رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 11 - الجمعة 5/6/2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل الحادي عشر
تم النشر يوم الجمعة
5/6/2026
وصل البيت بعد يوم طويل أثقل كتفيه وكأن العالم بأكمله كان معلقًا فوق ظهره، كانت ملامحه جامدة لكنها منهكة، وعيناه تحملان ذلك التعب الصامت الذي لا يُحكى بالكلمات.
أبطأ سرعة سيارته تدريجيًا قبل أن يدخل إلى الجراج أسفل البناية، وصوت المحرك الخافت امتزج بسكون الليل البارد بطريقة أوحت وكأن كل شيء حوله يراقبه في صمت.
أطفأ السيارة وبقي لثوانٍ ممسكًا بعجلة القيادة، يزفر أنفاسه الثقيلة ببطء شديد، كأنه يحاول إخراج ما تراكم بداخله طوال اليوم مع ذلك النفس.
أغمض عينيه للحظة قصيرة، ثم فتحهما بتعب واضح وهو يمرر يده على وجهه بإرهاق، قبل أن يترجل أخيرًا من السيارة ويتجه نحو المصعد بخطوات هادئة متثاقلة.
كان يتوقع أن يدخل البيت فيجده غارقًا في هدوئه المعتاد، لكنه ما إن فتح الباب حتى شعر أن هناك شيئًا مختلفًا، شيئًا ثقيلًا يملأ الأجواء دون صوت.
وجد «صفية» تنتظره وجالسة علي الاريكة، كانت تجلس بثبات غريب، ويديها متشابكتين فوق بعضها وكأنها تحاول تمالك نفسها بصعوبة.
ملامحها لم تكن غاضبة بقدر ما كانت موجوعة وهذا النوع من الألم كان دائمًا الأصعب.
توقفت عيناه عليها لثوانٍ، ثم اقترب منها ببطء وجلس بجانبها، محاولًا كسر ذلك الصمت الخانق الذي التف حولهما منذ اللحظة الأولى.
مالت رأسه قليلًا نحوها، وصوته خرج هادئًا يحمل حنانًا اعتاد أن يخاطبها به دائمًا :
ـ ايه يا حبيبتي قاعدة كده ليه .
رفعت عينيها إليه ببطء شديد، نظرة طويلة جعلت قلبه ينقبض دون أن يفهم السبب، كانت عيناها مليئتين بعتاب موجع، عتاب شخص انتظر كثيرًا قبل أن يتكلم.
لم يكن في ملامحها غضب صريح، بل خيبة صغيرة تختبئ خلف هدوئها، وذلك أخطر ألف مرة من الصراخ.
هتفت بهدوء، لكن صوتها المرتجف الخافت فضح كل ما حاولت إخفاءه :
ـ الا قولي يا نصار انت بتعتبرني امك بجد؟؟، ولا مرات ابوك
سقط السؤال عليه كصدمة مفاجئة، فتجمدت ملامحه للحظة وهو ينظر إليها بعدم فهم حقيقي، حاجباه انعقدا بحيرة واضحة، وكأن عقله يحاول استيعاب كيف خرج منها هذا السؤال أصلًا.
شعر بانقباض غريب داخل صدره، فـ «صفية» لم تكن بالنسبة له مجرد زوجة أب، كانت دائمًا الأقرب لقلبه بعد والدته، لذلك كان سؤالها مؤلمًا بطريقة لم يتوقعها أبدًا.
التفت إليها أكثر، ونظراته أصبحت مرتبكة وهو يحاول فهم ما الذي أوصلها لتفكر بهذا الشكل، ثم هتف بسرعة وكأنه يريد أن يمحي شكها قبل أن يكبر أكثر :
ـ طبعا يا حبيبتي بعتبرك زي ماما ليه بتقولي كده؟؟
خرجت كلماته صادقة ومليئة بالاستغراب، بينما عيناه كانتا تفتشان داخل ملامحها عن السبب الحقيقي خلف ذلك العتاب الذي ظهر فجأة، العتاب الذي جعل البيت كله يبدو وكأنه فقد دفئه في لحظة واحدة.
نظرت له «صفية» طويلًا وهو يقف أمامها بتلك الهيئة التي لم تعتد رؤيته بها أبدًا .
كان واقفًا بجسدٍ ثابت، لكن من يعرفه جيدًا يستطيع أن يرى العاصفة المختبئة خلف ذلك الثبات ، يعرف أن هذا الصمت ليس هدوءًا ، وأن تلك الملامح الجامدة ليست راحة .
بل كانت حالة رجلٍ يحاول بكل ما يملك ألا ينهار أمام أحد، راقبته للحظات، ثم تنهدت بهدوء قبل أن تهتف بنبرةٍ هادئة تحمل داخلها ألف سؤال وسؤال :
ـ سبت ليه فيروز يا نصار
ساد الصمت لثوانٍ ، ثوانٍ طويلة وثقيلة .
أما هو فابتعد بعينيه عنها فورًا، وكأن مجرد سماع اسمها أصبح يؤلمه أكثر مما يستطيع تحمله ، تحرك فكه بقوة خفيفة، ثم هتف بنفس هدوئها تقريبًا، لكنه كان هدوءًا متعبًا ومكسورًا بصورة واضحة :
ـ وانا مش عايز اتكلم في الموضوع ده، بعد ازنك .
أنهى كلماته وتحرك بالفعل ليغادر ، كان يريد الهروب ، من الأسئلة ، من المواجهة، من الحديث عنها ، ومن كل شيء يخصها .
لكن قبل أن يبتعد بخطوتين فقط، دوى صوت «صفية» خلفه فجأة ، صوتٌ جعل قدميه تتجمدان في مكانهما تمامًا ، كأنه تحول إلى صنم لا يستطيع التحرك .
ـ البلد كلها بتتكلم، وبتقول ان فيروز سابتك عشان إيهاب، وبعد عدتها هتتجوزه .
وكأن الكلمات أصابت ظهره مباشرة ، لم يتحرك ، لم يلتفت فورًا ، فقط أغمض عينيه للحظة قصيرة جدًا، لحظة مرت عليه كأنها سنوات كاملة، فهو سمع تلك الأقاويل بالفعل ، مرة ، واثنتين ، وعشرات المرات ، سمع الهمسات ، والنظرات ، والكلمات التي تُقال خلف ظهره .
لكن سماعها من «صفية» كان مختلفًا ، مؤلمًا أكثر، تنهد ببطء شديد، ثم التفت إليها أخيرًا ، وحين رفعت عينيها إليه، رأت شيئًا لم يعجبها أبدًا ، رأت رجلًا مرهقًا حتى النخاع ، رجلًا استنزفته الأيام الأخيرة بصورة قاسية .
ثم هتف بنبرةٍ متعبة أدركتها فورًا :
ـ و اي يعني البلد كلها بتتكلم سؤاء كان حقيقي او كان كدب .
توقفت للحظة وهي تنظر إليه بعدم استيعاب ، ذلك الرد لم يكن طبيعيًا ، لم يكن رد رجلٍ غاضب أو مستفز ، بل كان رد رجلٍ وصل إلى مرحلة لم يعد يهمه فيها شيء ، وهنا شعرت «صفية» بالخوف الحقيقي راقتربت منه خطوة، ثم أخرى، حتى وقفت أمامه مباشرة ومنعته من الهروب مرة أخرى ، رفعت يدها وأمسكت يـ ـده بقوة، وكأنها ترفض أن يبتعد قبل أن يجيبها .
ثم هتفت بحدةٍ ممزوجة بالضغط والخوف عليه :
ـ بص في عيني يا نصار وقولي يا بني طلقت فيروز ليه، ده انت روحك فيها .
ارتفع بصره إليها ببطء ، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها، شعرت بشيءٍ بارد يمر داخل جـ ـسدها ، رأت تلك اللمعة ، تلك اللمعة التي تظهر في عينيه عندما يكون موجوعًا جدًا
ورأت القسوة المرتسمة فوق وجهه بصورة لم تعهدها منه أبدًا ، نعم، هي تعرفه أكثر من معظم الناس ، هي التي شاركت «حنان» في تربيته عندما كان طفلًا صغيرًا ، تعرف ضحكته ، وغضبه ، وصمته ، وحزنه ، وتعرف أيضًا أن تلك القسوة التي تراها الآن ليست طبيعته، بل هي قسوة رجلٍ يحاول قتل مشاعره بيديه .
نظر إليها بحدة مفاجئة، ثم هتف بقسوةٍ لم ترها منه من قبل :
ـ مش عايز اتكلم في الموضوع ده، ومعرفش فيروز دي، فيروز بنسبالي ماتت
سقطت الكلمات بينهما كالصاعقة ، حتى الهواء من حولهما بدا وكأنه توقف للحظة، اتسعت عين «صفية» بصدمة حقيقية ، فهي تعرف جيدًا أن «نصار» يستطيع أن يغضب ، أن يثور، أن يبتعد ، لكن أن يقول عن «فيروز» إنها ماتت بالنسبة له؟
هذا لم يكن مجرد غضب ، هذا كان وجعًا أكبر من أن يُحتمل ، وجع جعل قلبه يحاول دفنها بداخله وهي ما زالت حية ، فتحت فمها لترد عليه ، لتصرخ فيه ، لتخبره أنه يكذب على نفسه ، لكنها لم تستطع ، لأن «نصار» سبقها
استدار فجأة وغادر من أمامها بخطوات سريعة، وكأنه يهرب من المكان كله قبل أن ينهار .
ظلّت تنظر إلى أثره حتى اختفى تمامًا من أمام عينيها ، ثم أرخَت كتفيها بتعب شديد، وشعرت باختناقٍ مؤلم يعتصر صـ ـدرها ، رفعت رأسها إلى الأعلى، وامتلأت عيناها بالدموع التي حاولت منعها عبثًا .
ثم تنهدت بخنقةٍ لا يعلم مداها إلا الله، وهتفت بصوتٍ مرتجف خرج من أعماق قلبها :
ـ يارب، يارب حل الامور اللي ما بينهم يارب .
وأغلقت عينيها وهي تردد الدعاء داخلها مرارًا ، لأنها كانت ترى ما لا يراه غيرها ، كانت ترى قلبين يحترقان ، وقصتين من الألم تسيران بالتوازي ، وكانت تعلم يقينًا أن خلف كل هذا الغضب، حبًا كبيرًا جدًا ما زال يرفض أن يموت .
❈-❈-❈
كانت تقف داخل المطبخ بهدوءٍ ظاهري، بينما العاصفة الحقيقية كانت تدور داخل رأسها بلا توقف ، يدها تتحرك بصورة آلية وهي تُعد كوب الشاي لنفسها، لكن عقلها كان بعيدًا تمامًا عن المطبخ ورائحة النعناع والبخار المتصاعد أمامها ، كانت مشغولة بأبنائها ، دائمًا أبناؤها ، فهي لم تعش يومًا لنفسها بقدر ما عاشت لهم، تعبت لأجلهم، وسهرت لأجلهم ، وضحت براحتها وعمرها كله لأجل أن تراهم سعداء فقط .
لكن الغريب أنها رغم كل ذلك، أصبحت تشعر أحيانًا أنها لا تعرف ما يدور داخلهم ، فالأول يعيش حزنًا كبيرًا بسبب المحل الذي احترق ، ترى ذلك في صمته ، في شروده ، وفي تلك النظرة التي أصبحت ترافقه أغلب الوقت .
أما الثاني، فتنهيدة طويلة خرجت منها وهي تفكر فيه ، الثاني أصبح لغزًا بالنسبة لها ، ضائع ، شارد ، مغلق على نفسه بصورة لا تعجبها ، ترى التعب في عينيه كل يوم، لكنها لا تعرف سببه الحقيقي ، وتشعر أن بداخله كلامًا كثيرًا يريد قوله، لكنه يرفض أن يبوح به لأحد .
وهذا أكثر ما كان يزعجها ، فهي تفعل كل شيء لأجل أولادها، لكنهم لا يساعدونها أبدًا بأن يتحدثوا عما بداخلهم ، لا يشاركونها أوجاعهم ، لا يخبرونها بما يؤلمهم ، وكأنها أصبحت ترى جراحهم من الخارج فقط، بينما تُمنع من الوصول إلى أعماقها .
تنهدت وهي ترفع الغلاية عن النار ، ثم عادت تفكر بما كانت تخطط له مؤخرًا ، فهي أرادت أن تُسعد ابنها الثاني بأي طريقة، أرادت أن تمنحه «فيروز» ، حب حياته ، الفتاة التي كانت ترى اسمه مكتوبًا في عينيها منذ سنوات .
أما الأول، فكانت تنوي أن تفتح له محلًا جديدًا، أكبر وأفضل من الذي خسره ، ففي النهاية ما الذي تريده أم أكثر من سعادة أولادها؟، لا شيء أبدًا .
سكبت الشاي داخل الكوب، ثم حملته واتجهت نحو الطاولة الصغيرة الموجودة بالمطبخ ، جلست ببطء فوق المقعد الخشبي، بينما بخار الشاي يتصاعد أمام وجهها، ثم أخرجت هاتفها وأخذت تبحث بين الأسماء حتى وصلت إلى الرقم الذي تريده ، رقم الخادمة التي تعمل داخل قصر «سراج السعداوي» ، الخادمة التي تنقل لها الأخبار أولًا بأول ، ضغطت على زر الاتصال وهي ترتشف رشفة صغيرة من الشاي ، لم تنتظر طويلًا ، فقد أتاها الرد سريعًا من الطرف الآخر .
لتبتسم «لوزة» ابتسامة جانبية قبل أن تهتف بضيقٍ مصطنع :
ـ ايه مشوفتش وشك ولا سمعت خبر حلو من ساعه ما كنتي عندي اخر مره .
في الجهة الأخرى، التفتت السيدة خلفها عدة مرات بتوتر، تتأكد أن أحدًا لا يسمعها، ثم اقتربت من زاوية بعيدة وهمست بصوتٍ منخفض :
ـ كنت لسه هتصل عليكي .
لوت «لوزة» شفتيها بحنق، ثم هزت رأسها وهي تضحك بسخرية وكأنها لا تصدقها إطلاقًا ، رفعت الكوب نحو شفتيها ثم هتفت باستهزاء واضح :
ـ اه اه يا ختي انتي هتقوليلي، اخلصي وقوليلي الأخبار .
أما السيدة، فبمجرد أن وجدت فرصة للابتعاد أكثر عن الناس، انطلقت تتحدث بلهفةٍ شديدة، وكأنها كانت تنتظر من يسمعها ، حتى أن عينيها كانتا تلمعان بالحماس أثناء نقل الأخبار:
ـ الدنيا مولعه هنا، سميحه في المستشفي، وكمان سالم مفيش اي تحسن وبيقولوا كده هينقلوه البيت وهيجيبوا دكاتره هنا تراعيه احسن، وكمان سهر وامتحاناتها وكده مشغوله فيها، اما نصار في يا عيني بيحاول ينشغل في شغل العمده وشغل بلاد برا ده و….
لكن «لوزة» لم تتركها تُكمل ، انعقد حاجباها فجأة بحيرة حقيقية، ثم رفعت رأسها وهتفت باستفهام وهي ترتشف رشفة من الشاي الساخن الذي أعدته لنفسها منذ قليل :
ـ بينشغل في ايه، هو مش ساب الشغل خلاص بتاع بلاد برا؟؟ .
جاءها الرد بسرعة ، حتى إن السيدة هزت رأسها نفيًا بعفوية وكأن «لوزة» تقف أمامها بالفعل:
ـ لا يا ست هانم هو لسه متابع شغله، متنسيش انه محامي ومأسس شركة برا، ده انا حتي وانا بنضف قدام اوضته سمعته بيكلم واحده اجنبيه بتقوله انها جاية تغير جو هي واحد تاني بس نصار قالها انه مشغول الايام دي، ده حتي هي سألت علي فيروز هو مرضيش يقولها ابدا انه طلقها نهائي .
توقفت «لوزة» عن شرب الشاي للحظة ، وببطء شديد، أنزلت الكوب من أمام شفتيها ، وعيناها ضاقتا بصورة خفيفة وهي تستوعب الكلام ، نصار ما زال يتابع أعماله بالخارج ، وما زال يتحدث مع معارفه هناك ، وما زال يخفي خبر طلاقه عن بعض الناس ، معلومة صغيرة بالنسبة لأي شخص آخر ، لكن بالنسبة لها
كانت كل معلومة خيطًا جديدًا تضيفه إلى شبكة الأفكار التي لا تتوقف داخل رأسها ، لذلك ظلت صامتة للحظات، بينما أصابعها تدور حول كوب الشاي ببطء، وعيناها مثبتتان أمامها في شرودٍ عميق ، وكأن عقلها بدأ بالفعل ينسج خطة جديدة، أو ربما يبحث عن شيءٍ لم يكتمل بعد .
همهمت «لوزة» بصوتٍ خافت وهي تستمع إلى حديث الخادمة، بينما عقلها لم يكن حاضرًا بالكامل معها .
فقد ظل جزء كبير من تفكيرها عالقًا عند تلك الفتاة الأجنبية التي ذكرَتها قبل قليل .
تلك الفتاة التي تحدث معها «نصار» .
لا تعرف لماذا توقفت عند تلك النقطة تحديدًا .
ولا لماذا شعرت أن الأمر يستحق التفكير .
لكنها كانت تعرف نفسها جيدًا .
فعندما تتوقف عند معلومةٍ معينة، فغالبًا لأن عقلها بدأ ينسج حولها عشرات الاحتمالات .
ظلت تحرك كوب الشاي بين يديها ببطء، بينما البخار يتصاعد أمام وجهها، وعيناها شاردتان في نقطة بعيدة فوق الطاولة .
أما الخادمة فاستمرت في الحديث من الطرف الآخر وهي تحاول تذكر المزيد من التفاصيل :
ـ وبس يا ست هانم مشوفتوش خالص من ساعتها بيكلمها تاني .
هزت «لوزة» رأسها ببطء وهي تفكر .
ثم عقدت حاجبيها قليلًا، وكأن سؤالًا خطر ببالها فجأة .
رفعت الكوب إلى شفتيها قبل أن تتساءل بعد لحظات من التفكير العميق :
ـ وهي اسمها البت دي؟؟
في الجهة الأخرى تنهدت الخادمة بخفة، ثم أجابتها بنبرة صادقة تمامًا :
ـ معرفش يا ست هانم بس هي لغة العربي عندها مكسر خالص، انا فهمت حاجات وحاجات لا .
عادت «لوزة» للهمهمة مرة أخرى ، لم تبدُ مقتنعة ولا غير مقتنعة ، فقط كانت تجمع المعلومات داخل رأسها كعادتها ، ثم أخذت رشفة هادئة من الشاي الساخن، قبل أن تهتف وهي تعود إلى نبرتها الطبيعية :
ـ في حاجه تانيه نسيتي تقوليها هي دي الاخبار كلها؟؟
وفور انتهاء سؤالها تقريبًا، تغير صوت الخادمة تمامًا ، امتلأ بالحماس واللهفة ، وكأنها تذكرت فجأة خبرًا كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتقوله ، حتى أن ابتسامتها بدت واضحة من خلال نبرة صوتها وهي تهتف بسرعة :
ـ لسه جيالك بالأخبار، انتي تعرفي ان البت فله بنت حمدية الداية بتحب مين في القصر؟؟.
أما «لوزة» فرفعت حاجبها بعدم اهتمام حقيقي ، في تلك اللحظة تحديدًا لم تجد أن الأمر يستحق فضولها ، فما الذي يهمها في إعجابات الخادمات أو قصص الحب الصغيرة التي تدور بين العاملين؟، لذلك هتفت بلامبالاة وهي تتذكر ملامح تلك الفتاة بصعوبة :
ـ اكيد الجنايني او حد خدام عندكم، وانا مالي يا وليه انتي بأخبار الخدامين .
في الطرف الآخر، عوجت الخادمة شفتيها بضيقٍ ساخر، وكأنها كانت تنتظر هذا الرد بالذات ، ثم هتفت بنبرة تحمل سخرية خفيفة :
ـ مهي لو مكنتش معلومه مهمه مكنتش هقولها، البت فلة بتحب فارس .
وفي تلك اللحظة بالذات، كانت «لوزة» تأخذ رشفة كبيرة من الشاي ، ولم تكن مستعدة إطلاقًا لسماع هذا الاسم ، فجأة اتسعت عيناها بعنف ، وتوقف عقلها للحظة عن استيعاب ما سمعه ، ثم شرقت بالشاي دفعة واحدة ، بدأت تسعل بقوة شديدة حتى احمر وجهها بالكامل، بينما انسكبت بعض القطرات فوق يدها والطاولة .
ـ كح... كح... كح...
وضعت الكوب بسرعة وهي تحاول استعادة أنفاسها بصعوبة، بينما الدموع تجمعت في عينيها من شدة السعال المفاجئ ، استمرت لثوانٍ طويلة تحاول التقاط نفسها، قبل أن تمد يدها إلى زجاجة المياه الموجودة بجانبها ، فتحتها بسرعة وأخذت تشرب منها عدة رشفات متتالية .
وبعدما هدأ السعال أخيرًا، تنهدت بقوة وهي تمسح فمها بظهر يدها، ثم استقامت في جلستها فجأة ، الصدمة كانت واضحة فوق وجهها بصورة لا تخطئها العين ، حتى إن قلبها بدأ يخفق أسرع من المعتاد ، فهي لم تتوقع أي اسمٍ في الدنيا إلا هذا الاسم .
لذلك هتفت بعدم تصديق وذهول حقيقي :
ـ فارس ابن سراج؟؟
وكان سؤالها يخرج وكأنها تريد التأكد للمرة العاشرة أنها لم تسمع خطأ ، لأن بين كل الرجال الموجودين في القصر، لم تكن تتخيل أبدًا أن يقع اختيار «فلة» على «فارس» تحديدًا ، ولهذا بدأت ملامح الدهشة فوق وجهها تتحول تدريجيًا إلى تفكيرٍ عميق، تفكير المرأة التي لا تسمع خبرًا كهذا ثم تمر عليه مرور الكرام ، بل تبدأ فورًا في البحث عمّا قد يخفيه خلفه من أسرار وحكايات أخرى لم تُكشف بعد .
هتفت الخادمة بحماسٍ واضح فور أن لمحت صدمة «لوزة»، حتى إنها شعرت بسعادة غريبة لأنها صاحبة الخبر هذه المرة ، ارتفعت نبرة صوتها قليلًا من شدة الحماس، وكأنها تخبرها بسرٍ خطير لا يعرفه أحد :
ـ ايوا هو فارس .
أما «لوزة»، فلم ترد مباشرة ، بل استندت بظهرها إلى المقعد قليلًا، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة بطيئة ، ابتسامة لم تكن بريئة أبدًا ، كانت ابتسامة ممتلئة بالخبث والتفكير والذكريات القديمة التي ظنت يومًا أنها دفنتها للأبد ، تنهدت بهدوء، وعيناها سرحتا بعيدًا عن المطبخ والطاولة وكوب الشاي، بعيدًا جدًا .
إلى سنوات مضت ، إلى أيام كانت تظن أنها انتهت ولن تعود ، لكن الغريب أن بعض الحكايات لا تموت أبدًا ، بل تنتظر فقط حتى تعود بوجوهٍ جديدة وأسماءٍ مختلفة ، وعند تلك الفكرة تحديدًا، خرج صوتها هادئًا لكنه محمل بمعنى لم تفهمه الخادمة :
ـ شكله الزمن بيعيد نفسه .
في الجهة الأخرى، عقدت الخادمة حاجبيها بحيرة شديدة ، توقفت للحظة وهي تحاول فهم المقصود ، ما الذي يعيده الزمن؟؟ وأي حكاية تتحدث عنها؟
لذلك سألتها مباشرة باستغراب :
ـ قصدك اي يا هانم؟؟ .
انتبهت «لوزة» فورًا إلى سؤالها ، وكأن أحدهم أيقظها من شرودٍ لم تكن تريد الدخول فيه أصلًا ، شحب ذلك الشرود من عينيها بسرعة ، فبعض الذكريات لم تكن ترغب في الحديث عنها ، ولا تملك أي نية لشرحها لأحد ، لذلك تجاهلت السؤال تمامًا، وكأنه لم يُطرح من الأساس .
ثم بدلت الموضوع بسرعة وهي تعود لنبرتها المتحمسة المعتادة :
ـ مش قصدي حاجه الا قوليلي وهو فارس عارف ان فله بتحبه ولا لا؟؟
ضحكت الخادمة بخفة قبل أن تجيبها فورًا، وكأنها واثقة من الأمر تمامًا :
ـ لا طبعا فارس بيه راجل محترم ميعجبهوش الكلام ده، اي بنت يشوفها سؤاء في الخدم او برا بيغض بصره ومش بيبص عليها نهائي ولا بيتكلم معاها اصلا .
ثم أكملت حديثها بعفوية وهي تتذكر موقفًا قديمًا أعجبها فيه كثيرًا :
ـ ده انا لسه مفتكره دلوقتي، فارس قال لـ والداته متسهرش حد من الخدم لا في العيد ولا في اي حاجه، لانه بيرجع متأخر وبيكون جعان وبيكون محرج يدخل المطبخ لانه اللي سهران فلة والبت عبير وسحر، ومن ساعتها مش بتسهر حد من الخدم نهائي .
استمعت «لوزة» للكلام كله بصمت ، وبين كل جملة وأخرى كانت صورة «فارس» تتشكل أكثر داخل رأسها ، الشاب الهادئ ، المؤدب ، الذي يحسب خطواته جيدًا ، والذي لا يمنح أي فتاة فرصة لتفهم منه شيئًا خطأ .
ثم ابتسمت بسخرية خفيفة وهي تهز رأسها ، ليس من «فارس» هذه المرة، بل من «فلة» نفسها ، ثم هتفت بنفس النبرة الساخرة :
ـ ده حب من طرف واحد، فارس مش في دماغه فلة خالص ولو كانت في دماغه كان كلم ابوه يكلم امها، انا شاكه انه لسه بيحب خطيبته اللي سابها .
ساد الصمت للحظة في الجهة الأخرى ، وكأن الخادمة أخذت تفكر فعلًا في كلامها ، فهي تعمل في ذلك البيت منذ سنوات، ورغم ذلك لم تسمع أحدًا يتحدث عن تلك الخطوبة القديمة إلا نادرًا، بل إن اسم الفتاة نفسها أصبح وكأنه ممنوع من التداول داخل المنزل ، لذلك أجابت بعد تفكير :
ـ معرفش يا هانم والله، هي سيرتها اصلا مش بتتجاب في البيت نهائي .
أخذت «لوزة» نفسًا عميقًا وهي تستند بمرفقها على الطاولة ، أصابعها بدأت تدور ببطء حول حافة الكوب، بينما عقلها يغوص أكثر وأكثر في التفكير ، كانت تفكر في «فلة» ، في مشاعرها ، وفي «فارس» ، وفي الماضي الذي لا يزال يلقي بظلاله على الحاضر ، وفي أشياء كثيرة لا تقولها بصوتٍ عالٍ أبدًا .
ثم رفعت رأسها أخيرًا، وأبعدت كل تلك الأفكار جانبًا مؤقتًا، قبل أن تهتف بنبرة هادئة لكنها تحمل فضولًا واضحًا :
ـ علي العموم ادينا بنتفرج، لسه في اخبار تانيه ولا لا .
وبينما كانت تنتظر رد الخادمة، كانت ابتسامة صغيرة وغامضة لا تزال مستقرة فوق شفتيها، ابتسامة امرأة تعرف جيدًا أن البيوت الكبيرة لا تهدأ أبدًا ، وأن وراء كل خبرٍ صغير، حكاية أكبر لم تبدأ بعد .
هتفت الخادمة بصوتٍ منخفض بعدما أخذت تسترجع كل ما تعرفه داخل رأسها للمرة الأخيرة، وكأنها تتأكد أنها لم تنسَ أي تفصيلة مهما كانت صغيرة :
ـ لا يا هانم مفيش ، كل الأخبار كلها عندك .
جلست «لوزة» للحظات صامتة وهي تداعب كوب الشاي بين أصابعها، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة خبيثة صغيرة ، ابتسامة من يعرف أنه حصل على ما يريد مؤقتًا ، لكنها أيضًا من النوع الذي لا يكتفي أبدًا، فمهما عرفت من أخبار، كانت دائمًا تريد المزيد، تفصيلة جديدة ، همسة جديدة ، سر جديد ، لأن بالنسبة لها، المعلومة قوة ، وكلما امتلكت معلومات أكثر، أصبحت خطواتها أوضح وتحركاتها أدق .
لذلك هتفت بنبرتها الهادئة التي كانت دائمًا أخطر من غضبها نفسه :
ـ طيب اي خبر بعد كده تسمعيه بلغيني فوراً، مش تخزيني عندك الأخبار وتقوليلي كلهم مره واحده ، انا عايزه الخبر يكون طازه فاهمه؟؟.
كان في صوتها شيء أقرب للأمر منه إلى الطلب ، شيء جعل الخادمة تبتلع ريقها تلقائيًا، ثم تهز رأسها بسرعة رغم أن «لوزة» لا تراها أصلًا ، لم تنطق بكلمة ، فهي تعرف جيدًا أن «لوزة» لا تحب إعادة كلامها مرتين ، ساد الصمت لثوانٍ قصيرة ، لكن «لوزة» لم تكن قد انتهت بعد ، فقد عاد عقلها مرة أخرى إلى تلك الفتاة ،«فلة» ذلك الاسم الذي علق داخل رأسها منذ أن سمعته قبل دقائق .
أخذت تفكر فيها بصورة غريبة ، في طريقة إعجابها بـ«فارس» ، وفي عمرها الصغير ، وفي طبيعة المشاعر التي تجعل فتاة بسيطة تتعلق بشاب من عائلة كبيرة ، ثم ضاقت عيناها قليلًا ، كانت هناك فكرة غير مكتملة تدور داخل رأسها ، إحساس مبهم لا تعرف سببه ، لكنها اعتادت أن تثق في إحساسها كثيرًا .
لذلك هتفت بعد تفكير طويل :
ـ والبت دي تركزيلي عليها، قلبي بيقولي انها هتعمل حاجه تودي سمعه عيلة سراج الارض .
في الجهة الأخرى، انتفضت الخادمة قليلًا من غرابة الجملة، فهي لم ترَ من «فلة» شيئًا سيئًا حتى الآن ، لكنها رغم ذلك لم تجادل .
بل أجابت بسرعة :
ـ حاضر يا هانم .
وقفت «لوزة» من مكانها ببطء وهي تحمل كوب الشاي الفارغ ، تحركت نحو حوض المواعين بخطوات هادئة، ثم وضعت الكوب داخله وهي تنظر أمامها بشرود ، وقبل أن تنهي المكالمة، تذكرت شيئًا آخر ، شيئًا لم يخرج من رأسها منذ بداية الحديث ، تلك الأجنبية ، تلك المرأة التي تحدث معها «نصار» ، عادت الفكرة لتطرق عقلها مجددًا بقوة ، فالتفاصيل الصغيرة كانت دائمًا أكثر ما يثير فضولها
لذلك هتفت وهي ترفع يدها تمسح بعض قطرات الماء عن الكوب :
ـ يلا سلام ومتنسيش تعرفيلي البت الاجنبيه اللي بيكلمها نصار .
جاءها الرد سريعًا من الطرف الآخر :
ـ حاضر يا هانم سلام .
ثم انتهت المكالمة ، أغلقت «لوزة» الخط دون أن تضيف كلمة أخرى ، وبمجرد أن ساد الصمت داخل المطبخ، تغيرت ملامحها تدريجيًا ، اختفت الابتسامة العابرة ، وحل محلها شرود طويل وعميق ، وقفت مكانها لعدة لحظات لا تتحرك ، تفكر في «فلة» ، وفي «فارس» ، وفي تلك الأجنبية المجهولة ، لكن أكثر ما كانت تفكر فيه، هو كيف يمكن الاستفادة من كل ذلك ، فهي لم تكن من النوع الذي يسمع الأخبار لمجرد الفضول .
بل كانت دائمًا تبحث عمّا وراء الخبر نفسه ، عن النقطة التي يمكن الضغط عليها ، وعن الخيط الذي إذا سحبته، تحركت معه أشياء كثيرة، وضاقت عيناها قليلًا وهي تستند إلى رخامة المطبخ ، ثم بدأت تراجع كل ما سمعته داخل عقلها مرة أخرى ، تفصيلة وراء أخرى ، وكلمة وراء أخرى ، وكأنها ترتب قطع لعبة كبيرة أمامها وفي أعماقها كانت تشعر أن تلك الفتاة الصغيرة «فلة» قد تكون مجرد خادمة في نظر الجميع لكن بالنسبة لها لم يكن هناك شخص عديم الفائدة .
فكل إنسان يملك نقطة ضعف ، وكل إنسان يمكن أن يصبح ورقة في لعبة أكبر ، وهي كانت تفكر الآن، أي نوع من الأوراق يمكن أن تكونه «فلة» إذا جاء الوقت المناسب لاستخدامها .
❈-❈-❈
كان شاب نائماً بسلام ولكن جاء طرقات الباب تزعجه أكثر من اي شئ، حتي في يوم اجازته اهله يزعجونه بتلك الطرقات، وضع الوسادة فوق رأسه وهو يتجاهل تلك الطرقات العنيفة التي كانت من إبنة عمه التي كانت بمكانه شقيقته، وهي تنادي عليه علي الاقل ان يفيق، ولكن لا حياة فمن تنادي .
لكنها لم تستسلم بل ظلت تطرق تلك الطرقات العنيفه التي كانت علي باب مما انزعج أكثر وهو يهتف بنبرة غيظ :
ـ ادعي عليكي اقولك ايه يا سما وانتِ فيكي كل العيووب .
بينما أكمل وهو يحاول أن يفيق قليلاً وهتف بغضب :
ـ عايزة ايه يا زفته .
هتفت إبنة عمه بعد ما سمعت نبرة ابنه عمها المنزعج، وهتفت هي بتلقائيه ولهفه :
ـ قوم يا عمار في مصيبة، اهل خطيبتك بعتنالك الدهب وبيقولولك كل شئ قسمة ونصيب .
كان هو نائماً مغمضاً عينيه وهو يحاول أن لا يهتم بتلك الطرقات ولكنها حين هتفت بجملتها، فتح عينيه وقام من الفراش بلهفه يفتح لها الباب وهتف بصدمة :
ـ قولي والله .
هتفت هي بنبرة صادقة وهي تري ملامحه المصدومة :
ـ والله بقول الحقيقه، الدهب تحت وكلموا عمي قالوا لي كل شئ قسمه ونصيب وابنك ميلزمناش .
ظهرت إبتسامته مما نظرت له بعدم تصديق، وهتف بحماس وهو يسجد بفرح :
ـ الحمد لله يارب الحمد لله، خلصت منها، خلصت منها الحمد لله .
رأت سعادته وسجدته تلك مما اقام وهو يهتف بسعادة حقيقية :
ـ ده انا هسجد شكر لله وهفرق اكل علي الغلابة الحمد لله انه ربنا سمع دعوتي .
تركها ودخل المرحاض حتي يتوضي وهي لا تفهم اي شئ، نعم بالفعل ابن عمها لم يكون سعيد بهذه الزيجة، ولكنها لم تكن تتوقع تلك الدرجة !!
جلست علي الفراش اسندت يـ ـدها علي خدها تنتظره يخرج، وبالفعل خرج وارتدي جلبيته البيضاء وهو مستعد لصلاه ولكنه اوقفته وهي تهتف بنبرة حيرة من تصرفات إبن عمها :
ـ مش لما تعرف اصلا هي بعتالك الدهب ليه؟؟ .
نظر لها بعدم اهتمام وهو يضع مصليته ويجهز لصلاه وهو يهتف بتجاهل :
ـ اكيد زهقت اني مش بكلمها ولا بعبرها، والكرامه صحيت عندها وقالت بلاش احسن .
اقتربت منه خطوة وهي تنظر له ولا تصدقه ابداً وهتفت بهدوء وهي تعقد ساعديها امام صـ ـدرها كانه تكشف كذبته :
ـ اهلها قالوا انك حاولت تتعرف علي بنت اسمها سهر سراج السعداوي اللي هي بنت العمده دي، والبنت دي خدت اسكرين لرسايلك وبعتتها لخطيبتك، لا وكمان منزله علي الفيس بتاعها انك حاولت تكلمها وعامله ليك منشن .
نظر لها بعدم تصديق وهو يمسك هاتفه فهو لا يتعرف علي فتاة ابداً ولم يتكلم مع فتاة ابداّ علي الأطلاق، شعر بغرابة بسبب الأمر وظن أنه سوء فهم لا أكثر من ذلك، ولكنه دخل علي تطبيق المسنجر وجد نفسه من حسابه انه بالفعل ارسل رسائل لفتاة ولكنه لم يرسل أي رسالة، حتى انه جاء من عمله الساعة سابعة مساء، غير ثيابه حتى أنه لم يأكل، ونام علي الفور .
وهذه الرسائل أرسلت الفتاة التي تدعي «سهر» الساعة التاسعة مساء، وفي هذا الوقت نام بالفعل، يبدو ان حسابه متهكراً بالفعل من شخص يريد أن يصنع له فخاً، دخل علي الفيس وجد الكثير والكثير من الاشعارات، وجد بوست تلك الفتاة التي تدعي «سهر» نزلت منشور تسخر له من أسلوبه في الحديث، وفعلت له اشاره، حتى جميع الفتيات يعرفونه، دخل علي التعليقات وجد الكثير من التعليقات تسخر به وتسخر برجال، فهو الآن تعرض لإهانة من تلك الفتاة.
اغلق هاتفه وجلس علي الفراش وهو يتذكر تلك التعليقات والأهانه له وهو يغمض عينيه :
ـ اه يا بنت الـ…..
راقبته إبنة عمه وراقبت ملامحه مما جلست امامه وهي تهتف بنبرة قلقة عليه :
ـ مالك؟؟؟ .
نظر لها وهتف بهدوء وتنهد وقص لها عن ما حدث كله، مما نظرت له بعدم تصديق وهو لاحظ ذلك مما ابتسم له وهتف بهدوء :
ـ طبعا لو حلفتلك ان اللي حكته ده اللي حصل مش هتصدقي .
راقبت ملامحه وهتفت بهدوء وهي تمسك هاتفه تقلب فيه امامه، وبعد ثواني هتفت بنبرة هادئة :
ـ الصفحه بتاعتك مش مفتوحه غير علي لاب توب بتاعك وتليفونك، ومفيش حد مهكرها ولا حاجه .
نظر لها بعد تفكير وهتف بنبرة هادئة :
ـ يعني ايه؟؟
رفعت كتافها بعدم مبالاه وهتفت بهدوء :
ـ يعني مفيش حد فتح حسابك .
واقف وهو يبحث علي لاب توب الخاص به ولكنه لم يجده هتف بعصبيه :
ـ فين لاب توب بتاعي .
نظرت له وهي ترد ببرود :
ـ معرفش، انا اتاخرت علي شغلي، شوف كده مين اللي عمل العمله دي، عشان عمي مستحلفلك .
ختمت جملتها وغادرت من الغرفة واغلقت الباب خلفها تركته، اما هو ظل يبحث عنه ولكنه لم يجده فـ تذكر «مروان» شقيقه مما خرج من الغرفة، واتجه الى غرفة «مروان» وجده نائم، بحث بعينيه عن لاب توب وجده على الطاولة، مما عينيه اشتعلت بعصبيه وهو ينظر إلى كأس الماء التي بجانبه على الطاولة، وافرغه على وجهه شقيقه النائم، مما فزع بقوة ونظر الي شقيقه مما ابتعد عنه، مما تأكد «عمار» من شكوكه وهتف بنبرة هادئة وهو يقترب منه :
ـ واحده واحده بقي كده واحكيلي ايه اللي حصل من اول الف لحد ياء وقولي عملت كده ليه ؟؟
❈-❈-❈
كان «فارس» يجلس على أحد المقاعد الخشبية القديمة في المقهى، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، بينما ينظر بين الحين والآخر إلى الطريق المؤدي للمكان ،منذ أكثر من ربع ساعة وهو ينتظر «حازم»، لكن كعادته كان متأخرًا بصورة مستفزة ، تنهد بضيق وهو يخرج هاتفه من جيبه، ثم فتحه سريعًا استعدادًا للاتصال به .
لكن قبل أن يضغط على زر الاتصال، شعر بحركة أمامه مباشرة ، شخص جلس على الكرسي المقابل له دون استئذان ، رفع رأسه بتلقائية ، ليجد «زياد» ، شقيق «حازم» الأصغر .
ذلك الشاب الذي لم يكن يستطيع الجلوس في مكان لأكثر من خمس دقائق دون أن يفتعل مشكلة أو يلقي تعليقًا مستفزًا على أحد ، كان بعمر الرابعة والعشرين تقريبًا، وملامح المشاغبة لا تفارق وجهه مهما حاول أن يبدو جادًا .
نظر إليه «فارس» للحظات بصمت، بينما «زياد» اكتفى برفع حاجبه له وكأنه يقول: نعم أنا هنا، هل لديك اعتراض؟ .
وبعد ثوانٍ قليلة ظهر «حازم» أخيرًا من بعيد، يسير بخطوات هادئة وكأن الناس لا تنتظره أصلًا ، اقترب منهم ثم جلس بجوارهما براحة شديدة، وكأنه لم يتأخر نصف عمره .
أما «فارس» فما إن رآه حتى عقد حاجبيه وهتف بحدة وهو يشير بإصبعه نحو «زياد» :
ـ انت متأخر عليا بسبب الحيوان ده؟؟ .
التفت «زياد» إليه فورًا، ثم وضع يده على صدره وكأنه تلقى إهانة عظيمة، قبل أن يهتف بسخرية ونبرة شكر مبالغ فيها :
ـ الله يسترك دنيا واخري يا حبيبي والله .
أما «حازم» فنظر بينهما بهدوء تام ، لا دافع عن أخيه ، ولا رد على صديقه ، فهو يعلم أن هذه المقدمة تحدث كل مرة تقريبًا ، وبعد ثوانٍ، رفع يده مشيرًا نحو داخل المقهى .
وفي أقل من لحظة ظهر «عم فتحي» حاملًا الصينية المعتادة بين يديه، وكأنه يحفظ طلباتهم عن ظهر قلب منذ سنوات .
تنهد «حازم» وهو يفرك رأسه بتعب واضح، ثم هتف :
ـ قهوة يا عم فتحي عشان دماغي هتموت من الصداع .
هز الرجل رأسه بتفهم .
لكن قبل أن يتحرك، رفع «زياد» يده بسرعة وهو يبتسم له ابتسامة واسعة :
ـ وانا يا عم فتحي بس زيادة بقي .
ضحك «عم فتحي» بخفة وهو ينظر إليه ، أما «فارس» فابتسم ابتسامة صغيرة قبل أن يهتف بنبرته الهادئة المعتادة :
ـ وانا كالعادة يا عم فتحي شاي بالنعناع معلقة واحده بس سكر .
ابتسم لهم «عم فتحي» بحبٍ واضح .
فهو يعرفهم منذ سنوات، وكبروا تقريبًا أمام عينيه .
ثم أشار إلى عينيه وهو يهتف بابتسامة دافئة :
ـ عنيا يا بشوات .
أنهى جملته وغادر متجهًا نحو الداخل لتحضير الطلبات .
أما «فارس» فعاد ينظر إلى «زياد» مرة أخرى، ثم هتف باستخفاف واضح :
ـ مفيش حد بيشوفك يعني، ولا مشغول مع الجو الجديد .
كان «زياد» وقتها مستغرقًا في هاتفه، مريحًا ظهره على الكرسي وكأنه يجلس في بيته لا في المقهى ، رفع عينيه إليه بحيرة حقيقية وهو يهتف :
ـ قصدك علي مين؟
تنهد «فارس» تنهيدة طويلة .
فهو يعرف صديقه أكثر مما يعرف نفسه أحيانًا ، ويعرف أيضًا أن عدد الفتيات في حياته يتغير بسرعة تجعل حفظ الأسماء مهمة مستحيلة .
لذلك هتف بملل :
ـ قصدي علي هيام هي مش اسمها هيام؟؟ .
أغلق «زياد» هاتفه فورًا، ثم نظر إليه بضيق وكأنه ذكره بشيء لا يريد تذكره :
ـ لا مهو محصلش نصيب بقي .
هز «فارس» رأسه ببطء ، أما «حازم» فاكتفى بالنظر إلى السقف وكأنه اعتاد سماع هذه الجملة من أخيه كل شهرين ، لكن «زياد» لم يترك الفرصة تمر دون أن يبدأ الحديث عن البطلة الجديدة في قصته الحالية .
اعتدل في جلسته، ثم أكمل بنبرة حالمة ومليئة بالإعجاب :
ـ الجديدة اسمها سارة، ياااه بنوته رقيقه ومؤدبة كده .
ثم فجأة تحولت ملامحه إلى الضيق وهو يكمل :
ـ بس من كتر الاستفزاز بتاعها حاسسها قريبة شات جي بي تي بكمية الأستفزاز اللي عندها دي .
بينما نظر إليه «فارس» بعدم تصديق .
ـ ايه العلاقة أصلاً؟
لكن قبل أن يكمل سخريته، عاد «عم فتحي» وهو يحمل الطلبات فوق الصينية بعناية شديدة ، وضع الأكواب أمامهم واحدًا تلو الآخر ، القهوة أمام «حازم» ، والقهوة الإضافية أمام «زياد» ، وكوب الشاي بالنعناع أمام «فارس» .
ثم غادر بعد أن شكروه جميعًا ، مرّت دقيقة تقريبًا ، أخذ خلالها «حازم» أول رشفة من قهوته، ثم أغلق عينيه باستمتاع واضح وكأن الحياة عادت إليه أخيرًا .
بعدها نظر إلى أخيه وهتف بهدوء :
ـ خلاص سيبها .
تجمد «زياد» لثانية واحدة ، ثم نظر إليه بصدمة وكأنه طلب منه التبرع بأحد أعضائه :
ـ نعم يا اخويا ده اسيبك واسيب البلد كلها الا حته الكرميلا بتاعتي .
قالها بحماس مبالغ فيه وهو يشير بيده وكأنه يلقي خطابًا تاريخيًا ، أما «فارس» فحدق فيه لثوانٍ كاملة ، ثم وضع كوب الشاي على الطاولة ببطء شديد ، ونظر إليه باشمئزاز وسخرية خالصة قبل أن يهتف :
ـ مرارتي هتتفقع .
لينفجر «حازم» ضاحكًا من جديد، بينما اكتفى «زياد» بالنظر لهما وكأنه الضحية الوحيدة في هذا العالم التي لا تجد من يقدّر قصة حبها العظيمة .
❈-❈-❈
بعد ساعتين
كانت «فيروز» جالسة بجوار شقيقتها في هدوءٍ نسبي، تحمل طبق الطعام بين يديها وتحاول إطعامها لقمة تلو الأخرى بصبرٍ كبير، رغم أن عقلها وقلبها لم يكونا حاضرين بالكامل في تلك اللحظة ، كانت عيناها معلقتين بوجه شقيقتها طوال الوقت ، بذلك الوجه الذي اعتادت أن تراه ممتلئًا بالحيوية والغرور والعناد، لكنه الآن كان مختلفًا تمامًا .
مختلفًا بصورة أوجعتها من الداخل ، تأملت تلك الخدوش الصغيرة المنتشرة فوق بشرتها ، وتلك الكدمات التي لوّنت أجزاء من وجهها بلونٍ مؤلم ، وكلما نظرت إليها أكثر، شعرت بشيء يشتعل داخل صدرها ، كانت حزينة عليها ، حزينة بطريقةٍ جعلت قلبها ينقبض كلما وقعت عيناها على إصابة جديدة لم تنتبه لها من قبل .
وفي الوقت نفسه كانت غاضبة ، غاضبة جدًا من الشخص الذي أوصل شقيقتها إلى تلك الحالة ، حتى وإن كانت بينهما خلافات لا تنتهي ، حتى وإن كانتا تتشاجران كثيرًا ، حتى وإن كانت تغضب منها أحيانًا لدرجة تجعلها لا ترغب في الحديث معها أيامًا كاملة .
لكن في النهاية، تبقى شقيقتها ، قطعة من قلبها شاءت أم أبت ، والدم لا يصبح ماءً مهما حدث ، تنهدت بخفوت وهي تقرب الملعقة من فمها مرة أخرى، تحاول إطعامها بهدوء وكأنها طفلة صغيرة تحتاج إلى الرعاية .
أما الأخرى فكانت تأكل على مضض، وملامح الانزعاج واضحة فوق وجهها طوال الوقت .
وفجأة قُطع ذلك الهدوء على صوت دقات خفيفة فوق الباب ، رفعت «فيروز» رأسها نحو مصدر الصوت ، وفي اللحظة التالية انفتح الباب ببطء ، ليدخل والدهما ، بمجرد أن رآه الاثنتان، تغيرت ملامحهما قليلًا .
فهو رغم كل شيء يظل الأب ، الملجأ الأول ، والشخص الذي تضعف أمامه أقسى القلوب أحيانًا ، اقترب بخطوات هادئة نحو الفراش، وعيناه تتحركان فوق ملامح ابنته المصابة بقلقٍ واضح لم يحاول حتى إخفاءه ، كان يتفحص وجهها والخدوش والكدمات بعين الأب الذي يتألم لرؤية ابنته تتألم .
ثم انحنى قليلًا وقبل رأسها بحنان، قبل أن يهتف بصوتٍ ممتلئ بالقلق :
ـ ها عامله ايه دلوقتي يا حبيبتي؟؟
أغمضت عينيها فورًا بضيق ، وكأن السؤال وحده ذكرها بكمية الألم التي تشعر بها ، ثم هتفت بنبرةٍ متعبة خرجت واهنة أكثر مما أرادت :
ـ تعبانه اوي يا بابا .
وبدا واضحًا من صوتها أنها لم تكن تتحدث فقط عن التعب الجسدي ، بل عن الإرهاق كله، عن الوجع ، والغضب، والقهر .
ثم فتحت عينيها فجأة وهي تنظر إليه بانزعاج واضح، قبل أن تكمل بعصبية :
ـ ومتضايقه أكتر من البهايم اللي في المستشفي، هما مش عارفين انا مين ولا ايه، انا مرات العمدة .
رفعت ذقنها قليلًا وهي تقولها، وكأنها ما زالت تتمسك بتلك المكانة التي اعتادت أن تمنحها شعورًا بالقوة والسيطرة .
أما «فيروز» فكادت تختنق في مكانها ، حمحمت بخفة وهي تنظر إلى الأرض ، وكانت على وشك أن تتحدث ، على وشك أن تخبرها أن «سالم» لم يعد عمدة البلد فعليًا بعد تدهور حالته الصحية ، وأن الجميع الآن يتعاملون مع الأمور بصورة مختلفة .
لكنها لم تنطق ، لأن والدها شعر بما يدور في رأسها قبل أن تتكلم ، التقت عيناه بعينيها للحظة قصيرة ، لحظة فهم فيها تمامًا ما كانت ستقوله ، ولحظة فهمت هي منها أنه لا يريد فتح هذا الموضوع الآن .
تنهد بهدوء، ثم التفت إليها وهتف بنبرةٍ هادئة تحمل رجاءً واضحًا :
ـ ممكن يا فيروز تسبيني مع اختك شويه اكلمها كلمتين .
نظرت إليه لثوانٍ قصيرة ، ثم إلى شقيقتها ، ثم عادت لتنظر إليه مرة أخرى ، كانت تدرك أنه يريد الحديث معها على انفراد ، ويريد أن يقول أشياء لا ينبغي أن تُقال أمامها ، لذلك اكتفت بهز رأسها بهدوء ، وضعت طبق الطعام جانبًا .
ثم وقفت من مكانها ببطء ، ألقت نظرة أخيرة على شقيقتها، نظرة مليئة بالقلق والحزن رغم كل شيء ، قبل أن تستدير وتتجه نحو الباب ، فتحت الباب بهدوء
خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة ومُنهكة حين شعرت أن والديها يريدان التحدث مع شقيقتها على انفراد، وكأن وجودها أصبح زائدًا في تلك اللحظة الثقيلة المليئة بالتوتر والخوف والاختناق .
أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم وقفت أمام الغرفة مباشرة وهي تعقد ساعديها أمام صـ ـدرها بتعب واضح، كأنها تحاول احتواء نفسها حتى لا تنهار فجأة .
أغمضت عينيها للحظات طويلة، بينما رأسها ينبض بألمٍ حاد يكاد يشق جمجمتها نصفين، وأنفاسها خرجت متقطعة ومرهقة بصورة مؤلمة .
فهي لم تنم ليلة أمس ولو لدقائق معدودة، ظلت مستيقظة طوال الليل تحدق بالسقف تارة، وبباب الغرفة تارة أخرى، تنتظر أي خبر، أي حركة، أي شيء يطمئن قلبها المرهق .
حتى الطعام لم يدخل معدتها منذ الأمس، وكأن حلقها أُغلق تمامًا عن استقبال أي شيء، فقط مرارة القلق كانت تملأ فمها، وذلك الدوار اللعين الذي يلازمها منذ الصباح جعل قدميها بالكاد تحملانها .
شعرت للحظة أن الأرض تميد أسفلها، فاستندت بظهرها على الحائط البارد خلفها وهي تزفر ببطء شديد، محاولة استجماع ما تبقى بداخلها من قوة .
تنهدت تنهيدة طويلة خرجت محملة بالإرهاق والضيق، ثم رفعت يدها تفرك وجهها بتعب واضح قبل أن تقرر أخيرًا أن تأكل شيئًا من كافتيريا المشفى، علَّ الطعام يخفف ذلك الفراغ المؤلم داخل معدتها، وأن تطلب قهوة قوية تجعلها تفيق قليلًا من ذلك التشوش الذي يسيطر على رأسها بالكامل .
وبعد ثواني تحركت من مكانها ببطء، تتجه نحو المصعد بخطوات متثاقلة وكأن كل خطوة تستنزف جزءًا جديدًا من طاقتها .
أضواء المشفى البيضاء الساطعة زادت شعورها بالإرهاق، وصوت الأجهزة الطبية البعيد مع خطوات الممرضات المتعجلة جعل المكان يبدو أكثر برودة ووحشة .
وصلت إلى الأسفل أخيرًا، ثم اتجهت نحو الكافتيريا وهي تحاول تجاهل ذلك الصداع الذي يضغط على رأسها بقسوة .
وقفت أمام العامل لبضع ثوانٍ صامتة، وكأن عقلها نسي حتى كيف يطلب الطعام، قبل أن تتمتم بصوت منخفض ومتعب وهي تطلب كرواسون وقهوة .
وبعد دقائق أعطاها طلبها، فأخذته بهدوء وهي تتمسك بالكوب الدافئ بين يديها كأن حرارته البسيطة تمنحها بعض الطمأنينة المفقودة .
ثم تحركت بخطوات هادئة نحو زاوية بعيدة نسبيًا عن أعين الناس وضجيج المكان، وكأنها لم تعد تملك القدرة على تحمل نظرات أحد أو سماع صوت إضافي واحد .
جلست على الكرسي ببطء شديد، ثم أسندت ظهرها عليه وهي تغلق عينيها للحظة مرهقة، بينما أصابعها التفّت حول كوب القهوة بتعب واضح، وكأنها تتشبث بأي شيء يمنعها من السقوط والانهيار في تلك اللحظة .
وبعد ثوانٍ قليلة، بينما كانت جالسة في مكانها تحاول إجبار نفسها على احتساء رشفةٍ من القهوة علّها تستعيد شيئًا من وعيها المُنهك، اخترق سكون المكان صوتُ شجارٍ حاد ارتفع فجأة من الجهة المقابلة .
كان الصوت مفاجئًا وعنيفًا لدرجة جعلتها تفتح عينيها على اتساعهما وتلتفت نحوه لا إراديًا، لترى سيدة تقف في مواجهة رجل، ملامح الغضب متجمدة فوق وجهها وهي تصرخ بانفعال شديد، بينما يرد عليها الرجل بصوتٍ أكثر حدة، وعيناه تقدحان شررًا وكأنه على وشك فقدان السيطرة بالكامل .
في البداية ظنت أنه مجرد نقاشٍ عابر وسينتهي بعد لحظات، لكنها سرعان ما أدركت أن الأمر يتفاقم بصورة مقلقة .
فقد ارتفعت الأصوات أكثر، وتشنجت الأجساد، وتحولت الكلمات إلى صرخات متبادلة جذبت أنظار الجميع داخل الكافتيريا، حتى ساد المكان توتر خانق جعل الهواء نفسه يبدو ثقيلًا ومختنقًا .
ثم تقدم رجلٌ آخر، يبدو أنه حاول التدخل لفض الاشتباك وإنهاء الأمر قبل أن يتطور أكثر، فرفع يده مهدئًا وهو يتحدث بنبرة حازمة طالبًا منهما التوقف .
لكن الرجل الذي كان يتشاجر مع السيدة بدا وكأنه فقد ما تبقى لديه من اتزان، فاستدار إليه بعنف وبدأ يتشاجر معه هو الآخر، لتتعالى الأصوات بصورة أكبر، ثم في لحظة خاطفة، تحولت المشادة إلى اشتباكٍ بالأيدي .
تداخلت الأجساد، وارتفعت أصوات الصراخ والفوضى، وتحرك الناس مذعورين محاولين الابتعاد أو التدخل، وكل ذلك كان يحدث على مقربةٍ شديدة منها، حتى إن المسافة التي تفصلها عنهم لم تكن سوى سنتيمترات قليلة .
اتسعت عيناها بفزعٍ حقيقي، وشحب وجهها أكثر مما هو عليه، بينما ارتعد جـ ـسدها بالكامل من شدة الصدمة .
ودون تفكير، تراجعت للخلف بعشوائية محاولة الابتعاد عن دائرة الفوضى، لكن قدمها اصطدمت بقدم سيدةٍ لم تنتبه لوجودها خلفها .
اختل توازنها في لحظة خاطفة .
شعرت بجسدها يميل للخلف، وقلبها هوى داخل صدرها بعنف، وكادت أن تسقط أرضًا لولا أن يدًا قوية وثابتة امتدت في اللحظة الأخيرة، تستند إلى كتفها بإحكام وتثبتها قبل أن تنهار .
ارتعد جسدها أكثر، وكادت تصرخ من شدة الفزع، لكن قبل أن يخرج صوتها، وصلها ذلك الصوت الذي تعرفه جيدًا، الصوت القادر وحده على تبديد كل خوفها مهما كان عظيمًا :
ـ متخافيش انا جنبك، انتِ كويسه .
تجمدت للحظة، ثم التفتت إليه بسرعة، وأنفاسها المضطربة تهدأ شيئًا فشيئًا وهي تحدق في ملامحه .
وما إن أدرك عقلها مصدر ذلك الصوت، حتى انفرجت شفتيها عن زفرةٍ طويلة مرتجفة، وشعرت براحةٍ دافئة تغمر قلبها دفعةً واحدة، كأن كل ذلك الذعر الذي التهمها قبل لحظات تلاشى فجأة .
إنه «نصار» .
حبيب قلبها، وفؤادها الذي لا يهدأ إلا بقربه .
شعرت وكأن العالم بكل ضوضائه وفوضاه اختفى تمامًا، ولم يبقَ أمامها سوى وجوده هو، ودفء يده المستقرة على كتفها، ذلك الدفء الذي أخبر قلبها المرتجف أنه وصل في الوقت المناسب تمامًا لينقذها، كعادته دائمًا .
التفتت إليه بسرعة، وما إن وقعت عيناها على ملامحه حتى ارتجف شيءٌ عميق داخل قلبها .
تلك الملامح التي تحفظها عن ظهر قلب، الملامح التي كانت دائمًا ملجأها الوحيد حين تضيق بها الدنيا، وطمأنينتها التي لا تخطئها مهما كانت وسط الزحام .
اختفت كل الأصوات حولها في تلك اللحظة، وكأن عقلها محا الفوضى والصراخ والناس دفعةً واحدة بمجرد رؤيته أمامها .
حتى خوفها الذي كان يلتهمها منذ ثوانٍ تراجع تدريجيًا، وحلّ مكانه شعورٌ دافئ بالأمان، شعور لم يمنحه لها أحد سواه يومًا .
ابتسمت له تلقائيًا، ابتسامة صغيرة مُنهكة لكنها خرجت صادقة من أعماق قلبها، وكأن مجرد وجوده أمامها أعاد الحياة لروحها المتعبة .
ظلت تنظر إليه لثوانٍ بعينين ممتلئتين بالارتياح واللهفة، قبل أن تتغلب مشاعرها عليها تمامًا .
وسريعًا، دون تفكير، ودون أن تتذكر حتى ما حدث بينهما سابقًا، اندفعت نحوه تعـ ـانقه فورًا بكل ما تحمله داخلها من خوفٍ وتعب واشتياق .
دفنت وجهها في صـ ـدره بقوة، وكأنها تحاول الاحتماء به من العالم بأكمله، بينما ذراعاها التفّتا حوله بتلقائية شديدة ولهفة واضحة، كأن قلبها سبق عقلها إليه دون إذن .
أغمضت عينيها وهي تتشبث به أكثر، وأنفاسها المرتجفة بدأت تهدأ تدريجيًا، فقط لأنها بين ذراعيه الآن .
شعرت للحظة أن كل شيءٍ سيكون بخير طالما هو هنا، بجانبها .
لكن شيئًا ما كان خاطئًا ، ببطء شديد بدأت تدرك أن ذراعيه لم تلتفّا حولها كما اعتادت ، لم تشعر بيده تربت فوق ظهرها بحنان، ولا بذلك الاحتواء الدافئ الذي كان يذيب خوفها دائمًا ، ظل واقفًا مكانه جامدًا تمامًا .
لا يبادلها العناق.
لا يتحرك.
لا يفعل أي شيء على الإطلاق .
كان جسده صلبًا بصورة مؤلمة، وكأنه تحوّل إلى تمثالٍ خالٍ من أي مشاعر، بينما عيناه تنظران أمامه بثبات غريب لا يحمل ذلك الدفء الذي كانت تبحث عنه .
أما هي، فظلت متشبثة به لثوانٍ إضافية، غير مدركة في البداية ذلك الجمود القاسي، قبل أن تبدأ الراحة التي شعرت بها منذ لحظات بالتلاشي تدريجيًا، ويحل محلها شعورٌ ثقيل ومؤلم بالارتباك .
ارتجفت أنفاسها بخفة، بينما ضعف تشبثها به شيئًا فشيئًا، وكأن قلبها بدأ يستوعب بصعوبة أنه، لم يعانقها .
لم يفعل .
خرجت من احـ ـضانه ببطء شديد، وكأنها تنزع نفسها من مكانٍ كانت تظنه الأمان الوحيد لها .
رفعت عينيها إليه مباشرة، تنظر في ملامحه بلهفةٍ صامتة، تبحث عن تلك النظرة التي كانت تعرفها جيدًا تلك النظرة التي كان يخصها بها وحدها دون العالم كله .
بحثت داخل عينيه عن ذلك اللمعان الدافئ الذي كان يظهر فور رؤيتها، عن الحنان الذي كان يسبق كلماته دائمًا، عن الحب الذي لم يكن يحتاج حتى للاعتراف كي تشعر به .
لكنها لم تجد شيئًا .
لا ذلك اللمعان .
لا تلك النظرة المليئة بالشوق واللهفة .
لا ذلك الاحتواء الصامت الذي كان يطمئن قلبها مهما حدث بينهما .
كان يقف أمامها بملامح هادئة أكثر مما ينبغي، هادئة بصورةٍ جعلت قلبها ينقبض بألمٍ حاد .
وفي تلك اللحظة بالتحديد
تذكرت كل شيء .
كل ما حدث بينهما .
كل الكلمات القاسية .
كل المسافات التي وُضعت فجأة بين قلبين كانا يومًا أقرب من أي شيء .
وكأن عقلها قرر أخيرًا أن يصفع قلبها بالحقيقة التي حاولت الهروب منها للحظات بمجرد رؤيته .
ابتعدت عنه خطوة صغيرة، ثم أخرى، حتى أصبحت هناك مسافة واضحة بينهما، بينما نظراتها المرتبكة لا تزال معلقة بعينيه .
كادت تتحدث
تحركت شفتيها فعلًا وكأن الكلمات على وشك الخروج، لكنها صمتت فجأة .
ماذا يمكن أن تقول أصلًا؟
أي كلامٍ قد يُقال في لحظةٍ كهذه؟
وأي عتابٍ قد يُجدي بعدما أصبح الصمت بينهما أثقل من الكلام نفسه؟
شعرت فجأة بألمٍ حاد يضرب رأسها بعنف، وكأن كل الإرهاق الذي قاومته منذ الصباح قرر الانقضاض عليها دفعةً واحدة .
وضعت يـ ـدها فوق رأسها بتعب واضح، وأغمضت عينيها للحظة وهي تشعر بذلك الدوار يزداد بقسوة حتى كادت تفقد توازنها مجددًا .
أما هو
فما إن لاحظ شحوب وجهها وترنحها الخفيف حتى تبدلت ملامحه فورًا دون إرادة منه .
اقترب منها بسرعة وهو يتأمل وجهها بقلقٍ واضح، ذلك القلق الذي حاول عبثًا أن يخفيه لكنه خانته عيناه وصوته معًا حين هتف :
ـ مالك؟؟؟
رفعت عينيها إليه بصعوبة، بينما تحاول بكل ما تبقى لديها من قوة أن تبدو بخير أمامه، ألا تظهر له كم هي منهكة وضعيفة الآن .
تنهدت بخفوت وهي تحاول التركيز وسط التشوش الذي يضرب رأسها :
ـ كويسه بس دايخه شويه .
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم تحركت عيناه سريعًا نحو الكافتيريا المزدحمة حولهما، إلى الضوضاء والفوضى والناس المتجمهرين بسبب الشجار، وكأن المكان بأكمله لم يعد مناسبًا لحالتها المتعبة .
عاد ينظر إليها مجددًا قبل أن يهتف باهتمامٍ حقيقي ظهر واضحًا في نبرته :
ـ انتِ اخر مره كلتي فيها امتي .
حاولت التفكير وسط ذلك الدوار الذي يزداد أكثر فأكثر، ثم أجابت بصوتٍ منخفض ومشتت :
ـ اول امبارح .
اتسعت عيناه قليلًا بصدمةٍ لم يستطع إخفاءها، ثم زفر بقوة وهو يمسك وجهه بضيق واضح من قلة أكلها وهي أصلًا في هذه الحالة السيئة .
بدت عليه العصبية والقلق معًا، وكأنه يحاول منع نفسه بصعوبة من توبيخها الآن .
وسريعًا أشار إلى إحدى الممرضات التي لمحته من بعيد، فتوجهت نحوه فورًا بخطوات سريعة .
اقتربت منه تنتظر ما سيقوله، بينما هو هتف بجدية واضحة ونبرة حاسمة :
ـ الانسه تعبانه شوية، ممكن تكشفي عليها تطمنينا عليها .
هزت الممرضة رأسها سريعًا بابتسامة عملية هادئة وهي تجيب :
ـ حاضر .
ثم اقتربت منها تسندها جيدًا بعدما لاحظت عدم اتزانها، بينما هي سمحت لها بذلك بصمتٍ مرهق، وكأنها لم تعد تملك الطاقة للاعتراض حتى .
سارت الممرضة معها ببطء نحو أقرب غرفة فارغة، تساعدها على الدخول والجلوس، بينما بقي هو بالخارج .
واقفًا أمام الباب .
بعينين ممتلئتين بذلك القلق الذي حاول طوال الوقت إنكاره، لكنه لم يستطع إخفاءه عنها أبدًا .
وبعد قليل مرّت الدقائق عليه ببطءٍ خانق، وكأن عقارب الساعة تعمدت أن تثقل فوق صدره أكثر وأكثر .
كان واقفًا أمام الغرفة منذ أن دخلت، لم يجلس ولو للحظة، فقط يتحرك أحيانًا خطوتين ثم يعود لمكانه مجددًا، بينما عيناه لا تفارقان باب الغرفة المغلق وكأنه ينتظر خروجه في أي ثانية .
رغم هدوء ملامحه الظاهري، إلا أن التوتر كان واضحًا في قبضته المشدودة، وفي فكه المطبق بقوة، وحتى في أنفاسه التي تخرج أثقل مما ينبغي .
كل شيء بدا مزعجًا له في تلك اللحظة
بطء الوقت .
صوت الأجهزة البعيد .
مرور الممرضات .
حتى فكرة أنها بالداخل وحدها وهو عاجز عن فعل شيء كانت تستفزه بصورة لا يفهمها .
وبعد وقتٍ قصير أخيرًا، انفتح باب الغرفة وخرج الطبيب برفقة الممرضة، مما جعل «نصار» يرفع رأسه فورًا ويتجه نحوهما بخطوات سريعة دون أن يشعر .
اقترب منه الطبيب وهو يخلع قفازيه الطبية بهدوء، ثم هتف بنبرة مطمئنة بعدما لاحظ القلق الواضح داخل عينيه :
ـ هي كويسه الحمد لله، هي بس عشان مكلتش ومينفعش تأكل في وضعها ده انا كتبتلها علي شويه فيتامينات ولازم لازم يا استاذ انها تتابع مع دكتور متخصص في الحمل .
للحظةٍ قصيرة جدًا
ساد الصمت .
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في الخبر نفسه، بل في رد فعل «نصار» .
فهو لم يتجمد بصدمة .
لم تتسع عيناه بدهشة .
لم يسأل حتى كيف أو متى .
بل ظل واقفًا بنفس الهدوء الغريب، وكأن الأمر لم يفاجئه من الأساس، وكأن تلك الحقيقة كانت تدور بعقله منذ وقتٍ طويل .
هز رأسه بهدوء شديد، رغم أن شيئًا ثقيلًا كان يتحرك بعنف داخل صدره، ثم هتف بصوت منخفض ثابت :
ـ حاضر.
أعطاه الطبيب نظرة أخيرة قبل أن يغادر مع الممرضة، بينما بقي «نصار» واقفًا مكانه لثوانٍ طويلة، ملامحه جامدة بصورة يصعب فهمها .
لا أحد كان يستطيع تحديد ما الذي يدور داخله الآن .
هل هو غاضب؟
مصدوم؟
خائف؟
أم أن قلبه فقط يحاول استيعاب حجم كل شيء يحدث دفعةً واحدة؟
مرر يده فوق وجهه ببطء شديد، وكأنه يحاول استعادة اتزانه، ثم استدار دون انتباه، ليتوقف فجأة حين وقعت عيناه على مجموعة تقف غير بعيدة عنه .
«صفية» .
والدته .
«فارس» .
و«سميحة» .
كان واضحًا من نظراتهم أنهم سمعوا كل شيء .
تجمدت الأجواء للحظة بصورة مشحونة ومتوترة، قبل أن تتحرك «سميحة» نحوه سريعًا، وعيناها متسعتان بصدمة واضحة، ثم هتفت بشهقةٍ خرجت منها دون وعي :
ـ هي فيروز حامل؟؟؟ .
كانت نبرتها ممتلئة بالذهول، وكأن عقلها لا يستوعب الخبر حتى الآن، بينما هو اكتفى بالنظر إليها بصمت ثقيل .
لكنها لم تتوقف .
سرعان ما تبدلت صدمتها إلى غضبٍ حقيقي، وارتفع صوتها وهي تنظر إليه بعتابٍ وانفعال شديد :
ـ وطلقتها بتلاته يا نصار ليه يا اخويا ليه تعمل كده .
كانت كلماتها حادة ومؤلمة، تضربه مباشرة في أكثر نقطة يحاول الهروب منها منذ أيام .
أما هو
فأغمض عينيه لثانية قصيرة وكأنه يحاول التحكم في أعصابه التي بدأت تنفلت تدريجيًا، قبل أن يرد أخيرًا بنفاذ صبر واضح ونبرة متعبة تحمل فوقها ضغطًا أكبر من احتماله :
ـ انا عرفت انها حامل من يومين يعني مكنتش اعرف اصلا انا عرفت من بعد ما طلقتها .
ساد الصمت فور انتهاء كلماته .
صمت ثقيل بصورة مؤلمة .
حتى «سميحة» نفسها تراجعت حدتها قليلًا وهي تنظر إليه، وكأنها أدركت فجأة حجم الفوضى التي يعيشها هو الآخر .
أما «نصار»
فكان واقفًا هناك بجسدٍ ثابت، لكن بداخله حرب كاملة لا تهدأ .
فكرة أنها تحمل طفله الآن
بعد كل ما حدث بينهما .
بعد الطلاق .
بعد الألم .
بعد كل تلك المسافات التي حاول فرضها بينهما .
كانت حقيقة أثقل من أن يستوعبها بسهولة، مهما بدا هادئًا أمام الجميع .
اقتربت منه «حنان» بخطوات بطيئة، وعيناها ممتلئتان بالصدمة والخوف عليه في آنٍ واحد .
كانت تنظر إلى وجهه الشاحب بصمتٍ موجوع، وكأنها ترى ابنها يغرق أمامها وهي عاجزة عن إنقاذه أو حتى مواساته بالطريقة الصحيحة .
توقفت أمامه مباشرة، ثم هتفت بصوتٍ مرتجف يحمل قلق أمٍ ترى حياة ابنها تنهار أمام عينيها :
ـ طيب وناوي تعمل اي يا نصار .
رفع عينيه إليها ببطء شديد، وكأن السؤال أثقل من أن يجيب عنه ، فهو نفسه لا يملك أي إجابة ، كل شيء حدث بسرعة مرعبة ، طلاق ، وجع، خصام، ثم حمل .
وكأن الحياة ألقت فوق رأسه ألف معركة دفعةً واحدة دون أن تمنحه فرصة ليستوعب أي شيء .
تنهد بعمق، ثم أغمض عينيه بألم واضح، ذلك الألم الذي حاول إخفاءه طويلًا لكنه بدأ يفضحه شيئًا فشيئًا، قبل أن يهتف بصوتٍ متعب خرج منخفضًا بصورة موجعة :
ـ معرفش يا امي، معرفش حاجه .
كانت جملته بسيطة
لكنها خرجت محملة بضياعٍ كامل لرجل فقد القدرة حتى على التفكير .
اقتربت «صفية» منه أكثر، ثم ربّتت على كتفه بوهنٍ وحزن، وكأنها تحاول فقط أن تمنحه بعض القوة حتى لو بالقليل .
أما «فارس» فكان أكثرهم هدوءًا، لذلك تنهد بهدوء ثم هتف محاولًا تهدئة الأجواء المشحونة :
ـ يا جماعة سيبوه يهدأ الأول ويفكر بهدوء .
لكن «حنان» لم تستطع الصمت أكثر من ذلك، فعتابها كان أكبر من قدرتها على التحمل .
رفعت عينيها إليه مجددًا وهي تهتف بحزنٍ ومرارة واضحة :
ـ امال انت طلقتها ليه بس يا بني .
ضربه السؤال بقوة ، ليس لأنه لا يعرف إجابته
بل لأنه يعرفها جيدًا، ويعرف أيضًا أن أي سببٍ الآن لن يبدو كافيًا أمام كل ما حدث .
لكنه لم يرد ، ظل واقفًا على حالته، صامتًا بصورة مرهقة، وعيناه شاردتان وكأن عقله في مكانٍ آخر تمامًا .
أما «سميحة» فشعرت أن الجميع يضغط عليه أكثر من احتماله، لذلك تدخلت سريعًا وهي تحاول إنهاء ذلك التوتر :
ـ طيب يا جماعه ندخل نطمن عليها .
هز الجميع رؤوسهم بالموافقة، وبدأوا يتحركون نحو الغرفة، أما هو، فظل ثابتًا مكانه .
لم يتحرك خطوة واحدة ، وكأن قدميه فقدتا القدرة على السير نحوها ، أو ربما قلبه هو من خاف مواجهتها بعد كل شيء ، لاحظت «صفية» ذلك فورًا، فالتفتت إليه بهدوء وهي تدرك جيدًا خطورة الموقف وما يدور داخله الآن .
اقتربت منه مرة أخرى ثم هتفت بصوتٍ حنون :
ـ طيب يا حبيبي ادخل معانا اطمن عليها .
هز رأسه بلا، رافضًا بصمتٍ متعب، وكأنه لا يملك الشجاعة الكافية لرؤيتها الآن .
لكن «صفية» لم تستسلم، بل نظرت إليه بمكرٍ خفيف تعرف جيدًا أنه سيهزمه في النهاية، ثم هتفت بمراوغةٍ هادئة :
ـ طيب اطمن علي ابنك متتطمنش عليها هي حتي .
تجمد للحظة .
"ابنك" .
الكلمة وحدها اخترقت كل دفاعاته دفعةً واحدة .
تنهد بعمق وهو يغمض عينيه بألم، وكأن قلبه أصبح أثقل من أن يحمله داخل صدره، قبل أن تمسك «صفية» يـ ـده أخيرًا وتدفعه برفق نحو داخل الغرفة .
دخل بخطوات بطيئة ومترددة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف مكانه بالكامل .
كانت جالسة فوق الفراش الأبيض، تبدو مرهقة وضعيفة بصورة كسرت شيئًا داخله رغمًا عنه .
لكن الصدمة الحقيقية كانت في عينيها .
عيناها الواسعتان كانتا ممتلئتين بذهولٍ وفرحةٍ وبكاءٍ في الوقت نفسه، وكأنها لا تزال عاجزة عن استيعاب ما سمعته منذ دقائق .
وما إن رأته أمامها، حتى انهارت دموعها فورًا .
نظرت إليه بصدمةٍ وفرحة لا تصدق، ثم هتفت بصوتٍ مرتجف وهي تبكي :
ـ انا لسه حامل يا نصار، انا لسه حامل .
كان صوتها مليئًا بالمشاعر بصورة مؤلمة .
وكأنها تخبره بشيء تمسكت بالأمل فيه رغم خوفها طوال الأيام الماضية .
ثم أكملت بشهقةٍ قوية وهي تبكي أكثر :
ـ انا والله كنت حاسه، كنت حاسه اني لسه حامل .
كانت كلماتها تخرج متقطعة من بين دموعها وأنفاسها المرتجفة، بينما يدها تحركت تلقائيًا نحو بطنها وكأنها تحاول التأكد بنفسها أن صغيرها ما زال بخير .
ثم فجأة، وكأن الفرح غلب كل شيءٍ داخلها، أمسكت يـ ـدها وقبلتها عدة مرات بلهفة وهي تبكي وتضحك بنفس الوقت :
ـ الحمد لله يارب الحمد لله .
وكانت تنظر للأعلى بدموع ممتنة، وكأن قلبها بالكامل يسجد شكرًا لله في تلك اللحظة ، أما «نصار» فظل واقفًا مكانه يراقبها بصمت .
صمتٍ ثقيل، لكنه مليء بمشاعر أعنف من أن تُقال بالكلمات، أفاق الجميع فجأة على صوت زغروطةٍ عالية اخترقت أجواء الغرفة بصورة مفاجئة، حتى إن الجميع انتفضوا تلقائيًا من شدّة الصوت .
كان صوت «لوزة» يملأ المكان وهي تزغرد بحماسٍ مبالغ فيه، وكأنها تحتفل بأعظم خبرٍ سمعته في حياتها، بينما ملامحها كانت ممتلئة بسعادةٍ واسعة يصعب تجاهلها .
اندفعت إلى داخل الغرفة بخطوات سريعة، وعيناها تلمعان بطريقة غريبة، ثم هتفت بصوتٍ مرتفع مليء بالفرحة التي اختلط بداخلها شيءٌ خفي لا يُطمئن أبدًا :
ـ مبروك يا فيروز مبروك يا حبيبه قلبي .
التفتت إليها كل الأنظار فورًا، بعضهم بدهشة من دخولها المفاجئ، والبعض الآخر باستغرابٍ من تلك الحماسة المبالغ بها .
أما «فيروز» نفسها، فرفعت عينيها إليها ببطء وهي لا تزال تحت تأثير صدمتها وفرحتها بالحمل، غير قادرة حتى على استيعاب ما يحدث حولها بالكامل .
لكن «لوزة» لم تمنح أحدًا فرصة للتفكير ، فقد اقتربت منها بسرعة، ثم انحنت عليها تعـ ـانقها بقوة، بينما ابتسامتها الواسعة تكبر أكثر وأكثر بصورة جعلت شيئًا غير مريح يتسلل إلى قلوب الموجودين .
ثم خرجت كلماتها التالية بنبرةٍ بدت سعيدة في ظاهرها لكنها حملت خبثًا حادًا جعل الهواء نفسه يتجمد داخل الغرفة :
ـ اخيراً هتجيبي حفيدي، كلها ايام ويبقي شبه ايهاب بالظبط .
وفي اللحظة التي انتهت فيها الجملة
ساد صمتٌ مرعب ، وكأن الزمن توقف داخل الغرفة بالكامل ، اتسعت أعين الجميع بصدمةٍ عنيفة، وتحولت ملامحهم في ثانية واحدة إلى ذهولٍ كامل، حتى إن بعضهم شهق لا إراديًا من هول ما سمعه .
«حنان» رفعت يدها فوق فمها بصدمة، بينما تجمد «فارس» مكانه غير مستوعب ما قيل للتو ، أما «سميحة» فبدت وكأن عقلها توقف عن العمل للحظة، وعيناها تنقلت بين «لوزة» و«فيروز» بعدم تصديق .
حتى «صفية» نفسها انعقد حاجباها بقوة وهي تنظر إلى «لوزة» بذهولٍ وحذر، وكأنها تحاول فهم إن كانت تلك الكلمات خرجت فعلًا أم أنها توهمت سماعها .
أما «فيروز» فتلاشت ابتسامتها تدريجيًا ، شحب وجهها بصورة مخيفة، بينما اتسعت عيناها بصدمةٍ حقيقية وهي تنظر إلى «لوزة» وكأنها تلقت صفعةً قوية أمام الجميع ، شعرت بقلبها يهبط داخل صدرها بعنف، وأنفاسها اختنقت للحظة من بشاعة ما لمحّت إليه بكلماتها .
لكن وسط كل تلك الصدمة، كان هناك شخصٌ واحد فقط لم يتفاجأ ،اما «نصار» ظل واقفًا مكانه بنفس الجمود القاسي، وكأن الكلمات لم تهزه مطلقًا ، لا شهقة خرجت منه ، لا صدمة ظهرت على وجهه ، ولا حتى نظرة استغراب .
فقط عينان ثابتتان تنظران نحو «لوزة» بصمتٍ ثقيل وبارد بصورة أرعبت الجميع أكثر من أي رد فعل آخر .
وكان ذلك الهدوء بالذات، هو أكثر ما جعل التوتر داخل الغرفة يتحول إلى شيءٍ مخيف للغاية ، ابتسم ، لكنها لم تكن ابتسامة عادية أبدًا ، كانت ابتسامة هادئة بصورة مرعبة، ابتسامة قاتلة، وكأن شيئًا حيًا بداخله قد مات للتو دون رجعة .
ارتفعت زاوية شفتيه ببطء شديد، بينما عيناه ظلتا جامدتين تمامًا بلا أي حياة، وذلك التناقض المخيف بين ابتسامته وبرودة نظراته جعل القشعريرة تزحف داخل أجساد الموجودين دون إرادتهم .
وفي تلك اللحظة تحديدًا، عقله عاد به إلى تلك الليلة ، تلك الليلة التي حاول تجاهلها كثيرًا ، الليلة التي دخل فيها غرفته ليجد المال موضوعًا بطريقة غريبة، وذلك الشيء الذي ظل يطارده في عقله منذ وقتها
الفلانة الرجالية .
تذكر كيف تجمد وقتها وهو ينظر إليها .
كيف حاول إقناع نفسه أن هناك تفسيرًا آخر .
كيف حارب الشك بداخله لأنه لم يكن يريد تصديق أي شيء يؤذي قلبه بها .
لكنه الآن، الآن فقط شعر وكأن كل القطع المبعثرة تجمعت أمامه دفعةً واحدة ، وكأن الحقيقة وقفت أخيرًا أمامه عارية وقاسية بصورة لا تحتمل ، ارتفع ذلك الألم داخل صدره بعنف، ألم حارق كأن أحدهم انتزع قلبه بيديه وسحقه أمام عينيه، لكنه رغم ذلك ظل ثابتًا بصورة مرعبة .
ثم خرج صوته هادئًا على عكس العاصفة التي تشتعل داخله، هدوء مخيف جعل الجميع ينظرون إليه بقلق :
ـ مبروك يا فيروز، مبروك يا ام ايهاب ربنا يارب يتربي في عز ابوه وعزك .
وفي اللحظة التي خرجت فيها كلماته، شهقت «فيروز» بصدمةٍ حقيقية، وكأن الكلمات طُعنت مباشرة داخل قلبها .
اتسعت عيناها بعنف وهي تنظر إليه بعدم تصديق، بينما شحب وجهها بصورة مخيفة أكثر مما كان عليه ، أما «لوزة» فبدت للحظة وكأنها انتصرت، وكأن تلك الجملة تحديدًا كانت ما تنتظره منذ البداية ، لكن بقية العائلة، كانوا في حالة ذهولٍ كامل .
«حنان» شعرت بقلبها يهبط داخل صدرها وهي تنظر لابنها بخوف، مدركة أن شيئًا خطيرًا جدًا يحدث الآن ، أما «صفية» فعقدت حاجبيها بحدة وهي تنظر بين «لوزة» و«فيروز» و«نصار» بسرعة، وكأن عقلها يحاول استيعاب الكارثة التي انفجرت أمامهم خلال دقائق .
بينما التفتت أنظار الجميع نحو عائلته وهو يهتف بعدها مباشرة بهدوءٍ مخيف :
ـ يلا يا جماعة .
كان صوته حاسمًا بصورة لا تقبل النقاش ، وكأنه اتخذ قرارًا داخليًا نهائيًا وانتهى الأمر بالنسبة له، لكن «سميحة» لم تستطع الصمت أبدًا .
اقتربت خطوة وهي تنظر إليه بصدمةٍ وارتباك شديدين، ثم هتفت بصوتٍ مرتجف :
ـ طيب ازاي يا نصار ازاي .
سؤالها خرج محملًا بألف معنى ، كيف صدق هذا؟، كيف نطق بتلك الكلمات؟، كيف تخلى عنها بهذه السرعة؟
لكن هو لم يمنحها حتى فرصة لإكمال شيء آخر ، التفت إليها ببطء، ثم هتف بصوتٍ هادئ للغاية، إلا أن الصرامة القاسية المختبئة داخله جعلت الجميع يصمت فورًا :
ـ ولا كلمه تانيه يلا على البيت .
ساد الصمت مباشرة بعد كلماته .
صمت ثقيل ومخيف، وكأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة بالكامل .
تحرك الجميع ببطء نحو الخارج، وكل واحد منهم يحمل داخله صدمة مختلفة، بينما بقيت «فيروز» جالسة فوق الفراش كأن روحها انسحبت منها فجأة ، كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالانكسار وعدم التصديق، وكأنها تنتظر منه أن يلتفت ويخبرها أن ما يحدث مجرد سوء فهم، مجرد كابوس ، لكنه لم يفعل .
خرج الجميع تباعًا، ماعدا «سميحة» التي توقفت للحظة وهي تنظر إلى «لوزة» و«فيروز» باحتقارٍ واضح وغيظٍ لم تستطع إخفاءه، قبل أن تستدير أخيرًا لتغادر معهم ، لكنها توقفت مجددًا عندما وجدت «نصار» يلتفت ببطء، ويوجه أنظاره نحو «لوزة» تحديدًا .
كانت نظراته باردة بصورة مرعبة ، باردة لدرجة جعلت حتى «لوزة» تشعر بانقباضٍ خفيف داخل قلبها رغم ثقتها الظاهرة ، ثم هتف بصوتٍ ثابت لا يحمل أي مشاعر :
ـ انا هبلغ عمي انه احنا نروح الماذون، عشان ننهي كل حاجه وانتِ حاولي تساعدي فيروز والعربيه هتستناكم تحت .
كلماته سقطت فوق رأس «فيروز» كالحكم النهائي .
"ننهي كل حاجة" .
وكأن كل ما كان بينهما يومًا، حب ، عِشرة ، أحلام ، وقلبٌ كان ينبض لها وحدها ، أصبح الآن مجرد شيء يريد إنهاءه بأسرع طريقة ممكنة .
وفي تلك اللحظة شعرت «فيروز» أن قلبها لم ينكسر فقط ، بل تحطم بالكامل أمامها دون رحمة ، وحين غادر نظرت الي «لوزة» وهتفت بنبرة حده :
ـ ايه اللي انتي قولتيه لنصار ده؟؟ .
نظرت «لوزة» الي ملامح «فيروز» التي مليئة بالحده، عوجت شفتيها وهتفت بنبرة عصبيه :
ـ ايه اللي انتِ كنتي هتعمليه ده؟؟
كادت أن تصرخ «فيروز» بها وهتفت «لوزة» بنبرة حده وهي ترفع سبابتها امام وجهها :
ـ قبل ما تتكلمي تعالي شوفي حبيب القلب بيعمل ايه .
ختم جملتها وجعلتها أن تقف رغم عنها وقربتها من الشباك، مما شعرت بالصدمة تستولي علي جـ ـسدها وهي تري حبيب عمرها وحبيب فؤادها يعانـ ـق فتاة أخري بشغف وحُب ، حين رأت «لوزة» دمعه عينيها وارتعاش يـ ـديها وقدميها مما هتفت بنبرة خبيثة :
ـ جيسيكا البنت الاجنبيه اللي سابك عشانها .
ظلت تنظر واخذت تبكي وهو مازال يعانـ ـق تلك الفتاة التي تطبطب علي ظهره بحنان، مما اكملت «لوزة» بغل وخبث :
ـ انا قولت الكلمتين دول عشان اشوف رده فعله لسه باقي عليكي يا بنت الناس ولا بايعك عشان السنيورة، بس اديكي شوفتي باعك في الأخر، وهو معلش يعني يا فيروز، نصار كان يصدق حاجه زي دي بس غصب عنه صدق لان عايز يطلق منك وكمان قال لاهل القرية كلها عن علاقتك بـ إيهاب عشان الناس متشوفهوش وحش وتشوفك انتي الوحشه .
تأملت ذلك العناق «لوزة» وهي تهتف بكلمات جعلت قلب «فيروز» يشتعل رغم عنها :
ـ وبصراحه البت حلوه وكمان احلي منك بس الجمال مش كل حاجه يا فيروز، وانا عايزاه يندم انه عمل حاجه زي كده لما يلاقيكي بضيعي منه ومش قادر يعمل حاجه، الأنسان ميعرفش قيمة الحاجه اللي معاه غير لما تروح، وانتي خلي عندك كرامة وعزيزي نفسك نصار عمره ما يستاهلك .
بكت وكادت أن تقع للمرة الثانية وهي تغمض عينيها وهي تهتف بألم :
ـ مش عايزة اشوف، مش عايزه اشوف وشه .
هتفت «لوزة» بقهر وثبات وهي تختار كلمات تتلاعب بها «فيروز» :
ـ لا شوفي وملي قلبك عشان يوم ما تحني تشوفي المشهد ده، يوم ما عقلك يفتكره، يفتكر اللحظه دي، يوم ما قلبك يحن كرهيه فيه، اللعبه اللي لاعبها هو انت كمليها، وخلي نصار سراج السعداوي يندم .
فتحت عينيها امام عين «لوزة» التي ابتسمت بهدوء من نجاح خطتها، ومن تأثيرها علي «فيروز»، بعد ثواني مسحت دموعها وهي تهتف بنبرة هادئة :
ـ هاتي الطرحه يا خالتي خلينا نفض السيرة دي بقي، وننزل لنصار عشان نخلص من الجوازه دي
و…..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية