكي في صمت مرير، دموعها تنساب بصمت كأنها نزيف داخلي لا يتوقف


أمسكت هاتفها بيد ترتجف بعنف، تلك الرعشة القديمة عادت لتضرب أطرافها بقسوة أكبر من ذي قبل، ضغطت على رقم نغم وما إن فتح الخط حتى خرج صوتها واهناً محطماً

_عمتي.. أرجوكِ.. تعالي إلي الآن.


لم تنتظر رداً وأغلقت الهاتف

 دقائق قليلة واندفعت نغم إلى الغرفة لتتوقف مكانها بذهول حين رأت نادين بتلك الحالة، اقتربت منها بقلق بالغ وجثت على ركبتيها أمامها وسألتها بصوت يرتجف

_ نادين في إيه يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟ وفين تميم؟ ليه قاعدة على الأرض كدة؟


لم ترفع نادين عينيها بل ظلت تنظر إلى يديها اللتين لم تتوقفا عن الارتجاف وقالت بصوت حاول أن يبدو قوياً لكنه انكسر في منتصف الكلمات

_أنا أريد حنين.. اطلبي لي حنين الآن يا عمتي.


اندهشت نغم وقالت بحيرة

_حنين؟ حنين دلوقتي مع جوزها في جناحهم والوقت متأخر جداً.. مينفعش نقتحم عليهم خصوصيتهم دلوقتي قوليلي بس مالك، لو تعبانة أنا هنده لتاليا فوراً هي دكتورة....


هزت نادين رأسها بنفي قاطع وزادت حدة الرعشة في جسدها وهي تهمس بإصرار يملؤه الوجع

_ لا.. لا أريد تاليا أرجوكِ يا عمتي لا تسأليني عن السبب الان فقط اطلبي حنين هي الوحيدة التي أحتاجها الآن.. هي الوحيدة التي ستفهم، وهي الوحيدة التي سأسمح لها بالاقتراب مني.


نظرت نغم إلى عيني نادين فرأت فيهما انكساراً لا يوصف ورأت كرامة تذبح في صمت، شعرت أن هناك سراً كبيراً خلف هذا الطلب وأن نادين لا تطلب طبيبة، بل تطلب "شهادة حق" تنقذ ما تبقى من روحها.


قالت نغم وهي تمسح على رأس نادين بحنان

_ حاضر يا بنتي.. حاضر هكلم يامن يخليها تجيلك فوراً بس اهدي يا نادين اهدي عشان خاطري.. الرعشة دي بتقطع في قلبي.


أغمضت نادين عينيها، واستسلمت لدموعها مرة أخرى بينما خرجت نغم وهي تشعر بوطأة الكارثة التي حلت بالسرايا في ليلة كان من المفترض أن تكون ليلة العمر، مدركة أن ما ستكشفه حنين قد يغير مصير الجميع للأبد.


​❈-❈-❈



توجهت نغم نحو جناح يامن بخطوات ثقيلة وقلبها يعتصر حرجاً وألماً

 وقفت أمام الباب وترددت لثواني قبل أن تطرقه بخفة، فتح يامن الباب وهو يرتدي جلباباً منزلياً وبدت على وجهه علامات الاستغراب والقلق حين رأى والدته في هذا الوقت المتأخر

_امي؟ فيه حاجة حصلت؟ أنتي كويسة؟


قالت نغم بنبرة يملؤها الحرج وهي تحاول جاهدة ألا تنظر في عينيه مباشرة

_أنا آسفة يا يامن يا حبيبي إني جيت في وقت زي ده وقطعت خلوتكم.. بس نادين محتاجة حنين ضروري دلوقتي.. أنتي عارف يا ابني ليلة الدخلة وكدة والبنت شكلها تعبان ومحتاجة دكتورة تطمنها.


فهم يامن الموقف فوراً وبشهامته المعهودة رفع الحرج عن والدته وابتسم بهدوء قائلاً

_ ولا يهمك يا أمي مفيش أسف بيننا دقيقة واحدة وحنين هتكون عندها متقلقيش خالص.


ابتسمت له نغم بامتنان وحب وقالت وهي تربت على ذراعه

_ تسلم لي يا حبيبي ربنا يبارك لي فيك ويجبر بخاطرك زي ما بتجبر بخاطري دايماً.


دخل يامن غرفته حيث كانت حنين تجلس بانتظاره وسألته باهتمام

_ فيه إيه يا يامن؟ طنط نغم كانت عايزة حاجة؟


أجاب يامن بهدوء

_نادين تعبانة شوية ومحتاجاكي يا حنين.. قومي غيري هدومك وروحي لها فوراً، شوفيها محتاجة إيه وطمنينا.


لم تتردد حنين للحظة فقامت بسرعة وغيرت ملابسها واتجهت نحو جناح نادين

 دخلت الغرفة لتجد نادين مستلقية على السرير وجهها شاحب كالموت ودموعها تنساب بصمت مطبق على وجنتيها

 اقتربت حنين منها وجلست على طرف السرير وأمسكت يدها الباردة وسألتها بحنو

_مالك يا نادين؟ في إيه يا حبيبتي؟ قوليلي إيه اللي بيوجعك؟


نظرت نادين إلى حنين بعينين مكسورتين وقالت بالفصحى بصوت يرتجف

_ أريدكِ يا حنين.. أريدكِ أن تثبتي براءتي من هذا الظلم الذي رماني به تميم، أريد شهادة منكِ تخرس كل الشكوك وتسترد لي كرامتي.


فهمت حنين حجم الكارثة ونظرت لنغم التي كانت تقف عند الباب تهم بالانسحاب لتوفر لهما الخصوصية لكن نادين استوقفتها بصرخة مكتومة يملؤها الرجاء

ـ لا تذهبي يا أمي.. أرجوكِ ابقي بجانبي أنا أحتاجكِ الآن أكثر من أي وقت مضى.


تسمرت نغم في مكانها وشعرت برعشة تسري في جسدها حين نطقت نادين كلمة "أمي"

كانت الكلمة تخرج من أعماق قلب نادين كاستغاثة ابنة لأمها الحقيقية انهمرت دموع نغم تأثراً واقتربت من السرير وضمت يد نادين الأخرى وقالت بصوت مخنوق

_أنا جنبك يا قلب أمك.. مش هسيبك واصل أنا معاكي لحد ما الحق يظهر والكل يعرف إنك ست البنات.


استسلمت نادين لدموعها وهي تشعر بدفء حضن نغم بينما بدأت حنين في تجهيز نفسها للقيام بمهمتها وهي تدرك أن ما ستفعله الآن ليس مجرد كشف طبي بل هو إنقاذ لروح كانت على وشك الضياع

 ساد الصمت في الغرفة صمت يملؤه الترقب والدعاء بينما كانت نغم تمسح على رأس نادين بحنان الأم الذي لم تعرفه نادين طوال حياتها.


انتهت حنين من فحصها الهادئ ثم اعتدلت في جلستها ونظرت إلى نغم ونادين بنظرة مطمئنة يملؤها الصدق أمسكت يد نادين المرتجفة وقالت بصوت خفيض ووقور

_اطمني يا نادين.. واطمني يا طنط نغم نادين بريئة تماماً واللي حصل الليلة هو أمر طبيعي جداً من الناحية الطبية، بس في ناس كتير متعرفوش.


صمتت حنين لثانية ثم تابعت بتوضيح علمي رصين

_في أنواع من الأغشية ومنها النوع اللي زي نادين مش بينتج عنه أي دليل مادي في المرة الأولى نادين "بنت" واللي حصل من شوية كان لاول مرة.


بمجرد أن نطقت حنين بهذه الكلمات أغمضت نادين عينيها بشدة وانسابت دموع الراحة على وجنتيها كأنها تغسل أوجاع الليلة كلها

شعرت وكأن ثقلاً جبالياً قد أزيح عن صدرها وأن كرامتها التي ذبحت قد عادت إليها بفضل شهادة حنين.


انهمرت دموع الفرح من عيني نغم واقتربت من نادين وضمتها إلى صدرها بقوة وهي تقبل رأسها قائلة بصوت متهدج

ـ ألف مبروك يا نادين.. ألف مبروك يا بنتي أنا كنت عارفة ومتأكدة إنك ست البنات وقلبي مكدبش واصل حقك عليا يا بنتي وحقك على راسي من فوق.


ثم التفتت نغم إلى حنين وقالت بامتنان

ـ تسلمي يا حنين وتسلم إيديكي وعنيكي اللي نصرت المظلوم ارجعي أنتي دلوقتي ليامن، هو أكيد مستنيكي وقلقان وطمنيه إن كل حاجة بقت تمام.


أومأت حنين برأسها وجمعت أغراضها بهدوء ثم ألقت نظرة أخيرة مشجعة على نادين قبل أن تغادر الغرفة عائدة إلى جناحها

 بقيت نغم مع نادين لثواني تمسح على شعرها بحنان ثم استقامت في وقفتها وقالت بنبرة تغيرت فجأة إلى الحزم والقوة

_ودلوقتي يا نادين ارتاحي أنتي واهدي خالص.. أنا هروح أشوف تميم لازم يعرف الحقيقة ولازم يعرف إنه غلط في حق جوهرة مفيش منها اتنين.


خرجت نغم من الغرفة بخطوات واثقة وعيناها تشتعلان بنار الغضب من أجل ابنتها الجديدة بينما بقيت نادين فوق فراشها تتنفس الصعداء لأول مرة منذ ساعات مدركة أن ليلتها الظلماء قد بدأت تنجلي أمام نور الحقيقة.


​❈-❈-❈


كان تميم عائداً من الحديقة بخطوات مثقلة بالهموم وعيناه غائرتان من أثر الصراع النفسي الذي خاضه مع نفسه

قرر ان يذهب لنادين ويعطيها الأمان كي لا تخفي عليه شيء بعد الآن 

 وبمجرد أن اقترب من الدرج وجد والدته نغم تقف في مواجهته ملامحها كانت صارمة وعيناها تحملان عتاباً لم يره منهما قط.


ارتبك تميم وشعر بحرج شديد فحاول أن يداري توتره وسألها بصوت خفيض

_أمي؟ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ فيه حاجة حصلت؟


نظرت إليه نغم بنظرة اخترقت أعماقه وقالت بنبرة يملؤها الأسف والعتاب المرير

_كنت فاكرة إني ربيت راجل عاقل بيوزن الأمور بميزان الحق قبل ما يظلم.. طول عمري بقول تميم هو الحكمة والوقار في البيت ده، مكنتش أتخيل أبداً إنك تظلم في يوم من الأيام يا تميم، والظلم يجي منك لأقرب الناس ليك، ولإنسانة ملهاش ذنب غير إنها وثقت فيك.


تسمر تميم في مكانه وشعر بانقباض في صدره وسألها بذهول

_تقصدي إيه يا أمي؟ نادين قالتلك حاجة؟


ردت نغم بقوة وحزم

_أقصد إن نادين "بنت" يا شيخ تميم.. نادين اللي جرحتها في شرفها وكسرت قلبها في ليلة فرحها أصرت إن حنين تكشف عليها دلوقتي، وحنين أكدت إن اللي حصل بينكم كان أول مرة فعلاً بس طبيعة تكوين جسمها من النوع اللي ملوش دليل مرئي.. النوع اللي مبيعرفوش غير اللي قلبه مليان رحمة وعقله فيه علم، مش اللي بيجري ورا الشك والظنون.


وقع الكلام على تميم كالصاعقة شعر وكأن الأرض تميد به وأن أنفاسه قد توقفت تماماً اتسعت عيناه بذهول وتلعثم لسانه وهو يحاول استيعاب فداحة ما فعله

_بنت؟ يعني.. يعني نادين…..


لم ينتظر تميم سماع بقية كلمات والدته بل اندفع كالمجنونة نحو الدرج يتخطى الدرجات ثلاثاً ثلاثاً وقلبه يصرخ باسمها

 كان يشعر بندم يمزق أحشاءه ويريد فقط أن يصل إليها أن يرتمي تحت قدميها ويطلب الغفران أن يخبرها أنه كان أحمقاً وأنه يحبها أكثر من أي شيء.


وصل إلى باب الجناح ودفعه بقوة وهو يلهث وصرخ بصوت مخنوق

_ نادين…


لكنه توقف فجأة وتجمدت الدماء في عروقه.. كانت الغرفة غارقة في صمت موحش، والأنوار خافتة والفراش مرتباً وكأن أحداً لم يلمسه

بحث بعينيه في كل ركن في الحمام لكنه لم يجد لها أثراً

 كانت الغرفة "فاضية" ولم يبقى فيها سوى عطرها الذي يذكره بجريمته وصمت يصرخ في وجهه بأن نادين قد رحلت، تاركة له ذنبها الذي سيطارده إلى الأبد.


​❈-❈-❈


خرجت نادين من الباب الخلفي للقصر ذلك المخرج الضيق الذي بدا وكأنه ثقب إبرة تهرب منه روحها المحطمة

كانت ترتدي ملابسها القديمة تلك التي شهدت انكساراتها الأولى في أمريكا؛ بنطال وبلوزة رمادية باهتة وكنزة صوفية مهترئة وبيدها حقيبتها التي لم تفارقها في أصعب أيامها وكأنها تحمل فيها بقايا ذاتها المبعثرة.


لم تأخذ شيئاً من ترف القصر لا المجوهرات التي أهداها لها تميم بوعود زائفة، ولا المال الذي وضعه جاسر في حسابها كتعويض عن جرح لا يبرأ

 لم ترد أن يربطها شيء بهذا المكان الذي دخلته عروساً حالمة وخرجت منه طريدة مجروحة في أقدس ما تملك


كانت دموعها تنهمر كشلال من الوجع وقلبها يدق بعنف خلف ضلوعها كعصفور يضرب قضبان قفصه في نزاعه الأخير

 شعرت بأن الأرض ترفض خطوتها وأن السماء تضيق بزفيرها وأنها لعنة تمشي على قدمين في طريق موحش ومظلم


وفجأة تجمدت الدماء في عروقها وشعرت بطيف قريب، ظل أسود يتحرك ببطء من بين الأشجار الكثيفة، رفعت عينيها المرتجفتين وحاولت أن تبصر ملامحه في الظلمة الباردة

 عاد إليها رعب ليالي امريكا الموحشة حين كان الغرباء يطاردونها كفريسة

لكن هذا الطيف كان مختلفاً كان له حضور يبعث في الروح قشعريرة مألوفة

اقترب أكثر حتى بانت عيناه

تلك العيون التي كانت سماءها حين تضيق الأرض، تلك العيون التي احترقت من أجلها وظنت أن التراب قد غيب بريقها للأبد 

أسقطت نادين حقيبتها لم تعد تشعر بثقلها بل لم تعد تشعر بجسدها كله، همست بصوت هو مزيج من الشهيق والذهول

_آدم؟!


ظنت أنها تهذي أن عقلها الذي أنهكته الصدمات قد قرر منحها كذبة أخيرة لتموت بسلام، لكنه نطق اسمها بصوت رخيم يحمل بحة الشوق والوجع

_نادي…


في تلك اللحظة توقف الزمان وسكنت الريح وصمت ضجيج العالم

 لم يكن هذا شبحاً بل كان هو آدم الذي مات أمام عينيها يعود من برزخ الغياب ليجدها حطاماً، انهار كل كبريائها وتحولت إلى طفلة تائهة وجدت أباها في غابة موحشة

من خلفها كانت أصوات تميم وجاسر ويامن تعلو ينادون اسمها بلهفة وندم لكن أصواتهم كانت تصل إليها كطنين بعيد لا معنى له

 التفتت للخلف للحظة رأت تميم يقترب ذلك الرجل الذي كسرها في ليلة زفافها ثم عادت بنظرها سريعاً إلى آدم


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (رانيا الخولي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل