-->

رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 7 - الجمعة 5/6/2026

الجمعة, يونيو 05, 2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026

قراءة رواية  قسوة نصار كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى





رواية قسوة نصار 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة توتا محمود


الفصل السابع

تم النشر يوم الجمعة

5/6/2026


الفصل السابق

ساد المكان توترٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه صار خانقًا لا يُحتمل، وحين التفتت الأنظار إلى مصدر الصراخ، تبيّن أن الصوت لم يكن عابرًا ولا عشوائيًا، بل كانت تصحبه «لوزة» بخطواتٍ متسارعة، وبجوارها «فيروز» التي بدت شاحبة الوجه، مرتعشة الملامح، وعيناها معلقتان بـ «نصار» في رعبٍ صريح لا تخطئه عين.

كانت «فيروز» تقف على مسافةٍ منه، بعيدة عنه جسدًا وقلبًا، كأنها تخشى أن يقترب أكثر، أو أن يبتلعها غضبه إن ظلت في نطاقه. 

ارتعاشة خفيفة سرت في أطرافها، وشفتيها المرتجفتين حاولتا التماسك، لكن نظرتها كانت كفيلة بفضح ما يعتمل بداخلها من خوفٍ واضطراب.

في تلك اللحظة، اندفعت والدته نحوه دون تردد، تقطع المسافة بينهما بقلب أمٍّ لا يعرف الحساب، اقتربت منه وملامح القلق تنعكس على وجهها، وصوتها يخرج مرتجفًا وهي تهتف:

ـ انت كويس يا ضنايا؟؟  ، في حاجه بتوجعك  .

لم يكن السؤال مجرد كلمات، بل كان احتواءً صامتًا، ويدها كادت تلامسه لتطمئن، وكأنها تخشى أن يكون الألم قد انغرس فيه أعمق مما يظهر.

على الجانب الآخر، وقف «سراج» يتأمل المشهد بعينٍ مثقلة بالعجز، أب يرى ما يحدث ولا يملك إلا محاولة السيطرة على ما تبقى. 

زفر زفرة طويلة، ثم التفت إلى الرجال الواقفين حولهم، ورفع صوته بنبرةٍ حاسمة لا تقبل الجدل، قائلاً:

ـ خلاص يا رجاله روحوا انتوا، ده موضوع عائلي ونحله احنا  .

كان صوته يحمل ثِقل القرار، ورغبة واضحة في إنهاء هذا المشهد أمام الغرباء. 

تبادل الرجال النظرات فيما بينهم، ثم بدأوا بالانسحاب تباعًا، ينسحبون بهدوء بعد أن أدركوا أن الأمر لم يعد يخصهم.

ومع مغادرة آخرهم، خفّ الضجيج، وبقي المكان محصورًا على وجوهٍ محددة، وقلوبٍ مشتعلة.

لم يتبقَّ سوى «نصار» يقف في مركز العاصفة، و«سراج» يراقب بحذر، و«لوزة» التي لم تُخفِ نظراتها المترقبة، و«فيروز» التي لا تزال ترتجف خوفًا، و«إيهاب» الذي يقف شاهدًا على توترٍ لم ينتهِ بعد، وكأن الصمت الذي حلّ كان أخطر من كل الصراخ الذي سبقه.

ابتعدت «لوزة» عن ابنها بخطواتٍ حادة، كأنها تنزع نفسها من مكانٍ إلى آخر مدفوعة بنارٍ لا تُطفأ، ثم تقدّمت نحو «نصار» مباشرة، وعيناها تقدحان شررًا، وصدرها يعلو ويهبط بعنف. 

كان صوتها يسبقها، صراخًا متفلتًا من كل قيد، يحمل جنونًا مكشوفًا لا مواربة فيه، وهي تصيح به وتصرخ بحدّة:

ـ بتضربه ليه ها؟؟  ، غيران اوي ودمك بقي حامي دلوقتي، غيران انها بقيت لغيرك؟؟

كانت الكلمات تخرج منها كسكاكين مسنونة، تقطع الهواء قبل أن تصل إليه، وكل حرفٍ منها مشحون بالاتهام والاستفزاز.

لم تنتظر ردًا، ولم تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، بل أكملت حديثها بنبرةٍ أشد قسوة، يغلّفها حقدٌ أعمى لا يرى إلا ما يريد أن يراه:

ـ طيب اسمع بقي يا بن سراج، فيروز بقيت خطيبه ايهاب رسمي ولما هطلقها وتخلص عدتها، هتتجوز سيدك وسيد الناس كلها، ايهاب ابني  .

ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ، كأن الزمن نفسه توقّف احترامًا لوقع الكلمات. 

رفع «نصار» عينيه ببطء، نظر إليها أولًا، ثم انزلقت نظرته نحو «فيروز». 

كانت واقفة في مكانها، ساكنة على نحوٍ مريب، ملامحها خالية من الدهشة، لا صدمة ولا اعتراض، وكأن الأمر قيل من قبل، أو قُبل في داخلها منذ زمن.

هذا الثبات زاد من ثِقل اللحظة، ومن حدّة ما اشتعل في صدره. 

همهم بصوتٍ خافت في البداية، ثم خرج صوته أخيرًا ببرودٍ ظاهري، برودٍ يناقض تمامًا العاصفة التي تعصف بداخله:

ـ بجد؟؟  ، طيب مبروك عليهم، عايزة اي يعني انتِ

كانت كلماته هادئة، ثابتة، لكنها تحمل بين طياتها مرارة جارحة، وبرودًا مصطنعًا يخفي جرحًا أعمق من أن يُقال.

ظل واقفًا في مكانه، جسده مشدود، ونظراته جامدة، كأنما يحاول أن يثبت للجميع، وربما لنفسه، أن ما قيل لا يعنيه، رغم أن الصمت الذي أعقب كلماته كان أبلغ من أي اعتراف.

رفعت سبّابتها في وجهه بعصبيةٍ عمياء، يدها ترتجف بين الغضب والتحدّي، وكادت أن تنطق بكلماتٍ أخرى تزيد النار اشتعالًا، غير أنّه سبقها، قاطعها قبل أن يخرج صوتها، وصوته هذه المرّة جاء جهوريًّا، عاليًا، ثابتًا، كالرعد حين يسبق العاصفة ويُنذر بما بعدها:

ـ لولا انك ست ولولا ان الراجل الكبير اللي واقف ابويا كنت عملتك اوسـ*** معامله، فـ اهدي كده ها، ونزلي صابعك بدل ما اكسرهولك، وساعتها لا هعمل احترام لراجل اللي ورايا، ولا هعمل احترام انك ست  .

سقطت الكلمات فوقها ثقيلة، لا تحمل تهديدًا فقط، بل وعدًا صريحًا لا تراجع عنه.

توقّفت يدها في الهواء لثوانٍ، ثم بدأت أصابعها تهبط ببطءٍ شديد، كأن قوةً خفيّة تضغط عليها من الأعلى.

التفّت رعشة واضحة حول جسدها، رعشة لم تستطع إخفاءها رغم محاولتها التماسك، وعيناها ظلّتا معلّقتين به في تحدٍّ يختلط بالخوف.

خرج صوتها هذه المرّة مختلفًا، فحيحًا أعمى، مشحونًا بالحقد، بلا تردّد ولا تراجع:

ـ لو قربت لابني تاني هقتلك  .

لم يتأخّر ردّه. 

تقدّم خطوةً واحدة نحوها، خطوة كانت كافية لتجعل المسافة بينهما خانقة. 

انحنى قليلًا، وصوته خرج منخفضًا، لكنه مرعب، يحمل نبرة تهديدٍ صافية، وعيناه لا تعكسان سوى شرٍّ خالص لا يعرف الرحمة:

ـ وانتِ لو ابنك قرب ناحيتي تاني هقتله، هو وعيلته كلها

ساد المكان صمتٌ قاتل بعد كلماته، صمتٌ أثقل من أي صراخ، وكأن الهواء نفسه تجمّد، فيما بقيت العيون معلّقة بينهما، شاهدة على مواجهةٍ تجاوزت الكلمات، ووصلت إلى حدٍّ لا رجعة فيه.

تقدّمت «فيروز» نحوه بخطواتٍ متردّدة في ظاهرها، حادّة في باطنها، وقد انكسرت في ملامحها كلّ صورةٍ هادئةٍ عرفها عنها من قبل. 

عيناها كانتا مشدودتين، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاسٍ متلاحقة، وكأنها تجمع شجاعتها من بقايا خوفٍ لم تعترف به.

توقّفت أمامه مباشرة، وخرج صوتها قاسيًا، خاليًا من أي ليونة، فظًّا على غير عادتها، كأنه لا يشبهها ولا يشبه ما كانت عليه يومًا:

ـ عايز اي نصار، عايز اي من ايهاب  .

رمقها بنظرةٍ باردة، مشوبة باشمئزازٍ صريح، نظرة لم يحاول إخفاءها أو تلطيفها. 

ثم حرّك عينيه ببطء نحو «إيهاب» الملقى على الأرض، جسده ساكن وملامحه مشوّهة من أثر الضرب، قبل أن يعود إليها بنفس البرود القاتل، وصوته خرج ساخرًا، خاليًا من أي إحساس:

ـ والله اسالي ده لحبيب القلب متسالنيش انا  .

اشتعل الغضب في عينيها أكثر، وتقدّمت نصف خطوة، كأنها تحاول فرض حضورها عليه، وهتفت بحدّةٍ واضحة، وقد نفد صبرها:

ـ ما بلاش حركاتك دي يا نصار  .

رفع حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة، دهشة تحمل في طيّاتها سخرية مُرّة، وهمهم بصوتٍ منخفض كأنه يكلّم نفسه، لكن كلماته وصلت إليها بوضوحٍ جارح:

ـ انا برضوا؟؟

ثم تغيّر صوته فجأة، انخفض حدّته لكنه صار أثقل، أعمق، مرعبًا، نبرة لا تخرج إلا حين يبلغ الغضب ذروته. 

اقترب قليلًا، وحدّق فيها بعينين لا تحملان سوى قسوةٍ خالصة، وهتف:

ـ هو انا اللي بخون وبعد كده بسأل اي الحركات دي، انما انتِ غريبة بصحيح  .

تجمّد الهواء بينهما بعد كلماته، وكأن المكان كله انكمش على نفسه، وبقيت نظراتهما معلّقة في مواجهةٍ حادّة، لا تحمل وعدًا بالهدوء، بل تنذر بانفجارٍ آخر لا محالة.

اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة، هادئة على نحوٍ يثير القلق، هدوءٌ لم يكن مطمئنًا بقدر ما كان مرعبًا، كالسكون الذي يسبق العاصفة.

لم تُصدر صوتًا، ولم تُبدِ أي انفعال، فقط نظرة ثابتة لا تُقرأ، وجسد يتحرّك بثباتٍ مقصود، كأنها تعرف تمامًا أثر اقترابها عليه.

حين صارت على بُعدٍ خطوةٍ واحدة، مالت بجسدها قليلًا، واقتربت أكثر، حتى بات الفاصل بينهما هو الهواء الثقيل المشحون بما لم يُقال.

ثم قرّبت شفتيها من أذنه، قربًا يكاد يُلامس، أنفاسها الدافئة انسابت على جلده، فشعر بها قبل أن يسمعها.

في تلك اللحظة، خانته قوّته. قلبه طرق كالطبول من قربها ذلك، ضرباتٌ متلاحقة، عالية، كأنها تصرخ داخله، تفضح ما يحاول إنكاره. 

تجمّدت أطرافه رغم توتّر عضلاته، وتصلّب جسده لا إراديًا، بينما عقله تاه بين غضبٍ يحاول التشبّث به، وارتباكٍ غريب فرضه هذا القرب المفاجئ.

لم تنطق بعد، ومع ذلك كان وقع صمتها أثقل من أي كلمات. المكان كله بدا وكأنه انكمش حولهما، الأصوات من حولهما تلاشت، ولم يبقَ سوى أنفاسٍ متداخلة، ودقات قلبٍ لا تهدأ، وانتظارٌ خانق لما ستقوله قرب أذنه، في لحظةٍ بدت أطول من قدرتِه على الاحتمال.

سكنت اللحظة كأن الهواء نفسه تجمّد، وتدلّت الكلمات الثقيلة بينهما كحدّ سكينٍ لا يُرى، لكنه يُحسّ في الروح قبل السمع.

كانت واقفة بثباتٍ قاسٍ، كتفاها مرفوعان، ونظرتها لا تعرف التراجع، وحين خرج صوتها كان خاليًا من أي ارتعاش، واضحًا كطلقةٍ أخيرة:

ـ ايوا خونتك، ولو يرجع بيا الزمن هخونك  .

ما إن أنهت جملتها حتى خطت خطوةً إلى الخلف، وكأنها تفسح للمشهد أن يكتمل، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، ابتسامة من يدرك تمامًا أنه أصاب الهدف. 

كانت تتلذذ بما رأت، تتشفّى في ذلك الانكسار الخفي الذي ارتسم في عينيه.

نظر إليها «نصار» غير مصدّق، عيناه متسعتان، وابتسامتها تلك تزيد ثقل الصدمة، كأنها تسأله بصمت:هل رأيت؟ لقد فعلتها.

وفي حركةٍ محسوبة، اقتربت من «إيهاب»، اقتربت منه أكثر مما ينبغي، وكأنها تتعمد أن تكون المسافة شاهدةً عليها. 

مالت نحوه، وصوتها يخرج بنبرةٍ لم يرها «نصار» من قبل، نبرة حانية، دافئة، مشبعة بما يشبه الحب، حبًّا لم يكن يومًا من نصيبه:

ـ انت كويس يا حبيبي؟؟  .

هزّ «إيهاب» رأسه ببطء، الصدمة تُثقله، وعقله يرفض أن يستوعب ما يسمعه أو يراه، كيف يمكن أن تتحول هكذا، وكيف تُلقي بهذه الكلمات أمام «نصار» بلا تردد، بلا خجل، كأن وجوده لم يعد يعني شيئًا.

أما «نصار»، فقد خانته عيناه قبل أي شيء آخر. امتلأتا بالدموع رغم محاولته اليائسة للتماسك، فانصرف بنظره سريعًا إلى الاتجاه الآخر، كأن الجدران أرحم من تلك الصورة.

شعر بألمٍ حاد يضغط على قلبه، ألم لا يُحتمل، فأدار جسده مغادرًا، خطواته ثقيلة، متعثرة، وكأنه يترك خلفه جزءًا منه.

لكن قبل أن يبتعد تمامًا، قبل أن يغلق المسافة الأخيرة بينه وبين الباب، اخترق سمعه صوتها مرةً أخرى، صوت بنبرةٍ لم يسمعها منها قط، نبرة ساخرة، حاسمة، تقطع ما تبقّى:

ـ مبروك يا نصار، متنساش تعزمنى علي الفرح  .

توقفت قدماه للحظة، لكنّه لم يلتفت. لم يمنحها حتى شرف الرد. 

ظنّ في تلك اللحظة أنها إنما تعيد إليه ما قالته يومًا، تقتصّ، وتُحسن الطعن. فغادر… غادر المكان، تاركًا قلبه وفؤاده هناك، ملقيين عند أقدامها بلا حماية.

ومع ذلك، أدرك في أعماقه حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: أنها لم تستحق ذلك. 

لم تستحق أبدًا ذلك الحب الذي كان مستعدًا أن يفرش لها به الأرض، حبّ رجلٍ كان يتمنى حتى تراب قدميها التي تمشي عليها.

اليوم 
كانت قد قتلت رجلًا أحبّها بصدق.

ولكن اليوم أيضًا…
بدأ هو يرى طعمًا جديدًا، طعمًا لم يعرفه من قبل، طعم المذاق الحقيقي…
مذاق الكره فقط.

❈-❈-❈

كان «فارس» قد غادر المستشفى أخيرًا، بعد أن جاءت «سهر» لتجلس إلى جوار «سالم» قليلًا، تراقب أنفاسه المنتظمة وتحادثه بصوتٍ خافت، وكأن روحها تحاول أن تسبقه إلى حيث يعلّق وعيه. 

تركهم هناك، وهو يشعر بثقلٍ في صدره لا يفارقه، فقد جلس طويلًا إلى جوار شقيقه، يحدثه دون توقّف، يروي له تفاصيل صغيرة وكبيرة، يضحك أحيانًا ويصمت طويلًا أحيانًا أخرى، كأنه متيقّن أن الكلمات تصل، حتى وإن كان الجسد غارقًا في الغيبوبة.

كان الاشتياق والراحة يتداخلان بداخله على نحوٍ مؤلم؛ راحة لأنه رآه، واشتياق لأنه لم يفتح عينيه بعد.

خرج من بوابة المستشفى بخطواتٍ متثاقلة، والهواء الليلي يلامس وجهه في محاولةٍ فاشلة لتبديد ما في صدره. 

وقبل أن يلتقط أنفاسه، اهتز هاتفه لثوانٍ في يده، فانتفض قلبه على الفور، وحين وقعت عيناه على اسم والدته، أجاب سريعًا، محاولًا أن يضبط نبرة صوته:

ـ ايوا يا ماما  .

لكن الصوت الذي جاءه لم يكن مطمئنًا على الإطلاق، بل كان مشحونًا بالفزع، متقطع الأنفاس، كأنه يركض لا يتكلم:

ـ انت فين يا فارس  .

في لحظةٍ واحدة، قلبه طرق كالطبول بقلق، وخياله اندفع نحو أسوأ الاحتمالات دون استئذان. 

شعر بأن شيئًا ما انكسر في داخله قبل أن يسمع التفاصيل، ومع ذلك تماسك وهتف بلهفةٍ واضحة:

ـ لسه خارج من المستشفي في اي؟؟

جاءه صوتها هذه المرة باكيًا، مبحوحًا، يحمل ألمًا ثقيلًا جعل قلب «فارس» يسقط في الأرض كأنه فقد توازنه تمامًا:

ـ ابوك جاه تعبان ومش عارفه اعمل اي ومعرفش نصار راح فين  .

لم ينتظر ثانيةً واحدة. 

تحرّك جسده قبل أن يكتمل وعيه بما سمع. 

اندفع نحو سيارته، فتح الباب بعجلة، وجلس خلف المقود وهو يشعر بأن أنفاسه تضيق، ثم هتف وهو يدير المحرّك وصوته يرتجف من القلق:

ـ طيب انا جاي متقلقيش، واتصلي بحازم يجي فوراً، يكشف علي بابا، وانا مسافة السكة هكون عندك  .

أنهى المكالمة دون أن ينتظر ردًا، وألقى الهاتف جانبًا، ثم انطلق بالسيارة بأقصى سرعة تسمح بها الطريق، والشارع من أمامه يمتد طويلًا كأنه يختبر صبره. 

كان عقله مزدحمًا، وقلبه يسبق خطواته، وكل ما استطاع أن يهمس به، وهو يشد على المقود بقوة، دعاءً خرج من أعماقه:

ـ استر يارب

❈-❈-❈

ذهبت «فيروز» إلى بيتها بخطواتٍ متعثّرة، وكأن الأرض تسحبها من تحت قدميها سحبًا. 

ما إن دلفت من الباب حتى انغلقت الدنيا في وجهها دفعةً واحدة، فالهواء صار أثقل، والجدران أقرب، وكل زاوية في البيت بدت لها شاهدةً على ارتجاف قلبها.

تحت أنظار والديها القلقة، التي لم تجرؤ على مواجهتها، اندفعت مباشرةً نحو غرفتها، لا ترى شيئًا سوى طريقٍ واحد يقودها إلى العزلة.

أغلقت الباب خلفها، وفي اللحظة نفسها انفجرت بالبكاء. بكاءٌ حارّ، متقطّع، يخرج من أعماق صدرها لا من عينيها فقط. كانت تشهق بقوة، وتضع يديها على فمها لتكتم صوت شهقاتها، كأنها تخشى أن يسمع أحد انكسارها، أو كأن الألم نفسه صار سرًّا لا يُباح.

جسدها كله كان يرتجف، ودموعها تنهمر دون رحمة، بينما عقلها يجلدها بسؤالٍ واحد لا يتوقف.

كيف قالت له ذلك؟
كيف خرجت منها تلك الكلمات القاسية؟

صورتُه وهو منكسِر، واقفٌ أمامها بعينيه المطفأتين، لم تفارق خيالها لحظة. 

كانت تراها بوضوحٍ موجع، كأنها لم تبتعد عنه إلا جسديًا، أما روحها فما زالت هناك، عالقةً عند تلك النظرة، عند ذلك الوجع الصامت. 

كيف استطاعت أن تراه بتلك الحالة… ولا تعانقه؟ كيف كبحت ذراعيها وهما تتوسلان إليها أن تضمه، أن تحتمي بصدره، أو تحميه من نفسه؟

رؤيته على تلك الصورة كانت تعصر قلبها عصرًا، ألمٌ حادّ يشبه السكين، يمرّ ببطء، ويتعمّد أن يترك أثره. 

كانت تريد أن ترتمي بين ذراعيه، أن تبكي هناك، أن تصرخ وتسأله، أن تهتف بمرارة: لماذا فعلتَ بي هذا؟ لماذا كسرتَ قلبي بهذا الشكل؟ لماذا تركتني أقف أمامك عاجزة، بين حبٍّ يصرخ في صدري وكبرياءٍ يخنقني؟

جلست على طرف الفراش، ودفنت وجهها بين كفّيها، وبكاؤها يزداد حدّة، بينما الأسئلة تدور بلا إجابة. 

لم تكن تبكي فقط مما حدث، بل تبكي لأنها لم تفعل ما كان قلبها يريده، لأنها تركته هناك منكسِرًا… وتركت نفسها أكثر انكسارًا.

كانت الذكرى تهاجمها دون استئذان، ذكرى واحدة كفيلة بأن تفتح جراحًا لم تندمل، وتعيد الألم طازجًا كأنه يحدث الآن. 

تلك اللحظة التي انكشف فيها كل شيء، وسقطت الحقيقة فوق قلبها سقوطًا مدويًا، بلا رحمة ولا تمهيد.

كانت تبكي حين استيقظت، بكاءً خافتًا في بدايته، ثم ما لبث أن تحول إلى نحيبٍ مكتوم، يخرج من صدرها المثقل بالعجز. 

لم تكن تدري، ولم تفهم أبدًا، لماذا طلقها بهذا الشكل القاسي؟ لماذا ألقى بها خارج حياته وكأنها لم تكن يومًا جزءًا منها؟ لماذا فعل بها هذا؟ لماذا حطمها، وحطم قلبها وفؤادها دفعةً واحدة، دون أن يمنحها حتى حق السؤال؟
لماذا؟

كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها، تصطدم ببعضها، ولا تجد إجابة واحدة تُسكِت هذا الضجيج الداخلي. 

عيناها متورمتان من كثرة البكاء، ووجهها شاحب كأن الروح انسحبت منه تاركةً جسدًا مُنهكًا فقط.

أفاقت على صوتٍ اقتحم الغرفة فجأة، صوت «لوزة» وهي تدخل دون تردد، تحمل في نبرتها قسوة لا تخطئها الأذن، وهتفت بفظاظة:

ـ بتعيطي علي واحد ميستهلش، انتِ تستحقي سيد الرجاله كلها، مش واحد كان بيتلكك يطلقك عشان يروح السنيوره بتاعته الامريكيه  .

ارتجفت الكلمات في أذن «فيروز»، لا لأنها صاخبة، بل لأنها غريبة، مشوشة، لا تستوعب معناها. 

عقدت حاجبيها بحيرة حقيقية، ونظرت إليها بعينين متسعتين من الصدمة، وهتفت بصوتٍ خرج مرتعشًا:

ـ انتِ بتتكلمي علي نصار؟؟

جاءها الرد سريعًا، ملوثًا بشماتةٍ باردة، كأن المتحدثة تستمتع بطعنها في موضعٍ مكشوف:

ـ ايوا بتكلم علي نصار، امال بتكلم علي مين، هو راح قال لصفيه مقصوفة الرقبة انه هيطلقك عشان يتجوز واحده من هناك عجبها

سقطت الكلمات على قلبها كالصاعقة. 

شعرت وكأن الأرض مالت من تحتها، وكأن الغرفة ضاقت فجأة، وأن الهواء لم يعد يكفي لرئتيها.

لم تنطق، لم تصرخ، فقط تجمدت في مكانها، وعيناها تحدقان في الفراغ، بينما الألم يتسلل إلى أعماقها بهدوءٍ قاتل، يزرع فيها وجعًا جديدًا… أعمق، وأقسى.

هتفت بنبرةٍ مرتجفة، يختلط فيها الذهول بالرجاء، وكأنها تتمسّك بخيطٍ واهٍ من الأمل قبل أن ينقطع:

ـ لا استحاله نصار يعمل كده، نصار مش بيفكر في اي واحده غيري  .

خرجت الكلمات من بين شفتيها مثقلة بالدموع، لم تكن مجرد جملة، بل دفاعًا أخيرًا عن صورةٍ سكنتها طويلًا. نظرت إلى «لوزة» لثوانٍ بدت أطول من عمرها كله، نظرة تبحث فيها عن تكذيب، عن تراجع، عن أي إشارة تُنقذ قلبها من السقوط.

لكن «لوزة» لم تمنحها سوى ابتسامةٍ جانبية، باردة، تحمل خبثًا متقنًا، ثم هتفت أخيرًا بنبرةٍ محسوبة:

ـ كنت عارفه انك مش هتصدقيني، عشان كده جبتلك من اللي سمعت بودانها بكلام ده، تعالي يا ام عبير، ادخلي  .

انفتح الباب ببطء، ودخلت الخادمة «أم عبير» بخطواتٍ مترددة، وكأنها تعلم ثقل اللحظة التي تُلقى على عاتقها. 

عيناها تتحاشيان النظر مباشرة، لكنها ما لبثت أن رفعت بصرها نحو «فيروز». 

وما إن وقعت عينا «فيروز» عليها حتى اتسعتا بصدمةٍ حقيقية، فقد عرفتها في اللحظة نفسها؛ تلك المرأة التي كانت كبيرة الخدم في قصر «نصار». خرج صوتها غير مصدق، خافتًا كهمسٍ مذعور:

ـ انتِ يا ام عبير؟؟  .

تقدمت «أم عبير» خطوة، ثم توقفت، وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال. بدا التردد واضحًا على ملامحها، لكنها سرعان ما ألبسته ثوب الشفقة المصطنعة، وهتفت بخوفٍ محسوب، وبراعةٍ لا تخلو من خبث:

ـ بصي يا فيروز انتِ زي عبير عشان كده هقولك نصيحه، نصار ميستهلكيش، نصار اصلا بيخطط انه هيسيب البلد وهيمشي عشان يتجوز واحده اميريكيه هناك عجبته، وانا سمعتهم بوداني دول، وكمان قال لصفيه الكلام ده، وخليها كمان تكلمها مكالمة فيديوه  .

لم تحتمل «فيروز» بقية المشهد. الكلمات كانت كالسكاكين، تغرس واحدة تلو الأخرى في قلبها دون رحمة. 

شعرت بالأرض تهتز من تحتها، وبقوتها تتلاشى دفعةً واحدة. 

سقطت على الفراش، جسدًا بلا روح، وعقلًا يرفض التصديق، وقلبًا يتشقق بصمت.

إذًا هذا هو السبب… لهذا تخلى عنها، ولهذا تركها بهذه القسوة. كل شيء بدا فجأة منطقيًا، ومؤلمًا في آنٍ واحد.
يا له من خبيث… يا له من مخادع.

أدركت في تلك اللحظة أن الحب الذي عاشت عليه لم يكن سوى وهمٍ جميل، وأن من منحته قلبها لم يكن إلا صاحب قناع… وحبٍ مزيف، من قلبٍ مزيف.

قطع تيار أفكارها المتشابكة، وشرخ صمت الغرفة المليء بشهقاتها المكتومة، صوت «لوزة» وهي تقترب أكثر، نبرتها منخفضة لكنها مشبعة بالخبث، كأنها تغرس كلماتها عمدًا في مواضع الألم، وهتفت:

ـ عشان كده اتهمك تهمه الخيانة مع ابني ايهاب، ما صدق يتلكك ويخلق اي مشهد في دماغه عشان ميبقاش الغلطان قدام الكل، ويخرج منها زي الشعره من العجينه، ويتجوز البت الامريكية  .

وقعت الكلمات على قلب «فيروز» كالصاعقة، لم تصرخ، لم تجادل، فقط انسابت دموعها في صمتٍ موجع، دموع ثقيلة تحمل في كل قطرة خذلانًا مضاعفًا.

راحت تعيد حديث «لوزة» في رأسها مرةً تلو الأخرى، كأن عقلها يأبى التوقف عن جلدها، وكأن قلبها يصر على تذوق الألم حتى آخره.

أوجعها الأمر لا لأنه اتهام، بل لأنه تخيلها قادرة على الخيانة، لأنها صُوِّرت في عقله بتلك الصورة المشوهة.

تألم قلبها أضعافًا، إذ أدركت أن ما فعله بها لم يكن اندفاع غضب، بل قرارًا باردًا سبقته أفكار، وتهيؤات، واتّهامات صامتة.

ارتجف جسدها بخفة، وارتفعت أنفاسها المتكسرة، ثم… أفاقت من ذكرياتها كما يُفَاق من كابوسٍ ثقيل. 

وجدت نفسها ما تزال جالسة في مكانها، تبكي بهدوءٍ قاتل، شهقاتها تعلو دون صوت، وعيناها معلقتان في فراغٍ لا ترى فيه شيئًا سوى انكسارها.

كانت تبكي، لا لتسمعها الدنيا، بل لأن قلبها لم يعد يحتمل الصمت أكثر.  

❈-❈-❈

كان «سيد» يجلس على مقهى القرية العتيق، يحتسي قهوته ببطءٍ ثقيل، والمكان من حوله يعجّ بأصوات العابرين وهمسات الجالسين، بينما الشارع الممتد أمامه يعكس حياةً عادية لا تشبه العاصفة التي تضرب صدره من الداخل. 

فنجان القهوة بين يديه برد قبل أن يكتمل نصفه، وعيناه شاردتان لا تريان المارة ولا حركة السوق، بل عالقتان في كلماتٍ سُمِّمت بها أذناه.

كان يفكر في حديث «لوزة»، يقلبه من كل الجهات، يحاول أن يقنع نفسه بأنه اتخذ القرار الصحيح، أو على الأقل القرار الأقل خطأً.

لكنه لم يكن متيقنًا من شيء. 

شعورٌ ثقيل بالقلق استقر في قلبه، كأن روحه تنذره بأن وراء الكلمات ما هو أخطر مما قيل.

flash back

كان يجلس أمامها في المكان ذاته تقريبًا، لكن الجو يومها كان مشحونًا، والهواء من حوله خانقًا رغم اتساعه. نظر إليها بترقبٍ واضح، وقد سبقه القلق إلى صوته، فهتف:

ـ خير  .

ابتسمت تلك الابتسامة الخبيثة التي يعرفها جيدًا، ابتسامة لا تأتي إلا محمّلة بنوايا ملتوية، فشعر بانقباضٍ في صدره قبل أن تنطق. قالت بهدوءٍ مصطنع:

ـ انا عايزة بنتك فيروز لابني  .

ارتخت ملامحه قليلًا، وابتسم من داخله قبل أن يبتسم بشفتيه، إذ ظنّ أنها مجرد محاولة إصلاح متأخرة، وأن «باسم» هو من أرسل والدته لتدارك خطأٍ ما.

اعتدل في جلسته، ونفخ صدره بشيء من التكبر، ثم هتف:

ـ وهو ابنك باسم مجاش معاكي ليه، وبعدان فيروز مكتوب كتب كتابها .

لكن ضحكتها التي أعقبت كلماته لم تكن مطمئنة، بل كانت ضحكة تهكمٍ خالصة، جعلت الشك يزحف إلى قلبه دون استئذان. 

قالت بسخريةٍ لاذعة:

ـ كانت مكتوب كتب كتابها، نصار طلقها بالتلاته وعرف انها كانت مع ايهاب ليلتها  .

انتفض واقفًا كأن كلماتها صفعت روحه قبل جسده، وعيناه اتسعتا بعدم تصديق، وصوته خرج حادًا مشوشًا وهو يهتف:

ـ مع ايهاب ابنك بتعمل اي؟؟

ضحكت مرة أخرى، ضحكة أقسى، ممتلئة بالشماتة والخبث، وكأنها تستمتع بتمزيق ما تبقى من ثباته، ثم هتفت:

ـ اصل فيروز كانت طول الليل اول امبارح كانت مع ايهاب وفي حضنه، ومقدرش اقولك بقي انت راجل وفاهم  .

اشتعلت ملامحه غضبًا، وتقدّم خطوة دون وعي، وعيناه تصرخان بالحدّة والرفض، وصوته انفجر بعصبيةٍ واضحة:

ـ انتِ بتقولي اي يا ست انتِ، انتِ اتجننتي؟؟؟  .

هتفت هي بنفاد صبرٍ واضح، وعيناها تلمعان ببريقٍ خبيث لا يخفى على من يعرفها، وقد مالت بجسدها قليلًا إلى الأمام كأنها تضغط بكلماتها على صدره:

ـ هدي نفسك يا سيد، ولو مش مصدقني فيك تسأل ابن اخوك نصار وهو يقولك، وامبارح لما عرف طلقها قدام عيلته كلها، واهل البلد بكره وبعده هيتكلموا، فـ عشان ابني اصيل وابن اصول، بعتني ليك عشان اتفق معاك، بعد ما هتروحوا المحاكمة انت ونصار وبنتك، ويطلقوا، تيجيلي انا بقي ونلبسهم الدبل، ونشوف هنكتب كتب كتابهم امتي، وسلام عليكم انا بقي  .

كانت كلماتها تنزل عليه ثقيلة كالحجارة، كل جملة تسحق ما تبقى من توازنه، بينما هو جالس لا يقوى على الرد، وعقله يدور في حلقةٍ مفرغة بين الغضب والذهول والخوف.

نهضت من مكانها وكأن الأمر قد حُسم بالفعل، وكادت أن تغادر بخطواتٍ واثقة، لكنها توقفت فجأة، التفتت إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة شماتة باردة، ثم هتفت:

ـ متنساش وانت بتفكر، فكر في سمعه بنتك، واهل البلد هيقولوا عليها اي  .

ارتجف داخله عند سماعه لتلك الكلمات، وكأنها أصابت موضعًا حساسًا في روحه. 

رأى في خياله وجوه الناس، ونظراتهم، وهمساتهم القاسية، فاختنق صوته في صدره.

كانت على وشك المغادرة تمامًا، حين انطلق صوته فجأة، متوسلًا، مبحوحًا، يحمل لهفة رجلٍ انهزم من الداخل:

ـ انا موافق  .

توقفت في مكانها، ثم استدارت ببطء، وابتسامتها اتسعت أكثر، ابتسامة نصرٍ خبيث، وعيناها تلمعان بسعادةٍ لم تحاول إخفاءها، وهتفت:

ـ يبقي علي خير الله، بنتك بقيت مخطوبة لإبنى، ولما يطلقوا رسمي في المحاكمه، هجيلك نقرأ الفاتحه ونلبس الدبل، سلام يا سيد  .

ثم غادرت، تاركةً خلفها صمتًا خانقًا، ورجلًا غارقًا في دوامةٍ مظلمة، لا يعلم بعمقها إلا الله. 

جلس مكانه كأن قدميه لم تعودا تحملانه، وشعورٌ لاذع بالخزي والعار ينهش صدره.

أحسّ أن كرامته تُسحب من بين يديه، وأنه صار عاجزًا حتى عن الدفاع عن نفسه. 

وفي لحظة ضعفٍ قاسية، مرّ في خاطره خاطرٌ مظلم، جعله يشيح بوجهه عن العالم، ويتمنى لو أنه يقتل «فيروز» ويرتاح من كل هذا العار… دون أن يدري أن ما ينتظره أقسى من كل ما تخيّل.

وتلاشت الذكرى فجأة، ليعود «سيد» إلى واقعه على المقهى، وقهوته ما زالت بين يديه، لكنها لم تعد تعني شيئًا. 

ظلّ جالسًا، غارقًا في صمته، وقلبه يضرب بعنف، كأنه لا يزال يسمع ضحكتها الخبيثة تتردد في أذنيه. 

كاد أن يرفع فنجان القهوة إلى شفتيه، محاولًا أن ينتزع نفسه من دوّامة الأفكار الثقيلة التي كانت تطبق على رأسه، وأن يعود إلى واقعه ولو للحظاتٍ عابرة. 

غير أن المشهد أمامه لم يمهله فرصة للهدوء؛ إذ لمح «حازم» يركض بقوة في الشارع الترابي الممتد أمام المقهى، خطواته سريعة متلاحقة، وأنفاسه اللاهثة تُرى من بعيد، وفي يـ ـده حقيبة العمل تتأرجح بعنف مع حركته غير المتزنة.

تجمد الفنجان بين أصابعه، واتسعت عيناه بفزعٍ مفاجئ، وشعورٌ غامض بالقلق تسلل إلى صدره دون استئذان.

تابع حركته بلهفة، ودار بنظره إلى الطريق الذي سلكه، فازداد يقينه حين رآه يتجه مباشرة نحو القصر، لا يلتفت خلفه ولا يتباطأ، كأن أمرًا جللًا يطارده أو ينتظره هناك.

نهض على الفور، دفع الكرسي للخلف دون وعي، وترك فنجان القهوة كما هو، تتصاعد منه أبخرة خفيفة لم يعد يشعر بحرارتها.

تحرك بخطواتٍ متسارعة خلفه، وقلبه يطرق كالطبول في صدره، ينبض بقوةٍ توجع أضلعه، والخوف يتعاظم مع كل خطوة يخطوها.

كان القلق على شقيقه يعصف بروحه، ويثقله بشعورٍ ثقيل لم يعرف له تفسيرًا، سوى أن شيئًا ما في الأفق لا يبشّر بالخير. 

وبعد دقائق معدودة، كان قد اقتحم بوابة القصر بخطواتٍ متعجلة، أنفاسه متلاحقة وقلبه لا يزال يخفق بعنف.

ساد المكان صمتٌ ثقيل لا يقطعه سوى وقع خطواتٍ متوترة، إلى أن لمح «سهر» تسير ذهابًا وإيابًا في الردهة الواسعة، ملامحها شاحبة وعيناها معلقتان بالفراغ من فرط القلق. 

وما إن رأته حتى اندفعت نحوه بلهفةٍ صادقة، وصوتها يرتجف خوفًا وهي تهتف  :

ـ عمو سيد، بابا تعبان اوي، و وقع من طوله  . 

كانت كلماتها كافية لتؤكد شكوكه وتثبت ظنونه، فازداد قلبه انقباضًا، ولم يمنح نفسه لحظة واحدة للتفكير. 

اندفع راكضًا نحو غرفة «سراج»، كأن الأرض تطوى تحت قدميه من شدة استعجاله.

فتح الباب ليصطدم بالمشهد الذي زلزل داخله؛ كان «سراج» جالسًا نصف جلسة على الفراش، وجهه شاحب مرهق، ملامحه منهكة كأنها تحمل فوقها سنواتٍ من التعب دفعةً واحدة.

أنفاسه غير منتظمة، ونظراته شاردة لا تستقر على شيء، وكأن جسده يحاول التشبث بالقوة الأخيرة التي بقيت فيه.

أمامه مباشرةً كان «حازم» منحنياً عليه، ما يزال يفحصه بدقة، حقيبة أدواته الطبية مفتوحة إلى جواره، يخرج منها ما يحتاجه بتركيزٍ شديد، وعيناه لا تفارقان ملامح «سراج» لحظة واحدة. كانت حركاته سريعة لكنها محسوبة، توحي بخطورة الموقف أكثر مما تطمئن.

وعلى الجانب الأيمن، وقفت «صفية» وقد تشنج جسدها من القلق المُفرط، يداها متشابكتان أمام صدرها، وعيناها تتابعان كل حركة يقوم بها «حازم» بترقبٍ وخوف، شفتيها ترتجفان بدعاءٍ صامت لا يكاد يُسمع. 

أما على الجانب الأيسر، فكانت «حنان» تبكي بخوفٍ واضح، دموعها تنهمر بلا توقف، ونشيجها المكتوم يملأ الغرفة بحزنٍ ثقيل، وهي تحدق في وجهه وكأنها تخشى أن تفقده في أي لحظة.

تجمد «سيد» عند عتبة الغرفة، يلتقط المشهد بعينين ممتلئتين بالذعر والعجز، وقد أدرك أن ما يراه أمامه أكبر من مجرد وعكة عابرة، وأن القصر بأكمله قد غرق في لحظةٍ خانقة من الخوف والترقب. 

أنهى «حازم» ما كان يفعله أخيرًا، فأعاد أدواته الطبية إلى الحقيبة بتمهّلٍ مقصود، كأن هدوء حركاته محاولة لزرع الطمأنينة في قلوبٍ تضج بالخوف.

رفع بصره نحو الجميع، ثم استقرّت عيناه على «سراج»، قبل أن يهتف بنبرةٍ هادئة ثابتة  :

ـ ضغطه واطي جدا، وكمان انا محتاج عمو سراج يعمل اشعة رسم قلب عشان نطمن  .

وقعت كلماته كحجرٍ أُلقي في ماءٍ راكد؛ لم تكن صادمة في حدّ ذاتها، لكنها أيقظت الهواجس الكامنة في الصدور. 

اشتعل القلق في عيني «سيد»، فانفجر صوته بعصبيةٍ لم تكن إلا قناعًا للخوف المتأصل داخله، وهو يهتف دون أن يشعر  :

ـ وليه رسم قلب هو في حاجه تقلق لدرجاتي  .

التفتت الرؤوس جميعها نحوه في اللحظة نفسها، وساد الغرفة صمتٌ ثقيل، لا يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متوترة ونبضات قلوبٍ متسارعة.

لم يتحدث أحد، وكأن الجميع ينتظر كلمة فاصلة تعيد إليهم بعض السكون.

قابل «حازم» انفعاله بثباتٍ محسوب، فرفع رأسه من جديد، ونظر إليه مطولًا قبل أن يجيبه بنفس النبرة الهادئة التي لم تتغير  :

ـ لا بس عشان نطمن مش أكتر  ، هو زي الفل  .

لم تكن الجملة مطمئنة تمامًا، لكنها كانت كافية لتخفيف حدّة التوتر قليلًا. 

اقترب «سيد» من الفراش وجلس بجوار «سراج»، يراقب ملامحه المنهكة بعينٍ يغلفها القلق والعجز، وكأن آلاف الكلمات احتشدت في صدره دون أن تجد طريقها إلى لسانه. 

مال نحوه قليلًا، وكاد أن يتحدث، أن يناديه أو يطمئنه، لكن اللحظة انقطعت فجأة.

انفتح باب الغرفة على عجل، ودخل «فارس» بخطواتٍ سريعة مضطربة، وجهه شاحب وأنفاسه متلاحقة، وعيناه تبحثان بلهفةٍ عن والده.

وما إن وقعت عيناه عليه حتى هتف بصوتٍ خرج مرتجفًا من فرط القلق  :

ـ بابا

وتعلّقت الأنظار بـ«فارس»، بينما ظل القلق معلقًا في الهواء، كثيفًا، يضغط على الصدور، وكأن الغرفة بأكملها تحبس أنفاسها انتظارًا لما سيأتي بعدها.

اقترب «فارس» بخطواتٍ متعجلة يسبقها قلبه، وجلس إلى جوار أبيه، ملاصقًا له من الجهة الأخرى حيث يجلس «سيد». 

انحنى قليلًا، وراح يتأمل ملامح «سراج» الشاحبة، تلك الملامح التي اعتاد أن يراها صلبة مطمئنة، لكنها الآن بدت مُجهدة، وكأنها خاضت معركة صامتة.

خرج صوته محمّلًا بقلقٍ واضح، لا يستطيع إخفاءه مهما حاول  :

ـ انت كويس يا حبيبي طمني عليك  .

تحرّك «سراج» قليلًا فوق الفراش، وأدار رأسه نحوه، وفي عينيه تعبٌ ثقيل، لكنه حاول أن يكسوه بابتسامةٍ خفيفة، واستجمع ما تبقى لديه من قوة ليمزح، كعادته التي لا يتخلى عنها حتى في أضعف لحظاته  :

ـ انا كويس يا حبيبي ابوك جبل مش بيتهز  .

انسابت ابتسامة عابرة على وجوه الجميع، ابتسامة تحمل امتنانًا خفيًا لمحاولته التخفيف عنهم، وكأن كلماته كانت حبل نجاةٍ قصير تمسكوا به جميعًا في بحر القلق.

استغل «حازم» تلك اللحظة ليعود إلى نبرته العملية الهادئة، وهو ينظر إلى «فارس» مباشرةً، محاولًا أن يكون واضحًا دون أن يثير الفزع  :

ـ هو كويس هو ضغطه واطي، بس انا محتاج رسم قلب لعمو سراج عشان نتطمن  .

تقلصت ملامح «فارس» فور سماعه، وارتسم القلق صريحًا على وجهه، فاندفع يسأل دون تفكير، وكأن السؤال وحده قد يمنحه بعض الطمأنينة  :

ـ ليه هو تعبان اوي كده؟؟  .

كاد «حازم» أن يجيبه، وقد فتح فمه بالفعل، لكن صوتًا خشنًا قاطعه بحدّةٍ مفاجئة. 

كان «سيد» الذي لم يحتمل الأمر أكثر، فاندفع يتحدث بفظاظةٍ واضحة، وهو يلوّح بيده وكأن الحديث قد حُسم  :

ـ انت هتسمع كلام الدكتور الفاشل ده، انا هتصل علي مختار يجي، عشان يكشف للحج ونتطمن أكتر  .

ساد صمتٌ ثقيل للحظات، وتوقفت الأنفاس في الغرفة.

أنزل «حازم» بصره، ولم ينبس بكلمة، احترامًا لوجود «سراج» ومراعاةً لحالته، رغم ما في الموقف من إهانةٍ صريحة. 

لم تحتمل «صفية» هذا الأسلوب، فتقدمت خطوة، وصوتها يخرج مزيجًا من اللوم والضيق  :

ـ يا سيد عيب، مهو الراجل قال ضغطه واطي، وبعدان احنا هنعمل اشعه عشان نتطمن بس   .

لكن كلماتها لم تُجدِ نفعًا، إذ التفت إليها «سيد» بعينين تقدحان حدّة، وصوته يزداد فظاظةً وهو يرد دون أي اعتبار  :

ـ انتِ هتسمعى كلامه ولا اي، ده بيحب يعمل من الحبة قبة، الدكاتره الفاشلين دول انا عارفهم كويس اوي  .

اشتعل الغضب في عيني «فارس»، وكاد أن ينفجر ردًا عليه بنفس القسوة، إلا أن «حازم» سبقه هذه المرة. 

تحرّك بخطواتٍ ثابتة وهو يجمع أدواته الطبية، وصوته يخرج ببرودٍ قاطع، يحمل في طيّاته كرامةً مجروحة  :

ـ أنا أبويا معلمنيش ببلاش عشان اتأثر برأي اللي يسوى واللي ميسواش دمتم سالمين  .

أنهى جملته دون أن يلتفت، واتجه نحو باب الغرفة.

وقبل أن يغادر تمامًا، سمع صوت «فارس» من خلفه، يوجّه نظراته إلى عمّه بنفس الحدة التي كان يوجّهها «حازم»، وصوته يحمل سخريةً مُرّة  :

هو بعد الأشكال اللى بنشوفها في حياتنا دى هندوم سالمين ازاى يعنى؟؟   .

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي «حازم» عند سماعه رد صديقه، ابتسامة امتنانٍ صامت، ثم غادر المكان تاركًا خلفه غرفةً ما زال القلق مخيمًا على أركانها، وثقل الكلمات العالقة لم يجد بعد طريقه إلى الزوال.

ما إن أُغلق باب الغرفة خلف «حازم» حتى خيّم صمتٌ ثقيل، صمتٌ لا يقطعه سوى أنفاسٍ متعبة تخرج من صدر «سراج» بصعوبة، وكأن كل شهيقٍ يستنزف ما تبقى من قوته. 

التفت «سيد» نحوه، وعيناه تحملان مزيجًا من الضيق والكبت، ثم أطلق كلماته بنبرةٍ مشوبة باللوم، وهو يحدّق في وجه أخيه الشاحب  :

ـ انا مش هتكلم احتراماً لاخويا التعبان، غير كده كنت رديت عليك بطريقة متعجبكش  .

اشتعل الغضب في صدر «فارس»، وكاد أن يفتح فمه ليرد، غير أن «سيد» لم يمنحه الفرصة، فقطعه وهو يعاود الحديث موجّهًا كلامه هذه المرة إلى «سراج»، وقد تلوّن صوته بزيف الاطمئنان  :

ـ كويس اني اطمنت عليك يا حج، حمد الله علي سلامتك يا اخويا، وانا لسه عند كلامى، هتصل علي الدكتور مختار يجيلك باذن الله، يلا سلام عليكم  .

أنهى جملته على عجل، واستدار مغادرًا الغرفة، تاركًا خلفه توترًا لم يهدأ.

تحركت «صفية» و«حنان» في صمتٍ مثقل، وخرجتا بحثًا عن أدوية الضغط وتجهيز طعامٍ خفيف، وكأنهما تهربان من ثقل الأجواء داخل الغرفة.

لم يبقَ إلى جوار «سراج» سوى «فارس»، الذي ظل واقفًا قرب الفراش، يراقب والده بعينين ممتلئتين بالقلق.

رفع «سراج» نظره نحوه، وعلى ملامحه تعبٌ واضح، ورغم ذلك لم يمنعه وهنه من العتاب، فهتف بصوتٍ منخفض لكنه حازم  :

ـ ليه يا فارس عملت كده، عيب يا بني تكلم عمك بطريقة دي  .

زفر «فارس» أنفاسه ببطء، ثم أجابه هو الآخر بنبرةٍ يغلفها اللوم، وكأنه يبرر لنفسه قبل أن يبرر لأبيه  :

ـ انت مشوفتوش كان بيكلم حازم ازاي، فـ اتعصبت بصراحه وقولت كده  .

هزّ «سراج» رأسه نافيًا، وعاد صوته يخرج أكثر صرامة رغم الإعياء الذي يثقل جسده  :

ـ عيب يا فارس برضوا انا مربتكش علي كده، مهما ده كان عمك، اخو ابوك الكبير، عيب يا بني  .

أغمض «فارس» عينيه للحظة، وكأن الكلمات أصابته في موضعٍ حساس، وتراجع عن عناده حين رأى التعب ينهش والده. 

فتح عينيه مجددًا وهتف بهدوءٍ خاشع  :

ـ حاضر يا بابا  .

لم يكتفِ «سراج» بذلك، بل أردف بصوتٍ يحمل إصرارًا خافتًا  :

ـ دور علي نصار، لازم تلاقيه، لازم تلاقي اخوك  .

انعقد حاجبا «فارس» بحيرة، وكأنه انتبه فجأة لغيابٍ كان ينبغي أن يشعر به منذ البداية، فسأل بهدوء  :

ـ اه صح فين نصار  .

أغمض «سراج» عينيه مجددًا، ومرت بخاطره لحظة مغادرة «نصار»، فانقبض صدره، وهتف بصوتٍ متعب  :

ـ نصار مشي لما فيروز كلمته  .

ازدادت حيرة «فارس»، واتسعت عيناه قليلًا وهو يعيد السؤال بدهشةٍ واضحة  :

ـ هي فيروز كلمته كمان  .

تنهد «سراج» طويلًا، ثم قصّ عليه ما جرى، وما قالته «فيروز»، وما تبعه من شجارٍ بين «نصار» و«إيهاب». 

وما إن انتهى حتى اندفعت الصدمة من فم «فارس» دون تفكير  :

ـ ازاي فيروز تقول كده لنصار، طيب ونصار راح فين  ؟؟  .

ابتلع «سراج» ريقه بصعوبة، وقد أثقل القلق صدره، فأجاب بصوتٍ واهن يحمل خوف الأب على ابنه  :

ـ معرفش يا فارس، حاول تتواصل مع اخوك،  انا عايز اخوك قدامي دلوقتي  .

اقترب «فارس» خطوة، وملامحه تستعيد شيئًا من الثبات، وهتف بثقةٍ هادئة  :

ـ متقلقش يا بابا، وعد مني نصار هيبقي قدامك الليلة دي  .

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي «سراج»، ابتسامة امتزج فيها الارتياح بالتعب، فهو يعرف «فارس» جيدًا؛ يعرف أن وعده ليس كلامًا يُقال، بل عهدٌ يفي به مهما كان الثمن.

❈-❈-❈

بعد ثلاث ساعاتٍ ثقيلةٍ كأنها دهرٌ كامل…

كان «فارس» يهيم على وجهه كمن فقد عقله، يتخبط بين الطرقات، تتقاذفه الهواجس من مكانٍ إلى آخر، يبحث عن «نصار» بلا هدى، وبقلبٍ يشتعل قلقًا وخوفًا. 

لم يكن يعرف أين يمكن أن يجده، ولا أي طريقٍ قد يقوده إليه.

هاتفه لا يفارق يده، وعيناه لا تكفان عن التحديق في شاشته، يعدّ الرنّات الواحدة تلو الأخرى، حتى تجاوزت المكالمات الخمسين، دون أن يأتيه ردّ، ودون أن يخفّ ذلك الفراغ القاتل الذي يتسع في صدره مع كل محاولةٍ فاشلة.

ومع اقتراب عقارب الساعة من السابعة مساءً، توقّف قليلًا، واستند إلى سيارته، يلتقط أنفاسه المتلاحقة، ثم خطر له خاطرٌ أخير؛ كتب رسالة قصيرة يخبره فيها أن والده قد تعب اليوم. 

ضغط زر الإرسال، وبقي واقفًا في مكانه، ينتظر اهتزاز الهاتف، أو ومضة إشعارٍ تنقذه من هذا الانتظار الخانق، لكن الصمت ظلّ سيد الموقف، صمتٌ أثقل من أن يُحتمل.

تسلّل إلى عقله يقينٌ واحد: إذا رأى «نصار» الرسالة، فلن يتأخر، وسيعود إلى البيت مباشرة.

لم يتردد «فارس» أكثر من ذلك، استقل سيارته وانطلق بها، والطريق أمامه بدا أطول من المعتاد، وكأن الزمن تعمّد أن يبطئ خطاه.

وصل إلى القصر، أدخل سيارته إلى الجراج، وأغلق المحرّك بيدٍ مرتجفة.

ترجل منها متجهًا نحو الباب الرئيسي، بخطواتٍ سريعة يغلبها التوتر، وكاد أن يعبر العتبة، لولا صوت سيارةٍ يقتحم سكون المكان فجأة.

توقّف في موضعه، والتفت بقلبٍ يخفق بعنف، فإذا بها سيارة «نصار».

توقفت السيارة على بعد خطوات، وما إن فُتح بابها حتى اندفع «نصار» إلى الخارج بلهفةٍ واضحة، ملامحه مشدودة، وعيناه تعكسان رعبًا صادقًا، وصوته يخرج مختنقًا بالقلق وهو يهتف:

ـ ابوك ماله يا فارس؟؟

ساد صمتٌ قصير بعد كلماته، كان ثقيلاً كأنه يحمل بين طيّاته قلقًا لم يُقال بعد.

نظر «فارس» إلى «نصار» وهو يقرأ في عينيه ذلك الاضطراب الواضح، القلق الصادق الذي لا يحتاج إلى تفسير. تنفّس بعمق، وكأنه يختار كلماته بعناية حتى لا يزيد من خوفه، ثم أجابه بهدوءٍ متزن يخفي وراءه توترًا لم يستطع كتمه تمامًا:

ـ بقي كويس الحمد لله بس هو تعب شويه ضغطه وطى فجاة، وحازم بيقول لازم يعمل اشعة رسم قلب عشان نطمن  .

كاد «نصار» أن يفتح فمه ليرد، وربما لينهال عليه بأسئلةٍ لا تنتهي، لكن صوتًا آخر شقّ الجو فجأة، صوتًا مألوفًا يحمل نبرة السلطة والعادة. 

التفتا معًا، فإذا بوالدهما يقف غير بعيد، مرتديًا جلابيته، ممسكًا بعصاه التي يستند عليها، وقد لفّ رأسه بتلك العمّة التي لم يكن يضعها إلا في المناسبات الرسمية. 

هيئته كانت توحي بالتماسك، رغم ما بدا عليه من إرهاقٍ خفي.

تقدّم خطوةً إلى الأمام، ونظر إلى «نصار» مباشرةً، ثم قال بنبرةٍ حازمة لا تحتمل التردد:

ـ نصار تعاله معايا، عندنا اجتماع في القرية  .

انعقد حاجبا «فارس» في حيرةٍ واضحة، وعيناه تتفحصان ملامح والده غير مصدّق. 

منذ قليل كان متعبًا، بالكاد يقف على قدميه، فمتى أُعدّ هذا الاجتماع؟ وكيف له أن يخرج الآن وكأن شيئًا لم يكن؟ تساؤلات كثيرة تدافعت في عقله، لكنّها توقفت فجأة عندما اقترب منه «نصار» بخطواتٍ سريعة، ولهفةٍ صادقة ترتسم على وجهه، وصوته يخرج مشوبًا بالخوف:

ـ انت كويس طمني عليك  .

ارتسمت على شفتي الأب ابتسامة خفيفة، ابتسامة رجلٍ اعتاد أن يطمئن من حوله حتى وإن كان هو أول من يحتاج إلى الطمأنينة. 

هزّ رأسه قليلًا وقال بصوتٍ هادئ:

ـ كويس، متقلقش بس محتاجك في اجتماع البلد  .

ازداد تجهم «نصار»، وعقد حاجبيه وهو يحاول أن يستوعب ما يسمعه. 

اجتماع؟ منذ متى وهو يحضر هذه الاجتماعات أصلًا؟ لم يكن يومًا جزءًا منها، ولم يسبق له أن جلس في مجلسٍ كهذا.

كان «سالم» وحده من يتولى ذلك الأمر، بحكم كونه كبير العمدة من بعد أبيه. فكرة حضوره الآن بدت غريبة، بل ومقلقة.

همّ بأن يعترض، وكلمات الاعتراض كانت على طرف لسانه، لكنه تراجع فجأة حين تذكّر حديث «فارس» عن الأشعة ورسم القلب. 

ذلك الطلب لم يكن عابرًا، بل يحمل في طيّاته شكًا خفيًا في أمرٍ يخص قلب والده. 

ابتلع اعتراضه، واستسلم للأمر الواقع، ثم قال بصوتٍ خافت يحمل الرضوخ:

ـ حاضر  .

كان «فارس» يراقب المشهد كله بصمت، وأفكاره تسير في المسار ذاته الذي سلكه عقل «نصار».

ذلك الاجتماع المفاجئ لم يبدُ له طبيعيًا، بل أثار داخله ريبةً غامضة، شعورًا بأن هناك ما يُدبّر في الخفاء، أو ما يُراد إخفاؤه خلف هذا الخروج العاجل.

وقبل أن يسترسل في أفكاره أكثر، التفت إليه والده مرةً أخرى، ونبرته هذه المرة أشد صرامة، لا تترك مجالًا للاعتراض:

ـ وانت كمان تيجي معانا  .

أنهى حديثه دون انتظار رد، واتجه مباشرةً إلى سيارة «نصار» وركب في المقعد الأمامي. تحرّك «فارس» بعده، والتفكير لا يزال ينهش عقله، ففتح الباب الخلفي وجلس، وقلبه مثقل بتساؤلاتٍ لا يجد لها إجابة.

بعد لحظات، ركب «نصار» السيارة هو الآخر، وانطلقت بهم، بينما ظلّ الصمت يخيّم على الأجواء، صمتٌ ينذر بأن ما هو قادم لن يكون عابرًا.

❈-❈-❈

بعد نصف ساعةٍ من السير المتواصل، توقّفت السيارة أخيرًا أمام مجلس القرية. كان المكان يضجّ بحركةٍ مكتومة، كأن الهواء نفسه مشحون بانتظارٍ ثقيل. 

تجمّع رجال القرية في الخارج، مصطفّين في حلقاتٍ صغيرة، تتداخل همساتهم ونظراتهم، وكلّهم يوجّهون أبصارهم نحو الطريق، مترقّبين قدوم كبيرهم. 

الوجوه متجهّمة، والسكينة الظاهرة تخفي تحتها قلقًا لا يُخطئه النظر.

ترجّلوا من السيارة، فتقدّم الأب من الأمام بخطواتٍ ثابتة، رغم ما بدا عليه من إرهاقٍ خفي، كأن هيبته تفرض على جسده التماسك مهما ثقل عليه التعب. 

خلفه سار «فارس» و«نصار» جنبًا إلى جنب، بخطواتٍ متقاربة، لا يكاد الفرق بين وقع أقدامهما يُلحظ، وكأنهما يتحركان على إيقاعٍ واحد، يحمل كلٌّ منهما في صدره تساؤلاتٍ لا يجد لها جوابًا.

اقتربا من بوابة المجلس، وبينما تتعلّق أعين الرجال بالأب، انحنى «نصار» قليلًا نحو «فارس»، وخفّض صوته إلى حدٍّ يكاد لا يُسمع، حتى بدا وكأنه يهمس في أذنه فقط:

ـ هو انت تعرف حاجه عن الأجتماع ده؟؟  .

لم يلتفت «فارس» إليه، بل ظلّ ينظر أمامه، ملامحه مشدودة، وعيناه تجولان في الوجوه المحيطة بهما. 

أجابه بصوتٍ منخفضٍ مماثل، يحمل هدوءًا ظاهريًا يخفي تحته اضطرابًا واضحًا:

ـ لا معرفش ومش مطمن للاجتماع ده  .

مرّر «نصار» بصره على رجال القرية واحدًا تلو الآخر، كأنّه يحاول أن يلتقط من ملامحهم ما يفسّر هذا التجمّع المفاجئ. 

توقّف نظره عند بعض الوجوه المتجهمة، فتزايد شعوره بالريبة، وتمتم بنبرةٍ مشوبة بالحذر:

ـ ولا انا

ظلّ الصمت يخيّم من جديد، صمتٌ ثقيل، لا يقطعه سوى وقع خطواتهم وهم يقتربون أكثر من المجلس، حيث بدا أن شيئًا غير مألوف على وشك أن يُقال. 

توقّف «سراج» أمام مجلس القرية، فخفتت الأصوات تلقائيًا، واتجهت إليه الأنظار دفعةً واحدة، كأن الجميع كان ينتظر هذه اللحظة تحديدًا، لحظة أن يقف ويقول كلمته. 

ساد المكان صمتٌ مهيب، صمت الرجال حين يشعرون أن أمرًا جللًا على وشك أن يُعلن.

وقف أولاده إلى جواره، في صفٍ واحد، تتباين ملامحهم بين الترقّب والدهشة، بينما بقيت العيون معلّقة به، لا تحيد عنه.

حرّك «سراج» بصره بينهم، ثم هتف بصوتٍ يفيض احترامًا ووقارًا، كعادته حين يخاطب أهل قريته:

ـ اتفضلوا اقعدوا  .

تحرّك الرجال نحو الكراسي المصطفّة خلفهم، وجلسوا في انتظامٍ واضح، بينما كانت حديقة المجلس تعجّ برجالٍ كُثُر من أبناء القرية، ازدحمت بهم المساحة، وتداخلت أنفاسهم وهمساتهم. 

ومن بين الجالسين برز «سيد» شقيق «سراج»، ملامحه متحفظة، وإلى جواره «باسم» و«إيهاب»، جلسوا متجاورين، يرمقون «سراج» بنظراتٍ يشوبها شيءٌ من الريبة والترقّب، كأنهم يستشعرون أن هذا الاجتماع ليس عاديًا.

تقدّم «سراج» خطوةً أخرى، ثم توقّف عند موضعه، وألقى نظرة طويلة على كرسي العمدة، ذلك الكرسي الذي يحمل ثقل المكان وهيبته، قبل أن يرفع رأسه ويتحدّث بنبرةٍ هادئة، لكنها مشحونة بدلالةٍ خفية:

ـ السلام عليكم يا رجالة  .

جاءه الردّ جماعيًا، بصوتٍ هادئٍ مهذّب، يليق بمقامه ومقام المجلس. 

وما إن انتهت عبارات السلام، حتى التفت «سراج» نحو «نصار»، وناداه بنبرةٍ صارمة لا تقبل التردّد:

ـ اقعد يا نصار هنا، في الكرسي ده  .

في تلك اللحظة، جحظت عينا «فارس»، وانحبس نَفَسه فجأة، فقد أدرك على الفور معنى هذا الكرسي، وعرف ما يحمله من مكانةٍ وسلطة، وما قد يترتب على الجلوس عليه.

شعورٌ ثقيل اجتاح صدره، وداهمه إحساسٌ بأن ما يحدث أكبر مما يبدو.

أمّا «نصار»، فكان على النقيض تمامًا؛ لم يكن يعرف شيئًا عن رمزية ذلك الكرسي ولا عن جلساته، فقد كان بجانبه كرسيٌّ صغير، وظنّ الأمر لا يتجاوز تبديل مكانٍ بآخر. 

أطاع حديث والده دون تردّد، وجلس حيث أُمر، وهو لا يفهم شيئًا على الإطلاق، إذ لم يحضر اجتماعات هذا المجلس من قبل.

وما إن استقرّ «نصار» في جلسته، حتى تعالت الهمسات بين الرجال، وانتشرت النظرات المتبادلة، فزاد ذلك من الإحساس بأن ما يحدث أمرٌ بالغ الأهمية. 

عندها، رفع «سراج» صوته بنبرةٍ فاخرة، تحمل إعلانًا رسميًا لا لبس فيه:

ـ اقدملكم نصار سراج السعداوي، كبير العمدة من بعدي  .
التالي


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏