-->

رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 8 - الجمعة 5/6/2026

الجمعة, يونيو 05, 2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026

قراءة رواية  قسوة نصار كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى





رواية قسوة نصار 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة توتا محمود


الفصل الثامن

تم النشر يوم الجمعة

5/6/2026


الفصل السابق

ي مستهلِّ هذا الفصل،
لا تبدأ الحكاية،
بل يبدأ القلب في الاعتراف.


❈-❈-❈

تجمّد «نصار» في موضعه، وكأن الكلمات التي سمعها قد شلّت حركته تمامًا. 

ظلّ جالسًا على الكرسي بلا حراك، عيناه متسعتان، ونَفَسه محبوس في صدره، وقد تردّد صدى الجملة في رأسه مرارًا. 

لقد سمع جيدًا.. 

سمع بوضوح لا يقبل الشك، لكن عقله أبى أن يستوعب المعنى. 

أما ماذا سمع؟ وكيف انقلبت الأمور بهذه السرعة؟ أسئلة متلاحقة اصطدمت بعقله في لحظةٍ واحدة، فتركته في ذهولٍ كامل.

دار ببصره ببطء حوله، فتعلّقت عيناه برجال القرية، وقد ارتفعت همساتهم فجأة، همساتٌ ممتزجة بالدهشة والإنكار، ونظراتٌ متبادلة تحمل عدم تصديقٍ صريح لهذا الإعلان. 

بعضهم بدا مذهولًا، وبعضهم الآخر عقد حاجبيه في ريبة، وكأن ما قيل قد قلب موازين اعتادوا عليها طويلًا.

تحوّل نظره بعدها إلى «فارس»، فرآه واقفًا ينظر إلى والده هو الآخر بصدمةٍ لا تقلّ عنه حدّة. 

كانت ملامحه جامدة، وعيناه معلّقتان بـ«سراج»، وكأنهما تبحثان عن تفسيرٍ آخر، عن نفيٍ ما، عن أي شيءٍ يخفف وقع هذه اللحظة الثقيلة.

وفي تلك النظرة المشتركة، أدرك «نصار» أنه ليس وحده من تفاجأ، وأن ما سمعه لم يكن خطأ سمعٍ ولا وهم خيال.

في تلك اللحظة بالذات، انكشفت الحقيقة كاملةً أمامه، واستقرّ في داخله يقينٌ ثقيل لا مفرّ منه؛ لقد صدق ما قيل، ولم يكن وهمًا أبدًا. 

ما حدث واقعٌ لا يمكن الفرار منه، واللحظة التي حاول عقله إنكارها، باتت الآن حقيقةً جاثمة، تغيّر كل شيء من حوله، وتفتح أمامه طريقًا لم يكن يتخيّل يومًا أنه سيسلكه.

ارتفع صوت «سراج» عاليًا، قويًا، فاخترق همسات الرجال وتردّد صداه في أرجاء المجلس، حتى خيّم الصمت فجأة، وسكنت الحديقة بما فيها من أنفاسٍ متحفزة:

ـ من هنا و رايح ده كبيركم من بعدى، واي مشكله معاكم، او احتاجتوا حاجه تعالوا لنصار وهو مش هيخيب امالكم  .

كانت الكلمات حاسمة، لا تحتمل تأويلًا ولا رجعة، كأنها ختمٌ نهائي على ما أُعلن منذ لحظات. 

شعر «نصار» بأن الأرض تميد تحته، لكنه أجبر نفسه على استعادة توازنه، وراح يضغط على يديه فوق ذراعي الكرسي، وكاد أن ينهض، مدفوعًا بغريزةٍ غامضة للهروب أو الاعتراض.

لكن «سراج» لم يترك له مجالًا لذلك. تقدّم نحوه بخطواتٍ واثقة، صامتة، ثم توقف أمامه مباشرة. 

مدّ يده، ونزع العمامة التي كانت تعلو رأسه، ورفعها قليلًا، قبل أن يضعها فوق رأس «نصار» بنفسه، بحركةٍ تحمل رمزًا أثقل من الكلمات.

ثم التفت إلى رجال القرية، وهتف بنبرةٍ صارمة ممتزجة بفخرٍ واضح:

ـ رحبوا بكبير قريتكم  .

وما إن نطق بهذه الجملة، حتى دوّى المكان بأصوات الرجال، يهتفون باسم «نصار»، كبيرهم الجديد، تعالت الهتافات متلاحقة، تحمل في طيّاتها القبول والتسليم، وكأن القرار قد كُتب وانتهى أمره.

اقترب الأب منه خطوةً أخرى، وانحنى قليلًا، ثم قال بصوتٍ حازم لا يقبل النقاش، وإن خلا من القسوة:

ـ قوم قولهم السلام عليكم  .

نظر «نصار» إلى والده بحدّةٍ مكتومة، نظرة رجلٍ وجد نفسه محاصرًا بقرارٍ لم يُستشر فيه. 

كان يشعر بأنه مقيّد، محشور بين خيارين أحلاهما مرّ؛ إما أن يكمل هذه المهزلة حتى آخرها، أو أن يدير ظهره ويرحل، تاركًا والده في موقفٍ لا يُحسد عليه أمام أهل القرية.

لم يُمهله عقله طويلًا.

دون تفكيرٍ إضافي، وقف مستقيمًا، والعمامة على رأسه أثقل من الجبال، ثم قال بنبرةٍ صارمة حاول أن يثبت بها تماسكه:

ـ السلام عليكم  .

جاءه الردّ جماعيًا، ثابتًا، مشوبًا بالفخر، وكأن الصدمة قد تلاشت سريعًا من وجوه معظم الرجال، واستبدلت بقبولٍ صامت. 

وحده «سيد»، الجالس في مكانه، ظلّ جامد الملامح، لا تزال الدهشة تقيّده، وعيناه معلّقتان بـ«نصار»، غير قادرٍ على استيعاب هذا القرار حتى اللحظة.

❈-❈-❈

كانت «فايزة» تجلس إلى جوار «سالم» وقد تسلّل إليها الملل ببطءٍ ثقيل.

الغرفة ساكنة، لا يقطع صمتها سوى صوت أنفاسه المنتظمة، وهو غارق في غيبوبته كأن العالم من حوله لا يعنيه.

أسندت ظهرها إلى المقعد، وأمسكت بهاتفه، تقلّب فيه بلا اهتمام حقيقي، تفتح مقاطع الفيديو واحدًا تلو الآخر، تضحك أحيانًا بلا روح، وتتنهد أحيانًا أكثر، محاولةً قتل الوقت الذي بدا أطول من اللازم.

ومع مرور الدقائق، داهمها الجوع، فاعتدلت في جلستها، وألقت نظرة أخيرة عليه، ثم نهضت بهدوء، وغادرت الغرفة لتأكل شيئًا، تاركة «سالم» وحده، تحيط به السكينة من كل جانب.

لم تمضِ لحظات حتى دخلت «سما» الغرفة، بعد أن رأت «فايزة» تبتعد.

أغلقت الباب خلفها بهدوء، وتقدّمت بخطواتٍ مترددة. وقع بصرها عليه، ممددًا في مكانه، ملامحه ساكنة، كأن النوم قد شدّ عليها ستاره بإحكام.

اقتربت منه، ووقفت عند طرف السرير، ثم انحنت قليلًا، وهتفت بعفويتها المعتادة، دون تكلّف أو تردّد:

ـ طب اسمع بقي انا عارفه انك صاحي وبتستعبط، انا شوفتك بعيني بتحرك ايدك، وجايه اقول لصحبتي قامت مكدابني، وانا الكدب عمره ما يعرف لساني، يعني اه انا ست قادرة، ومش بسكت عن حقي، فـ انت لازم تصحى، وحياة امك وابوك يا شيخ فوق، كده مينفعش  .

كانت كلماتها تنساب بخفّة، ممتزجة بشيءٍ من الجد وشيءٍ أكبر من الرجاء، وكأنها تخاطبه وهو يسمعها حقًا.

اقتربت خطوةً أخرى، وحدّقت في وجهه عن قرب، فلاحظت ملامحه الوسيمة وقد ارتسم عليها هدوءٌ لافت، بشرته تشعّ بنقاءٍ غريب تحت إضاءة الغرفة الخافتة.

ابتسمت دون قصد، ومال صوتها إلى نبرةٍ أدفأ، تحمل محبةً واضحة رغم ما تحاول إنكاره، وقالت:

ـ اه ملامحك وسيمة، وحلو، بس ده ميمنعش يا باشا اني مش زعلانه  .

بقيت واقفة مكانها، تنظر إليه طويلاً، بين ابتسامةٍ خفيفة وعتبٍ صامت، بينما ظلّ هو ساكنًا، لا يرد، تاركًا كلماتها معلّقة في هواء الغرفة. 

تعلّقت عيناها به بلهفةٍ صادقة، وكأن العالم بأسره قد انحصر في ملامحه الساكنة.

كان قلبها يخفق بقوة، حتى شعرت أن صوته يملأ الغرفة قبل أن تخرج الكلمات من فمها. 

هتفت بحماسٍ وسعادةٍ كأنهما يفيضـان من صدرها ليغرقا المكان:

ـ طب ادينى اشارة واحدة بس اعرف انك سامعنى وان اللي حصل ده مش صدفه  .

انحنت قليلًا، وقرّبت وجهها منه، تراقب أصابعه بدقّةٍ شديدة، تحبس أنفاسها مع كل ثانية تمرّ، لكنها لم تجد أي حركة.

لم تيأس، بل ابتسمت ابتسامةً مشجّعة، وارتفع صوتها بنبرةٍ حماسية تبثّ فيه القوة وكأنه يسمعها حقًا:

ـ يلا انت قوى وهتعملها  .

مرّت ثوانٍ بدت لها أطول من العمر، ثم فجأة رأت الحركة التي كانت تنتظرها؛ أصابع يده اليسرى تتحرّك ببطءٍ خفيف، لكنها واضحة لا لبس فيها.

اتّسعت عيناها، واندفع صوتها عاليًا، مفعمًا بالفرح، حتى كاد أن يوقظ الغرفة بأكملها:

ـ انت اقوى حد شوفته في حياتي، ومبسوطه اوى انك سامعنى  .

اقتربت منه أكثر، جلست عند حافة السرير، وانخفض صوتها قليلًا، لكنه لم يفقد حماسه، بل اكتسى دفئًا وصدقًا وهي تقول بهدوءٍ يحمل وعدًا خفيًا:

ـ بس انت لازم تفوق حتي اتعرف عليك، لازم، شكلنا هنبقي صحاب يا سالم  .

بقيت عيناها معلّقتين به، تبتسم بأملٍ جديد، وكأن تلك الحركة الصغيرة قد أعادت إليها الإيمان بأن الغد قد يكون أقرب مما تتخيّل. 

انتبهت فجأةً إلى صوت خطواتٍ مسموعة تقترب من الغرفة، خطواتٍ واضحة كسرت سكون المكان.

ارتجف قلبها بخفة، فابتعدت عنه قليلًا على الفور، واستدارت بنظرها نحو الباب.

لم يطل انتظارها؛ فقد ظهرت «فايزة» عند المدخل، تتفحّص المشهد بعينٍ فاحصة.

تبادلت المرأتان النظرات، وكانت «فايزة» أول من كسر الصمت، إذ تأملت هيئة «سما» ووقفتها القريبة من السرير، ثم هتفت بنبرةٍ تحمل الريبة والمراقبة:

ـ انتِ بتعملي اي يا شاطرة هنا  .

أجابت «سما» سريعًا، لكن نبرة صوتها لم تُخفِ انزعاجها، فقد شعرت بعدم ارتياحٍ واضح تجاه هذه الفتاة منذ اللحظة الأولى. 

رفعت رأسها قليلًا، وقالت ببرودٍ متعمّد:

ـ ممرضة هنا، هكون بعمل اي يعني، جايه انقش الاوضة  .

اشتعل الغضب في عيني «فايزة»، وارتفع حاجباها بحدة، وكأن الردّ أصابها في موضعٍ حساس. 

تقدّمت خطوة، وهتفت بصوتٍ قاسٍ لا يخلو من الاستعلاء:

ـ انتِ ازاي تكلمى مع اسيادك كده، انتِ اتجننتي؟؟  .

نظرت «سما» حولها ببطء، وكأنها تبحث عمّن تقصده، ثم أطلقت ضحكة ساخرة خافتة، قبل أن تردّ وهي تشيح بنظرها في أرجاء الغرفة:

ـ اسيادى، هما فين اسيادي مش شايفهم  .

ازداد تعالي «فايزة» وضوحًا، واستقامت في وقفتها، وارتسم على وجهها فخرٌ مبالغ فيه، ثم أعلنت بنبرةٍ متعجرفة:

ـ انا مرات عمدة البلد، فـ لازم تحترميني يا شاطره  .

خيّم توترٌ ثقيل على الغرفة، وتعلّقت الكلمات في الهواء، وكأن المكان بأسره ينتظر ردًّا قد يشعل مواجهةً لا تُحمد عقباها. 

تأمّلتها «سما» من رأسها حتى قدميها، نظرةً بطيئة فاحصة، كأنها تزن كلماتها لا أكثر. 

مرّت ثوانٍ قصيرة، ثم فجأة انفجرت ضاحكة، ضحكة عالية غير متوقعة، بدت كأن ما قيل لتوّه لم يكن سوى مزحة عابرة لا تستحق الغضب. 

ازداد ارتباك «فايزة»، وتيبّست ملامحها وهي تحاول فهم هذا التصرف المستفز. 

وما إن هدأت ضحكة «سما»، حتى رفعت رأسها وقالت بنبرةٍ ساخرة تقطر استهزاءً:

ـ معلش يعني، يعني مرات عمده البلد ؟؟؟، ده ولا كأنك مرات رئيس مثلا  .

اشتعل الغضب في عيني «فايزة»، وانقلبت دهشتها إلى حنقٍ واضح. 

تقدّمت خطوةً سريعة، ورفعت سبابتها في وجه «سما»، وصوتها يخرج حادًا كالسوط:

ـ هتعرفي انا مين قريب، وقت ما اجيبك عندى واخليكي تعتذري ليا قدام البلد كلها  .

في اللحظة نفسها، تبدّلت ملامح «سما» تمامًا.

اختفت السخرية، وحلّت محلها نظرة شرسة، ثابتة، لا تعرف المزاح. 

تكلّمت بهدوءٍ مريب، هدوءٍ يحمل في طيّاته تهديدًا صريحًا، وهي تحدّق في الإصبع المرفوع أمامها:

ـ نزلي صابعك بدل ما اقطعهولك، وانا مبعتذرش لحد، ولا هعتذر  .

استدارت لتغادر الغرفة بخطواتٍ ثابتة، لكنّها توقّفت عند الباب فجأة، والتفتت نحوها بنظرةٍ حادّة، وأردفت ببرودٍ قاطع:

ـ واه انا سما رفعت، لو عرفتي تعملي حاجه، ابقي اعمليها  .

ثم أكملت وهي تغادر، رافعةً صوتها عمدًا حتى تصل كلماتها واضحة لا لبس فيها:

ـ اشكال بنشوفها أخر الليل ما يعلم بيها غير ربنا  .

وأغلقت الباب خلفها، تاركةً «فايزة» واقفةً في مكانها، تغلي غضبًا، وصدرها يعلو ويهبط بعنف. 

استدارت فجأة نحو «سالم»، وعيناها تقدحان شررًا، فضربت كرسي الفراش بغيظٍ حتى اهتزّ، وهتفت بغلٍّ مكبوت:

ـ كل ده بسببك، لو كانت صاحى، وبقيت عمده البلد ومسبتش الكرسي وقاعد في غيبوبتك دي، مكنش حد استجرأ واتكلم معايا نص كلمه  .

ظلّ صدى كلماتها معلّقًا في الغرفة، ثقيلًا، مشحونًا بالغضب، بينما بقي هو ساكنًا لا يرد، وكأن الصمت وحده كان الشاهد على انكسارها.

❈-❈-❈

كانت «فيروز» جالسةً في غرفتها، تحيط بها سكينةٌ ثقيلة لا يقطعها سوى خفقان قلبها المتسارع.

الإضاءة الخافتة تنسدل على الجدران، والهواء ساكن كأنه يتواطأ مع حزنها. 

حدّقت طويلًا في هاتفها، ثم فتحت تطبيق الصور، فتدفّقت أمام عينيها لقطاتٌ كانت تجمعها بـ«نصار».

توقّفت عند إحداها، وأخذت تتأمّل ملامحها فيها؛ ذلك الاطمئنان الذي كان يكسو وجهها، وتلك السعادة الصادقة التي كانت تنطق من عينيها دون كلمات. 

انهمرت دموعها بصمت، قبل أن تنتقل بنظرها إلى صورته هو، فتقرّب الصورة أكثر، وتتأمّل ملامحه الهادئة الساكنة، وكأنها تبحث فيها عن بقايا دفءٍ فقدته.

اختنق صوتها، ولم تعد قادرة على كتم ما في صدرها، فبكت وهي تهتف بقهرٍ حقيقي، قهرٍ نابع من أعماق قلبٍ موجوع:

ـ ليه يا نور عيني، ليه تعمل فيا كده، ليه، اهون عليك لدرجاتى، عايز تخلص منى، وتشوف حياتك بعيد عنى، طب ليه، ده انا كنت روحى فيك  .

شهقت من شدّة البكاء، وارتجف جسدها، ثم واصلت حديثها وكأن قلبها هو من يتكلم، يبكي معها ويعترف بما عجزت عنه طويلاً:

ـ انا معرفش والله، ليه اتغيرت معايا كده، انا بعشقك يا نصار ومش عارفه اكرهك  .

ومع تدفّق الدموع، داهمتها كلماتها التي قالتها في الصباح، فاشتدّ بكاؤها، وخرجت شهقة عالية كسرت سكون الغرفة:

ـ كنت متضايقه منك ساعتها، كنت عايزك تعرف انى قوية من غيرك، بس انا مش قوية، انا ضعيفه بدونك يا نصار، ضعيفه اوي  .

أطبقت الهاتف على صدرها، وضمّته بكل ما أوتيت من شوقٍ وألم، كأنها تعانقه هو حقيقةً، لا صورةً جامدة.

أخذت تبكي وتهمس باعترافاتها، تفرغ حبّها بين شهقاتها، بينما كانت الغرفة والليل من حولها شاهدين صامتين على قلبٍ أحبّ بصدق، وانكسر بعمق.

❈-❈-❈

بعد ساعةٍ كاملة…

دخل «نصار» و«سراج» و«فارس» إلى المنزل، وكان الهدوء الذي يحيط بهم مريبًا، هدوءًا لا يشبه السكينة بقدر ما يشبه العاصفة قبل انفجارها. 

خطواتهم كانت بطيئة، متثاقلة، كأن كل واحدٍ منهم يحمل فوق كتفيه ثقل ما جرى، وثقل ما قيل، وثقل ما لم يُقال بعد.

جدران البيت بدت صامتة على غير عادتها، وكأنها تشهد بدورها على توترٍ مكتوم يملأ المكان.

ما إن أغلق الباب خلفهم، حتى توقّف «نصار» في موضعه، واستدار ببطء نحو والده الذي كان يسير خلفه.

كان صوته هادئًا حين تكلّم، هدوءًا يخالف تمامًا ما يعتمل في صدره من غضبٍ واعتراض:

ـ ليه؟؟  .

رفع «سراج» رأسه إليه، وبدت على ملامحه الحيرة أكثر من أي شيءٍ آخر، ثم أجابه وكأنه لا يدرك مقصده:

ـ ليه في اي  .

اقترب «نصار» منه خطوة، وعيناه معلّقتان بوجهه، وفي صوته عتابٌ ثقيل، عتاب ابنٍ وجد نفسه في موضعٍ لم يختره:

ـ ليه عملت كده، المكان اللي قعدت فيه ده مش مكانى ولا هيبقي مكانى، ده مكان سالم  .

تنفّس «سراج» بعمق، وكأن الكلمات تثقل عليه، ثم قال بهدوءٍ مشوبٍ بالحيرة، يحاول أن يكون منطقيًا في مواجهة غضب ابنه:

ـ وتقدر تقولي فين سالم؟؟  ، سالم في الغيبوبه والله اعلم هيصحى امتى، وانا الله اعلم بيا هموت امتى، فـ اكيد مش هنسيب الكرسي فاضى   .

انعقد حاجبا «نصار» بشدّة، وتفجّر غضبه أخيرًا بعد أن طفح به الكيل من هذا الهدوء الذي يراه غير مبرّر.

ارتفع صوته وحدّته وهو يهتف بانفعال:

ـ ما يصحى وقت ما يصحى، وبعدان انا مش مكانى هنا، ولا عمره هيبقي مكانى هنا   .

في تلك اللحظة، اشتعل غضب «سراج» هو الآخر.

قبض على عصاه التي يستند عليها، وتقدّم خطوة، ثم أبعد «نصار» بها عن قربه، وصوته يخرج قاسيًا وهو يلومه بمرارةٍ واضحة:

ـ مكانك فين يا ترى، انا اقولك مكانك فين، مكانك هناك متغرب بعيد عن اهلك، وبيتك، يبقي بيتك ومكانك هناك صح  .

ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماته، صمتٌ كأن البيت بأكمله انكمش تحته.

وقف «نصار» ثابتًا في مكانه، ونظراته مشدودة، فيما بقي «فارس» يراقب المشهد بصمت، مدركًا أن ما يحدث ليس مجرد خلافٍ عابر، بل صدامٌ حقيقي بين قرارٍ فُرض، وقلبٍ يرفض أن يُساق إلى ما لا يريده.

وقف «نصار» في مكانه، وكتفاه مثقلتان بكلماتٍ لم يعد قادرًا على كتمها أكثر.

تنفّس بعمق، وكأن الهواء لم يعد يكفي رئتيه، ثم تكلّم بصوتٍ خرج واهنًا على غير عادته، صوتًا التقط «سراج» و«فارس» ما فيه من انكسارٍ خفي قبل أن يلتقطا معناه:

ـ انا قبلها بساعتان، حجزت علي طيارة بكره الصبح، وهمشي، انت عارف انه مكانى مش هنا، والأحسن ليا ولقلبي اني امشي  .

ساد صمتٌ خاطف، لكنّه كان مشحونًا حدّ الاختناق. لمح «سراج» ذلك الضعف الذي لم يعتد رؤيته في ابنه، فاشتعل غضبه بدل أن يلين. 

اقترب منه بخطواتٍ حادّة، وعيناه تقدحان قسوة، ثم هتف بصوتٍ جافّ لا يعرف الرحمة:

ـ طالما ضعيف، وقدرت واحده ست تخليك ضعيف يبقي امشي، روح في ستين داهية  .

لم يكتفِ بذلك، بل أكمل بحدّةٍ أشدّ، وهو يمسك أطراف قميص «نصار» بعصبيةٍ واضحة، قبضته ترتجف من الغضب.

حاول «فارس» أن يتدخل، اندفع خطوةً للأمام، لكن «سراج» دفعه بقسوة بعيدًا عن المشهد، وكأن لا أحد يملك حق الوقوف بينه وبين ابنه في هذه اللحظة.

عاد بنظره إلى «نصار»، وحدّق فيه بغضبٍ عاصف، ثم قال بصوتٍ أثقل، يحمل في طيّاته عتاب سنواتٍ دفينة:

ـ بس عايزك تعرف حاجه واحده بس، انا لما قبلت زمان تاخد شهادتك هناك، وتعرف خبره عن هناك، وافقت عشان كنت عارف انك هتحط في بالك ان بلدك هنا، معايا انا، وجنب عيلتك، لكن انت جاى تقولي ان مكانك مش هنا، يبقي فعلا مكانك مش هنا، واطلع برا يا نصار، ومشوفش وشك تاني  .

أنهى كلماته ودفعه بعيدًا عنه مرةً أخرى، وصدره يعلو ويهبط بعنف، ثم ارتفع صوته أكثر وهو يشير نحو الخارج بعصبيةٍ جارحة:

ـ برا  .

ظلّت الكلمة الأخيرة معلّقة في أرجاء البيت كصفعةٍ مدوّية. 

وقف «نصار» ثابتًا، جسده متيبّس، وقلبه ينزف بصمت، بينما بقي «فارس» يراقب المشهد بعينين مثقلتين بالعجز، مدركًا أن هذه اللحظة لم تكن مجرد خلاف، بل كسرٌ عميق قد لا يلتئم بسهولة.

رفع «نصار» بصره ببطء، وعيناه غارقتان في غيومٍ كثيفة من الدموع، دموعٌ معلّقة لم تسقط بعد، لكنها كانت أثقل من أن تُحتمل. 

نظر إلى والده نظرةً طويلة، نظرة ابنٍ تلقّى طعنةً موجعة من أقسى مكانٍ ممكن، من الكلمات التي خرجت بلا رحمة. 

ارتجف صدره، واشتدّ وجعه، لكنه ظلّ صامتًا، يبتلع انكساره بصعوبة.

اقترب «سراج» منه خطوةً أخرى، وهيبته تملأ المكان رغم حدّة الموقف. كانت ملامحه متصلّبة، وعيناه تشتعلان بالقسوة وحدها، لا لين فيها ولا تراجع. 

وقف أمامه مباشرة، كأنما يريد أن يقتلع هذا الضعف من صدره اقتلاعًا، ثم هتف بصوتٍ قويّ، قاطع، لا يقبل الشك ولا يسمح بالهروب:

ـ انا ابني مش ضعيف، نصار سراج السعداوي، عمده البلد وحفيد السعداوي عمره ما كان ضعيف، ولا هيبقي  .

دوّت كلماته في المكان كحكمٍ نهائي، تحمل في طيّاتها غضبًا وفخرًا في آنٍ واحد. 

ظلّ «نصار» واقفًا أمامه، تتصارع داخله مشاعر متناقضة؛ قسوة الكلمات من جهة، وثقل الاسم والمكانة التي أُلقيت على كتفيه من جهةٍ أخرى.

أما الصمت الذي أعقب الجملة، فكان أشدّ وقعًا من أي صراخ، صمتٌ يحمل بين ثناياه قرارًا، ووجعًا، ومصيرًا يتشكّل في تلك اللحظة.

كاد «سراج» أن يمدّ ذراعيه نحوه، أن يعانق «نصار» وهو في تلك الحالة المنكسرة، كأن قلب الأب قد تحرّك أخيرًا تحت وطأة ما رآه في عيني ابنه.

لحظة قصيرة مرّت، لحظة تردّدٍ صامت، بدا فيها وكأن القسوة توشك أن تتراجع أمام الرحمة، لكنّه تراجع في آخر لحظة.

شدّ ملامحه، وكبت ما اندفع في صدره، ثم أدار له ظهره دون كلمةٍ أخرى.

اتّجه بخطواتٍ ثقيلة نحو السلم المؤدي إلى الأعلى، خطواتٍ بطيئة لكنها حاسمة، يملؤها عناد رجلٍ قرر ألا يُظهر ضعفه، حتى وإن كان أمام ابنه.

ومع كل درجةٍ يصعدها، كان الصمت يزداد ثقلًا في أرجاء البيت، صمتٌ يضغط على صدر «نصار» ويتركه وحيدًا في مواجهة أفكاره المتشابكة.

توقّف «نصار» في مكانه، لم يتحرّك، وبقيت عيناه معلّقتين على ظهر والده حتى اختفى عن ناظريه.

عندها فقط شعر بثقل اللحظة كاملةً؛ تُرك وحده، بلا كلمة مواساة، بلا يدٍ تُسنده، تُرك لأفكاره تتصارع داخله، وللقرار الذي بات عليه أن يتّخذه وحده، قرارٌ سيحدّد مصيره، ويغيّر مجرى حياته إلى الأبد.

❈-❈-❈

كانت «لوزة» تجلس في صدر الغرفة، تنتظر عودة أبنائها وقلبها مثقلٌ بالقلق دون أن تعرف له سببًا واضحًا. 

عيناها معلّقتان بالباب، وكلّما سمعت وقع خطواتٍ في الخارج انتفض قلبها قبل جسدها.

وحين دخلوا أخيرًا، توقّفت الكلمات على شفتيها؛ فقد سبقتها ملامحهم المتحجّرة، وجوه شاحبة، وعيون زائغة كأنها تحمل ثِقل خبرٍ لا يُحتمل.

ابتلعت ريقها، وتراجعت خطوة إلى الخلف، ثم خرج صوتها حائرًا، متردّدًا، لا يخلو من خوفٍ خفيّ:

ـ مالك ياض انت وهو في اي  ؟؟

خيّم الصمت لحظةً ثقيلة. 

«إيهاب» أنزل بصره إلى الأرض، كأن البلاط صار أرحم من مواجهة عيني أمّه، ولم ينبس بحرف.

أمّا «باسم»، فبدا كمن ما زال تحت وقع الصدمة، يتحدّث وعقله لم يستوعب بعد ما جرى، وقال بصوتٍ مشوش:

ـ مش هتصدقي يما مين اللي هيبقي عمدة البلد  .

رفعت «لوزة» حاجبيها، وانساب إلى ملامحها ذلك اليقين الفطري الذي طالما رافقها، يقين المرأة التي اعتادت أن ترى الأمور محسومة من قبل أن تُقال، فهتفت بعفويةٍ واطمئنان:

ـ اكيد سالم اللي هيبقي من بعد ابوه  .

تنفّس «باسم» بعمق، كأن الاسم نفسه أثقل صدره، ثم مال برأسه قليلًا وهمس، والدهشة ما زالت تُقيّد صوته:

ـ ياريت، بس عم سراج غير قراره ونقل لقب العمدة لـ نصار  .

تجمّدت «لوزة» في مكانها. اتّسعت عيناها، وارتفع صدرها فجأةً، ثم خرجت شهقتها حادّة، مرتجفة:

ـ اي؟؟

لم تنتظر إجابة. اشتعل الغضب في ملامحها، واقتربت من «باسم» بخطواتٍ سريعة، كأنها تبحث عن تكذيبٍ بأي ثمن، وصاحت بانفعال:

ـ انت بتقول اي يا باسم انت شارب حاجه ياض  .

أغمض «إيهاب» عينيه للحظة، وكأنّه يحاول استجماع ما تبقّى من هدوئه، ثم قال بصوتٍ منخفض، ثابت، لا يحتمل الشك:

ـ لا مش شارب، نصار فعلا هيبقي عمدة البلد مش سالم  .

ارتدّت الكلمات عليها كصفعة. بدأت «لوزة» تتحرّك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، تضرب الأرض بقدميها، وشفتيها تتمتمان بقلقٍ يتسلّل إلى العظام.

همست بصوتٍ مرتجف، لكنه مسموع بما يكفي لأن يصل إلى أذني «إيهاب» و«باسم»:

ـ الزمان هيرجع من تاني، سراج مش بيحرم، هيبقي في عدوة بين نصار وسالم، زي ما في عدوة بين سيد وسراج، وممكن نصار يفتري علي ابنى عشان فيروز  .

ساد الصمت بعدها، صمتٌ أثقل من الكلام نفسه، وكأن الجدران استمعت واعترفت بخطورة ما قيل، وبدأت نُذر الفتنة تتسلّل بهدوءٍ مخيف إلى أرجاء المكان.

نظر «باسم» إلى والدته بذهولٍ حقيقي، وعقد حاجبيه في حيرةٍ صادقة، إذ لم يفهم مغزى كلماتها ولا ذلك القلق المتفجّر في عينيها، فخرج صوته متعجّبًا، متسائلًا:

ـ قصدك علي مين؟؟؟  ، واي اللي دخل فيروز؟؟

توقّفت «لوزة» عن الحركة فجأة، كأنّ سؤال ابنها شدّها من أفكارها شدًّا عنيفًا. 

استدارت نحوه بوجهٍ مشدود الملامح، ونبرةٍ حاسمة لا تحتمل النقاش، وكأنّها تُعلن أمرًا قد فُصل فيه وانتهى:

ـ انا روحت اتقدمت لابو فيروز، وابو فيروز وافق، وبعد ما تتطلق وتنتهي عدتها هيتجوزها ايهاب  .

جحظت عينا «باسم» على اتساعهما، وكأن الكلمات سقطت عليه صاعقةً لم يكن يتوقّعها، فاندفع صوته مذهولًا:

ـ اي؟؟

وفي اللحظة نفسها، انعقد حاجبا «إيهاب» بصدمةٍ ممزوجة بغضبٍ مكتوم، تقدّم خطوة إلى الأمام، وهتف بانفعالٍ لم يفلح في إخفائه:

ـ انتِ ازاي تتكلمي في الوقت ده اصلا، ومن غير ما تقوليلي  .

التفتت «لوزة» إليه بسرعة، وقد اشتعل الغضب في عينيها، فبادلت حدّته بحدّةٍ أشد، وصوتها يرتجف من فرط العصبية وهي تلوّح بيدها:

ـ القرية كلها بتتكلم علي فيروز، وان نصار طلقها عشان هي بتخون نصار معاك، دي سمعه بنت عايزنى اسكت واحط جزمه في بوقي، طيب وليه، فـ روحت اتكلم مع سيد وفهمته اللي حصل، فـ وافق سيد، واتفقنا انكم هتتجوزوا علطول بعد ما تخلص عدتها  .

كان «إيهاب» على وشك أن يردّ، أن يعترض أو يشرح أو يصرخ، لكن «باسم» سبقه، وانفجر غضبه دفعةً واحدة، صوته جهوريٌّ حادّ، ونظراته مشتعلة:

ـ كلام فارغ و زفت اي يما، بقولك اي، الجوازة دي مش هتحصل علي جزتي، فيروز هتبقي ليا انا، مش بعد ما عملت كل ده، تاخديها لإبنك علي الجاهز  .

لم تنتظر «لوزة» لحظةً أخرى. 

اقتربت منه بخطواتٍ سريعة، ورفعت يدها وصفعته صفعةً دوّى صداها في الغرفة.

تجمّد «إيهاب» في مكانه من هول المشهد، واتّسعت عيناه بصدمة، وكاد أن يتدخّل، أن يصرخ أو يمسك بيدها، لكن والدته أوقفته بإشارةٍ صارمة، ونظرةٍ لا تقبل اعتراضًا، لتبقى اللحظة معلّقة في هواءٍ ثقيل، مشحونٍ بالغضب والانكسار

اندفعت كلمات «لوزة» من صدرها كشررٍ متطاير، والغضب يكسو ملامحها ويُثقِل أنفاسها، فحدّقت فيه بعينين مشتعلتين، وصوتها يخرج حادًّا قاطعًا لا يعرف التراجع:

ـ إياك تفتكر، اني ساكته، يبقي مش عارفه بعمايلك، لا عارفه، وعارفه انك اتفقت مع فايزة عشان تقول لابوها ان الابن اللي في بطنها ده يبقي ابنك، عشان تخلي ابوها يسقط فيروز ويطلقها من نصار، وانت تيجي تاخدها كده  .

كانت الكلمات كالسياط، تضربه واحدةً تلو الأخرى، ومع كل حرف كانت قبضتها تشتدّ، وملامحها تزداد قسوة.

تقدّمت خطوة، ثم أمسكت بأطراف قميصه بعنفٍ وغليان، كأنها تحاول انتزاع الحقيقة من صدره انتزاعًا، وصاحت بعصبيةٍ خانقة:

ـ مخوفتش من ربك لما عملت كده ها، مخوفتش من ربك انك أذيت روح بريئه ملهاش اي ذنب، وكل ده عشان تنتقم من نصار، يا خي يلعن ابو الانتقام علي ابو الحب اللي خلاك كده  .

ثم دفعته إلى الخلف بقوة، فترنّح قليلًا قبل أن يستعيد توازنه، بينما هي وقفت شامخة، نبرتها هذه المرة قاطعة لا تقبل جدلًا ولا مساومة، كحكمٍ نهائيٍّ لا رجعة فيه:

ـ الجوازه هتم غصب عنك وغصب عن الناس كلها، جوازه إيهاب و فيروز هتم يا بن بطني، ومعندكش غير حلين، الحل الأول يإ ما تبقي ابنى وتصلح اللي عملته وتقف جنب اخوك وامك عشان الجوازة تمشي، يإ ما تبوظ الجوازه وانت ولا ابني ولا اعرفك، وبرضوا الجوازة هتمشي بس هتخسر عيلتك  .

ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماتها، صمتٌ مشحون بكل ما لم يُقَل.

لم ينطق هو بحرف، لم يُجب، ولم يُظهر قرارًا. 

استدار فجأة وغادر المكان بخطواتٍ سريعة غاضبة، كأن الجدران تضيق به.

فتح سيارته بعنف، ألقى بجسده داخلها، وما إن أغلق الباب حتى انهالت قبضته على مقود السيارة ضربًا، مرةً تلو الأخرى، وغضبٌ أعمى يعصف بصدره ويخنقه. 

كان يظن أن الخيوط كلها بيده، وأن الأمور ستسير كما رسم لها، لكن القدر كالعادة كان له رأيٌ آخر، رأيٌ قاسٍ لا يرحم.

❈-❈-❈

في الصباح…

كانت الشمس قد تسللت بخجل عبر نوافذ البيت، تُلقي بخيوطٍ باهتة على الجدران الصامتة، وكأنها تشارك المكان ثقله ووحشته.

دخلت «فايزة» إلى بيتها بخطواتٍ متثاقلة، يسبقها ضيقٌ مكتوم وغضب لم يهدأ بعد، تلعن في سرّها «سالم» وغيبوبته الطويلة، وتلعن ذلك الحادث الذي قلب كل شيء رأسًا على عقب.

أغلقت الباب خلفها بيدٍ مرتخية، ثم تقدّمت إلى الداخل، لتفاجأ بمشهدٍ لم تتوقعه.

كان أبوها يجلس وحيدًا إلى السفرة، ظهره منحني قليلًا، وكتفاه مثقلتان كأنهما تحملان أعوامًا من الخذلان. 

أمامه صفٌّ من كوبايات الشاي، ما يقارب ثمانيًا، بعضها فارغ تمامًا وبعضها لا يزال يحتفظ بآثار سائلٍ داكنٍ برد منذ زمن.

انعقد حاجباها بحيرة، وتقدّمت نحوه ببطء، محاولةً أن تخفف من ثقل اللحظة، فهتفت بمزاحٍ خافتٍ كي تجذب انتباهه وتكسر ذلك الصمت الثقيل:

ـ ازيك يا ابو فايزة ، قاعد هنا ليه  .

لكن ملامحه لم تستجب لخفّة نبرتها، كان وجهه شاحبًا، وعيناه غارقتين في شرودٍ لا يبشّر بخيرٍ أبدًا. 

انزلقت نظراتها من ملامحه إلى السفرة مرة أخرى، فشعرت بوخزة قلقٍ في صـ ـدرها. 

اقتربت أكثر، وضعت يـ ـده على كتفه في حركةٍ تحمل مزيجًا من الخوف والحنان، وهتفت بقلقٍ صريح:

ـ مالك ي بابا  .

رفع رأسه ببطء، ونظر إليها كأنه يراها للمرة الأولى، وكأن وجودها فاجأه أو أيقظه من دوّامة أفكاره.

ظل يتأملها لثوانٍ طويلة، وفي نظرته خيبة أملٍ ثقيلة، ثم تنفّس بعمق وهتف بعد ثوانٍ، بصوتٍ متهدّجٍ يحمل مرارة السنين:

ـ عارفه يا فايزة، كل ما اكتشف اني خلاص وصلت لهدفي، الدنيا ترجع تضربني قلم من جديد وتقولي هدفك بعيد يا سيد، هدفك استحاله انك توصله لان مش من حقك  .

صمتت «فايزة» تمامًا، لم تقاطعه، ولم تحاول التعليق، فقط ثبتت عينيها عليه، تنتظر أن يفرغ ما بداخله. 

كان الصمت بينهما ثقيلاً، لا يقطعه سوى صوت أنفاسه المتعبة. 

وبعد ثوانٍ، أكمل حديثه بحزنٍ أعمق، كأن كل كلمة تُنتزع من صدره انتزاعًا:

ـ اول مره اتخذل من ابويا، لما سلمه هو لقب العمدة، وتاني مره اتخذل في اخويا لما مرضيش يديني حقي ولا لقبي، وتالت مره اتخذل في امي، امي اللي نقيت حنان من وسط بنات القرية وتجوزها لسراج، وياريته سراج حبها، ورابع مره اتخذل في فيروز، بنتي اللي دلعتها، وربيتها بإيدي دول، جبتلي العار وسط رجاله البلد كلها  .

أنهى كلماته، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ابتسامة رجلٍ يرى أحلامه تتكسّر أمام عينيه مرةً بعد مرة. 

ثم رفع بصره إليها من جديد، نظرة خيبة أملٍ صريحة لا تحتمل التأويل، وهتف بنبرةٍ قاسية رغم هدوئها:

ـ حتي انتِ قربتك من سالم عشان تبقي مرات العمدة وتلعبي عليهم وتحاولي انك تديني اللقب حتي دي فشلت فيها  .

ساد المكان صمتٌ خانق، وكأن البيت بأكمله توقّف عن التنفّس، تاركًا «فايزة» في مواجهة تلك الكلمات التي سقطت عليها كأحجارٍ باردة، لا ترحم.

ختم حديثه وضحك بسخريةٍ جافة، ضحكةً خلت من أي دفء، بينما كانت هي تقف أمامه لا تفهم تمامًا ما يرمي إليه بكلماته، تتخبط أفكارها في رأسها دون أن تجد تفسيرًا واضحًا. 

كادت أن تفتح فمها لتسأله، لتنتزع منه معنى ما قاله أو لتدافع عن نفسها، لكن دقاتٍ مفاجئة على الباب قطعت حبل أفكارها قطعًا حادًا، فانتفضت قليلًا ثم استدارت متجهةً نحوه.

وقفت، وسارت بخطواتٍ سريعة نحو الباب، وما إن فتحته حتى وجدت «لوزة» تقف أمامها، وإلى جوارها «إيهاب» الذي كان مطأطئ الرأس، ينظر إلى الأرض وكأنه يهرب من العيون. 

لم تنتظر «لوزة» لحظة، بل دفعت «فايزة» إلى الداخل بخشونةٍ متعمّدة، وهتفت بحنقٍ واضح ونبرةٍ تحمل استفزازًا فجًّا:

ـ ازيك يا بنت سيد عامله اي  .

ترنحت «فايزة» قليلًا من قوة الدفعة، لكنها تماسكت، بينما دخل «إيهاب» بهدوءٍ مرتبك، واتجه مباشرةً إلى «سيد»، جلس بجانبه بعد أن سلّم عليه في صمت. 

عقدت «فايزة» حاجبيها، ما بين غضبٍ من تصرّف «لوزة» المفاجئ، وريبةٍ من هذا الحضور غير المبرّر، ثم هتفت بفظاظةٍ لم تحاول إخفاءها:

ـ خير جاية ليه يا ام باسم  .

قابلتها «لوزة» بابتسامةٍ صفراء، باردة، لا تحمل سوى السخرية والنية السيئة، وقالت بلهجةٍ مستفزّة:

ـ ملكيش دعوه يا بنت سيد  .

لم تضف كلمة أخرى، بل اتجهت مباشرةً نحو «سيد»، بعد أن حيّته تحيةً مقتضبة، بينما ظلّت «فايزة» واقفة في مكانها، نظرات الشك لا تفارقها، تشعر أن مجيء «لوزة» وابنها ليس عبثًا، وأن وراءه أمرًا تُخبئه تلك الابتسامة المصطنعة.

مرت ثوانٍ ثقيلة، ثم سألت «لوزة» عن «فيروز»، بنبرةٍ بدت عابرة لكنها لم تكن كذلك. كاد «سيد» أن يجيبها، إلا أن «فايزة» سبقته، قاطعةً حديثه وهي تهتف بفظاظةٍ أشد:

ـ وانتِ مالك بـ فيروز  .

التفتت إليها «لوزة» ببطء، ونظرت لها بسخريةٍ واضحة، وردّت بنفس نبرتها الحادة:

ـ قولتلك ملكيش دعوه يا بنت سيد  .

تركتها دون انتظار رد، واتجهت بخطواتٍ سريعة نحو غرفة «فيروز»، تاركة خلفها توترًا ثقيلاً خيّم على المكان.

لم تمضِ سوى ثوانٍ قليلة، حتى اخترق الصمت صراخٌ حادّ، صرخةٌ خرجت من «لوزة» محمّلة بالخوف والقلق، فاندفع الجميع نحو الغرفة، عدا «إيهاب» الذي بقي مكانه، كأن قدميه تجمّدتا.

دخلوا الغرفة، فوجدوا «فيروز» ملقاةً على الأرض، جسدها ساكن وملامحها شاحبة، مغشيًّا عليها بلا حراك.

هتف «سيد» بقلقٍ واضح، وصوته يرتجف:

ـ في اي مالها  .

لكن «لوزة» كانت أكثر فزعًا، صرخت بصوتٍ عالٍ مرتعش، زاد من اضطراب اللحظة، حتى شعر «إيهاب» وكأن قلبه سقط أرضًا من شدة الخوف:

ـ معرفش دخلت عليها لاقيتها اغمي عليها، اتصل بـ حمدية تيجي بسرعة  .

لم يتردد «سيد»، أسرع بالاتصال، ومرت الدقائق ببطءٍ قاتل، بينما كانت «فايزة» تقف على مسافة، ببرودٍ غريب، تعقد يـ ـديها أمام صـ ـدرها، تراقب المشهد بعينين جامدتين تخلو من أي انفعال ظاهر.

وبعد دقائق، وصلت «حمدية»، دخلت الغرفة وشرعت في فحص «فيروز» أمام «لوزة» وأمام «فايزة»، ساد صمتٌ مشحون لا يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متوترة. 

رفعت «حمدية» رأسها أخيرًا، وهتفت بهدوءٍ مصطنع، يخفي تحته شيئًا من القلق:

ـ ده ……  ضغطها ……. واطى بس هى هتبقي كويسه بس خدوا بالكم منها   .

تسللت الكلمات في الهواء، لكنها لم تُبدّد التوتر، بل تركت خلفها شعورًا ثقيلًا بأن ما حدث لم يكن عابرًا كما بدا.

غادرت الغرفة من أمام أعينهم جميعًا، بخطواتٍ هادئة تخفي خلفها ثقلًا لا يُحتمل، وما إن خرجت إلى الخارج حتى وجدت «إيهاب» و«سيد» يقفان هناك. 

تسلّل التوتر إلى قلبها فورًا من وجود «إيهاب» في هذا المكان وفي هذه اللحظة، وكأن وجوده لم يكن صدفة.

التقت عيناها بعيني «سيد»، ففهم نظرتها المليئة بالاستفهام والقلق، فتنحنح قليلًا، محاولًا أن يبدد هذا الارتباك، وهتف بهدوءٍ مقصود:

ـ إيهاب خطيب فيروز، بعد ما تخلص من عدتها ان شاء الله هيتجوزا  .

وقفت «حمدية» للحظةٍ صامتة، وكأن الكلمات أعادت ترتيب أفكارها دفعةً واحدة.

تذكرت حديث «فايزة» حين قالت لها إنه ابن «باسم»، وأن عليها أن تُجهضها، وفي تلك اللحظة فقط تأكد لها أن «فايزة» كانت تكذب عليها في ذلك اليوم؛ فلو كان ابن «فيروز» ابن «باسم» حقًا، لكان «باسم» هو الخطيب، لا شقيقه. 

تسلّل اليقين إلى قلبها، يقينٌ ثقيل جعل صدرها ينقبض، لكنها أخفته خلف ملامحٍ ثابتة.

هزّت رأسها بترحيبٍ مقتضب نحو «إيهاب»، ثم هتفت بهدوءٍ محسوب:

ـ ده ضغطها واطى بس عشان كده اغمي عليها، تعاله وصلني يا إيهاب  .

نفّذ «إيهاب» حديثها دون تردد، وغادر معها من أمام «سيد». 

سارا معًا في طرقات القرية، كانت الأرض تحت أقدامهما ساكنة، والبيوت مصطفّة في صمتٍ ثقيل، والهواء محمّلًا بشيءٍ من الرطوبة والقلق.

لم يتبادلا الحديث، وكلٌ منهما غارق في أفكاره، حتى وصلا إلى بيتها بعد دقائق.

كاد «إيهاب» أن يستدير ويغادر، لكنها أوقفته، فالتفت إليها بحيرةٍ واضحة.

نظر إليها، فوجدها تلتفت يمينًا ويسارًا بتوجّسٍ شديد، كأنها تخشى أن يكون هناك من يسمع أو يراقب.

اقتربت منه خطوةً واحدة، وخفضت صوتها، وهتفت بصدقٍ نابع من قلبٍ مثقل:

ـ بص يا إيهاب انت ازي ابنى، وبما أنك هتبقي جوز فيروز المستقبلي، فـ انا لازم اقولك الحقيقه  .

ظل صامتًا، لم يقاطعها، بل تابعها بنظراتٍ جادّة زادت من توترها. اقتربت «حمدية» منه أكثر، وهمست بصوتٍ مرتجف:

ـ بس توعدنى قدام ربنا وتحلفلي ان مفيش مخلوق يعرف اللي هقولهولك ده بإستثناء فيروز  .

اشتد توتره، وأدرك أن الأمر أخطر مما ظن، فهتف بصدقٍ لا لبس فيه:

ـ اوعدك ان مفيش حد هيعرف باللي انتِ هتقوليله، ولا مخلوق هيعرف غير فيروز  .

توقفت لثوانٍ، أنفاسها متقطعة، وعيناها قلقتان، ثم هتفت أخيرًا بصوتٍ منخفضٍ لكنه حاسم:

ـ فيروز ضغطها مكنش واطى  .

عقد حاجبيه بحيرة، وكاد أن يسألها عمّا تقصده، لكنها قاطعته بحدّةٍ مفاجئة، وبصوتٍ خفيضٍ كأنه يخشى أن يسمعه الجدران نفسها:

ـ فيروز حامل، انا مسقطتش فيروز  .

ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ بدا أطول من الزمن نفسه، وكأن الكلمات علّقت الهواء بينهما، معلنةً عن سرٍّ لو خرج للنور لقلب كل شيء رأسًا على عقب.

و…. 
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏