رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 10 - الجمعة 5/6/2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل العاشر
تم النشر يوم الجمعة
5/6/2026
كان «نصار» ما يزال جالسًا في مكانه، جسده مشدود كوترٍ على وشك الانقطاع، وعيناه لا تفارقان ذلك الرجل الجالس أمامه.
نظراته حادة، ثابتة، كأنها سكاكين مغروسة في ملامح الآخر، بينما كان الرجل يبادله نظراتٍ مرتعشة، يشيح بعينيه تارةً ويعود فينظر بخوفٍ ظاهر تارةً أخرى، إلى أن انقطع ذلك التواصل البصري الثقيل بصوتٍ شقّ الهواء فجأة.
صرخةٌ عالية، ممزقة، خرجت من عمق المكان، صرخة لم تكن عادية، بل كانت محمّلة بالرعب والألم، جعلت قلوب الرجال تقفز في صدورهم دفعةً واحدة.
نهض الجميع في آنٍ واحد، ارتبكوا، وتلفتوا حولهم بقلقٍ واضح، لكن «نصار» لم ينتظر تفسيرًا، اندفع واقفًا، ثم ركض خارج المجلس كأن الصرخة نادته باسمه.
خرج وهو يلهث، وعيناه تبحثان عن مصدر الصوت، إلى أن لمح من بعيد مشهدًا جعل الدم يغلي في عروقه.
نساءٌ يلتففن حول سيدةٍ ساقطة، أيادٍ ترتفع وتهوي، ضربٌ عنيف، فوضوي، وغِلٌّ واضح في كل حركة.
لم يستطع رؤية وجهها، لكن شيئًا في داخله انقبض بقوة، إحساس غامض بالخطر والكارثة.
اندفع نحوهن وهو يصيح بحدة، صوته خرج غاضبًا، آمرًا، رجوليًا، فالتفتت النسوة مذعورات، وما إن وقعت أعينهن عليه حتى تجمدن لثوانٍ، ثم تفرّقن في كل اتجاه كأن الأرض ابتلعتهن، هارباتٍ من هيبته وغضبه، تاركاتٍ خلفهن جسدًا مرتجفًا على الأرض.
اقترب «نصار» بخطواتٍ سريعة، قلبه يخفق بعنف، حتى توقف فجأة، وكأن صاعقةً ضربته في مكانه.
تجمّد حين أدرك الحقيقة… إنها ابنة عمه، زوجة شقيقه.
«فايزة».
كانت تبكي من شدة الوجع، جسدها يرتعش، وملامحها شاحبة، آثار الضرب بادية على كل موضعٍ مكشوف منها.
لم يفكر، لم يتردد.
وجد حجابها الملقى جانبًا، وأعاد وضعه على رأسها بيدين مرتعشتين، محاولةً منه لسترها وحمايتها، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه، جسدها كان خفيفًا على غير العادة، كأن الألم قد سرق منها قوتها.
ركض بها نحو سيارته، خطواته سريعة، لاهثة، ونظراته لا تفارق وجهها الذي ازداد شحوبًا.
كان يرى الدم ينزف، وكل قطرةٍ منه كانت تطعن قلبه. فتح السيارة بعجلة، وضعها بحذر، ثم اندفع خلف المقود دون أن يلتفت.
ترك خلفه والده والرجال، ترك الأسئلة والدهشة والصدمة، ولم يكن في رأسه سوى فكرةٍ واحدة: أن يلحق بها قبل أن يخطفها الألم منه، قبل أن يفقدها بين يديه.
❈-❈-❈
كان يقود سيارته بسرعةٍ حذِرة، يضغط على المقود بقوةٍ كأنما يحاول أن يثبت قلبه قبل أن يثبت الطريق أمامه.
أنفاسه متلاحقة، وعيناه معلّقتان بالطريق، لكن صخبًا غير مألوف شق سكون القرية فجأة، فتراءى له من بعيد تجمعٌ هائل، رجالٌ يتكدسون، وأصواتٌ متداخلة، ولهيب القلق يسبق المشهد.
اقترب أكثر، فاضطر إلى إبطاء السرعة، حاول أن يصرخ فيهم أن يبتعدوا، وصوته خرج آمرًا حادًا، لا يحتمل نقاشًا.
وما إن أدركوا أنه عمدة البلد حتى انشق الجمع من تلقاء نفسه، تراجعوا خطوةً تلو الأخرى، وفتحوا له طريقًا صامتًا، تختلط فيه الرهبة بالدهشة.
وفي اللحظة التي انكشف فيها المشهد، رأى بعينيه سبب ذلك التجمع، نارٌ تلتهم المكان بلا رحمة، ألسنة اللهب تتراقص بجنون، ودخانٌ أسود كثيف يرتفع إلى السماء كأنه شاهدٌ على كارثةٍ لا تُخفى.
كان محل «باسم» يحترق، كل شيءٍ فيه ينهار أمام أعين الواقفين، خشبٌ يتفحم، وزجاجٌ يتكسر، وأحلامٌ تذوب مع الحرارة.
وقعت عينه على «إيهاب» الواقف هناك، ملامحه مشدودة، وعيناه معلقتان بالنيران، لكن «نصار» لم يتوقف، لم يبدُ عليه أي اهتمامٍ بما يحدث.
نظر إليه نظرةً باردة، نظرة تجاهلٍ تام، كأن المشهد كله لا يعنيه، وكأن النار لم تكن سوى تفصيلٍ عابر في طريقه.
وفي ثوانٍ معدودة، ضغط على دواسة الوقود، وغادر بسيارته، مبتعدًا عن المكان بلا التفات، تاركًا خلفه الرجال وهم يحاولون إخماد تلك النيران، يركضون هنا وهناك، بينما الدخان يبتلع السماء، والضجيج يعود ليمزق صمت القرية من جديد.
❈-❈-❈
كانت «فيروز» تجلس على الفراش في صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يشبه الهدوء بقدر ما يشبه الانكسار.
كانت شاردة تمامًا، تحدّق في نقطةٍ بعيدة أمامها دون أن تراها حقًا، وكأن عينيها تنظران إلى مكانٍ آخر لا يراه سواها.
الغرفة من حولها ساكنة، الضوء خافت، والهواء بارد قليلًا، لكن قلبها كان يشتعل ألمًا، ألمًا حقيقيًا يكاد يضغط على صدرها حتى تشعر أن أنفاسها تضيق.
وضعت يدها فوق صدرها دون وعي، كأنها تحاول تهدئة ذلك الخفقان المضطرب، لكن الوجع لم يهدأ.
كان قلبها يؤلمها كثيرًا، ليس ألمًا جسديًا فحسب، بل وجعًا عميقًا يمتد في داخلها كجرحٍ مفتوح.
فهذا اليومين تحديدًا تغير فيهم كل شئ.
كأن الحياة قررت أن تقلب صفحتها فجأة، دون إنذار، دون رحمة.
خسرت ابنها…
ذلك الألم وحده كان كافيًا ليكسر روحها، لكن المصائب لم تقف عند هذا الحد.
«نصار» طلقها أمام عائلته، أمام أعين الجميع، بكلماتٍ قليلة لكنها كانت كالسكاكين، كلمات مزّقت ما تبقى من قلبها.
واليوم… اليوم فقط عرفت أن «إيهاب» تقدم لخطبتها.
تداخلت الأفكار في رأسها حتى شعرت بالدوار، كل شيء يحدث بسرعةٍ أكبر من قدرتها على الفهم.
حبيبها تخلى عنها… بل خانها أيضًا. كانت هذه الحقيقة أقسى ما في الأمر.
رفعت عينيها قليلًا، وكأنها تبحث عن جوابٍ في سقف الغرفة، ثم تسلل السؤال إلى عقلها من جديد، ذلك السؤال الذي لا يتركها منذ حدث كل شيء:
لم فعل بها هكذا؟؟
ما الذي فعلته ليكون مصيرها بهذا القسوة؟
فهي لم تفعل شيئًا… لم تؤذِ أحدًا، لم تخنه، لم تكذب عليه.
فهى لم تفعل اي شئ سوى انها احبيته بالفعل، لم تفعل شئ اخر سوى ذلك .
كان حبها له صادقًا، بسيطًا، نابعًا من قلبها دون حسابات، دون خوف.
أعطته قلبها كما هو، بكل ضعفه وصدق مشاعره.
لكن المقابل كان شيئًا آخر تمامًا.
وهو ماذا فعل؟
خانها… ثم طلقها كأنها لم تكن شيئًا مهمًا في حياته، كأن الأيام التي جمعتهما لم تكن سوى لحظات عابرة لا تستحق التذكر.
وهو ماذا فعل خانها، وطلقها كأنه لم تكن في حياته، ولم تكن الا شئ عابراً في حياته .
عند هذه الفكرة تحديدًا، انزلقت دمعة بطيئة من عينها، سقطت بصمتٍ على وجنتها، ولم تمسحها.
بقيت كما هي، جالسة في مكانها، يحيط بها الصمت، بينما قلبها يهمس بحزنٍ لا يسمعه أحد.
تنهدت «فيروز» تنهدًا طويلًا خرج مسموعًا من صدرها، كأنه يحمل معه أثقال الأيام الماضية كلها.
كان النفس ثقيلاً، متقطعًا، وكأن صدرها يضيق بما يختبئ فيه من وجع.
أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها ببطء، وعيناها غارقتان في حزنٍ عميق لا يهدأ.
هتفت بألمٍ واضح، وكأنها أخيرًا لم تعد تحتمل الصمت أكثر، فبدأت تُحادث نفسها بصوتٍ منخفض لكنه مرتجف:
ـ لحد امتى ي بنت سيد لحد امتى هتفوقي بقي، نصار ميستهلكيش، ميستهلش حتي الضافر بتاعك، هو اتبسط لما طلقك وانتِ قاعدة بتعيطي عليه .
كانت كلماتها تخرج متقطعة، تتعثر بين شهقةٍ وأخرى، كأنها تحاول إقناع قلبها بما يعجز عقلها عن فرضه.
رفعت يدها تمسح دموعها بعصبية، لكنها كانت تعود فتنساب من جديد، كأن الحزن قد وجد طريقه أخيرًا ولا يريد الرحيل.
أخذت نفسًا سريعًا، صدرها يعلو ويهبط بقوة، ثم أكملت وهي تحاول أن تبدو أقوى مما هي عليه:
ـ ميستهلكيش ي فيروز، شيلي حبه من قلبك بقي .
قالتها وكأنها تصدر أمرًا لنفسها، لكن صوتها كان أضعف من أن يقنع قلبًا تعوّد أن يحب بإخلاص.
مسحت دموعها مرةً أخرى بظاهر يدها، تحاول أن تستعيد تماسكها، أن تقف على قدميها من جديد بعد هذا الانكسار الطويل.
لكن قبل أن تهدأ أفكارها أو تستقر أنفاسها، دوّى طرقٌ عنيف على الباب، طرقٌ متلاحق أربك سكون الغرفة.
ارتجف جسدها فجأة، وانقبض قلبها من الفزع، فنهضت بسرعة، ووضعت طرحة فوق رأسها بلهفةٍ واضحة، تخفي بها خصلات شعرها المبعثرة، ثم اتجهت نحو الباب وفتحته على عجل.
ما إن انفتح الباب حتى وجدت «أم ليال»، جارتها، تقف أمامها، وجهها شاحب وأنفاسها متلاحقة، وعيناها متسعتان من الهلع.
لم تنتظر حتى تُسأل، بل صرخت بفزعٍ يكاد يمزق صوتها:
ـ الحقي اختك ي فيروز، اختك في المستشفي، اتلموا عليها ستات كسروا عضمها .
تجمدت «فيروز» في مكانها، كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
اتسعت عيناها بصدمةٍ مرعبة، وشعرت بقلبها ينقبض بقوةٍ حتى كاد يؤلمها أكثر من قبل.
توقف تنفسها للحظة، ولم تخرج من شفتيها سوى كلمةٍ واحدة، مرتجفة ومختنقة بالذهول:
ـ اي؟؟ .
❈-❈-❈
كانت «سهر» جالسة في غرفتها، منحنية قليلًا فوق مكتبها الخشبي، وقد افترشت الكتب أمامها في ترتيبٍ منظم؛ كتاب النحو مفتوح على صفحةٍ مليئة بالخطوط والتعليقات، وبجواره كتاب البلاغة، وصفحاتٌ كثيرة تحمل ملاحظات كتبتها بيدها بعناية.
كانت الامتحانات على الأبواب، ولم يعد هناك متسعٌ للتكاسل أو الشرود، لذلك كانت تحاول أن تُغرق نفسها في المذاكرة بكل ما تملك من تركيز.
الغرفة من حولها هادئة تمامًا، هدوءٌ يساعد العقل على العمل.
الضوء الأصفر الدافئ ينبعث من المصباح فوق مكتبها، يلقي ظلالًا خفيفة على الجدران، بينما يقف إلى جوارها كوبٌ صغير من القهوة الساخنة، تتصاعد منه رائحة قوية تبعث في النفس شيئًا من النشاط، كأنها تحاول أن تمنحها يقظةً إضافية تقاوم بها الإرهاق.
كانت تقرأ سطرًا، ثم تعيد قراءته بصوتٍ خافت، تحاول أن تحفظ القاعدة وتفهمها في الوقت نفسه، حتى قطع ذلك التركيز صوت إشعارٍ قصير صادر من هاتفها الموضوع قرب الكتاب.
رمشت بعينيها قليلًا، لكنها تجاهلته عمدًا، وأعادت نظرها إلى الصفحة أمامها.
لكن الهاتف لم يهدأ.
بعد لحظات صدر إشعارٌ ثانٍ… ثم ثالث.
تأففت بضيقٍ خفيف، وحاولت أن تتجاهل الأمر مرة أخرى، إلا أن تكرار الصوت بدأ يسرق انتباهها ويقطع خيط أفكارها.
أخيرًا زفرت باستسلام، وأغلقت الكتاب قليلًا، ثم ابتعدت عن مكتبها بخطوتين واقتربت من الهاتف.
أمسكته بيدٍ واحدة، وفتحت الإشعارات تطبيق المسنجر، لتجد رسالة من شابٍ في أوائل الثلاثين من عمره، اسمه «عمار».
قرأت الرسالة سريعًا، وكانت تقول:
" ممكن نتعرف، انا بجد معجب بيكي اوي والله "
رفعت حاجبها بدهشةٍ ممزوجة باستغراب، ثم ضغطت على اسمه ودخلت إلى صفحته بدافع الفضول.
أخذت تتفحص حسابه قليلًا، حتى توقفت عيناها عند معلومةٍ واضحة: أنه خاطب.
ابتسمت ابتسامة ساخرة، تلك الابتسامة التي تظهر حين يكتشف المرء تناقضًا واضحًا.
بدأت تتصفح منشوراته أكثر، فوجدت صفحة خطيبته تظهر باستمرار، فقد كانت تشير إليه في أكثر من منشور، وصور كثيرة تجمعهما.
كان آخرها مقطع فيديو من أغنيةٍ رومانسية، كتبت أسفلها أنه سبب فرحتها.
هنا لم تتمالك نفسها، فانطلقت منها ضحكة قصيرة ساخرة، ثم هتفت بنبرةٍ مازحة وهي تهز رأسها:
ـ انتوا الرجالة عليكم حاجات غريبة والله .
بقيت تنظر إلى الهاتف لثوانٍ، حتى خطرت في رأسها فجأة فكرةٌ بدت لها ظريفة ومشاكسة في الوقت نفسه.
لم تتردد، عادت إلى المحادثة سريعًا، التقطت لقطة شاشة لرسالته، ثم دخلت إلى حساب خطيبته وأرسلت لها صورة الحديث كما هو.
لكنها لم تكتفِ بذلك.
فتحت صفحتها الخاصة، ونشرت لقطة الشاشة في منشورٍ علني، ثم كتبت فوقها بسخرية واضحة:
" يا سبب فرحتها بتعمل اي عندي علي الاكونت "
ثم قامت بعمل إشارة له في المنشور ونشرته بلا تردد.
ما إن انتهت حتى أطلقت ضحكة خفيفة مليئة بالمكر، ثم هتفت بمزاحٍ وهي تنظر إلى الهاتف:
ـ البس ي رشدي عشان تفكر تاني تلعب ببنات الناس، رجالة اخر زمن .
بعدها أبعدت الهاتف عنها، وأغلقت الإنترنت دون أن تهتم بما سيحدث بعد ذلك، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة أقرب إلى ابتسامةٍ شيطانية راضية عمّا فعلته.
عادت إلى مكتبها من جديد، جلست في مكانها، فتحت كتابها مرة أخرى، وكأن شيئًا لم يحدث، ثم أعادت عينيها إلى سطور النحو لتكمل مذاكرتها بهدوء.
❈-❈-❈
كان «نصار» يجلس أمام الغرفة التي ترقد بها «فايزة»، على مقعدٍ معدني بارد في ممر المستشفى الطويل.
الإضاءة البيضاء الساطعة تنعكس على الأرضية اللامعة، وصوت خطوات الممرضين يتردد بين الجدران، ممزوجًا برائحة المطهرات الثقيلة التي تملأ المكان.
كان جالسًا بجسده، لكن عقله لم يكن مستقرًا، أفكاره متشابكة، وصور ما حدث تتكرر أمام عينيه بلا توقف.
يداه متشابكتان أمامه، ونظراته ثابتة على باب الغرفة، كأنه ينتظر أن يُفتح في أي لحظة ليطمئنه، أو ربما ليخبره بشيءٍ أسوأ.
كان الصمت يثقل عليه، حتى قطعه صوتٌ يناديه من بعيد.
رفع رأسه قليلًا، ونظر في اتجاه الصوت، ليجد «فارس» يقترب منه بخطواتٍ سريعة، وملامحه مشدودة بالقلق.
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى أصبح أمامه مباشرة، وهتف بلهفة واضحة:
ـ طمنوك علي فايزة .
أخرج «نصار» نفسًا بطيئًا، ثم همهم وهو يهز رأسه بخفة، محاولًا أن يبدو متماسكًا رغم ما بداخله، وهتف بهدوء:
ـ اه دراعها الشمال اتكسر، واتعورت في وشها، ورجليها في كدمات .
تغيّرت ملامح «فارس» قليلًا، وارتفعت حاجباه بحيرةٍ واضحة، بينما أخذ يفكر بصوتٍ مسموع، كأن عقله يرفض أن يستوعب ما حدث:
ـ مين الستات دي وضربوها كده ليه .
مرر «نصار» يـ ـده على رأسه بتعبٍ ظاهر، كأنه يحاول أن يُهدئ الأفكار المتلاحقة داخله، لكنه لم يجد إجابة، فهتف بصوتٍ منخفض بعد تفكيرٍ عميق:
ـ معرفش لسه، فايزة دلوقتي في الأوضة نايمة، ولازم نقول لعمك عليها .
وقبل أن يُكمِل حديثه، جاء صوتٌ من الخلف، صوتٌ يعرفه جيدًا، يعرفه حتى قبل أن يلتفت، صوتٌ يحمل رجفةً خفيفة، وقلقًا واضحًا:
ـ هي فايزة فين .
دق قلبه بعنف، كأن الصوت أصاب شيئًا حساسًا داخله.
لم يحتج إلى أن يراها ليعرف من تكون. بقي رأسه منخفضًا، لم يجرؤ على رفعه، وكأن مجرد النظر إليها سيكشف ما يحاول إخفاءه، أو يعيد إليه ما يحاول دفنه.
حتى صوتها المرتعش كان كافيًا ليُربكه.
أما «فارس» فالتفت إليها مباشرة، وأشار بيده نحو الغرفة التي ترقد بها «فايزة».
لم تنتظر «فيروز» ثانية واحدة، اندفعت بخطواتٍ سريعة نحو الغرفة، كأن قلبها يقودها قبل قدميها.
ما إن اختفت خلف الباب، حتى نهض «نصار» من مكانه، وقد كان جالسًا طوال الوقت كأنه مُقيد، ثم نظر إلى «فارس» وهتف بنبرةٍ هادئة، لكنها حاسمة:
ـ خليك انت هنا، وانا هروح اشوف المشكلة اللي حصلت .
هز «فارس» رأسه بتفهم، دون أن يعترض أو يسأل.
لم يكن بحاجةٍ لتفسير، فقد كان يدرك تمامًا أن مغادرة «نصار» في هذه اللحظة لم تكن بسبب المشكلة فقط… بل بسبب «فيروز» أيضًا.
❈-❈-❈
كانت «سميحة» نائمة على فراشها في هدوءٍ ظاهري، جسدها ساكن، لكن ملامحها لم تكن كذلك تمامًا؛ كان هناك أثرٌ خفي للإرهاق مرسوم على وجهها، كأن النوم لم يعد يمنحها الراحة كما كان من قبل.
الغرفة من حولها غارقة في سكونٍ ثقيل، ستائرها نصف مسدلة، والضوء الخافت يتسلل بخجل، يرسم ظلالًا باهتة على الجدران.
كان القصر بأكمله غارقًا في هدوءٍ عميق، ذلك الهدوء الذي يأتي بعد أيامٍ مثقلة بالحزن، هدوء لا يبعث الطمأنينة بقدر ما يترك في النفس فراغًا مؤلمًا.
ولم تكن «سميحة» تنعم بنومٍ حقيقي؛ فمنذ رحيل زوجها، لم تعرف الراحة طريقًا إليها، صار نومها خفيفًا، متقطعًا، كأن الحزن يوقظها كلما حاولت أن تهرب منه.
وفجأة، تسلل إلى سمعها صوتٌ قادم من الأسفل، ضوضاء خافتة في البداية، ثم ما لبثت أن ازدادت وضوحًا.
أصوات متداخلة، حركة غير معتادة، شيءٌ ما يحدث.
فتحت عينيها ببطء، وحدّقت في الفراغ أمامها للحظات، ثم اعتدلت قليلًا حتى جلست نصف جلسة على الفراش، تستمع بانتباه، وقلبها ينقبض دون أن تعرف السبب.
تنهدت بصوتٍ خافت، وكأنها تستجمع قواها، ثم أنزلت قدميها إلى الأرض واتجهت نحو الحمام.
دخلت بخطواتٍ بطيئة، وأغلقت الباب خلفها، محاولةً أن تنتزع من نفسها بعض التماسك.
وبعد قليل، خرجت من المرحاض، وقد لفّت جسدها بمنشفة، وخصلات شعرها المبتلة تنسدل بخفة، ووجهها لا يزال يحمل آثار الماء، لكنه لم يخفِ ذلك الشحوب الذي يسكنها.
في تلك الأثناء، كانت الأصوات في الأسفل قد ازدادت ارتفاعًا، لم تعد مجرد ضوضاء عابرة، بل صارت واضحة، مثيرة للقلق.
توقفت لحظة في مكانها، تستمع، ثم عقدت حاجبيها بشيءٍ من الحيرة.
لم تتردد طويلًا، اتجهت نحو خزانتها، وأخرجت عبايتها الاستقبالية، تلك السوداء التي لم تفارقها منذ وفاة زوجها، لونها القاتم كان امتدادًا لحزنها، وارتدتها بهدوء.
ثم أخذت طرحة، وضعتها على رأسها بعناية، تغطي بها خصلات شعرها، حرصًا منها، وخوفًا من أن تصادف أحد الرجال في الأسفل.
وقفت لثوانٍ أمام المرآة، تنظر إلى انعكاسها بصمت، قبل أن تتجه نحو الباب، وقلبها مثقلٌ بتساؤلاتٍ كثيرة، وصوت الضوضاء في الأسفل يزداد، كأنه يدعوها للنزول واكتشاف ما يحدث.
خرجت «سميحة» من شقتها بخطواتٍ مترددة، ويدها ما زالت تمسك بطرف عباءتها السوداء كأنها تستمد منها بعض الثبات.
كان الممر هادئًا، لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا، فكلما اقتربت من السلم، بدأت الأصوات تتضح أكثر، همساتٌ مختلطة، ونبراتٌ مشحونة بالقلق والحزن، كأن البيت بأكمله يستعد لخبرٍ ثقيل.
نزلت الدرج ببطء، وقلبها يزداد انقباضًا مع كل درجة تخطوها، حتى وصلت إلى الأسفل، حيث تجمّع النسوة في ركنٍ من الصالة.
كان المشهد واضحًا أمامها؛ «ورد» و«مروة» تجلسان بجانب «حنان»، التي بدا على وجهها الحزن الشديد، عيناها غارقتان في التفكير، وملامحها متعبة كأنها تلقت صدمة لم تستوعبها بعد.
اقتربت «سميحة» بسرعة، ونظرات القلق تملأ عينيها، وانحنت قليلًا نحو والدتها، وصوتها خرج مضطربًا رغم محاولتها التماسك:
ـ في ايه يا جماعة .
رفعت «صفية» رأسها نحوها، وكانت تجلس على مسافةٍ قريبة، لكنها بدت وكأنها منفصلة عنهم بأفكارها.
تنهدت ببطء، ثم هتفت بصوتٍ يحمل ثقل الخبر:
ـ مرات اخوكي في المستشفي، اتهجموا عليها ستات وضربوها .
اتسعت عينا «سميحة» فجأة، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بشكلٍ كامل، فخرج صوتها مصدومًا دون تفكير:
ـ فيروز !! .
ما إن نطقت الاسم حتى التفتت «ورد» بسرعة، وقد ارتسم الضيق على وجهها بوضوح، وهتفت بنبرةٍ حادة تخفي خلفها غيرةً ظاهرة:
ـ لا مش فيروز، وبعدين هي فيروز مرات اخوكي؟؟، فيروز بقيت خلاص طلقته ده طلقها بتلاته يعني مفيش راجعة .
مرّت كلماتها في أذن «سميحة» وكأنها لم تُقال، تجاهلتها تمامًا، فلم يكن في عقلها الآن متسعٌ لأي جدال.
كانت الصدمة ما تزال تسيطر على ملامحها، وعيناها تبحثان عن تفسيرٍ منطقي لما سمعت، فهتفت بحيرةٍ صادقة:
ـ طيب ليه يضربوها، ومين الستات دي اصلا .
رفعت «صفية» كتفيها بحركةٍ عاجزة، وكأنها لا تملك أي إجابة، ثم هتفت وهي لا تزال غارقة في التفكير:
ـ معرفش يا سميحة، ولا نعرف اي حاجه لسه، غير أن نصار بلغ ولسه بيحققوا .
ساد صمتٌ ثقيل للحظات، لم يُكسره سوى صوت أنفاسٍ متوترة.
بدأت «سميحة» تطقطق أصابعها بعصبية دون أن تشعر، علامةٌ واضحة على توترها، ثم تمتمت بصوتٍ منخفض، كأنها تدعو أكثر مما تتحدث:
ـ ربنا يسترها .
❈-❈-❈
كان المكان يغرق في هدوءٍ ثقيل لا يقطعه سوى صوت مروحةٍ تدور ببطء، وأوراقٍ تُقلب بين الحين والآخر فوق المكتب الخشبي العريض.
جلس «نصار» على المقعد المقابل، جسده ثابت، لكن ملامحه لم تكن كذلك؛ كانت مشدودة، وعيناه غارقتان في تفكيرٍ عميق، كأن كل تفصيلة مما حدث تُعاد أمامه بتأنٍ قاسٍ.
على الجانب الآخر، كان الضابط يقف قليلًا ثم يجلس، يتحرك في نطاقٍ ضيق خلف مكتبه، يراقب «نصار» بنظراتٍ فاحصة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما وراء صمته.
كان الجو مشبعًا بالتوتر، والهواء نفسه يبدو أثقل من المعتاد.
قطع الضابط هذا الصمت وهو يتحدث بنبرةٍ جادة، محملة بإدراكٍ أولي لما حدث:
ـ الحادثة دي مقصودة يا نصار ، يمكن الهانم كانت ليها اعداء وهما عملوا فيها كده .
لم يرد «نصار» فورًا، بل ظل صامتًا لثوانٍ، وعيناه تتجهان نحو الفراغ، وكأنه يجمع خيوط الصورة في رأسه.
ثم تنفس ببطء، وهتف بعد تفكيرٍ عميق، وصوته هادئ لكنه يحمل يقينًا داخليًا:
ـ الحادثة واضحة مدبره، وخصوصاً في نفس الوقت محل باسم ولع، ويمكن الفاعل عمل كده عشان اهل القرية يروحوا لباسم .
توقف الضابط لحظة، وكأن تلك الفكرة فتحت أمامه زاويةً جديدة، فاعتدل في جلسته، وأخذ يفكر بصوتٍ مسموع، ملامحه تنقبض قليلًا وهو يحلل الأمر:
ـ يبقي هو اكيد واحد او واحده من اهل القرية، لان لما انت وصلت مكنش في حد، اكيد حد قالهم ان مفيش حد والخطه نجحت وفعلا اهل القرية روحوا عشان يشوفوا الحريقة .
ساد صمتٌ قصير، ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسٍ متحفظة.
كانت الفكرة تتشكل بوضوح، لكنها في الوقت ذاته تفتح بابًا أكبر للقلق، فالأمر لم يكن عشوائيًا… بل محسوبًا بدقة.
ثم أكمل الضابط حديثه وهو ينظر إلى «نصار» بهدوءٍ مقصود، كأنه يحاول أن يمنحه قدرًا من الطمأنينة وسط هذا التعقيد:
ـ بس متقلقش ان شاء الله هنحقق في الموضوع، وهنعرفه هنعرفه .
بقي «نصار» صامتًا، لكن عينيه لم تكونا كذلك؛ كانتا تحملان إصرارًا واضحًا، وعاصفةً مكتومة لا تهدأ، وكأن الأمر بالنسبة له لم يعد مجرد حادثة… بل حسابًا مؤجلًا لن يمر دون نهاية.
وقف «نصار» من جلسته ببطء، وكأن جسده كان يحمل ثقلًا أكبر من مجرد التعب، ثم مدّ يده نحو «مصطفى» وصافحه بحرارة، كانت المصافحة طويلة قليلًا، تحمل امتنانًا صادقًا يتجاوز حدود الكلمات.
عينيه التقتا بعيني صديقه، وفيهما تقدير واضح لما يبذله معه، وما يقف به إلى جواره في هذا الوقت المضطرب.
هتف بنبرةٍ صادقة خرجت من أعماقه، وقد خفّت حدّة صوته قليلًا بعدما كان مشدودًا طوال الوقت:
ـ شكرا يا مصطفي انا مش عارف اقولك ايه والله، وملقتش حد احسن منك يعرف يحل الموضوع ده .
ابتسم «مصطفى» ابتسامة هادئة، تحمل دفئًا قديمًا، ثم شدّ على يده في المصافحة كأنما يطمئنه دون كلمات، وهتف بنبرةٍ مليئة بالود والصدق:
ـ متقولش كده يا نصار، انت غلاوتك كبيره، وانت صحبي واكتر من اخويا يعني عيب تقول كده .
تبدلت ملامح «نصار» قليلًا، وانكسرت حدّة التوتر في عينيه، ليحل محلها شيءٌ من الراحة المؤقتة.
نظر إليه بحبٍ وامتنان واضح، كأن وجود «مصطفى» بجانبه يخفف عنه جزءًا من هذا الحمل الثقيل.
ـ تسلم يا مصطفي، هضطر استأذن انا بقي عشان ورايا شويه حاجات هعملها، عن اذنك .
هز «مصطفى» رأسه بتفهم، وابتسامته لم تفارقه، ثم رد ببساطةٍ صادقة:
ـ اتفضل يا حبيبي مع السلامة
ـ مع السلامة
انتهت الكلمات، لكن أثرها بقي معلقًا في الجو. أدار «نصار» جسده واتجه نحو الباب، خطواته ثابتة لكنها تحمل استعجالًا خفيًا، وكأن الوقت لم يعد يسمح له بالتوقف أكثر.
فتح الباب وخرج، تاركًا خلفه المكتب بما فيه من هدوءٍ نسبي، لينتقل إلى ممرات القسم التي تعج بالحركة والأصوات.
كان القسم مختلفًا تمامًا؛ أصوات متداخلة، أوراق تتحرك، رجال يدخلون ويخرجون، ونظراتٌ تتقاطع في كل اتجاه.
لكنه لم يتوقف، لم يلتفت، بل واصل طريقه بخطواتٍ سريعة، وعقله منشغل بما ينتظره في الخارج.
وبعد لحظات، كان قد غادر القسم بأكمله، تاركًا خلفه ضجيج المكان، ومتجهًا نحو مواجهةٍ جديدة لم تتضح ملامحها بعد.
❈-❈-❈
مرّت أربع ساعاتٍ ثقيلة، بطيئة كأن الزمن فيها فقد قدرته على الجريان، وتحول إلى حملٍ جاثم فوق صدور الجميع.
كانت الغرفة يغمرها صمتٌ خانق، لا يُكسره سوى صوت أنفاسٍ متقطعة، ونظراتٍ قلقة تتنقل بين الجدران ووجه «باسم» الشارد.
جلس «باسم» على طرف الفراش، جسده حاضر، لكن روحه غائبة تمامًا، وعيناه مثبتتان في نقطةٍ لا يراها سواه، كأن الصدمة قد سرقت منه القدرة على التفاعل، أو حتى التعبير.
كان السكون الذي يحيط به مخيفًا… سكونًا لا يدل على هدوء، بل على انهيارٍ صامت.
اقتربت «لوزة» منه بخطواتٍ حذرة، تحمل في عينيها قلق أمٍ ترى ابنها يتألم دون أن تستطيع انتشاله مما فيه.
جلست بجواره، ومدّت يدها تمسك بكفه برفق، وكأنها تحاول أن تعيده إلى الواقع بلمسةٍ حانية، ثم هتفت بصوتٍ دافئ يغلفه الحب:
ـ اهدأ يا حبيبي فداك الدنيا والأخرى وكله تحت رجلك اهم حاجه متزعلش نفسك .
لم يتحرك «باسم»، لم يرد، فقط ظل على حاله، مما زاد خوفها عليه.
اقتربت أكثر، وضغطت على يده قليلًا، وكأنها ترفض أن تتركه يغرق في صمته، وأكملت بنبرةٍ يملؤها الحنان:
ـ يا ولاا ده انت سبب فرحتي انت واخوك، متعملش في نفسك كده يا ضنايا فداك مليون محل يا حبيبي، وانا هجبلك محل وهنعمله انا واخوك إيهاب احسن من ده كمان مليون مره .
كان صوتها يرتجف قليلًا، رغم محاولتها إخفاء ذلك، فحزن ابنها كان ينهش قلبها، لكنها كانت تقاوم… تقاوم ضعفها لأجله.
على الجانب الآخر، جلس «إيهاب» بصمتٍ للحظات، يراقب شقيقه بعينين ممتلئتين بالقلق والحيرة، ثم تنهد ببطء، وتحدث بنبرةٍ هادئة، تحمل محاولةً للثبات وسط هذا الانكسار:
ـ يا ايهاب احمد ربنا، عسي أن تكرهوا شيئا وهو خير ليكم، وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر ليكم، والله يعلم وانتم لا تعلمون ، سلم امورك لله ومتشلش هم طول ما ربك جنبك .
ظل «باسم» على حاله، لا رد، لا حركة، فقط صمتٌ أثقل من كل الكلمات.
نظرت «لوزة» إلى ملامحه، إلى ذلك الحزن العميق المرتسم على وجهه، فشعرت بوخزٍ حاد في قلبها، لكنها تماسكت، لم تسمح لدموعها أن تخونه أمامه.
مرت لحظات، ثقيلة، حتى أخيرًا تحرك «باسم» قليلًا، وكأن الكلمات خرجت منه بصعوبة، بصوتٍ خافت يكاد يُسمع:
ـ سبوني انام معلش محتاج ارتاح شويه .
تبادلت «لوزة» و«إيهاب» النظرات، أرادا أن يقولا شيئًا، أن يخففا عنه، لكن كلماته قطعت الطريق أمامهما.
مدّ «باسم» جسده على الفراش، وأدار ظهره لهما، ثم أطفأ الضوء.
غرق المكان في ظلامٍ دامس، ظلام لم يكن في الغرفة فقط… بل داخله هو أيضًا.
وقفت «لوزة» ببطء، نظرت إليه للحظةٍ طويلة، ثم خرجت بخطواتٍ مثقلة، تبعها «إيهاب» بصمت.
لكن «إيهاب» لم يكن هادئًا من الداخل… كان عقله يعمل بسرعة، يحلل، يربط، يبحث عن سببٍ لكل ما حدث.
لم يستطع تقبل أن يكون ما جرى مجرد صدفة.
اسمٌ واحد فقط تردد في ذهنه، بإصرارٍ واضح… «نصار».
اشتدت ملامحه، وتحولت حيرته إلى قرارٍ حاد، ثم اندفع خارج المنزل بخطواتٍ سريعة، وعيناه تلمعان بعزمٍ لا يقبل التراجع… مستعدًا لمواجهته.
❈-❈-❈
توقفت السيارة ببطء عند بداية الشارع، ذلك الشارع الذي يحمل ملامح بيته، وذكرياته، وثقل ما يمر به الآن.
ظل «نصار» جالسًا للحظات، يحيط به صمتٌ غريب، لا يقطعه سوى صوت المحرك الخافت، وكأن الزمن تجمّد حوله، يمنحه فرصة أخيرة ليستوعب كل ما يحدث.
أسند رأسه قليلًا إلى الخلف، وأغمض عينيه لثوانٍ، لكن الصور لم ترحمه… توالت في ذهنه كأنها مشاهد متلاحقة لا تهدأ؛ وجه «علي» الغائب، سكون «سالم» القاسي، رحيل «همام»، ثم طعنة «فيروز» التي لم تندمل، وأخيرًا حال القرية التي انقلبت فجأة وكأنها لم تعد كما كانت.
فتح عينيه ببطء، ونظر أمامه بشرودٍ عميق، كأن الإجابات تختبئ في الفراغ، لكنه لا يجدها.
كل شيء يحدث دفعةً واحدة… بسرعةٍ لا تُحتمل، وبدون سببٍ واضح يمسك به.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، لا تحمل فرحًا، بل استسلامًا هادئًا لما كُتب له.
فتح باب السيارة ونزل منها، ووقف لحظة ينظر إلى السماء، كأنها الملجأ الوحيد الذي لا يخونه، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه واضح:
ـ الحمد لله علي كل شئ .
خرجت كلماته محمّلة بإيمانٍ صادق، رغم كل ما يثقل صدره.
تنهد تنهيدة طويلة، وكأنها تحمل معه بعضًا من ذلك الضغط الذي يكاد يخنقه، مقتنعًا في داخله أن ما عند الله لا يُخيّب، وأن الجبر قادم… مهما تأخر.
تحرك خطوةً نحو سيارته مرة أخرى، كأنه تردد لوهلة، لكن قبل أن يخطو أكثر، تجمّد مكانه.
صوت… يعرفه جيدًا.
صوت يحمل في نبرته سخرية لاذعة، وغضبًا مكبوتًا، ونيةً واضحة للمواجهة.
توقف دون أن يلتفت، تصلبت ملامحه تدريجيًا، وعاد ذلك الجمود القاسي إلى عينيه، وكأن الهدوء الذي كان يحاول التمسك به قد تلاشى في لحظة.
جاءه الصوت من خلفه، واضحًا، مباشرًا، لا يحمل أي محاولة للتهذيب:
ـ غريبة يعني يا نصار، بقي بقيت عمدة ومتعرفش اي اللي حصل في قريتك، اخويا المحل بتاعه اتحرق، ومش بس كده، ده كمان مرات اخوك اللي في الغيبوبه سمعت ان خدت علقه محترمة، وكل ده انت كنت فين يا سيادة العمدة .
سكنت الأجواء للحظة، وكأن الشارع نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا لما سيحدث… بينما ظل «نصار» واقفًا، لم يتحرك بعد، لكن كل ما فيه كان يستعد لردٍ لن يكون هادئًا أبدًا.
ساد صمتٌ ثقيلٌ المكان، صمتٌ بدا كأنه يضغط على الصدور ويخنق الأنفاس.
كانت الإضاءة الخافتة تُلقي بظلالٍ متكسّرة على الجدران، فتزيد المشهد توترًا وكأن الجدران نفسها تتنصّت على ما يدور.
وقف «إيهاب» في مواجهة «نصار»، عيناه مشدودتان إليه، وفي صدره سؤالٌ ملحّ يحترق منذ لحظة الاشتعال الأولى، لا يقلّ لهيبًا عن الحريق ذاته.
تقدّم «إيهاب» خطوة، وصوته خرج مثقلًا بالاتهام والحيرة، كأن الكلمات تُنتزع من أعماقه انتزاعًا، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها ثابتة، لكنها خانته عند آخرها:
ـ قولي بقي عملت كده ليه؟؟؟
انعقد حاجبا «نصار» بدهشةٍ مصطنعة، اتسعت عيناه لوهلةٍ قصيرة، ثم لبث أن أطلق ضحكةً ساخرة، ضحكةً لم تصل إلى عينيه، بل ارتدّت ببرودٍ قاسٍ.
وبعدما انتهى من ضحكته، تنفّس بعمقٍ متعمّد، وكأنّه يرتّب كذبةً يعرف طريقها جيدًا، ثم تحدث بهدوءٍ كاذب يخفي خلفه الكثير:
ـ والله ي إيهاب انت بتضحكني، يعني بزمتك لو انا اللي عملتها وحرقت محل اخوك، محرقتش محلك ليه؟؟ ، وانت اللي عدوي مش اخوك .
كانت الكلمات تسقط على «إيهاب» كالحجارة، تُصيب صدره مباشرة.
شعر بالعصبية تزحف إلى أوصاله، تتسلل من أطرافه حتى استقرت في قلبه، فاشتعل داخله غضبٌ لا يعرف له مخرجًا.
شدّ قبضتيه دون وعي، وتقدّم خطوة أخرى حتى بات قريبًا منه، وقال بصوتٍ مرتفع اختلط فيه الاستفهام بالإنكار:
ـ يعني اي .
لم يجب «نصار» على الفور.
بل حدّق فيه طويلًا، نظرةً مليئةً بالشك والخبث، نظرةً جعلت الهواء يثقل بينهما.
مالت شفتاه بابتسامةٍ ساخرة، ابتسامةٍ زلزلت قلب «إيهاب» قبل أن ينطق، ثم هتف «نصار» بسخريةٍ أرعبت قلبه وأشعلت الخوف في داخله:
ـ قصدي انت اللي عملتها .
تجمّد المكان عند تلك الكلمات، وكأن الزمن نفسه توقّف، وبقي الاتهام معلّقًا في الهواء، ثقيلًا، حادًا، لا يقلّ فتكًا عن النار التي التهمت كل شيء.
ظلّ «نصار» واقفًا في مكانه لثوانٍ، كأن الأرض قد تشبّثت بقدميه، والهواء من حوله أصبح أثقل من أن يُستنشق بسهولة.
كانت ملامحه جامدة، لا تُظهر شيئًا مما يدور في داخله، لكن عينيه، كانتا كفيلتين بفضح كل ما يخفيه من توترٍ وغضبٍ مكبوت.
ببطءٍ محسوب، استدار نحو «إيهاب»، ثم بدأ يقترب منه بخطواتٍ ثابتة، تحمل في كل خطوةٍ هيبةً لا تُكتسب، بل تُفرض فرضًا.
كان حضوره وحده كافيًا ليجعل المسافة بينهما تضيق، ليس فقط جسديًا، بل نفسيًا أيضًا، حتى صار الهواء بينهما مشحونًا بتوترٍ واضح.
توقف أمامه تمامًا، قريبًا بما يكفي ليجعل كلماته لا تُسمع إلا له، وانحنى قليلًا نحوه، ثم همس بصوتٍ منخفض، لكنه حاد كحد السكين:
ـ اوعي تكون فاكر اني نايم علي وداني انا لو اكتشفت بس حاجه انا شاكك فيها، ورحمه ابوك وجدي ما هسيبك لا انت ولا عيلتك كلها، واعتبر ده وعد من نصار سراج السعداوي .
تجمّد «إيهاب» في مكانه، وكأن الكلمات أصابته في صميمه.
لم يكن التهديد في الألفاظ فقط، بل في الطريقة، في النبرة، في ذلك اليقين المخيف الذي خرج به «نصار».
ابتلع ريقه بصعوبة، ونظر إليه بحيرةٍ واضحة، اختلطت بقلقٍ بدأ يتسلل إلى داخله رغمًا عنه، ثم هتف بتوترٍ لم يستطع إخفاءه:
ـ شاكك في اي؟؟ .
لم يُجب «نصار» مباشرة. بل ارتسمت على شفتيه ابتسامةبطيئة، ابتسامة لا تحمل أي طمأنينة، بل على العكس، كانت كفيلة بأن تُربك من يراها.
ابتسامة غامضة، مرعبة، وكأنها تخبئ خلفها شيئًا أكبر مما يُقال.
نظر إليه بتلك النظرة الطويلة، وكأنه يرسل له رسالةً كاملة دون أن ينطق بها، رسالة لم يستطع «إيهاب» فهمها، لكنه شعر بها، شعر بثقلها، وبما تحمله من تهديدٍ غير مباشر لما هو قادم.
ثم قال بهدوءٍ غريب، يخفي خلفه عاصفةً لا تُرى:
ـ خليها مفاجأة وانا بصراحة بحب المفاجأت .
أدار «نصار» جسده، واتجه نحو سيارته، وكأنه أنهى الحديث بالفعل، لكن قبل أن يركب، توقف فجأة، وعاد يلتفت إليه مرة أخرى.
كانت نفس الابتسامة لا تزال على وجهه، لكنها بدت هذه المرة أكثر ظلمة.
هتف بصوتٍ هادئ، لكنه مُريب بما يكفي ليجعل الكلمات تثقل في الهواء:
ـ وهنصحك نصيحة يا إيهاب، بلاش انا وحياة ابوك عشان انا مش بسمي ولا برحم .
انتهت كلماته، لكنها لم تنتهِ أثرها.
فتح باب سيارته، ودخل دون أن ينتظر ردًا، كأنه لا يهتم إن كان «إيهاب» سيجيب أم لا.
أدار المحرك، وانطلقت السيارة بهدوء، لكنها تركت خلفها توترًا كثيفًا، ونظراتٍ جامدة.
وقف «إيهاب» مكانه، يراقبها وهي تبتعد شيئًا فشيئًا، حتى اختفت عن ناظريه، بينما ظل هو ثابتًا، وعقله يغلي بأسئلةٍ لا إجابة لها، وقلبه يدق بشعورٍ لم يعهده من قبل، شعور بالخطر القادم.
كانت خطوات «إيهاب» سريعة، غير منتظمة، كأن الأرض تضيق به كلما حاول أن يثبت نفسه.
أنفاسه متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بعنفٍ واضح، بينما الأفكار تتصارع في رأسه بلا رحمة.
لم يكن يمشي فقط، بل يهرب، يهرب من احتمالٍ واحدٍ يخشاه أكثر من أي شيء.
ذلك الشك، كان كفيلًا بأن يُفقده اتزانه.
هل عرف «نصار»؟
السؤال تكرر داخله بإلحاحٍ مؤلم، حتى صار صوته أعلى من كل شيء حوله.
قلبه أخذ يدق بجنون، كأنّه يحاول أن يحذره أو يسبقه إلى الحقيقة.
لم يكن هناك مجال للانتظار، ولا للصبر، كان عليه أن يعرف.
لم يكن أحد يعلم بحمل «فيروز»، سوى هو، و«حمدية».
وإن كانت قد نطقت، ولو بكلمة واحدة….
توقّف عقله عند تلك الفكرة، وشعر ببرودةٍ تسري في أطرافه، ثم اندفع بخطواتٍ أسرع، وكأنّه يحاول أن يسبق الكارثة قبل أن تقع.
لم يستغرق الطريق وقتًا طويلًا، فبيت «حمدية» لم يكن بعيدًا، لكنه بدا له أطول من المعتاد، وكأن الزمن نفسه يختبر أعصابه.
وصل أخيرًا، وتوقف أمام الباب، ينظر إليه للحظةٍ مترددة.
كان الليل هادئًا بشكلٍ مريب، والبيوت من حوله ساكنة، كأن الجميع غارقون في عالمٍ آخر، إلا هو، وحده يقف على حافة حقيقة قد تغيّر كل شيء.
رفع يده، تردد لثانية، ثم طرق الباب طرقًا خفيفًا، وتراجع خطوة إلى الخلف، ينتظر.
مرت لحظات بدت أطول مما ينبغي، حتى سُمع صوت خطواتٍ تقترب من الداخل، ثم فُتح الباب ببطء، وظهرت «حمدية»، ملامحها تحمل قلقًا واضحًا، وعيناها تتفحصانه بسرعة.
هتفت بصوتٍ فيه شيء من الحذر:
ـ خير يا إيهاب يا بني عايز حاجه؟؟ .
ابتلع «إيهاب» ريقه، وشعر بجفافٍ في حلقه، وكأن الكلمات ترفض الخروج بسهولة.
تنهد ببطء، محاولًا أن يتمسك بأي أملٍ صغير بأن ما يدور في رأسه ليس إلا وهمًا، وأن «نصار» لم يعرف شيئًا بعد.
ـ انا جاية اسألك سؤال وامشي .
هزّت «حمدية» رأسها ببطء، لكنها لم تُخفِ قلقها، بل ظلّت تنظر إليه بترقب، وكأنها تشعر بثقل ما سيُقال.
اقترب «إيهاب» خطوة، وعيناه تبحثان في ملامحها عن إجابةٍ قبل أن يسمعها، ثم قال بصوتٍ مشوب بالشك، بالكاد يسيطر عليه:
ـ انتِ قولتي حاجه لنصار علي فيروز، يعني حكتيله اللي حصل ليلتها، وقولتيله انها لسه حامل؟؟
ساد صمتٌ قصير.
صمتٌ كان كفيلًا بأن يجعل قلبه يتوقف لثانية.
نظر إلى وجهها، كانت ملامحها ساكنة، بلا ارتباك، بلا محاولة للإنكار، وهذا وحده كان كافيًا ليشعر بالخطر يقترب أكثر.
ثم هتفت بهدوءٍ تام، كأنها تُسقط الكلمات بلا وزن، لكنها في الحقيقة كانت كقنبلةٍ انفجرت داخله:
ـ ايوا قولتله، نصار ابو الطفل ومن حقه يعرف .
اتسعت عينا «إيهاب» بشكلٍ مفاجئ، وكأن ما سمعه لم يصل إليه كاملًا بعد، أو أنه يرفض تصديقه.
تراجع خطوة إلى الخلف دون وعي، وخرجت الكلمة من بين شفتيه مصدومة، مكسورة:
ـ اي؟؟؟ .
وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك مجال للشك.
فقط حقيقة واحدة، ثقيلة، لا يمكن الهروب منها.
في ليلةٍ سَكَنَتْ ولم يَسْكُنْ بها القَدَرُ
تَكَشَّفَ السِّرُّ وانفَضَّ الغِطاءُ وانكَسَرُ
خُيُوطُ لُغزٍ تَشابَكَتْ بِلا رَحْمَةٍ
وكلُّ قلبٍ على حافَةِ الخَطَرِ
ما كانَ خافيًا باتَ الآنَ مُعلَنًا
والصَّمتُ صارَ جَريمةً لا تُغتَفَرُ
عُيونٌ تُراقِبُ في صَمتٍ وتَنتَظِرُ
وماضٍ يُطارِدُ الحاضِرَ ويَنتَصِرُ
قُلوبٌ تَتَصَدَّعُ دونَ صَوتٍ
ونارٌ تَأكُلُ ما بَقِيَ وتَستَعِرُ
مَن خانَ مَن صَدَقَ مَن كانَ يَلعَبُ؟
كُلُّ الوُجوهِ تَشابَهَتْ ولا عُذْرَ يُعتَذَرُ
وها هوَ الحَقُّ يَنهَضُ غاضِبًا
لا يَعرِفُ الرَّحمَةَ ولا يَنتَظِرُ
فَاستَعِدّوا
فما بَعْدَ اللَّيلِ سِوى انكِشافٍ
وما بَعْدَ الصَّبرِ إلا القَدَرُ
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية