رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 12 - الجمعة 19/6/2026
تم النشر في: 19 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل الثاني عشر
تم النشر يوم الجمعة
19/6/2026
ـ متأكدين يا جماعة من الطلاق ده، فكروا تاني .
قالها الماذون لهم، تنهد «نصار» وصدره يعلو ويهبط كبركان يوشك على الانفجار، ثم ضم قبضته بقوة مرعبة حتى ابيضت قنابل أصابعه وكادت عظام يده أن تخترق جلده، بعد ما تذكر حجم خيانتها له؛ تلك الخيانة الشنيعة التي لم تكن مجرد طعنة، بل كانت زلزالاً مدمراً أحرق الأخضر واليابس.
خيانتها التي لم تغتفر، ولم تكن قابلة للمحو من ذاكرة الزمن، فهى لم تكسر كبريائه قط..
هي كسرت قلبه، وعزته، ورجولته، وكل شئ فيه! حطمت صرحاً شامخاً من الثقة، وهو الذي أفنى عمره وسنين شبابه ليكون بجانبها في اي شئ فهذه الحياة، يسندها في عواصفها ويكون لها سقفاً وأماناً، لتأتي هي بكل بساطة مستفزة، وتخونه بكل بساطه وتحمل في احشائها طفل غيره!! طفل يحمل دماءً غريبة تدنس نقاء ماضيهما.
يا له من محتالة كبيرة دمرتله حياته وجعلت أيامه رماداً تذروه الرياح، فهو كان موهوم بحبها، غارقاً في بحر من الأكاذيب الزائفة، فهي لم تحبها، ولم تعرف للمشاعر الصادقة طريقاً، فـ العار أن أمرأة مثلها تحُب، العار كل العار أن يُنطق لفظ الحب على لسانها الملوث بالخديعة.
في المقابل، وفي الزاوية الأخرى من الغرفة التي ضاقت بأنفاسهم اللاهبة، دمعت «فيروز» وهي تنظر للمرأة التي بجانبه وتضع يـ ـده على كتفه؛ نظرة ممتلئة بالغل والاضطراب، والذهول من قسوة المشهد.
هي التي لم تلجأ الا له طوال حياتها، ولم يخذلها يوماً، واليوم خذلها؟؟ اليوم يبيعها في سوق النخاسة العاطفية بدم بارد!
يريد إمرأة غيرها في حياته، يطوي صفحتها كأنها لم تكن، كيف هانت عليه تلك السنين والعهود؟ كيف فعلها بالأصل وتحملت رجولته أن يرى دموعها ولا يتحرك له جفن؟ كيف طردها من حياتها بهذا الشكل المخزي كأنها ارتكبت جريمة.. كأنها وباء يحاول التخلص منه!
فهي لم ترتكب جريمة، لم تقتل ولم تسرق، هي أحب، فقط أحبته، صبت روحها في كأسه، أحبت منذ نعومة أظافرها، كبرت على صوته وملامحه، ولكنه ماذا فعل؟؟
سافر وتركها تموت في غيابه ألف مرة، وبحث عن إمرأة غيرها تملأ فراغ أنانيته، والآن في احـ ـضان إمرأة غيرها، يتلذذ بآلامها ويستعرض هزيمتها أمام عينها.
فهو يريد أن يطردها من حياته حتي يتفرغ وقته مع تلك المرأة، بلا أدنى شعور بالذنب.
لم يفكر في حبهم؟؟ ذلك الحب الذي تغلغل في العظام، لم يفكر بها وبحرقة قلبها، لم يفكر زيجتهم التي اقتربت؟؟ وتلك الترتيبات التي دُفنت في مهدها، لم يفكر في أحلامهم الوردية التي رسموها معاً؟؟ خطوة بخطوة، نجمة بنجمة في سماء أوهامهم.
لم يفكر في ذلك بأكمله؟؟ ألقى بكل شيء وراء ظهره كأنه نفاية، فهي لم تتخيل أن حبيب فؤادها يفعل بها هكذا، لم تتخيل حتى في احلامها ولا خيالها الأكثر سوداوية أن تنتهي قصتهم عند مأذون، ولكنه فعل، فعل الأسوأ من ذلك، فعل ما لا يفعله العدو بعدوه، فهي حقاً انكسر قلبها من افعاله وتحطم إلى شظايا متناثرة لا يمكن جمعها، لذلك فـ عليها ان تنهي ما فعله بها.. وتضع نقطة النهاية.
وسط هذا الصمت المشحون بالكرة والعتاب والدموع المحبوسة، تحدث والداها بعد ما حمحم بحرج شديد، محاولاً لملمة الفضيحة وكسر حدة النظرات القاتلة المتبادلة بين الطرفين، وهو ينظر للمأذون :
ـ ايوا هما فكروا كويس، هات الأوراق يا مولانا يوقعوا عليها .
الماذون تنهد ونظر لهم هما الأثنين بحزن لهم، شعر بقلبه يعتصِر تحت وطأة هذا الفراق الفاجع؛ فـ البلد بأكمله كانت تحكي عن قصة حبهم العميقة وزيجتهم التي اقتربت.
تلك القصة التي كانت تُضرب بها الأمثال في الوفاء والتي تهاوت الآن كأوراق الخريف الجافة أمام عينيه، ولكن يبدو أن النصيب أقوي من اي شئ، وأقسى من كل الأحلام، وأن الله له حكمة في ذلك، حكمة لا تدركها العقول البشرية النازفة، لذلك استغفر بصوت هامس يرتجف ويدعو باللطف وهو يعطي اوراق لـ «نصار»، وحين نظر إلى الأوراق الطلاق، تلك الأوراق المشؤومة التي ستمزق ماضيه إرباً، أمسك القلم ويـ ـده ارتعشت قليلاً، ارتعاشة خفيفة تُرجمت فيها كل زلازل روحه الثائرة، عقله هاجمه بتلك الذكريات الجميلة واللطيفه التي تجمعه بـ «فيروز»..
هاجمته صور ضحكاتها، رقة ملامحها، والوعود التي قطعاها معاً تحت ضوء القمر كشريط سينمائي يجلده بلا رحمة.
تلك الفتاة التي احبها ولم يحب غيرها وسكب في محراب هواها كل مشاعره الصادقة، ولكن هي الذي فعلت ذلك هي الذي خانته، هي التي غرزت خنجر الغدر في ظهره ودنست طهارة حبهما، هي الذي كسرت قلبه، وحولته إلى حطام تذروه الرياح، فهي لا تستحقه ابداً، ولا تستحق دموعه المحبوسة، ولكن قبل أن يوقع ويكتب سطر النهاية الأخير، شددت «جيسيكا» على كتفه مما همست بصوت هامس لم يسمعهم احد الا هو، نبرة مشحونة بالقلق والرجاء الحار، وكل هذا تحت انظار «فيروز» التي تشتعل..
تشتعل بنيران الغيرة الحارقة والخذلان القاتل وهي ترى امرأة أخرى تلمسه في أشد لحظاتها انكساراً:
ـ ارجوك يا نصار، حاول تفكر تاني ومتنساش ان دي فيروز حبيبتك، ومهما كان الخلاف اللي ما بينكم تقدروا تحلوه، سبني علي الاقل انا اقدر احله وافهم في ايه .
نظر لها والدموع تكاد تفر من عينيه الصارمتين، وهتف بإبتسامة موجعة، ابتسامة صفراء ميتة تخرج من جوف الألم المستطير، وهتف بنفس نبرة هامسها لكي لا يفتضح أمره أمام الحاضرين :
ـ مبقاش ينفع يا جيسيكا، اللي اتكسر المره دي عمره ما هيتصلح .
ختم جملته القاطعة كحد السيف واندفع يسوق قلمه فوق السطور بحركات عشوائية منهارة، وقع على الأوراق وكل هذا تحت انظار «فيروز» التي شهقت من الآلام التي تشعر بها داخل قلبها، شهقة مروعة كأن روحها تُنتزع من جسدها في تلك اللحظة بالذات، كيف فعل ذلك ياله من قسوته
كيف طاوعه قلبه أن يوقع على صك إعدام حبهم بملء إرادته؟ كيف أصبح بهذه الجلافة والبرود؟
وبعد ما انتهي من توقيع جريمته العاطفية، اعطها للماذون، والتقط أنفاسه بصعوبة كأنه خرج من معركة خاسرة، وبعد اقل من الثانيه اعطها لـ «فيروز» مما ارتعشت يـ ـد «فيروز» وهي تأخذهم، ارتعشت كغصن ضعيف في مهب عاصفة هوجاء، و «لوزة» التي بجانبها التي طبطبت عليها برفق يفيض والشفقة والحنان لتدعمها في هذه الوقفة المهينة
وهتفت بهمس لا يسمعها أحد هذه النبرة سوى «فيروز» مشعلةً في صدرها نار الكبرياء والكرامة:
ـ وقعي يا فيروز، واوعي تنزلي دمعه من عينك، بصي كده عليه هتلاقي حبيبة القلب معاه، لا وكمان البجح جايبها عشان تفرح وتشمت انه اتخلي عنك وراح لحضنها هي، اوعي تعيطي قدامهم، انتي غاليه يا فيروز، ومتستاهليش ده يا بنتي، ابنك اللي في بطنك ده ابنك لوحدك، نصار ميستاهلكيش لا انتِ ولا ابنك يا بنتي، في الله يهديكي وقعي بقي.
كلمات «لوزة» نزلت على مسامعها كالزيت المغلي، فـ رفرفت عيونها كأنه تخبي دموعها واوجاعها والأمها في صمت، أخذت ترمش بسرعة لتمنع الشلالات المكبوتة من الانهمار أمام أعدائها، نظرت لـ «نصار» مرة اخرى وجدته شارد، تائه في عوالم من الوجوم والصدمة، ومازالت تلك الاجنبيه تضع يـ ـده على كتفه في مشهد يثير الغثيان، وتنظر لها كأنها تنتظر لحظه فرحتها، وتترقب إعلان انتصارها الساحق عليها، فهي في هذه اللحظة العصيبة تريد أن تسأله سؤال واحد يمزق حنجرتها " لما فعل بها هكذا "؟
ماذا فعلت هي حتى يعاقبها بهذا الشكل العقاب الوحشي ويهدم حياتها فوق رأسها؟ ولكن مثل ما قالت خالتها «لوزه»؛ تذكرت الحقيقة المرة وجرحت كرامتها فـ هو ركض لتلك المرأة بسبب جمالها ولم يقدرها هي ولم يصن عشرتها، لذلك عليه أن تنهي كل شئ وتغلق هذا الكتاب الملعون وتعيش لإبنها فقط، إبنها القادم التي يستحق أن تعيش لأجله.. هذا الجنين الذي هو أملها الوحيد في غدٍ أفضل.
امسكت القلم بجرأة مصطنعة وثبات زائف، وقعت علي الأوراق امامهم جميعاً، بضربة قلم قاسية حسمت بها مصيرها، وبعد ثواني اعطتهم للماذون بملامح جامدة كالملائكة الحزينة، وبدأ المأذون أن يبدأ عمله الرسمي ويثبت الطلاق في دفاتره الرسمية التي لا ترحم، وبعد دقائق ثقيلة كأنها دهور قاموا جميعاً بعد ما اعلن طلاقهم وانفصال أرواحهم، وقف «نصار» و «فارس» و «جيسيكا» وخرجوا من عنده يجرون أذيال الخيبة والوجع، خرج والوجع يعصر أحشاءه وجد «سميحه» تنتظرهم بالخارج في ممر المكتب الضيق..
فهي رفضت أن تترك شقيقها بتلك الحالة المزرية والمحطمة، فهى رأته منكسراً لا يستوعب أي شيء حوله كأنه جسد بلا روح، أو منوم مغناطيسياً لا يدرك فداحة ما اقترفت يداه، لذلك بقيت معه ولم تتركه طوال هذا اليوم المشؤوم، ولكنها رفضت أن تدخل لداخل لأجل انها لا تريد أن تري شقيقها وهو ينفصل أمام عينيها، لا تطيق رؤية صرح عائلتها وهو ينهار لبنة لبنة، لذلك انتظرته هنا في الممر البارد والدموع في عينيها.
اقترب منها بخطوات ثقيلة كالمساق إلى حبل المشنقة، وضعت يـ ـده على كتفه بهدوء يواسي جراحه الغائرة وهتفت بحزن يمزق نياط القلب :
ـ خلاص ولا في حاجه تانيه .
هز رأسه و هتف بتبرة تعرفها جيداً نبرة أعادت أن تسمعها حينما يكون «نصار» يخفي وجعه وألامه، نبرة متحشرجة تخرج من بين ضلوعه المحطمة كأنها أنين طائر مذبوح يحاول كتمان نزيفه الداخلي الشديد :
ـ خلاص يا حبيبتي خلاص .
ابتسمت هي بأرتعاش وعينيها يلمعون من الدموع حزناً علي شقيقها، ابتسامة باهتة يمتزج فيها القهر بالدموع المترقرقة التي كادت أن تفضح ضعفها، حزناً على قطب عائلتها وسندها الذي تراه يتهاوى أمام عينها :
ـ وأنت متزعلش، متزعلش يمكن هي مش نصيبك، وبعدين بذمتك في حد يزعل علي واحده خاينه، خانت العيش والملح، خانت حب عمرها اللي من الطفولة ها .
هز رأسه بلا، حركة ميكانيكية ثقيلة تخرج من جسد أنهكته الصدمات، وهتف بنبرة جدية صارمة تخفي وراءها محيطاً من الآهات المكتومة وهو يضع يـ ـده على كتفها ليثبتها و يستمد منها القوة في آن واحد :
ـ أنا وهي خلاص بس ده ميمنعش ان صداقتك بيها كمان تنتهي هي بنت عمك يعني زي اختك، يوم ما تحتاج حاجه خليكي واقفه معاها زي ضلها .
اغتاظت من جملته واشتعلت عروقها غضباً من شهامته المفرطة مع امرأة دمرته، وهتفت بحده وعصبيه مكبوته، والشرار يتطاير من عينيها الضيقتين :
ـ لا انتهيت فيروز دي اصلا متلزمنيش، وبعدان انا ماليش اخوات بنات غير سهر، سهر اختي الوحيدة .
كاد أن يتكلم ويفتح شفتيه ليعاتبها، ولكن عمه «سيد» ناده بهدوء، صوت متهدج يحمل ثقل السنين والخزي، مما التفت له وهتف بأحراج يكسو ملامحه، ملامح تجعدت من الفضيحة والعار اللذين يطوقان عنقه كحبل المشنقة :
ـ عايزك في كلمه يا نصار علي انفراد من فضلك .
هز رأسه بهدوء بدون أن يتحدث، معلناً الموافقة الصامتة، ولكن سمع شقيقته تهتف بغيظ حارق وهي تعقد حاجبيها بسخرية لاذعة تقطر سماً :
ـ خير عايز ايه سيد ده كمان، هي عيلة على رأي امي، عيلة وسـ*****
لم تكمل كلمتها الممتلئة بالسباب والشتائم، حين نظر «نصار» لها نظرة تحذيرية حادة كشفرة السيف كادت أن تخترق وجهها، لذلك ارتعبت واضطربت وابتسمت له ابتسامة بلهاء غبية تداري بها ورطتها وهتفت بمرح مصطنع وصوت عالٍ :
ـ روح شوف عمك سيد، سيد الرجالة كلها عايز ايه .
ختم جملته وغادر من أمامها بخطوات بطيئة واثقة كالجبل، وحينما تأكدت تماماً من مغادرته وابتعاده عن المدى، تنهدت تنهيدة طويلة حررت فيها كل الضيق المكبوت في صدرها وهتفت بضيق ونفور شديد :
ـ قال سيد، سيد الرجالة قال، انا دلوقتي ليه عرفت مرات عمي ربنا خدها بدري ليه، اكيد ربنا ريحها من وشه .
اقترب «نصار» من عمه «سيد» ولحظ توتره واحراجه الشديدين، كأن الأرض تكاد تنشق وتبلعه من فرط الخزي والمهانة التي يعيشها بسبب ابنته، وهتف «سيد» بأحراج يكسو ملامحه، وصوته يرتجف ويهبط إلى حد الهمس الفاضح :
ـ انا عارف ان بنتي غلطت وانا عاقبتها، انا لما عرفت انها حامل من ابن لوزة مش منك، ضربتها وكسرت عضمها لحد ما سقطها، عشان مكنتش عايزك تعرف، وكنت هطلقها منك من غير ما تعرف، عشان خايف جوازه فايزة وسالم تتلغي عشان كده عملت كده .
ابتسم «نصار» ابتسامة مرة يملؤها السواد والتهكم بعد ما تنهد بعمق، و هتف بهدوء مراعية الاحراج الذي يكسو ملامحه ونبرته، نبرة تجمع بين الشفقة الكبيرة والوجع العارم الذي يفتت ضلوعه :
ـ جالي الخبر انك ضربتها وان الداية حاولت تسقطها على حسب كلام فايزة، بس ساعتها مفهمتش انت عملت كده ليه، بس النهاردة فهمت، ومتقلقش جوازه سالم وفايزة مش هتتأثر نهائي بالموضوع ده، وربنا يصلح حال بنتك ويتمم حملها علي خير .
ختم جملته الحجازية الحازمة وكاد أن يغادر ويلتفت لينهي هذه المأساة، ولكن توقف متسمراً في مكانه كأن صاعقة ضربته حين هتف «سيد» بصدمة وحيرة في إن واحد، جحظت عيناه وتلعثم لسانه وهو يسمع ما لم يتوقعه إطلاقاً :
ـ تسقط علي حسب كلام مين و حمل ايه اللي بتتكلم عليه .
التفت له ببطء قاتل، وهتف بإبتسامة ملئ بالالم.. ابتسامة دامية تنزف قهراً وخيانة تغلغلت في عظام صدره :
ـ بنتك لسه حامل يا عمي، وبنسبة تسقط على حسب كلام مين في روح لحمدية وهي تقولك، عن اذن حضرتك .
ختم جملته القاتلة التي نزلت كالقذيفة المدمرة على رأس عمه، وغادر من أمامه وعاد الى مكان وقوفه مع «سميحة» تاركاً عمه في دوامة تفكيره القاتل وعواصف الشك التي ستمزق عقله، نظر إلى «سميحة» التي تنظر له بحيرة شديدة وفضول يقتلها وتكاد عينيها تخرجان من مكانهما وهتفت بنبرة فضول :
ـ كان عايزك في ايه .
هتف هو بنبرة هادئة باردة كأنه يداري خلفها حرباً عالمية مشتعلة، وهو ينظر حوله باحثاً بعينيه الزائغتين عن «فارس» و «جيسيكا» :
ـ مفيش كان خايف علاقه سالم وفايزة تتأثر باللي حصل .
عوجت شفتيها «سميحة» بحركة تهكمية ممتلئة بالاحتقار، وهي ترفع يديها وتضرعها لرب السماوات والأرض وهي تهتف بسخرية وبأعلى صوتها تمنياً للخراب :
ـ يارب تتأثر، يارب تتأثر يارب ونخلص من الحيزبونه دي .
لم يعلق علي حديثها الناري ولم يبدِ أي ردة فعل، ونظر إلى شقيقته وهتف بحيرة وتشتت يملأ عقله المرهق :
ـ طيب يا سميحه شوف جيسيكا فين وانا هشوف فارس .
عقدت حاجبيها بمكر خبيث التمع في عينيها الثعبانيتين، وهتفت بنبرة ماكره مثل نظراتها الثاقبة التي تدرس تفاصيل الجسد :
ـ اللي هي البنت الاجنبيه دي؟؟ .
كاد أن يرد عليها و يزجرها على هذا المكر، ولكن جاءت «جيسيكا» فجأة تتهادى بخطواتها المفعمة بالحيوية ومعها هاتفه تصور كل لحظه او منطقة في البلد بنظرات مبهورة مندهشة بمعالم القرية، هتفت هي بسعادة عارمة وطاقة إيجابية متفجرة محاولاً تغير الأجواء المشحونة بالموت والخراب المحيط بهم :
ـ ابتسم يا نصار للكاميرا لذكري .
قالتها باللغة الانجليزية بلكنتها الرقيقة، مما نظر «نصار» إلى «سميحة» بنظرة مستنجدة والتي فهمتها جيداً بحسها الأنثوي، فابتسمت له بسخرية لاذعة تضرب في مقتل :
ـ اضحك يا اخويا اضحك، هي فعلا بتصور لذكري ودي فعلا ذكري تستاهل تتصور لا يمكن تتنسي، عقبالك يا سالم يارب.
وسط هذا الجو المشحون، اقترب منهم «فارس» بخطوات خشنة سريعة وهو لا ينظر لـ «جيسيكا» نهائياً، بل يشيح بوجهه عنها كأنها محرمة عليه، وهتف بضيق واستعجال :
ـ ما يلا يا جماعه ولا هنبات هنا .
ختم جملته الحادة كالسيف مما نظرت له «جيسيكا» بدهشة واستغراب من جفائه، ومدت يـ ـديها اتجاه بنعومة بالغة وهي تهتف بنبرة أنثوية رقيقة تذوب الصخر :
ـ هاي فارس، نصار يتحدث عنك كثيراً انت وسالم .
مازال لا ينظر لها ومصراً على إشاحة عينيه عنها احتراماً وتقديراً، وهتف بخجل ريفي أصيل صبغ وجنتيه بالحمرة :
ـ مبسلمش تسلمي
بينما نظر لـ «سميحه» و «نصار» ليعجل بالرحيل والهروب من هذا الموقف المحرج :
ـ انا هشغل العربية عقبال ما تخلصوا .
ختم جملته وتركه هو يشغل السيارة مهرولاً نحو المركبة، مما نزلت يـ ـديها «جيسيكا» ببطء وهي تشعر بالإهانة
هتفت بأحراج وصدمة ارتسمت على ملامحها الشقراء :
ـ هو مش بيسلم ليه!! .
نظرت لها «سميحه» بحدة ونظرة ثاقبة تفحصها من اعلاها الى اسفلها بنوع من الاستعلاء والغضب الكامن في صدرها وهي تهتف بغضب وغيرة على عاداتهم :
ـ لانه مينفعش اصلا يا قموره يسلم عليكي، هو مش نصار .
رفع حاجبيه «نصار» بدهشة واستنكار من هجوم شقيقته المباغت، وهتف بحيرة من حديثها المليء بالتلميحات :
ـ قصدك ايه مش نصار ماله يا ختي نصار .
تركته «سميحه» ببرود مستفز بعد ما رفعت كتفيها بلا مبالاة وهتفت بنبرة سخرية وتقريع لاذع :
ـ احضان ها، لم نفسك يا اخويا لم نفسك، مش عشان اتطلقت تعمل كده .
ختمت جملتها القاسية وركبت في السيارة بقوة وأغلقت الباب خلفها، تاركه له يضحك بسخرية يملؤها الذهول من تفكيرها، مما هتفت «جبسيكا» بغرابة ودهشة وهى تحاول أن تتحدث بلغتهم المتكسرة التي لم تعرف عنها الكثير وتعاني في نطق حروفها :
ـ هو انا اتصرفت تصرف خطأ؟؟
ضحك من أعماقه رغم الركام والدمار النفسي الذي يعيشه على نبرتها المتكسرة بالغتهم وهتف بنبرة هادئة مطمئنة يحاول احتواء إحراجها :
ـ لا متصرفتيش غلط بس في شويه حاجات كده هتعمليها مع مرور الوقت، ويلا نمشي .
ختم جملته الحاسمة وهي ركبت السيارة بجانب «سميحه» من الخلف لتبدأ رحلة صامتة مشتعلة بالنظرات، اما هو جلس بجانب «فارس» في المقدمة، الذي حان ركبوا جميعاً تحركت السيارة سريعاً تشق عتمة الطريق وتنهب الأرض نهباً تأخذهم بعيداً عن ساحة الدماء العاطفية هذه.
❈-❈-❈
ـ والله هو ده اللي حصل، حاولت امسح الرسالة بس هي شافتها، قومت مكلمها من تليفوني وعلي إيميلي بس هي لسه مردتش .
قالها مروان بإحراج من شقيقها التي دبسه كالعادة في مشاكله التي لم تنتهي، نبرته كانت ترتجف ذعراً وتتقطع خجلاً وهو يقف كالمتهم أمام قاضٍ جلاد، بعد أن أوقع شقيقه الأكبر في فخٍ مدمر كالعادة، وجره إلى مستنقع مشاكله اللامتناهية التي كادت أن تقضي على الأخضر واليابس.
امسك وجهه «عمار» بعصبيه مكبوته، وضغط على ملامحه بقوة كادت أن تحطم عظام فكّه، وهو يحاول بكل ما أوتي من قوة وجبروت أن يهدأ ويسيطر على الوحش الثائر المستعر داخل صدره، ولكن نبرته العاليه خانته وعادت له عصبيته من جديد، فانفجر صوت ليزلزل أركان الغرفة الضيقة كقذيفة مدوية :
ـ يعني انت لعبت مع صحابك وصحابك حكموا عليك انك تبعتلها رسالة انا مال امي بكل ده .
بينما اكمل وهو يهتف بعصبيه وحده أكبر جعلت عروق رقبته تبرز، وانتفخت أوداجه حتى كادت تتفجر بالدماء الحارة من فرط القهر والغيظ الحارق الذي يتجرعه، وتابع صراخها الهستيري الذي يكاد يخترق الجدران :
ـ انت عارف البت دي نزلت بوست وفضحتني فيه، وخليت اللي ما يشتري يتفرج عليا؟؟ .
هز رأسه بأنه يعرف بالفعل، حركة خاضعة ذليلة من مروان زادت الطين بلة، مما شعر بالحده أكبر وهتف بصوت عالي بسبب كبتته بالعصبية، صوت مبحوح من شدة الكتمان والانفجار المتلاحق الذي يمزق حنجرته :
ـ طيب قولي انا اعمل ايه، ابوك زمانه عرف وهيطين عيشتي، يا خي كان يوم اسود يوم ما فتحت صفحتي على تليفونك ابعت للمدير رسالة، كان يوم اسود .
جلس على فراشه وهو يفكر كيف يحل هذه الكارثةالتي احتلت حياته، كارثة حلت فوق رأسه كالصاعقة وكسرت هيبته، جلس وجسده كله يرتعش من الغضب الأعمى، بينما هتف شقيقه بأحراج وخوف منه، خوف حقيقي جعله يتراجع خطوتين للخلف لئلا يفتك به عمار :
ـ والله يا اخويا ده اللي حصل انا معرفش انها صفحتك هما لما قالولي الحكم، شوفت البت قدامي وبعتلها رسالة، لا اعرف انها صفحتك ولا اعرف انها بنت العمدة .
اغمض عينيه وهو يشعر بالعصبية أكبر، كأنه يرى نهايته المحتومة تلوح في الأفق، وهو يهتف بحده كحد السيف وصوت يخرج من أعماق جحيم روحه الثائرة :
ـ امال انت بعتلها رسالة من تليفونك، اي اللي جاب لاب توب عندك .
هتف «مروان» بنبرته التافهة كأنه في عالم موازي، نبرة باردة ومستفزة تكاد تشل الأعصاب، نبرة طفل لا يدرك أنه أشعل عاصفة ستدمر العائلة بأكملها :
ـ ما انا لما معرفتش احل المشكلة ازاي، فتحت اتفرج علي كرتون .
نظر له «عمار» عدة ثواني، نظرات قاتلة ومميتة صامتة لو كانت تبث لهيباً لأحرقته وحولته إلى رماد، وهتف بعصبيه مكبوته تكاد تخرج معها أنفاسه لاهثة وحارقة :
ـ امشي من وشي يا مروان، مش عايزه اشوف وشك غير لما اعرف احل المشكله ده ازاى .
ظن ان شقيقه يمزح معه أو يستعرض غضبه المعتاد، لذلك وقف وابتسم ابتسامة خفيفة باهتة لا معنى لها، ولكن «عمار» عروقه بارزت أكثر واشتدت ملامحه قسوة كوحش كاسر يوشك على الانقضاض، وهتف بحده اخافته وهزت كيانه وجعلت الدماء تتجمد في عروقه :
ـ بقولك امشي .
ختم جملته وغادر علي الفور من امامه سريعاً بدون أن يتهور ويقتله، ركض مروان هارباً بجلده، تاركاً شقيقه يتلظى بنيران غيظه، بينما جلس عمار ثواني علي الفراش، ثوانٍ ثقيلة كالدقائق والدهور، يدور عقل في حلقات مفرغة من القلق، وبعد ذلك أمسك هاتفه وعيناه تتطاير منهما الشرر، وأرسل رسالة لـ «سهر» يرجو فيها النجاة ويهدئ الأجواء بطريقة بائسة :
ـ ممكن بعد اذن حضرتك نتكلم بهدوء لانه حصل سوء تفاهم .
وحين ارسل لها الرسالة و وصلت وعلم أن السهم قد انطلق من قوسه، اغلق هاتفه بعنف وقذفه بجانبه، وتذكر ذلك المصيبة.
تذكر الفضيحة والمنشور وبنت العمدة وأباه، مما شعر بالغضب أكثر تجاه شقيقه، غضب أعمى تغلغل في صدره ومزق ضلوعه، وهتف بغضب وهستيرية تخرج من أعمق نقطة في روحه النازفة :
ـ اااه يا مروان الكلب .
❈-❈-❈
كانت «حنان» تذهب إياها وإياباً بخطوات عاصفة تكاد تحرق الأرض من تحتها، تذرع الغرفة جيئة وذهاباً كفهد جريح داخل قفص من النيران، وهي تهتف بعصبية عارمة وصوت مبحوح من فرط الغيظ، وعقلها اللعين مازال يتذكر تلك الذكرى السوداء التي تنخر في رأسها كالمخرز، وتأبى أن تتركها لترتاح، لتنفجر قائلة بقهر ومقت شديد :
ـ بنت الكلب بتخون ابني، ابني انا؟؟
بينما اكملت وهي تنظر لـ «صفية» التي منذ أن جاءت وهي مصدومة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، لا تحرك ساكناً وقد لُجم لسانها وشُلت أطرافها من هول الفاجعة التي هبطت فوق رؤوسهن كالصاعقة :
ـ ابني انا اللي علطول بيعاملها حلو؟؟، ابني اللي مفيش في جماله كشكل ولا تربيته، تخون ابني انا يا صفية .
اغمضت عينيها «صفية» بقوة تكاد تعتصر جفونها، وهي لا تصدق الذي يحدث ابدا، تشعر وكأنها في كابوس مرعب تتمنى الاستيقاظ منه، عقلها مازال يرفض الفكرة تماماً ويقاوم تصديق تلك الدناءة، ولكن الواقع كان مؤلم، مؤلم لدرجة كبيرة تفوق قدرة التحمل البشري، وتنهش في الصدور، فكيف لـ «فيروز» التي كانت تعشق ابنها «نصار» وتذوب فيه حباً أن تفعل هكذا به؟؟ وتطعنه في ظهره بهذه الخسة والندالة؟ .
أفاقت من دوامة أفكارها وجحيم صمتها علي صوت «حنان» وهي تهتف بعصبيه وحرقه لا تعرفها إلا من قلب أم، حرقة تحرق الأخضر واليابس، وتخرج كالحمم البركانية من جوف صدرها المشتعل :
ـ ورحمه ابويا لندمها واخليها تشوف اللي عمرها ما شافته .
نظرت لها «صفية» بهدوء مصطنع، محاولةً لملمة شتات نفسها المتناثرة، وهي تحاول أن تجعلها تهدأ وتكبح جماح غضبها الأعمى، مع ان الأمر لا يحتاج للهدوء ابداً، بل يحتاج لزلزال، لكنها آثرت العقل فقالت :
ـ اهدي يا حنان، هو ابنك برضوا سكت؟؟، ده طلقها بتلاته، ورايح اهو يخلص منها خالص .
نظرت لها بحده «حنان» وعيناها تتطاير منهما شرارات الموت والوعيد، وهي تهتف بعصبية مفرطة كادت أن تقتلع حنجرتها :
ـ بس وهو ده بس اللي ربنا قدركم عليه، دي محتاجه تتقتل الفـ ـاجره دي اللي ما تختشي .
بينما اكملت وهي تهتف بعصبيه أكثر من ذو قبلها، ويداها ترتشفان بقوة، تلوح بهما في الهواء وكأنها تقاتل أشباح الماضي والحاضر معاً :
ـ انا قولتلكم بنات سيد لا، قولتلي لا كويسين ومؤدبين، يجوا يشوفوا الأحترام، تعالوا شافوا بنات سيد عملوا أي في اولادي، الاولى طلعت شوم، والتانيه خاينه وبجحه .
اغمضت عينيها بيأس مرير وأدركت أن «حنان» لم ينتهي كلامها اليوم، وأن سيل اتهاماتها وغضبها لن يتوقف قريباً، لذلك هتفت بنبرة حاولت جاهدة وجاهدت أن تكون هادئة قدر الأمكان، لعلها تمتص القليل من ذلك البركان الثائر :
ـ مينفعش كده يا حنان، مينفعش تعملي كده، ابنك جاي ومينفعش يسمع الكلام ده منك انتِ، المفروض انتِ امه تصبري وتكوني الدعم بتاعه اللي يخليه يكمل .
نظرت لها «حنان» بحده قاتلة، وتقدمت نحوها بخطوات متوعدة حتى وقفت امامها وفي مواجهتها تماماً، والأنفاس تتلاحق بينهما بغضب عارم :
ـ مهي دي الحقيقه يجي يشوف اختياراته الزبالة هو واخوه، انا مش مسامحه البت دي لا هي ولا سيد، ورحمه ابويا مش هسيبهم، مش هسيب حد يجي علي اولادي واسكت .
اغمضت عينيها مرة أخرى وهي تحاول أن تحاوط عصبيتها وتكتم غيظها المتصاعد قبل أن يجي زوجهم من الخارج وتنفجر الأوضاع إلى ما لا يحمد عقباه :
ـ اعملي اللي تعمليه بس اهدي وصلي علي النبي، اللي حصل حصل خلاص متقدريش تغيري الواقع .
صرخت «حنان» بأعلى صوتها، صرخة هزت أرجاء المكان، صرخة نابعة من برودها وهدوئها التي يفلت بأعصابها ويقودها إلى حافة الجنون المطبق :
ـ انتي يا ختي بارده كده ليه؟؟، بارده كده ليه، مهو لو كان ابنك مكنتيش بقيتي بالهدوء ده لكن نصار وسالم وسميحه عمرهم ما كانوا اولادك .
كانت«صفيه» تجلس كل هذا الوقت وتتحمل الإهانات الواحدة تلو الأخرى، وعند سماع حديثها هذا وطعنها في أمومتها، وقفت أمامها كالمارد وانتفضت من مكانها وهتفت بعصبيه وصوتها ارتفع قليلاً ليتجاوز كل الحدود التي وضعتها لنفسها :
ـ لا بقى ده انتِ زوديها اوي انا مش هرد عليكي يا حنان عشان مقدره اللي انتِ فيه، غير كده كنت رديت علي كلامك ده كويس اوي، وانا سيبهالك وماشيه، اقعدي بقي اتكلمي مع نفسك، دي حاجه تقرف .
ختمت جملتها وغادرت من امامها بعصبيه وحده، تضرب الأرض بقدميها، وتشتعل غيظاً، تاركه «حنان» تغلي من الداخل كمرجل يغلي على نار مستعرة، وهي تتذكر تلك الذكري اللعينة التي عادت تهاجم عقلها بضراوة، فهتفت بنبرة تقطر حقد وغيظ وتوعد بالهلاك :
ـ بقي بنت الكلب كمان حامل، وحياه اولادي لـ أربيها .
❈-❈-❈
بعد ساعه
كانت «سهر» انتهيت من مذاكرة البلاغة وقد انتهى وقتها كله في حل الاسئلة والمراجعة، لذلك تعبت واتخذت قرار أن تأخذ قسطاً من الراحة حتى تدخل على النحو، لذلك قامت من المكتب رأت الساعة وجدتها الساعه 5 مساء لذلك خرجت من غرفتها وجدت البيت هادي، هدوءاً قاتلاً يلف الزوايا كأنه يسكن ثنايا عقلها المرهق، جسدها كان يصرخ طلباً للراحة بعد معركة طاحنة مع السطور والصور البيانية، وعيناها اللتان أجهدهما التركيز طويلاً لم تعودا قادرتين على استيعاب قاعدة نحوية واحدة قبل التقاط الأنفاس.
اتجهت الى المطبخ وهي تمسك هاتفها الذي كان في جيبها، فعلت البراد وعملت كوب قهوة، وهي تفتح النت حتي جاء العديد من الاشعارات الفيس بوك والرسائل، سيل عارم من التنبيهات انهمر على شاشتها كالقنبلة الموقوتة، أصوات الاهتزاز المتتالية جعلت نبضات قلبها تتسارع بفضول جارف، وكأن شاشتها الصغيرة أصبحت مسرحاً لدراما كونية لا تنتهي.
لذلك دخلت علي تطبيق المسنجر وجدت رسالة من الفتاة التي ارسلت لها اسكرين ان خطيبها حاول أن يتحدث معها قرأت الرسائل والتي كانت
" شكرا جدا انك قولتلي وهو حقيقي يستاهل انك عملتيله الزفة اللي علي الفيس دي، انا فركشت خطوبتى وكويس اوي ان انتِ كشفتهولي "
رفعت فمها بصدمة " فركشت خطوبتها " فهي كانت تتوقع شجار مثلا؟؟
ولم تكن تتوقع أن يحدث بينهم فركشة، تيبست أطرافها فجأة وارتجفت يدها التي تقبض على الهاتف، الصدمة كانت أعنف من قدرتها على الاستيعاب، فقد شعرت بنبضاتها تدق كطبول الحرب في صـ ـدرها فركشة خطوبة كاملة؟ دمار علاقة وضياع مستقبل عاطفي بسبب لقطة شاشة؟ لقد تضخم الأمر وتجاوز حدود عقلها بمراحل، لذلك كتبت له رسالة اعتذار
" انا اسفه جداً لو كنت السبب في ده واكيد مقدره اللي انتي فيه وربنا معاكي يارب ويعوضك خير واتمنى تسامحيني "
ارسلت لها الرسالة وخرجت من المحادثة، لفت نظارها إن «عمار» الذي كان خطيبها أرسل لها رسالة، لذلك دخلت على المحادثة وجدت رسائل منه :
" ممكن بعد اذنك نتكلم بهدوء لانه حصل سوء تفاهم "
ابتسمت له ابتسامة ساخرة فى بالطبع هما رجال اغرب لم يغلطوا نفسهم علي الاطلاق، ابتسامة مريرة، ممتلئة بالتهكم والازدراء، التوت شفتيها ببرود لاذع وهي تحدث نفسها بكبرياء أنثوي ثائر: ما أرخص مبرراتكم دائماً! يتملصون من ذنوبكم بأعذار واهية، لذلك كتبت له رسالة فيها سخرية :
" وياتري بقي سوء التفاهم انك دخلت كلمتني بدل واحده تانيه ولا ايه الدنيا؟؟ "
ضحكت بسخرية عليه وخرجت من المحادثة، تفاجئت أن في رسالة جاءته من إيميل يدعى «مروان الزناتي، نفس اسم عمار الزناتي»
لذلك دخلت علي محادثته، وجدت رسايل منه فيه :
" يا أنسة سهر انا مروان اخو عمار اللي حضرتك فضحتيه علي الفيس ، هو اللي حصل سوء تفاهم انه انا اللى بعتلك الرسائل من الاكونت بتاعه، وانا معرفش ان ده الاكونت بتاعه اصلا غير لما نزلتي البوست، هو كان في مشكله حاصله في تليفونه، في دخلت علي ايميل عشان يبعت رسالة لمديره، وده مش موضوعنا، الموضوع ان لعبت لعبه كده وخسرت وحكموا عليا اني ابعتلك انتي رسالة، لكن معرفش ان ده الاكونت اخويا اصلا، انا كالعاده بعك الدنيا واخويا بيلبس، في لو عايزه تفضحي حد فعلا يبقي تفضحيني انا، اخويا ملهوش دعوه، وشكرا "
قرأت الرسالة وشعرت بالذنب بالفعل ولكن فكرت أن تكون هذه كذبة لا تعرف بالأمر، وقعت الكلمات عليها كالصاعقة التي هزت كيانها، تجمدت الدماء في عروقها و اجتاحتها موجة عاتية من تأنيب الضمير الحارق، هل ظلمته حقاً؟ هل كانت الضحية الحقيقية لشخص بريء؟ لكن كبرياءها وشكها رفضا الاستسلام الكامل بهذه السهولة، فربما تكون هذه مجرد تمثيلية محبوكة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه! ولكنها ردت عليه رد مختصر :
" ولو كنت انت فعلا اي اللي يخليك تبعتلي اصلا مش عيب يا استاذ مروان "
واغلقت الهاتف بعد ما ارسلت له تلك الرسالة وتنهدت شعرت بالذنب اتجاه «عمار» وهي لا تعرفه بالأصل، وحتى أنها السبب في فركشه خطوبته، زفرت نفساً حاراً طويلاً يكاد يحرق شفتيها، تنهيدة محملة بأطنان من الندم والحيرة، تنهيدة زلزلت هدوء صدرها، لقد أصبحت بين عشية وضحاها محوراً لخراب البيوت، وضغوط الضمير تلاحقها كأشباح مرعبة، لذلك عليها أن تتأكد من الأمر حتي تصلح ما بينهم، لن يهدأ لها بال ولن يغمض لها جفن حتى تنكشف الحقيقة الكاملة وتنقشع هذه الغمامة السوداء.
وضعت الهاتف في جيبها وفعلت القهوة ودخلت على غرفتها حتى تبدأ مذاكرتها لتقذف بنفسها مجدداً في أتون الكتب، محاولةً الهروب من واقعها الضاج بالمفاجآت الصادمة.
❈-❈-❈
كانت «سما» تتابع عملها ولكنها شعرت بالدوار يحتل رأسها لذلك جلست علي اقرب مقعد، فهذه اليومين شعرت بالتعب كثيراً وخصوصا انها لم تأكل شئ ولم تنام جيداً .
انقبض قلبها فجأة حينما شعرت بالأرض تميد من تحت قدميها، وكأن الغرفة تدور في حلقة مفرغة مرعبة، تلاشت الألوان من أمام عينيها ليحل محلها ضباب رمادي كثيف، وجسدها المنهك أعلن عصيانه التام بعد أيام من الحرمان العصيب من النوم وجفاء الطعام الشديد لجسدها الضعيف، مما أجبرها على السقوط فوق أول مقعد خشبي قابلها وكأنها جثة هامدة تبحث عن مرسى.
لذلك حاولت أن تكون بخير قدر الإمكان حتى ينتهي يومها في اقرب وقت ممكن .
ضغطت على جفنيها بقوة، محاولةً لملمة شتات وعيها المبعثر، وتنفست ببطء وهي تقاوم رغبة جسدها العارمة في الانهيار، متضرعة في سرها أن تمر الساعات القادمة كطيف عابر دون أن تسقط مغشياً عليها أمام الجميع.
أفاقت على صوت رجل كبير يسألها باهتمام :
ـ معلش يا بنتي هتعبك، بس متعرفيش الممرضه سما الزناتي فين .
رفعت راسها بعد ما أدركت اسمها جيداً وان هذا الشخص يسأل عليها، رفعت رأسها وجدت ملامحه مألوفة عليها، انها رأته بالفعل ولكنها لم تتذكر أين تحديداً؟؟ تاهت في تفاصيل وجهه المحفور عليه الزمن، ملامحه أخذت تتردد في دهاليز ذاكرتها المشوشة كصدى صوت بعيد، هزت رأسها بخفة علها تطرد ذلك الضباب الذي يمنعها من تحديد هويته، بينما عيناها غارقتان في تأمل تفاصيله بنظرات مبحلقة وشديدة التركيز.
لاحظ نظراتها وشرودها لها بتلك الطريقة مما حمحم وهتف بحيرة من نظراتها :
ـ في حاجه يا بنتي؟؟
تذكرت بالفعل تذكرت انه والد «سالم»، فهو «سراج السعداوي»، والد مريضها التي تولت مراعاته لها، ومضت شرارة الوعي في عقلها فجأة كبرق خاطف شق عتمة نسيانها نعم، إنه هو بكل هيبته ووقاره، انقشعت الغمامة دفعة واحدة لتدفق الذكريات بوضوح شديد، مما جعل الدماء تتدفق إلى وجنتيها بغزارة صابغة إياهما بحمرة الخجل الشديد، مما هتفت بإحراج :
ـ انا اسفه يا عمو سراج بس بحاول افتكر انا شوفتك فين قبل كده، انا سما الزناتي .
ابتسم لها بهدوء مراعياً احراجها هتف بتفهم :
ـ ولا يهمك يا بنتي، انا كنت عايز اقولك ان احنا خلاص نقلنا سالم البيت، وكنت عاوزك هناك، لان سألت الدكتور وقالي الممرضة سما تبقى مسؤولة عنه .
هتفت بتفهم وهي تعرف هذا الأمر أن «سالم» يغادر المشفى، انفرجت أساريرها قليلاً وزاد توترها وهي تستمع لحديثه الرصين، معيدة ترتيب أفكارها وخططها المهنية بناءً على هذا التطور الجديد في حالة مريضها، لذلك هتفت بهدوء :
ـ ايوا طبعا عارفه بحاجه زي كده، وان شاء الله هاجي عنده، بكره الصبح هتلاقيني عندك .
ابتسم «سراج» علي لطفها واحترامها الذي كان واضح في الحديث :
ـ شكرا يا بنتي وبيتي في اي وقت مفتوحلك، ربنا يكرمك يا بنتي ومتشوفيش حاجه وحشه ابداً في حياتك .
ابتسمت فهذه الدعوه كانت كفيلة بأن تعطيها الطاقة والدعم حتي تكمل يومها او طريقها، دعوة صادقة نبعت من قلب أب ممتن، تغلغلت في أعماق روحها المنهكة كبلسم سحري يداوي جروح تعبها، شعرت بقشعريرة تسري في جـ ـسدها بأكمله وكأن طاقة نورانية عظيمة هبطت عليها من السماء لتنتشلها من قاع الإرهاق وتمنحها قوة جبارة لمواصلة رحلتها الشاقة، لذلك ابتسمت بامتنان له وبعد ثواني استأذن وغادر من امامها، تابعه طيفه الراحل بعينين تلمعان بالدموع المؤثرة، لذلك وقفت وهي تتجه الى الكافتيريا تأكل شئ حتي تكمل يومها ومازالت تلك الدعوة معلقة في عقلها… تتردد في مسامعها كترنيمة مقدسة تبث الحياة في أطرافها المتعبة، وتدفع قدميها للمشي نحو الأمام بقلب ينبض بالأمل مجدداً.
❈-❈-❈
ـ لولولولولولي
كانت زغروطه خرجت من فم «ورد» وهي تغني بصوت عالي وتقف فوق الفراش
انطلقت تلك الزغرودة المدوية كقنبلة من الفرحة المتفجرة، شقت سكون الغرفة وجعلت الجدران تهتز من فرط شدتها، زغرودة نابعة من أعماق قلبها الذي كاد يتوقف من فرط السعادة الطاغية.
كانت «ورد» تقف فوق فراشها وكأنها ملكة تتوج على عرش العالم، جسدها يتحرك بجنون، وعيناها تلمعان ببريق يكاد يعمي الأبصار، تلوح بيديها في الهواء وترقص وكأنها تتحدى الجاذبية الأرضية نفسها، مطلقةً العنان لحنجرتها لتصدح بكلمات الأغنية بنبرة حماسية صاخبة تخترق الآذان:
ـ هنغني كمان وكمان وهنرقص علي الاحزان ودنيا جنان بجنان ودنيا جنان بجنان
كانت تدمج صوتها المرتعش ببهجة هستيرية مع صوت المطربة «إليسا» الذي كان يملأ الأركان، مرسلةً ذبذبات الصخب الراقص لتزلزل البيت بأكمله، حيث ضبطت المؤشر على أعلى درجة ممكنة وكأنها تحاول إيصال صوت فرحتها إلى السماء السابعة.
وفي تلك اللحظة العاصفة، اقتحمت «مروة» الغرفة صاعدة من الطابق السفلي كالإعصار، وعلامات الذهول التام قد شلت حواسها، فامتدت يدها ترتعش لتغلق مصدر الصوت فجأة، لينقطع النغم ويحل صمت ثقيل، بينما تراجع فكها سفلياً من هول المنظر، وعيناها متسعتان بجنون وهي تهتف بصدمة زلزلت كيانها من حال شقيقتها :
ـ انتِ اتهبلتي يا ورد؟؟
ضحكت «ورد» وهي تعانـ ـق شقيقتها بسعادة كبيرة ،
انفجرت «ورد» في نوبة ضحك مجلجلة، ضحكة صافية غامرة خرجت من أعماق روحها المنتشية، ثم قفزت من فوق الفراش بفتوة واندفاع لتلقي بجسدها بالكامل في أحضان شقيقتها، عاصرةً إياها بقوة كادت تكسر ضلوعها، محيطةً رقبتها بذراعيها وهي تتنفس بسرعة وعيناها تفيضان بدموع الفرحة العارمة، متمسكة بها بسعادة كبيرة لا يمكن لكون أن يستوعبها، وهي تهتف بنبرة لاهثة و مرتجفة :
ـ مش هتصدقي يا مروة حبيب قلبي رجعلي، نصار طلق اخيراً فيروز، نصار بقي ليا يا مروة .
خرجت من صدر «مروة» تنهيدة حارقة، تنهيدة محملة بهموم الدنيا وأثقالها، ارتجف معها جسدها أسفاً وحزناً على هذا الانحدار الأخلاقي المخيف الذي تراه في عيني أختها.
تراجعت خطوة للخلف، ونظرت إليها بنظرات تقطر أسى، ثم بدأت تتحدث بنبرة وقورة رصينة، نبرة تتدفق منها ينابيع الوعي والحكمة البالغة، كلمات خرجت مصقولة من جوهر تعاليم دينها الحنيف ومن تجارب الزمن القاسية التي علمتها منطق الحق والعدل، وهي تهتف بوعي وحكمة لا تعرفها من خلال دينها والزمن :
ـ ميدكيش الحق انك تفرحي لخراب بيت حد يا ورد، انتِ من أمتي بقيتي كده؟؟، وتشغلي الاغاني وعلي لسه ميت حرام عليكي .
امتصت «ورد» كلمات شقيقتها بامتعاض شديد، وانقلبت ملامحها البشوشة في ثانية واحدة إلى قناع من الغيظ والضجر، وأصدرت صوتاً حاداً من فمها يعبر عن قمة التبرم، ثم قامت بحركة سريعة ومدافعة عاقدةً ساعديها أمام صدرها بقوة، كأنها تبني جداراً من الرفض والعناد ضد نصائح أختها، وهي تهتف بضيق وتعقد ساعديها امام صـ ـدرها :
ـ انتِ متعرفيش انا بحب نصار قد ايه يا مروة عشان كده انتِ مش حاسه بيا .
رغم العاصفة التي تبديها «ورد»، إلا أن «مروة» حافظت على ثباتها الانفعالي كجبل راسخ، وخفضت من نبرة صوتها لتصبح ناعمة كالحرير، محاولةً امتصاص غضب أختها الهستيري، والتربيت على مشاعرها الثائرة، مشفقةً على هذه الحالة من الهوس الأعمى الذي يسيطر على عقلها، وهتفت بهدوء مراعياً حالتها تلك :
ـ مينفعش تفرحي كده لكسر قلب حد تاني يا ورد حتي لو بتحبيه، الحب يا ورد هي انك تشوفيه مبسوط حتى لو مع حد تاني .
اشتعلت نيران الغيرة الحارقة في عروق «ورد»، وتحول ضيقها إلى بركان ثائر، وشعرت برغبة عارمة في الدفاع عن ملكيتها لنصار، فاحمر وجهها وتشنجت ملامحها، وبدأت نبرة صوتها تتصاعد وتتضخم لتملأ الفراغ بحدة وقسوة، معبرة عن رفضها القاطع لهذا المنطق المثالي، حتي صوتها ارتفع قليلاً :
ـ لا نصار عمري ما فرحت انه بقي لحد تاني غيري، لو تشوفي غيرتي عليه مكنتيش قولتي كده، وان شاء الله نصار ليا سؤء برضا او غصب عنه .
ألقت بكلماتها الأخيرة كطلقات رصاصية حاسمة، ثم استدارت بعنف واندفعت مغادرةً الغرفة، ضاربةً الأرض بأقدامها لتترك خلفها هالة من التوتر.
وفي تلك الأثناء، وقف «مروة» وحيدة في الفراغ، تنظر إلى أثر شقيقتها بقلب ينفطر حزناً، فـ تنهدت «مروة» زفرة طويلة متهالكة، ورفعت كفيها نحو السماء بعينين دامعتين، ودعيت لها بالهداية فهي لم يكن بيديها شيء سوى الدعاء :
ـ ربنا يهديكي يا ورد
❈-❈-❈
كانت «كريمة» جالسة امام التلفاز وأمامها طبق الفشار وتأكل بتسلية ولكن دقات الباب قد أزعجتها لذلك نادت والدتها بملل :
ـ افتحي انتِ يا ماما
كانت والدتها تطبخ في المطبخ وهتفت هي بعصبيه من تصرفات إبنتها :
ـ يا بنتي خلي عند اهلك دم انا بعمل في الأكل .
تأففت كعادتها وهي تفتح الباب بملل، تغيرت ملامح وجهها الي ملامح صدمة وهي تري «لوزه» امامها :
ـ خير يا لوزه .
كانت «لوزه» تنظر اليها باشمئزاز وهي تهتف بحده :
ـ هو انا يا بت بلعب معاكي في الشارع، انا اكبر منك يبقي تقوليلي يا ام باسم او ام إيهاب غير كده متتكلميش كتير .
ابتسمت بسخرية كعادتها اما «لوزه» تأملتها من اسفل الي الاعلي فـ «كريمة» في اوائل العشرينات وشابة صغيرة بلا جميلة، عينيها الواسعه وشعرها القصير التي يصل لأسفل اذنيها، حتي ملت «كريمة» من نظراتها وهتفت بملل :
ـ خير في ايه .
ابتسمت «لوزة» إبتسامة تعرفها كريمة جيداً وهي تهتف بخبث :
ـ مش جاه الاوان ونرجع ولا انتِ نسيتي ان المفروض في ملعب تنزليه .
عوجت شفتيها «كريمة» وهتفت بسخرية بعد ما تأكدت من شكوكها :
ـ انتِ شكلك الذاكره أثرت علي دماغك، ملعب اي اللي هنزله يا وليه، فارس عرف اني كنت بكلم حد غيره في شايفيني خاينه يعني استحالة هو يوافق انه احنا نرجع اصلا .
ابتسمت «لوزه» وهتفت بمكر :
ـ لسه بيحبك، ومنسكيش ودي فرصة لان انا عايزاكي تكوني هناك في أسرع وقت .
وضعت يـ ـدها على خصرها وهي هتفت بنبرتها المعتادة :
ـ ليه يا ختي ان شاء الله بتخططي لايه؟؟
ابتسمت ابتسامة لا تبشر بالخير وهتفت بمكر وخبث معاً :
ـ هتعرفي وهتتبسطي بيها اوي
بينما اكملت وهي تراقب الطريق، واعطت له شئ مغلف مربع وهتفت بسعادة :
ـ دي حلاوه فرحة إيهاب، صينية حلويات اديها لأمك، اصل نصار وفيروز اتطلقوا رسمي وبعد العده علطول هنفرح بـ إيهاب وفيروز، مستنياكي بكره عندي يلا سلام عليكم .
ختمت جملتها وغادرت من امامها، اما هي اتصدمت من الخبر وبعد ذلك ابتسمت بخبث، واغلقت الباب، خرجت والدتها من المطبخ وقالت بحيرة :
ـ مين اللي كان علي الباب؟؟ .
ردت عليها وهي شاردة بالخبر ولكن الابتسامة تتسع وجهها :
ـ لوزه جبتلي الحلويات دي، وبتقولي فيروز ونصار اتطلقوا .
ابتسمت والدتها وهي تهلل بسعادة :
ـ الحمد لله احسن دعيت علي البت فيروز دي، حسبي يالله ونعم الوكيل فيها عشان هي كانت السبب في فشكله خطوبتك انتي وفارس .
ابتسمت «كريمة» بسعادة وهتفت هي الأخرى :
ـ اه والله احسن تستاهلها، دلوقتي القرية هتسيب سيرتي وتمسك في سيرة فيروز .
اتخذت والدتها علبة الحلويات وهتفت بمكر :
ـ ربنا مش بيسيب حد .
جلست امام التلفاز ولكن عقلها في كلمات «لوزة» يبدو أن في شئ مهم قد حدث وهي لم تعرفه ولكنها الأن عليها أن تركز مع «فارس» حتي تعود له بأسرع وقت ما يمكن ..
❈-❈-❈
كان «فارس» قد انتهى من صلاته، وهو يشغل التلفاز الذي في غرفته على قناة القرآن الكريم، جلس على الشرفة وهو يردد مع ايات التلفاز بعد ما ادرك انه سورة النساء
فهو حافظ كتاب الدين كله لذلك يحب كثيراً ان يفتح القناة ويردد معها حتى يسترجع ما هو حفظه .
ومازال يراقب البلد من شرفته وامامه الزرع ورائحته وهوائه .
قطع لحظاته فتح الباب بدون دقات في التفت وهو مازال يردد أياته مع الشيخ، وجده «نصار» لم يفتح «نصار» فمه بشيء اتخذ شحن هاتف «فارس» أمام عينيه وخرج لذلك لم يعقب «فارس» علي اي شئ وبعد نصف ساعه تقريبا انتهيت السورة لذلك خرج من الغرفة وجد مسامع والده و «نصار» وهما يقولوا
ـ يا بابا انا لازم اسافر ضروري، هما محتاجين حل المشكله علطول واجي .
تنفس والده بحدة وهتف بعصبيه مكبوته :
ـ مش كنا خلصنا من الحوار ده يا نصار .
ترجي «نصار» والده وهو يهتف بهدوء :
ـ يا بابا والله مش هتأخر هي مسألة يومين بس .
لحظ والده وجود «فارس» لذلك هتف بهدوء وعاتب :
ـ تعاله شوف يا فارس اخوك عايز يمشي في ظروف زي دي .
تحدث «فارس» وهتف بهدوء وحكمه :
ـ يا بابا هو قالك يومين وهيجي مش قصه يعني، وبعدان ده شغله، شغله اللي كبره زمان وسنين فاتت، فـ اكيد لو شغله ده حصل فيه مشكله في لازم يبقى متواجد، وحضرتك هو قالك انه مش هيتاخر في سيبه يحلها بنفسه .
نظر «نصار» لـ «فارس» وابتسم له علي حديثه، وبعد ثواني هتف والده بعد ما فكر جيداً :
ـ خلاص روح بس متتأخرش .
اقترب «نصار» منه وقـ ـبل يـ ـده ورأسه وهتف بشكر :
ـ شكرا يا حبيبي .
ختم حملته وغادر من امامهم حتي يجهز حاله، تظر والده نحو «فارس» وهتف بهدوء :
ـ نصار مش هيبقى هنا اليومين اللي جايين، فـ انت هتبقي معايا في اي اجتماع عقبال ما اخوك يرجع .
هز رأسه بتفهم وهتف بهدوء :
ـ عنيا يا حج حاضر .
ختم جملته «فارس» و سرعان ما غادر والده من امامه دون كلمة، مما تنفس وهو يخرج هاتفه من جيبه وجد رقم غريب يرسل لها على تطبيق واتساب وكانت الرسالة :
" وحشتني اوي اوي يا فارس "
عقد حاجبيه بحيرة حتى رد عليه وأرسل الرسالة له وكانت :
" مين؟؟؟ "
بعد ما ارسل الرسالة دخل علي الرقم حتى يجد اسماً ولكن عقدت حاجبيها بغضب حين قرأ اسم «كريمة» يبدو انها اشترت خط جديد وأرسلت منه رسالة، تنهد تنهيدة مسموعه، ودخل علي الرقم أرسل رسالة لها مره اخرى :
" بقولك ايه يا كريمة بلاش الشغل ده، لو عايزه يا بنت الناس متنزليش من عيني أكتر بلاش تعملي الحركات دي، وانسا الرقم ده نهائي متبعتليش تاني ولا عايز اشوف وشك تاني، الله يهديكي على نفسك ويصلح حالك بعيد عني "
ارسل له الرسالة وتأكد انها وصلت لذلك دخل علي الرقم وحظره واتساب وحظره اتصالات حتي لا تتصل، لذلك تنهد بصوت مسموع مرة اخرى واغلق هاتفه واتجه الى غرفته حتى ينام لان اليوم متعب بشكل كبير ..
❈-❈-❈
دخلت «فايزة» بهدوء البيت بمساعدة شقيقتها «فيروز» وبعد ثواني ادخلتها الي غرفتها بعد ما ريحتها جيداً وكل هذا و «فايزة» هادئة تماماً وليست من عادتها أن تصمت هكذا لذلك اقتربت منها «فيروز» وامسكت يـ ـدها وهتفت بقلق :
ـ مالك يا حبيبتي في حاجه بتوجعك؟؟
لم تنظر لها «فايزة» ولم ترد عليها، لم تكن هنا من الأساس، عقلها تركتها في المشفى عند هذه الذكرى
flash back
حين خرجت «فيروز» من الغرفة، هتفت «فايزة» بحيرة :
ـ خير يبا في ايه؟؟
جلس والداها بعد ان تنفس جيداً وهتف بهدوء :
ـ بصي يا بنتي انتِ خلاص مبقتيش مرات العمده .
عقدت حاجبيها بحيرة وهتفت بضيق وهي لم تفهم منه اي شئ، اتعدلت في جلستها قليلاً :
ـ يعني ايه مبقتش مرات العمدة؟؟ ، هتطلقني من سالم يعني ولا ايه انا مش فاهمه حاجه .
نظر لها بتردد وهتف بهدوء وهو يحاول السيطره عليها، فهذا الخبر ليس سهل لا عليه ولا عليها :
ـ سراج السعداوي قال لكل البلد ان سالم مبقاش عمدة البلد من بعده، واعلن ان نصار هو العمدة اللي من بعده .
نظرت له ثواني بصدمة بدون أن تتحدث وهتفت بنبرتها الهامسة التي مليئه بالصدمة :
ـ ازاي يعني .
نظر والدها لها بقلق وهتف بهدوء وحكمه :
ـ ده اللي حصل يا بنتي، سراج عرف أن سالم الله اعلم هيفوق من غيبوبته امتي، والكرسي علي كده فاضي، فـ قال للبلد كلها واعلن أن نصار هو العمدة القرية من بعده .
تنفست وتنفسها يزداد بغضب وهتفت بصدمة :
ـ يعني ايه، يعني كل ده راح علي الأرض، بعد ده كله مبقتش مرات العمده؟؟ ، بعد كل الخطط والجري ده مبقاش مرات العمدة؟؟ .
كانت تردد جملتها كل ثانيه وهي مصدومة من لعبة القدر التي لعبها، هكذا نصيبها لا شئ؟؟، بعد كل هذا؟؟
نظر «سيد» لحالتها وهتف بهدوء وقلق علي إبنته :
ـ شكله الزمن بيعيد نفسه تاني يا فايزة .
صمتت «فايزة» من ترددها لهذه الكلمة ونظرت لها وهتف بغضب يسيطر علي عينيها قبل وجهها :
ـ ورحمه امي لطربقها فوق دماغهم، ومش هخلي اللعبة اللي لاعبوها زمان يلعبوها تاني يباا، سامعني .
ختمت جملتها وشعرت بدقات علي الباب، وبعد ثواني دخل «نصار» وهو ينظر لها بهدوء :
ـ حمد الله علي السلامة يا فايزة .
ردت بضيق وهي تهتف بغيرة واضحه في نبرتها أن كل شئ أصبح ملكه الأن :
ـ الله يسلمك يا بن سراج .
تجاهل نبرتها وتجاهلها ونظر الي «سيد» وهتف بهدوء :
ـ اظن يا عمي كفاية كده، قوم معايا نروح للماذون عشان نخلص الاجراءات بتاعت الطلاق .
ابتسمت «فايزة» باتساع فهي نعم لم تأخذ لقب زوجة العمدة، وشقيقتها ابداً لم تؤخذه لذلك هي سعيدة الآن، ولكن قد أخذت لنفسها وعداً أن هذا اللقب مؤقت لـ «نصار» لا أكثر من ذلك ..
end flash back .
افاقت على صوت والدها وهو يهتف بهدوء وينظر لـ «فيروز» :
ـ معلش يا فيروز نسيت اجيب الدوا بتاعي، ممكن تروحي الصيدلية تجبيه .
هزت رأسها «فيروز» بعد ما عدلت حجابها جيداً وغادرت من أمامهم، وبعد مده بعد ما تأكد أن «فيروز» غادرت اقترب من «فايزة» بغضب وهتف بعصبيه :
ـ بقي انتِ بتكدبي عليا انا يا فايزة انا؟؟
شعرت «فايزة» بالخوف يمتلكها وهي تهتف بخوف وهي تحاول أن تداري وجهها بيـ ـدها بخوف :
ـ في ايه يبا مالك اكدب عليك اي بس؟؟ .
شعرت انه يمسك خصلات شعرها بقسوة مما تأوهت بألم وأخذ يهزها بعنف :
ـ بقي بتتفقي مع حمدية من ورايا انكم تسقطوا العيل اللي في بطن فيروز، طيب تعالي قوليلي، بقي عايزه تخليني احس بالذنب ده طول عمري .
هربت الدماء من جـ ـسدها وهتفت بخوف أكثر وحاولت أن تبتعد عنه وهتفت ببكاء حقيقي :
ـ بقي انا الحق عليا اني مخليش سمعتك في الأرض، كنت خايفه أن نصار يكتشف بده ويهد الجوازه بتاعته علي جوازتي من سالم وكده يكون خربت بس حاولت افكر .
ترك خصلات شعرها من يـ ـده، فـ حديثها مقنع حين يعرف الجميع ان إبنته ليست حامل من «نصار»، جميع القرية يتحدثون عنه وعن العار التي جلبته إبنته له .
لذلك جلس على اقرب كرسي ونظر لها وسألها باستفسار :
ـ هي فيروز حامل من باسم ولا إيهاب؟؟ .
نظرت له بعد ما بلعت لعابها بتوتر وهتفت بهدوء :
ـ من إيهاب، بس باسم كان بيشيل غلطه اخوه عشان فهم غلط أنه إيهاب كان بيحاول يتهرب، بس إيهاب بيحبها ومكنش بيتهرب ولا حاجه .
تنفس بغضب بعد ما عقد حاجبيه بحيرة وهتف بشك :
ـ طيب ليه باسم قال كده يومها؟؟.
تنفست وتنفسها مسموع وهتفت بهدوء مصطنع :
ـ عشان زي ما قولتلك باسم فهم إن إيهاب بيتهرب، فـ قال يشيل غلطه اخوه .
نظر لها وهتف بهدوء مريب ارعبها :
ـ وانتي كنتي عارفه .
هزت رأسها بخوف سريعاً وهتفت بخوف واضح من نبرتها :
ـ لا والله مكنتش اعرف .
هز رأسه بتفهم وغادر الغرفة ولكن قبل أن يغادر التفت له وهتف بهدوء :
ـ علي العموم انا هسأل فيروز، ولو قالت عكس كده يبقي الموضوع ده في إن .
ختم جملته وغادر من أمامها بعد ما اغلق الباب، لذلك اسرعت امسكت هاتفها بلهفه وثواني واتصلت على رقم ما حتى رد مما هتفت بلهفه :
ـ بابا هيسأل فيروز انتِ حامل من مين وبكده دورك انتِ اللي لازم يبدأ ، وغير كده بابا شاكك .
انتظرت حتي رد الطرف الآخر على الهاتف والتي كان واضحاً :
ـ متقلقيش عامله حساب كل حاجه .
هزت رأسها وثواني حتى اغلقت الهاتف وثواني حتى حذفت هذا الرقم من هاتفها حتى لا احد يشك بشيء .
❈-❈-❈
كانت «لوزة» كانت ستنام علي الفراش، فهي قد انتهت اليوم من لعبتها فهي سعيدة اليوم بسبب انها ستحقق أمنيه واحد من اولادها .
كادت أن تغلق عينيها وتستسلم لسلطان النوم ولكن اهتزاز هاتفها جعلها تستيقظ، لذلك نظرت الى الهاتف وحين قرأت الأسم اعتدلت وردت على الفور :
ـ الو .
انتظرت الرد الأخر حتى رد عليها :
ـ بقولك ايه يا لوزة سيد شاكك في حاجة وهيسأل فيروز، دورك انك تقنعي فيروز انها تقوله انها حامل من ابنك ايهاب وفي أسرع وقت، تروحي دلوقتي تلبسي وتروحلهم بحجه انك تطمني علي فايزة .
هزت رأسها سريعاً وهتفت بتوتر :
ـ طيب ولو فيروز مقتنعتش؟؟ .
رد عليها الطرف الأخر بهدوء وهمس :
ـ انا عارفه انك هتقدري تقنعيها ولو مقتنعتش قوليلها نصار واخد جيسيكا يومين يتبسط بيهم معاها، والله اعلم قايلهم في البيت انها حبيبته ولا لا ، وظبطيها انتِ مع نفسك .
لمعت في رأسها فكرة وابتسمت «لوزة» بخبث واضح وهي تقترب من دولابها حتى تلبس عباءتها :
ـ حاضر .
رد عليها الطرف الأخر بهدوء :
ـ ومتنسيش تاخدى إيهاب معاكي في الوقت ده وتحاولي تقربيه من فيروز، وكده كده نصار هيعرف وهينساها علطول .
هزت رأسها «لوزة» وهتفت بهدوء وهي منشغله ان ترتدي عباءتها :
ـ حاضر
ختمت جملتها وسرعان ما الطرف الآخر أغلق في وجهها، فهي ليست الطرف الرئيسي فهذه اللعبة، بلا في شخص رئيسي مخفي هو الذي يتحكم بهم، ويقول لها على الطرق التي تسلكها لتدمير زواج «فيروز» و «نصار» ويبدو أنهم نجحوا بهذا الأمر، بعد ما ارتدت عباءتها ولفت طرحتها وفتحت الباب ولكن اتصدمت من «باسم» الذي ينظر لها بصدمة، حاولت ان لا تتوتر أمامه وكادت أن تتحدث ولكن قطعها هو وهو ينظر لها بصدمة :
ـ بقي انتِ السبب في خراب جوازه نصار و فيروز؟؟
كادت أن تتحدث بتوتر حتى تفهمه ولكن جاء صوت خلف «باسم» وهو يهتف بصدمة وما هو إلا «إيهاب» الذي سمعهم :
ـ بتقول اي؟؟؟
و….
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية