رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 9 - الجمعة 5/6/2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل التاسع
تم النشر يوم الجمعة
5/6/2026
هل كان القلب له صوتٌ للانكسار؟
أم أنّه يتشققُ في صمتٍ
لا يسمعهُ سوى صاحبه،
وجعٌ بلا صراخ،
ووجعٌ لا يراه أحد
إلا حين يفوت الأوان.
❈-❈-❈
خرج «سراج» من غرفته بخطواتٍ بطيئة، كأن الأرض تثقل تحت قدميه، ووجهه مكفهرٌّ بالحزن، شاحب الملامح، تكسوه غلالة من التعب لم تُخفِها هيبة السنين ولا صلابة المواقف.
كانت عيناه شاردتين، لا تستقران على شيءٍ بعينه، بينما عقله غارق في دوّامةٍ لا تهدأ، تفترس أفكاره واحدةً تلو الأخرى.
كان يفكّر في حال ابنه «نصار»، يفكّر فيه بقلقٍ لا يجرؤ على الاعتراف به علنًا.
يعرفه حقّ المعرفة؛ عنيدًا حدّ القسوة، صلب الرأي، لا يميل ولا ينكسر بسهولة، لا يسمع لأحدٍ مهما علت الأصوات من حوله.
لكن ما يؤلمه حقًّا أنّ هذا العناد ذاته يخفي قلبًا هشًّا حين يُجرَح، وأنّ ذلك القلب الآن منكسر، يتصدّع في صمتٍ موجع لا يُسمَع له صوت.
شعر «سراج» أن ابنه يحاول النجاة بنفسه، يبتعد، يفرّ، كمن يخشى أن يغرق إن بقي قريبًا من حطام روحه.
وكأن «نصار» يمدّ يده لينقذ ما تبقّى منه قبل أن يبتلعه هذا الانكسار الذي أصاب قلبه وعقله معًا.
ذلك الإدراك أثقل صدره، وضاعف من شعوره بالعجز، فهو يقف على مسافةٍ قريبة جدًّا، وبعيدة جدًّا في آنٍ واحد.
ورغم كل ما يدور بداخله، لم يكن «سراج» يعلم حتى هذه اللحظة إن كان الزمان يعيد نفسه بسخريةٍ قاسية، أم أنّ القدر يمدّ يده ليقتصّ منه، ليعاقبه على فعلٍ غابرٍ ظنّ يومًا أنه طواه مع الأيام.
ظلّ هذا السؤال معلقًا في داخله بلا إجابة، يزيد من حيرته، ويجعل خطاه أثقل، ونَفَسه أضيق، وقلبه أكثر إرهاقًا مع كل خطوةٍ يبتعد بها عن باب الغرفة.
جلس «سراج» إلى مائدة الطعام بخطواتٍ مثقلة، وجسده حاضر بينما روحه شاردة في مكانٍ آخر.
دار ببصره بين الوجوه الجالسة حول السفرة، يبحث بعينٍ قلقة عن وجهٍ واحدٍ بعينه، عن ملامح «نصار» التي اعتاد أن يراها، لكن الكرسي ظلّ خاليًا.
في تلك اللحظة، انقبض قلبه بشدّة، كأن يدًا خفيّة تعتصره بلا رحمة، وأدرك في قرارة نفسه إدراكًا موجعًا أنّ ابنه قد حسم أمره بالفعل، وأنه سيغادر، لا يسمع حديثه ولا حديث أحد، ولا ينصت إلا لصوت قلبه وحده.
ساد صمتٌ ثقيل، قطعه «سراج» وهو ينظر إلى «فارس» بنظرةٍ تجمع بين الرجاء والمعرفة المسبقة.
سأله بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا، رغم أنه كان يعرف الإجابة قبل أن تخرج الكلمات من فمه، وكأن سؤاله محاولة أخيرة للتشبث بالأمل:
ـ فين نصار يا فارس .
كاد «فارس» أن يفتح فمه ليرد، وقد ارتسم التردد على ملامحه، لكن الصوت جاءه من الخلف، صوتٌ مألوف، ثابت، اخترق المكان فجأة وأوقف الزمن لثوانٍ:
ـ انا اهو يا بابا .
التفت «سراج» ببطء، كأن عنقه لا يطيعه، وعيناه اتسعتا بغير تصديق وهو يرى ملامح ابنه أمامه، حيّة، قريبة، لم ترحل كما تخيّل.
لم تمر سوى ثوانٍ حتى تقدّم «نصار» وجلس على الكرسي المجاور لـ «فارس»، حركاته هادئة، ووجهه يحمل سكونًا غريبًا، كأنه اتخذ قرارًا لا رجعة فيه.
هتف بنبرةٍ هادئة، خالية من التوتر:
ـ صباح الخير .
ردّ الجميع التحية بابتساماتٍ ودودة، امتزجت فيها الراحة بالدهشة، بينما ظلّ «سراج» يراقبه في صمت، وعيناه لا تصدّقان ما تريان.
أخذ «نصار» يفطر بهدوء، كأن شيئًا لم يكن، وكل حركة منه كانت تثبّت «سراج» في مكانه أكثر، حتى لم يعد قادرًا على كتمان دهشته، فهتف بصوتٍ مبحوح، يكاد لا يصدق نفسه:
ـ انت …. انت مش هتمشي؟؟
رفع «نصار» بصره إليه، وابتسم ابتسامة خفيفة، تحمل ثباتًا وقرارًا واضحًا، ثم قال بنبرةٍ واثقة لا تحتمل الشك:
ـ مينفعش ابن سراج السعداوي عمده البلد يمشي ويسيب اهل بلده وناسه .
ختم «نصار» جملته، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة، ابتسامة نصرٍ صامتة موجّهة إلى والده، ثم أنزل بصره إلى طبقه وبدأ يتناول فطوره بهدوءٍ لافت، كأن الكلمات التي قالها للتو لم تُحدِث زلزالًا داخل هذا البيت.
غير أنّ الصدمة كانت قد استقرّت بالفعل على وجوه العائلة كلّها. ظلّ السؤال يتردّد في الأذهان دون أن يُنطَق:
ماذا قال للتو؟ عمدة البلد؟ كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟
تبادل الجميع النظرات، ثم تحوّلت أنظارهم جميعًا إلى «سراج»، ما عدا «فارس» و«نصار»، كأنهم ينتظرون كلمةً واحدةً فقط، تعليقًا، تفسيرًا، أو حتى نفيًا يُبدّد هذا الارتباك الثقيل.
أمّا «سراج» فابتسم ابتسامة فخرٍ صريحة، ابتسامة رجلٍ اتخذ قراره عن يقين.
مدّ يده إلى الطعام وكاد يبدأ، لكنه توقّف حين شعر بحدّة نظرات زوجاته وبناته، نظراتٍ مشبعة بالدهشة والاعتراض والخوف.
رفع رأسه، واستقام في جلسته، ثم هتف بصوتٍ واثق يفيض فخرًا:
ـ نصار هيبقي عمده البلد من بعدي .
خرجت الكلمات كحكمٍ نهائي، لا لبس فيه ولا تراجع عنه. عندها نطقت «حنان» بصدمةٍ واضحة، وصوتها يرتجف:
ـ وسالم؟؟؟ .
لم تنتظر «صفيه» ردّه، فقد اندفعت الكلمات من فمها وقد امتزجت الصدمة بالخوف والاعتراض:
ـ عايز الزمن يرجع تاني يا سراج .
التفت إليها «سراج» بنظرةٍ حادّة أوقفت أي كلمةٍ أخرى على شفتيها، ثم مرّ بنظره على زوجاته جميعًا، وهتف بنبرةٍ قاطعة لا تقبل النقاش ولا المساومة:
ـ انا قررت وقراري مش هرجع فيه، كلوا بقي، ولما يرجع سالم ويقوم بسلامه هياخد مكانه .
أنهى حديثه، وعاد إلى طعامه وكأن الأمر قد حُسِم وانتهى، غير آبهٍ بتلك النظرات المتشابكة التي ملأت المكان.
كانت «سهر» تراقب المشهد بقلقٍ واضح، يخنق صدرها خوفًا من صدامٍ قادم بين أشقائها.
أمّا «سميحه»، فبدت شاردة تمامًا، لا ترى السفرة ولا تسمع ما يدور حولها، فقد كان عقلها غارقًا في ذكرىٍ واحدة، لا تشغلها سواها… «علي» زوجها، رحمه الله، يمرّ في خاطرها بصمتٍ موجع لا يشاركه أحد.
❈-❈-❈
ـ انتِ بتقولي اي؟؟.
خرجت الكلمات من فم «إيهاب» كأنها صرخة مكتومة، مشبعة بالذهول والإنكار، وهو ينظر إلى «حمدية» بعينين متسعتين لا تصدّقان ما تسمعان.
كانت الصدمة واضحة في ملامحه، تجمّد في مكانه كأن الزمن توقف فجأة، وعقله يرفض استيعاب تلك الكلمات الثقيلة التي سقطت عليه دفعةً واحدة.
فقد قصّت عليه كل شيء، بلا مواربة، بلا تزييف، وروت له ما جرى في تلك الليلة، حقيقةً عاريةً موجعة لا تحتمل التأويل.
بدت «حمدية» متوترة، ترتجف يداها وهي تحاول تثبيت صوتها، لكن الصدق كان يفرض نفسه على نبرتها، يخرج رغماً عنها، فهتفت وكأنها تُقسم بما بقي لها من قوة:
ـ والله زي ما بقولك هو ده اللي حصل، اختها طلبت مني اسقطها، بس مقدرتش والله، مقدرتش .
سقطت كلماتها على قلبه كضرباتٍ متتالية، فشرد بصره بعيدًا عنها، وغرق في دوامةٍ من الأفكار المربكة.
كيف يمكن لشقيقه و«فايزة» أن يفعلا بـ «فيروز» كل هذا؟ كيف امتدت أيديهم لتقسو إلى هذا الحد؟ كيف سمحوا لأنفسهم أن يعاملوها بتلك الطريقة في تلك الليلة؟
تلاحقت الأسئلة في رأسه بلا إجابة، وتكاثفت مشاعر الغضب والذنب والذهول داخله حتى كاد صدره يضيق بها.
شعر بمرارة الظلم وهو يتخيّل ما تعرّضت له، ظلمٌ فادح لا يليق بإنسانةٍ لم ترتكب ذنبًا يستحق كل هذا القهر.
ظلّ السؤال الأكبر ينهش عقله بإلحاحٍ موجع، كل هذا… لماذا؟ لأي سببٍ حدث من الأساس؟ ولماذا كان الثمن قلبًا بريئًا تحمّل ما لا يُحتمل؟
هتفت «حمدية» بتوترٍ بدا جليًّا في نبرة صوتها، توترٌ مشوب بخوفٍ ثقيلٍ كأن صدرها يضيق به، وعيناها تهربان ثم تعودان، كأنها تبحث فيهما عن تصديقٍ يُنقذها من ارتجاف قلبها.
كانت كلماتها تتعثر لا ضعفًا، بل لأن الذكريات تضغط عليها دفعةً واحدة، فتدفعها إلى حافة الانهيار.
ضمّت كفّيها إلى بعضهما بقوة، وأطلقت أنفاسًا متقطعة قبل أن تندفع بالكلام، كمن يدافع عن آخر حصونه:
ـ واقسم بالله ده اللي حصل انا مكدبتش عليك في حاجه واحده، كل اللي حصل واللي شوفته قولت ليك بالحرف، انا لما وصلت قالوا ليا ان ده ابن باسم عشان كده كانوا عايزني اسقطها .
ساد الصمت للحظةٍ بدت أطول مما هي عليه، صمتٌ ثقيل تسلّل بينهما كدخانٍ خفي، قبل أن يرفع بصره إليها بملامح متحجرة.
نظر لها بعدم تصديق، نظرةً تحمل في طياتها شكًّا قاسيًا ودهشةً ممزوجة بغضبٍ مكتوم، كأن ما سمعه يصطدم بكل ما كان يؤمن به.
تحرّكت شفتاه قليلًا، وكاد أن يتحدث، أن ينفي ما قالته، أن يقطع هذا الاعتراف قبل أن يترسخ في الهواء من حولهما.
لكن عقله سبقه، وردّ عليها بصمتٍ موجع، حين اندفع إلى ذاكرته حديث «فيروز» في تلك الليلة، فارتبك ميزان أفكاره، وتسللت الحيرة إلى ملامحه.
توقّف الكلام عند عتبة شفتيه، وبقي واقفًا بين الشك والتصديق، بينما ظلّ الجو مشحونًا بتوترٍ خانق، كأن المكان نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا لما سيقوله أو يفعله بعد ذلك.
flash back
ـ فيروز انا مش نصار انا إيهاب.
ولكن دموعها انهمرت بغزارة، ويداها تضربانه على ذراعيه بشكل عفوي، وكأنها تبحث عن شخص ثابت تمسك به، وتهتف بلا وعي :
ـ لا انت نصار.
حاول أن يبتعد عنها قليلاً ليحمي نفسه من العاطفة التي تجتاح قلبه، لكنه لم يتمكن من إبعادها تمامًا، فصوته ارتفع بنبرة هادئة لكنه صارمة، ممزوجة بالصدمة والحرص:
ـ طيب انا نصار، مين اللي عمل فيكي كده ها؟؟
تكوّست شفاهها من الحزن، وبدأت الدموع تتدفق بغزارة، عيناها ممتلئتان بالألم والخوف، وصرخت بنبرة خائفة وممزقة من الداخل:
ـ هما، بابا سقطني يا نصار، وباسم ضحك عليهم وقالهم الابن ده ابني بس هو مش إبنه ده إبن نصار، ضربوني هنا وهنا وهنا.
نظرت له بحزن تصوّب يديها نحو الأماكن التي ضربتها، والجروح التي تركت أثارها على جسدها الصغير الهش، فابتعد هو عن النظر إليها، وأغلق عينيه للحظات كأنه يحمي قلبه من رؤية ما حرّمه الله عليه، لكنه لم يستطع صد صوتها وألمها.
وبعد دقائق فتحت عينيه ببطء، وارتفعت نبرته بالدهشة والصدمه:
ـ يعني انتِ كنتِ حامل؟؟
هزت رأسها، ويدها تغطي بطنها المرتعش من الألم والخوف:
ـ بس دلوقتي مفيش بيبي هما سقطوني، بابا سقطني.
end flash back
الآن فقط، اتّضحت الصورة كاملة أمام عينيه، كأن ستارًا كثيفًا كان يحجب الرؤية ثم انزاح دفعةً واحدة.
فهم لعبتهم، واستوعب ما كانوا يخططون له بدقةٍ خبيثة، فتبدّلت ملامحه من الحيرة إلى الثبات، ومن الاضطراب إلى وعيٍ بارد لا يعرف التراجع.
سكن جسده على غير عادته، ولم يعد الغضب ظاهرًا على قسمات وجهه، بل حلّ محلّه هدوءٌ ثقيل، أشبه بهدوء العاصفة قبل أن تنفجر.
التفت بنظره إلى «حمدية»، فرأى فيها ارتباكًا لا تخطئه عين، وقلقًا يتسلّل من بين نظراتها المرتجفة.
كانت تقف أمامه كمن ينتظر حكمًا لا يعرف إن كان سينقذه أم سيقضي عليه.
عندها هتف بنبرة هادئة، هدوءٌ بدا مطمئنًا في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه قرارًا لا رجعة فيه:
ـ متقلقيش محدش هيعرف وفيروز هعرفها باللي حصل، وانا وعدك ان مفيش مخلوق هيعرف غير فيروز .
تسللت أنفاس «حمدية» ببطء، إلا أن القلق لم يغادر ملامحها، بل ازداد ثقلًا وهي تحاول أن تستشفّ ما يدور خلف هذا الهدوء المفاجئ.
ارتجفت شفتاها قليلًا قبل أن تهتف بقلقٍ مربك، كأن السؤال يخرج منها رغمًا عنها:
ـ طب ناوي تعمل فيهم اي .
في تلك اللحظة، ارتسمت على ثغره ابتسامة لم تعهدها من قبل؛ ابتسامة خبيثة، باردة، زُيّنت بها ملامحه لأول مرة، فبدت وكأنها تعلن ميلاد وجهٍ آخر له، وجهٍ لا يعرف الرحمة.
رفع رأسه قليلًا، وثبّت عينيه في الفراغ، ثم هتف بنبرة هادئة مُريبة، تحمل وعدًا ثقيلًا بالانتقام:
ـ هلعبهم بتفس لعبتهم، وحياة فيروز اللي ظلموها دي، ما هسيبهم .
ساد المكان صمتٌ مشحون، صمتٌ ينبض بالتهديد، وكأن كلماته لم تكن مجرد حروفٍ قيلت، بل عهدًا أُبرم، وخطوةً أولى في طريقٍ مظلم لن يتراجع عنه .
❈-❈-❈
خرج «نصار» مع أبيه، يرافقهما «فارس»، وكانت خطواتهم هادئة ظاهريًا، لكن التوتر كان يسير معهم كظلٍّ لا يفارقهم.
مشوا قليلًا في طرقات القرية، حيث الهواء مشبعٌ بأصوات الناس ونظراتهم المتربّصة، حتى وصلوا إلى المجلس.
هناك كان أهل القرية قد تجمّعوا بالفعل، وجوه متحفّزة، وعيون تنتظر الحسم.
لفت الانتباه وجود سيدة في مطلع الثلاثينيات من عمرها، تقف على مسافة، ملامحها منهكة، وملابسها البسيطة تحمل آثار تعبٍ طويل لا يُخفى.
جلس الجميع على الكراسي المصطفّة في فناء المجلس، وساد صمت ثقيل، قطعه رجلٌ كبير في السن، بدا الإرهاق واضحًا في صوته قبل ملامحه، فهتف وهو يلوّح بيده في ضيق:
ـ حل المشكله دي يا سراج، انا تعبت منهم هما الاتنين، الاتنين بيتخانقوا اكتر ما بيتنفسوا .
لم يكد يُنهي كلماته حتى علا صوت رجلٍ في الأربعين من عمره، بدين الجسد، كثيف الشاربين، يرتدي جلابية قديمة الطراز، تقدّم بخطوة وهو يهتف بحدّة دفاعية:
ـ والله المشكله فيها مش فيا .
عندها لم تعد السيدة قادرة على الصمت.
انفجرت دموعها، وتقدّم الأطفال الذين كانوا يختبئون خلفها، وجوههم الصغيرة متشبّثة بثوبها، كأنها درعهم الوحيد. خرج صوتها متهدّجًا، مشبعًا بالقهر:
ـ حسبي يالله ونعم الوكيل يا شيخ .
اشتعل الغضب في ملامح الرجل السمين، وتغيّر صوته إلى نبرة قاسية مخيفة، واقترب منها بخطوات سريعة وهو يصرخ:
ـ انت بتحسبني فيا قدام الرجالة يا عره الستات .
ارتفعت يده في الهواء، كأنها اعتادت هذا الفعل، وكاد يهوى بها على وجهها، لكن في لحظة خاطفة كان «نصار» قد اندفع للأمام.
أمسك يده بقوة أوقفتها في الهواء، ثم وجّه له لكمة عنيفة أسقطته أرضًا عند أقدام «فارس» و«سراج».
دوّى صوت ارتطامه بالأرض، وساد صمت مشحون بالذهول.
تقدّم «نصار» خطوة، وعيناه تشتعلان غضبًا لا يعرف التهاون، وهتف بصرامةٍ لا تقبل الجدال:
ـ لما تيحي تتكلم مع مراتك اتكلم معاها بطريقه حلوه بدل ما اكسر وشك، ولو عرفت انك مديت ايدك عليها هقطعهالك .
وقف المجلس بأكمله مشدوهًا، بين رهبةٍ من حدّة الموقف، وإحساسٍ خفيّ بأن ميزان العدل قد بدأ يميل أخيرًا في اتجاهٍ مختلف.
التفت «نصار» نحو تلك السيدة، وقد خفّف من حدّة ملامحه، وانخفض صوته على غير ما كان منذ لحظات، فخرجت كلماته هادئة، تحمل احترامًا خالصًا وإنصافًا صريحًا، كأنه يمنحها أمانًا افتقدته طويلًا:
ـ هو متعود يضربك كتير؟؟
لم تستطع تمالك نفسها أكثر من ذلك. انهمرت دموعها، ورفعت وشاحها الذي كان يغطّي رأسها، تمسح به وجهًا أنهكه القهر قبل التعب.
كان بكاؤها صامتًا في أوله، ثم خرج صوتها مكسورًا، حزينًا، صادقًا إلى حدٍّ موجع، كأن الكلمات تُنتزع من قلبها لا من فمها:
ـ متعود علطول، وبيبهدلني قدام الناس كلها، لكن انا والله ما فارق معايا، مش فارق معايا غير اولادي، مش بيصرف عليهم جنيه واحد، ولا بدفع ايجار الشقة ولا اي حاجه و…
تعثّرت كلماتها، وانكسرت جملتها في منتصف الطريق، قبل أن يُقاطعها صراخٌ أجشّ مليء بالغلّ.
كان الرجل السمين ما يزال مطروحًا على الأرض، يئنّ من الألم، لكن غضبه كان أشد من وجعه، فصاح وهو يتخبّط في مكانه، يلوّح بيده بعصبية:
ـ كدابة، كدابة متصدقهاش، طول عمرها طماعه وبنت كـ ـلب و….
لم يُكمِل شتيمته.
في لمح البصر، اندفع «نصار» نحوه، والغضب قد عاد يشتعل في عينيه بوهجٍ أعنف من ذي قبل.
انحنى عليه، ووجّه له لكمة أقسى من سابقتها، لكمة أخرسته وأسكتت صوته إلى الأبد في تلك اللحظة.
دوّى الصوت في أرجاء المجلس، وارتدّ صداه في صدور الحاضرين، فتسمّرت الأجساد، وتجمّدت الأنفاس، بينما وقف «نصار» شامخًا، كأنما يرسم حدًّا فاصلًا بين ظلمٍ انتهى، وعدلٍ بدأ يُفرض بالقوة والهيبة معًا.
كاد «نصار» أن يُكمل ضربه، وقد تملّكه الغضب تمامًا، وكانت أنفاسه متسارعة وصدره يعلو ويهبط بعنف، لولا أن اندفع «فارس» بسرعة وأمسكه من ذراعه بقوة، يمنعه من الاقتراب أكثر من ذلك الرجل.
كان المشهد مشحونًا، والهواء نفسه بدا ثقيلًا من فرط التوتر. التفت «نصار» بعينين تقدحان شررًا، وهتف بحدّةٍ أفزعت الرجل وزلزلت كيانه:
ـ ادينى بحذرك للمرة التانية، المرة التالته هخليك عبرة للقرية كلها .
ارتجف الرجل رعبًا، وتقلّص جسده على نفسه، وزحف للخلف حتى احتمى خلف «سراج»، كأن وجوده وحده درع يحميه.
أمّا «سراج» فظلّ جالسًا في مكانه، يراقب الموقف منذ بدايته بعينٍ خبيرة وملامح ثابتة، ثم هتف بصوتٍ هادئ يحمل سلطةً لا تحتاج إلى صراخ:
ـ اقعد يا نصار واهدا .
تردّد صدى كلماته في المكان، فخفّ التوتر قليلًا، غير أنّ المشهد لم يخلُ من الألم.
عندها تقدّمت السيدة بخطواتٍ مترددة، والدموع تبلّل وجهها، وصوتها يرتجف وهي تنظر إلى «نصار» الذي ما زال «فارس» ممسكًا به خشية أن ينفلت غضبه من جديد.
خرجت كلماتها مكسورة، مشبعة برجاءٍ صادق:
ـ لو مش مصدقني فيك تسأل الجيران اللي عندنا وهما هيقولولك، انا مش كدابة والله .
ساد صمت ثقيل بعد حديثها، صمتٌ يحمل بين طيّاته وجعها وخوفها، ويُثقل قلوب الحاضرين الذين باتوا شهودًا على حقيقةٍ لا يمكن إنكارها، بينما ظلّ «نصار» واقفًا، يحاول أن يهدّئ ثورة الغضب داخله، وقد ازدادت ملامحه صلابة وإصرارًا.
التفت «نصار» إليها ببطء، وكأن الزمن من حوله قد تباطأ فجأة.
ثبت نظره على وجهها لثوانٍ طويلة، قرأ في ملامحها خوفًا مُقيمًا، وحزنًا قديمًا لا تُخفيه الدموع وحدها.
كانت عيناها تتوسلان قبل شفتيها، وجسدها المنكمش يروي حكاياتٍ أثقل من الكلمات.
ثم حوّل بصره بتمهّل إلى «فارس»، وفي تلك اللحظة تغيّر كل شيء.
هتف بنبرةٍ لم يعتد أحد أن يسمعها منه من قبل؛ نبرة هادئة على غير عادته، لكنها هدوء مُريب، كبحرٍ ساكن يخفي في أعماقه عاصفة لا تُبقي ولا تذر:
ـ فارس، روح جيب الجيران اللي ساكنين جنبهم، هات اكتر من تلاته .
لم يحتج «فارس» إلى سؤالٍ أو توضيح، فقد أدرك من نبرة صوته أن الأمر قد حُسم.
هزّ رأسه بإيجاز، ثم غادر سريعًا برفقة رجلٍ يعرف بيتهم جيدًا، تاركًا خلفه ساحةً يخيّم عليها الصمت والترقّب.
عاد «نصار» فجلس أمام الرجل، جلسةً ثابتة تُوحي بالسيطرة، وعيناه لا تفارقان ملامحه المرتجفة.
كان الرجل ما يزال على حاله، الخوف قد شلّ أطرافه، وأنفاسه متقطعة، وعرقه ينساب على جبينه رغم سكونه.
اقترب «نصار» قليلًا، وانحنى بجسده للأمام، ثم هتف بنبرةٍ خبيثة، منخفضة لكنها نافذة، كالسهم الذي يُصيب دون أن يُرى:
ـ لو ليك حق هتاخده، لكن لو ملكش فـ غيرك هياخد حقه منك .
وقعت كلماته كحكمٍ لا رجعة فيه، فازداد ارتجاف الرجل، بينما ساد المكان صمت ثقيل، صمتٌ يحمل في طيّاته انتظار الحقيقة، وما ستكشفه الساعات القليلة القادمة.
❈-❈-❈
كانت «فايزة» تقف على مسافةٍ غير بعيدة، عيناها معلّقتان بـ «فيروز» و«لوزة» في آنٍ واحد.
نظراتها لا تستقر، تتنقّل بحذرٍ وريبة، وكأن شيئًا خفيًا يضغط على صدرها كلما وقعت عيناها على تلك السيدة.
«لوزة»… اسمٌ خفيف على اللسان، لكنه ثقيل في الإحساس.
منذ اللحظة الأولى لم تطمئن لها، شعور غامض يتسلّل إليها كلما اقتربت منها، كأن وراء ملامحها الهادئة نوايا لا تُقال.
لم تعرف لها أصلًا، ولم تفهم طبيعتها، لكن قلبها كان يجزم بشيءٍ واحد: هذه المرأة لا تُرتاح لها أبدًا.
في المقابل، كانت «فيروز» تبدو شاحبة، ساكنة أكثر من اللازم، وكأن التعب قد اتخذ منها مقامًا.
هذا المشهد زاد من توتر «فايزة»، فاختلط القلق بالضيق، والشفقة بالغضب، حتى جاء صوت «لوزة» ليكسر هذا الصمت المشحون.
اقتربت «لوزة» منها بخطواتٍ محسوبة، وعلى شفتيها ابتسامة مستفزّة، تلك الابتسامة التي لا تُطمئن بل تُثير الريبة أكثر، ثم هتفت بنبرةٍ تحمل بين طيّاتها أمرًا أكثر مما تحمل نصيحة:
ـ بقولك اي يا ختي، اعملي لاختك فرخه او شوربة خضار تساندها .
تجمّدت «فايزة» لثانية، ثم شعرت بموجة نفورٍ تجتاحها، قرفٌ صريح من نبرة الحديث، ومن صاحبة الحديث نفسها.
كانت الكلمات بالنسبة لها تعدّيًا لا مبرر له، وتدخّلًا فجًّا لا تُطيقه.
التفتت إليها بعينين حادّتين، وصوتها خرج جافًا، خاليًا من أي مجاملة، يحمل رفضًا قاطعًا لا لبس فيه:
ـ مبعرفش اعمل، ولو جدعه وعايزة تعملي، المطبخ قدامك .
ساد المكان توترٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشَق.
توقفت «لوزة» عند حدّها، بينما بقيت «فايزة» ثابتة في مكانها، نظرتها لا تحمل سوى نفورٍ واضح، وإحساسٍ داخلي يؤكد لها أن هذا الاحتكاك لن يكون الأخير.
كادت أن تدير ظهرها وتغادر المكان، بعدما ضاق صدرها حدّ الاختناق، وشعرت أنّ الوقوف أكثر لم يعد في طاقتها.
كانت خطواتها مترددة، مثقلة بما يعتمل في داخلها من غضبٍ مكتوم، لكنها لم تُمهَل حتى تبتعد؛ إذ شعرت فجأة بقبضةٍ قوية تمسك يـ ـديها وتُجبرها على التوقف في موضعها، كأن الأرض قد شدّتها إليها عنوة.
تجمّدت للحظة، ثم التفتت بحدة، ونظرتها مشتعلة بالغضب حين وقعت على يـ ـد «لوزة» الممسكة بها بلا رحمة.
انتقلت عيناها من تلك القبضة إلى وجهها، وكان في نظرتها احتجاجٌ صامت، ورفضٌ صريح لما يحدث. كادت أن تتحدث، أن تفرغ ما في صدرها من كلماتٍ حارقة، لكن الصوت سبقها.
قاطعتها «لوزة» بحدةٍ قاسية، نبرة خرجت مشحونة بالضيق والتهديد، لا تحتمل نقاشًا ولا تقبل تراجعًا:
ـ اسمعى بقي يا بنت سيد عشان انا خلقي ضاق اوي منك، هتعاملي اختك بما يرضى الله، ولا مش هتعمليها؟؟
ومع نهاية كلماتها، شدّت قبضتها أكثر، كأنها تريد أن تزرع حديثها في لحـ ـمها.
اشتدت على يـ ـديها بقسوة، فتبدّلت ملامح «فايزة» في لحظة؛ تلاشى الغضب من وجهها وحلّ مكانه الألم، ارتسم واضحًا في عينيها وانقباضة فمها.
صرخت متألمة، محاولة أن تُفلت نفسها من تلك القبضة، وبقوةٍ مفاجئة أبعدتها عنها، وكأنها تنتزع نفسها من قيدٍ خانق.
لكن «لوزة» لم تكتفِ، بل تقدّمت خطوة وهتفت بحدةٍ أشد، صوتها مرتفع يحمل وعيدًا صريحًا:
ـ لازم تتعلمى الادب يا بنت سيد يا انا يا انتِ .
كانت الكلمات كالسهم، أصابت ما تبقى من صبرها.
لم تُجب، بل استدارت بعنف وغادرت المكان بخطواتٍ سريعة، صدرها يعلو ويهبط، وغضبها يسبقها إلى الخارج.
تركت خلفها «لوزة» واقفة في مكانها، تشتعل نارًا، تتوعد لها في صمتٍ ثقيل، وتفكّر بأكثر من طريقة، طرقٍ لا تحمل في طياتها سوى نيةٍ واضحة لتدميرها.
❈-❈-❈
كان «باسم» يجلس في المحل وقد غلب عليه الشرود، جسده حاضر بين الجدران الضيقة ورائحة الذهب المتراكم، أمّا روحه فكانت بعيدة، غارقة في دوامةٍ لا تهدأ.
عيناه معلقتان في الفراغ، لا تريان شيئًا مما حولهما، وكأن المكان بأكمله قد تلاشى ولم يبقَ سوى أفكاره التي تنهش عقله بلا رحمة.
كان ذهنه يعيد ترتيب المشهد مرارًا وتكرارًا، يقلبه من كل زاوية، يبحث عن ثغرة، عن خطأٍ لم ينتبه له، عن لحظةٍ انزلقت من بين يديه دون أن يشعر.
يفكر في أمر تلك الزيجة التي لم تكن يومًا عفوية، بل خُطِّط لها بعناية، رُسمت خطوطها في الخفاء، خطوةً تلو الأخرى، حتى ظنّ أنه أمسك بالخيط الأخير وبات النصر قريبًا منه أكثر من أي وقتٍ مضى.
لقد خطط للزواج، وخطط لانفصال «فيروز» عن «نصار»، وبنى في خياله نهايةً واحدة لا تقبل التغيير، نهاية يكون هو محورها، وتكون هي من نصيبه، بعد كل ما دُبِّر وكل ما دُفع من ثمن.
لكنه الآن يجد نفسه أمام حقيقةٍ قاسية، حقيقة تصفعه بلا شفقة؛ ففي النهاية، وبكل تلك البساطة المؤلمة، يحصل شقيقه عليها.
شقيقه… هو من يقف في موضعه الآن، هو من تُفتح له الأبواب، بينما يقف «باسم» خارج الصورة، عاجزًا حتى عن الاعتراض بصوتٍ مسموع.
شعر بمرارةٍ تتسلل إلى صدره، مرارة أشد من الغضب، لأنها ممزوجة بالعجز والانكسار معًا.
وبالنهاية تتزوج من شقيقه؟؟.
ترددت العبارة في رأسه كصدىٍ ساخر، يتكرر دون توقف، وكأن القدر نفسه يتهكم عليه، يبتسم ابتسامةً لاذعة وهو يقلب الموازين فوق رأسه.
شدّ قبضته ببطء، أنفاسه ثقيلة، وقلبه يضج بأسئلةٍ بلا إجابة.
يا لسخرية القدر.
قطع تأملاته فجأة ضجيجٌ عنيف اخترق سكون المكان، أصوات الناس تتعالى بالصراخ والنداء، تختلط بالفوضى والهلع، حتى تسللت إلى أنفه رائحةٌ خانقة، رائحة حريقٍ حادّة أشعلت الخوف في صدره قبل أن تكتمل الصورة في عقله.
انتفض «باسم» من موضعه كمن لُدغ، واتسعت عيناه بفزعٍ صامت، ونهض دفعةً واحدة كأن الأرض قد لفظته.
اندفع خارج المحل بلمح البصر، خطواته متعثرة، وقلبه يسبق جسده، حتى اصطدم المشهد بعينيه كصفعةٍ قاسية؛ أمامه كان محله الجوهركي يحترق، ألسنة اللهب تتراقص بجنون، تلتهم الجدران والخشب والزجاج، والدخان الأسود يتصاعد كثيفًا، يحجب السماء ويخنق الأنفاس.
وقف للحظة مشلولًا، لا يصدق ما يرى، وكأن عقله يرفض الاعتراف بالحقيقة التي تشتعل أمامه.
كاد أن يندفع إلى الداخل مجددًا دون تفكير، تحركه غريزة الإنقاذ واليأس معًا، يريد أن ينتشل شيئًا… أي شيء، من بين النار التي تبتلع تعبه وذكرياته.
لكن يدًا قوية أمسكت به فجأة، كانت يد «إيهاب» الذي صرخ به بجنون، صوته مبحوح ومشحون بالرعب، يأمره على الأقل أن يتوقف عما كان يفعله، أن يتراجع قبل أن تلتهمه النيران كما التهمت كل ما في الداخل.
تصلّب «باسم» مكانه، جسده مشدود إلى الأمام وقلبه يُسحب إلى الخلف، يتأرجح بين الرغبة في الدخول والخوف الذي فرضه الواقع.
كان اللهب أعلى من أي محاولة، والحريق قد حسم أمره، لم يترك شيئًا للنجاة، لا بضاعة، ولا جدران، ولا حتى أملًا متشبثًا بالحياة.
فالحريق لم يحرق المحل فقط، بل أحرق كل شيء… وأولهم قلبه وحلمه…
❈-❈-❈
خرجت «فايزة» من الباب بخطواتٍ سريعة متوترة، وما إن تجاوزت العتبة حتى أغلقته خلفها بعنف، فصدر عنه صوتٌ عالٍ حادّ شقّ سكون المكان، كأنه صدى لما يعتمل داخل صدرها من ضيقٍ وغضب.
توقفت لحظة في الممر، أنفاسها متلاحقة، وملامحها مشدودة، وعيناها تقدحان بشررٍ مكتوم، كأن النار التي بداخلها تبحث عن مخرج.
كانت تستشيط غضبًا من تلك المرأة، من حديثها، من نظراتها التي تشعرها دومًا بالاتهام، ومن وجودها ذاته، وجودٌ ثقيل خانق لا يمر دون أن يترك أثرًا مزعجًا في النفس.
شعرت وكأن الجدران تضيق عليها كلما تذكرتها، وكل كلمة قيلت عادت ترنّ في أذنيها بإلحاحٍ مستفز، يوقظ داخلها رغبة في الصراخ والاعتراض.
تأففت بضيقٍ واضح، وزفرت زفرةً طويلة محمّلة بالضجر، كأنها تحاول أن تطرد ذلك الشعور المقيت من صدرها، لكنها فشلت.
عدّلت من وضع ثوبها بعصبية، واستعدت للذهاب إلى ذلك المشفى، المكان الذي لا يقل إزعاجًا عن غيره، حيث السكون الثقيل ورائحة المطهرات، وذلك النائم الذي يزيد وجوده من ثقل يومها.
سارت بخطواتٍ حادة، وكل خطوة تحمل معها غضبًا مؤجلًا، ووعيدًا صامتًا، وعقلها يعجّ بأفكارٍ متشابكة، لا تهدأ ولا تعرف طريقًا للسكينة، وكأن هذا اليوم قد قرر أن يستنزفها حتى آخر ذرة صبر.
نظرت إلى الشوارع الممتدة أمامها، فوجدتها على غير عادتها هادئة، سكونٌ ثقيل يخيّم على المكان كأن القرية بأكملها تحبس أنفاسها.
لمحت الأبواب الموصدة، والنوافذ الخالية من الوجوه المتلصصة، فأدركت في لحظةٍ غامضة أن أمرًا ما قد حدث، حادثٌ جمع أهل القرية في بقعةٍ واحدة وترك الطرقات فارغة إلا من الصمت.
هذه القرية، برغم فضولها المفرط وتدخلها الدائم في أدق التفاصيل، إلا أنها حين تقع المصائب، تقف صفًا واحدًا، تتجمع كالجسد الواحد حول الحدث، لا يفوتها شيء.
تابعت سيرها بخطواتٍ هادئة مترددة، وقلبها منقبض دون سببٍ واضح، كأن إحساسًا خفيًا كان يهمس لها بالخطر.
كانت خطواتها تلامس الأرض بحذر، وعيناها تجولان في المكان محاولةً استيعاب هذا الهدوء المريب.
وفجأة، قطع سكون اللحظة صوتُ نساءٍ من خلفها ينادينها باسمها.
انتفض قلبها، والتفتت إليهن بسرعة، فرأت أربع سيداتٍ منتقبات، لم تستطع تمييز ملامحهن، ولا حتى قراءة ما خلف تلك العيون المختبئة.
ترددت للحظة، وكادت أن تنطق وتسألهن من هنّ، وما الذي يردنه منها، لكن الكلمات لم تسعفها، ولم يمهلها القدر حتى تلتقط أنفاسها.
في طرفة عين، شعرت بأيدٍ غليظة تقبض على ذراعيها بإحكام، وأخرى تشد قدميها وتشل حركتها، بينما انقضّت ثالثة لتضع يديها على فمها بقسوة، تخنق صرختها قبل أن تولد.
تجمّد جسدها من الرعب، واتسعت عيناها بفزعٍ لا يوصف، وقبل أن تستوعب ما يحدث، هوت عصا حديدية على جسدها، ضربةً تلو الأخرى، كالسوط، تنزل بقسوة على ظهرها، ثم على معدتها وبطنها، ثم تتناثر اللكمات من كل اتجاه، بلا رحمة، بلا شفقة.
شعرت بالألم يتفجر في أوصالها، كأن جسدها لم يعد يحتمل هذا الكم من الوجع، وكأن كل ضربة كانت تمزق شيئًا في داخلها، لا في جسدها فقط.
أطلقت صرخةً مكتومة تحت يدي المرأة التي كانت تكتم فمها، صرخةً مشوهة لم يسمعها أحد، وغرقت دموعها في صمتٍ قاسٍ، تنهمر بلا صوت، بينما الألم ينهشها مع كل هبوطٍ لتلك العصا الحديدية على جسدها المنهك.
كانت تبكي بصمت، روحها تئن قبل جسدها، ولا شيء يحيط بها سوى الظلام والخوف والوجع.
و…
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية