رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 6 - الجمعة 5/6/2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل السادس
تم النشر يوم الجمعة
5/6/2026
كنتُ أظنّ أنّك آخرُ مَنْ يتخلّى عنّي...
فإذا بي أراكَ أوّلَ مَنْ أفلتَ يدي،
وكأنّ ثِقَلَ العالمِ الذي حملتُهُ عنكَ
كان حجّةَ هروبِكَ لا سببَ بقاءِكَ.
❈-❈-❈
ظنّت في اللحظة الأولى أنها توهّمت السمع، وأن الكلمات لم تكن سوى صدى ثقيل ارتطم بعقلها المرهق، لا أكثر.
لكنّه لم يمنحها فرصة لتستعيد أنفاسها أو تُعيد ترتيب أفكارها، إذ استدار وتركها خلفه، واتجه بخطوات حاسمة نحو الأعلى، إلى غرفته، وكأن شيئًا لم ينكسر للتو.
في تلك اللحظة أدركت أن ما سمعته كان حقيقة، وأن تلك الكلمات القاسية لم تكن مزحة، ولا غضبة عابرة، بل فاصلًا حادًّا شطر حياتها نصفين.
هو الآن ينفصل عنها... بكلمات.
حاول عقلها أن يتمسّك بوهمٍ أخير؛ لعلّه يمزح؟
كيف لا، وهي تعلم يقينًا أنها كانت أغلى ما يملك، وأقرب ما إلى قلبه؟
لكن تلك اللحظة، القصيرة القاتلة، صوّرت لها أنها لم تكن سوى شيء عابر في حياته، شيء يمكن التخلّي عنه بسهولة، بلا تردّد، بلا شرح.
كيف نطق بهذه الكلمات؟
يا لقسوته... يا لقسوة قلبه.
هل انتهى كل شيء هكذا؟
هل انفصل عنها الآن فعلًا؟
ما كان بينهما، في نظرها، أكبر من أن تهدمه جملة، أعمق من أن تمحوه كلمة، فكيف أطلقها بهذه البساطة؟ ولماذا؟
هي لم تفعل شيئًا... لم تؤذه، لم تخنه، لم تخذله.
اغرورقت عيناها بالدموع، وبدأت خطواتها تتراجع إلى الخلف دون وعي، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، وكادت تسقط لولا أن ساندتها «لوزة»، التي أمسكت بها سريعًا، وهتفت بنبرة هادئة متصنّعة المواساة:
ـ اهدي بس يا حبيبتي ده نصيب وهو ميستهلكيش .
وقف «سراج» مذهولًا، مشدوهًا من فعل ابنه، لا يقل صدمة عمّن حوله، فاندفعت كلماته محمّلة بالحرج والارتباك:
ـ هو في اكيد سؤء تفاهم، انا هتكلم معاه وهقوله و....
لكن «لوزة» قطعته بحدّة صارمة، وهي ما زالت تسند «فيروز» التي كانت تبكي بصمت، دموعها تنساب دون صوت، وكأن الألم تجاوز القدرة على الصراخ:
ـ سؤء تفاهم اي ده طلقها، وبالتلاته كمان يعني مفهاش راجعة، هي ذنبها اي، مش عشان هو متضايق علي اخوه وجوز اخته يرمي مراته، بنات الناس مش لعبة يا حج .
تدخّلت «صفية» هذه المرة بصوت هادئ مصطنع، تحاول أن تجمع شتات الجو المشحون، وأن تُطفئ النار قبل أن تلتهم الجميع:
ـ صلوا علي النبي يا جماعه، هو تلاقيه بس ميقصدش، كلنا عارفين نصار بيعشق تراب فيروز اقد اي .
لكن «لوزة» لوَت شفتيها بحنق، وصاحت بنبرة لا تخلو من السخرية المرة:
ـ شوفنا يا ختي العشق ده، شوفناه، لما طلقها قدامكم وبتلاته كمان يعني مفهاش راجعه .
وساد الصمت بعدها، صمت أثقل من الكلام، صمت يعلن أن شيئًا كبيرًا قد تحطّم... وربما بلا عودة.
انفجرت دموعها أخيرًا، وكأن السدّ الذي كانت تحتمي خلفه قد انهار دفعة واحدة.
خرج صوتها مبحوحًا، منخفضًا، بالكاد يُسمع، وهي تنظر إلى «لوزة» بعينين غارقتين في الألم:
ـ انا عايزة امشي، عايزة امشي يا خالتي .
أخذت «لوزة» تطبطب عليها برفقٍ مصطنع، ومدّت يدها تُخفي خصلةً شاردة خرجت من حجابها، وهتفت بنبرة حنونة تخفي خلفها ما لا يُقال:
ـ تعالي يا عمري، تعالي نمشي، بس انتِ اهدي هو ميستهلش ابدا، انك تعيطي عشانه .
زاد بكاؤها أكثر، حتى كاد جسدها ينهار تحت وطأة الألم، وأمسكت بها «لوزة» وبدأتا السير معًا خطوةً واحدة، خطوةً ثقيلة، وكأن كل خطوة تبتلع جزءًا من قلبها.
وقبل أن يبتعدا، اقترب «سراج» منهما مسرعًا، وصوته يحمل رجاءً وارتباكًا:
ـ سيبها يا لوزة هنا، انا عايزة اتكلم معاه واصلح الامور اللي بينهم .
لكن «لوزة» ردّت بحدّة قاطعة، دون أن تلتفت إليه، وكأن الأمر قد حُسم:
ـ اللي اتكسر مش بيتصلح يا سراج، وبالذات في الأمور دي، وكل واحد بياخد نصيبه، ونصيب ابنك غير نصيب فيروز، ويلا سلام عليكم .
وأمسكت بها بقوة، وغادرت القصر بأكمله، بينما كانت «فيروز» تبكي في صمت، دموعها تنهمر بلا صوت، وذكرياتهم تتزاحم في رأسها كسهامٍ لا ترحم.
أما «لوزة»، فما إن خرجت من بوابة القصر، حتى ارتسمت على شفتيها نصف ابتسامة خبيثة، وهي تنظر إلى «فيروز» المنكسرة، ثم إلى ابنها الذي كان يقف في الانتظار.
تمتمت في سرّها بصوتٍ لا يسمعه أحد:
ـ نجحتي فـ اول خطوة يا لوزة، عقبال التانية، وابنك هيبقي من نصيب فيروز غصب عن الكل .
كان «إيهاب» شارد الذهن، غارقًا في أفكاره، حتى أفاق على وقع خطواتهما.
التفت إليهما، وما إن وقعت عيناه على «فيروز» تبكي بصمت، حتى تبدّلت ملامحه من الهدوء إلى الخوف.
اقترب منهما، لكنه حافظ على مسافةٍ واضحة بينه وبينها، وسأل بقلق:
ـ في اي؟؟ ، اي اللي حصل ، مالك يا فيروز .
ازدادت دموعها حين ترددت في أذنها كلماته القاسية، وكلمة الطلاق التي ما زالت تضرب قلبها، وكأنها لم تعد تعي ما حولها.
تهاوى جسدها وكادت تسقط، وهمّت «لوزة» بمساندتها، لكنها تراجعت فجأة حين رأت «نصار» واقفًا في الشرفة، ينظر بعمق.
ابتسمت بخبث، ودفعت «فيروز» دفعة خفية ماكرة، فكادت تقع أمام «إيهاب».
اندفع «إيهاب» سريعًا، وأمسك بيديها قبل أن تسقط، وهتف بقلقٍ أشد:
ـ مالك يا فيروز .
لكنها لم تسمع شيئًا... لم تعِ وجوده، ولا صوته، إذ غشّى بصرها ضباب كثيف، ومال جسدها بلا مقاومة.
ساندها جيدًا، وصاح بحدّة ممزوجة بالخوف:
ـ ساندي فيروز يا امي .
تظاهرت «لوزة» بالتعب، ووضعت يدها على رأسها، وهتفت بإعياءٍ مصطنع:
ـ انا تعبانة يا بني ودايخه، مخدتش الدوا بتاع الضغط وحاسه اني هموت .
لم يعرف «إيهاب» كيف يتصرّف، فبقي ممسكًا بيد «فيروز»، يساندها أمام أعين «نصار» الذي كان يقف في الشرفة، وعيناه تشتعلان بنارٍ لا تشبه سوى الجحيم.
همّ بأن يُجلس «فيروز» في المقعد الخلفي، لكن صوت والدته أوقفه بلهفة:
ـ لا خليها قدام، عشان هفرد ضهري مش قادرة يا بني .
استجاب فورًا، وأجلس «فيروز» في المقعد الأمامي بجواره، وأغلق الباب بعد أن تأكّد من جلوسها جيدًا.
ركض نحو والدته ليسندها، لكنها ابتسمت له ابتسامة لم يفهم معناها، وهتفت بخبثٍ هادئ:
ـ افتحلي باب العربيه، وانا هبقي كويسه .
فتح لها باب السيارة، فتقدّمت نحوه، وكادت تركب، لكنها توقفت لحظة، والتفتت نحو «نصار» الواقف في الشرفة.
دخلت السيارة، وهي ترتسم على شفتيها ابتسامة خبيثة، وأسندت رأسها وأغمضت عينيها، مستمتعة تمامًا بمشهد احتراقه الصامت.
وبعد ثوانٍ، ركب «إيهاب» السيارة، وانطلق بها بعيدًا عن القصر، تاركًا خلفه «نصار» واقفًا، يراقبهم بنظراتٍ مشتعلة لا تعرف سوى الغضب.
❈-❈-❈
دخل غرفته بخطواتٍ ثقيلة بعد أن رآها للمرة الثانية قريبةً منه، قريبةً إلى حدٍّ كافٍ ليُشعل داخله بركانًا من الشك والغضب.
أغلق الباب خلفه بعنف، وبدأ يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا، لا يرى أمام عينيه سوى صورٍ متلاحقة تضرب عقله بلا رحمة، مشاهد تتكاثر وتتداخل حتى كادت تسحق رأسه.
في نظره، لم تكتفِ بكسر قلبه، بل قسمته نصفين، خانته، وسحقت كرامته وكبرياءه ورجولته أمام نفسه قبل الناس، دون شفقة أو تردّد.
يا لها من ماكرة... خبيثة، تتلون كما تشاء، وتخفي خلف هدوئها سُمًّا قاتلًا.
توقّف فجأة عن السير، حين وقعت عيناه على صورتهم. اقترب منها بخطوات غاضبة، ثم هوى بقبضته عليها، قاذفًا بها إلى الأرض بقسوة.
لم يتوقف عند ذلك، بل التفت إلى الصور المعلّقة على الجدار، تلك التي كانت تجمعهم، فضربها واحدة تلو الأخرى، حتى سقطت جميعها على الأرض مُحدثةً ضجيجًا عاليًا، تكسّرت فيه البراويز، وتناثرت الشظايا في كل مكان.
انغرست قطع الزجاج في قدميه، وسالت الدماء، لكنه لم يُبالِ.
فذلك الجرح لا يعني له شيئًا...
جرح القلب، ذاك الذي صنعته تلك القاسية، كان أعمق وأشد إيلامًا.
وقف يلهث من فرط الغضب، تنفّسه مضطرب، وصدره يعلو ويهبط بعنف.
هربت دمعة من عينيه رغمًا عنه، فمسحها بعنف وكأنها إهانة، وهتف بصوتٍ عالٍ كمن يحدّث نفسه ويجلدها في آنٍ واحد:
ـ إياك تزعل علي واحدة وسـ*** زي دي، إياك، انت مش زعلان عليها، انت بس زعلان علي نفسك، انك كنت مغفل ازاي كده وصدقتها .
انفتح الباب فجأة دون طرق، وظهر «فارس» وقد تجمّد في مكانه من الفزع حين رأى الغرفة مقلوبة رأسًا على عقب، وهتف بصدمة:
ـ في اي يا نصار، ليه ده كله .
وقعت عيناه على قدميه المجروحتين والدماء التي نزفت، فاقترب منه سريعًا بخوفٍ واضح:
ـ انت اتعورت
ثم أكمل بقلقٍ أشد، وهو يتحرّك على عجل:
ـ اقعد وثواني اجيب علبه الاسعافات من الحمام .
وبالفعل أجلسه، ولم تمر سوى لحظات حتى عاد بعلبة الإسعافات، وبدأ يداوي جراحه بحذر، وهو ينظر إليه بحزنٍ عميق على حالته، وهتف بصوتٍ مكسور:
ـ ليه كده يا حبيبي، ليه تعمل في نفسك كده .
انتهى «فارس» من تضميد الجرح ووضع اللاصقة الطبية، فنهض «نصار» متجهًا نحو الفراش، وألقى بنفسه عليه، دافنًا وجهه بين الوسائد القطنية، ثم فرد الغطاء على جسده كمن يريد أن يختفي عن العالم كله.
تحدث بصوتٍ منخفض، مكتوم:
ـ اقفل باب الاوضة وانت طالع يا فارس .
اقترب منه «فارس» خطوة أخرى، وهتف بهدوءٍ يحمل قلقًا حقيقيًا:
ـ مش هنتكلم؟؟
جاءه الردّ وهو ما يزال محشور الرأس بين الوسائد، صوته باهت ومتعب:
ـ بعدان الوقت اتأخر تصبح علي خير .
خرج «فارس» وهو ينظر إليه بحزنٍ لم يسبق له أن شعر به، فقد كانت هذه أول مرة يراه بهذا الانكسار.
امتثل لطلبه وأغلق الباب خلفه، ليجد والده واقفًا أمام الغرفة ينتظر، فسأله بنبرة مثقلة:
ـ متكلمتش معه ولا فهمت حاجه، قعد يكسر في صوره هو وفيروز، ومرضيش يحكي معايا ونام .
أغمض «سراج» عينيه بتعبٍ عميق، وكأن ما سمعه أثقل صدره أكثر، ثم قال بعد لحظة تفكير بصوتٍ هادئ:
ـ اكيد في حاجه حصلت احنا مش عارفنها، نصار مش هيطلق فيروز كده من لا سبب، اكيد في حلقه مفقودة انا مش فاهمها .
صمت «فارس»، مؤيدًا حديثه دون كلام، بينما ظل عقله غارقًا في دوامة الأسئلة، وكلٌ منهما يدرك أن ما جرى لم يكن مجرد غضبٍ عابر... بل بداية شرخٍ عميق.
❈-❈-❈
وصل إلى البيت وقد سبقته مشاعر القلق قبل خطواته.
كان السكون يلف المكان، سكونٌ ثقيل لا يطمئن، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها.
لمح والدته تحاول إيقاظ «فيروز» برفق، كانت غافية في المقعد، رأسها مائل قليلًا، وملامحها شاحبة، مرهقة، وكأن النوم لم يكن راحة بقدر ما كان هروبًا.
فتحت عينيها بانزعاج خافت، تطلعت حولها ببطء وهي تحاول أن تستوعب المكان، لتجد «إيهاب» بجانبها، وخلفها «لوزة» تراقبها بعينٍ فاحصة .
لم تتكلم «لوزة»، بل خرجت أولًا، ثم عادت لتسند يدها وتساعدها على النزول من السيارة.
خرجت بمساعدتها، خطواتها متثاقلة، وكأن جسدها لا يطاوعها، ثم اتجهت بها «لوزة» إلى الداخل، ومنها إلى الأعلى.
فتحَت باب الغرفة نفسها التي احتضنتها من قبل، الغرفة ذاتها التي عادت إليها في الصباح، وكأن الزمن يدور في حلقة مغلقة.
دخلت بها، وساعدتها على تغيير ثيابها بصمتٍ تام، جلبت لها بيجامة قطنية وردية، ناعمة الملمس، ثم غطّتها جيدًا بعد أن استلقت على الفراش.
لم تُقاوم، لم تتكلم، استسلمت للنوم سريعًا، هدوءٌ غير مطمئن، هدوء يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة.
كانت «لوزة» تراقب ملامحها، وتدرك يقينًا أن شيئًا ما قد انكسر داخل تلك الفتاة، انكسارًا لا يُرى بالعين، لكنه يُحسّ بالقلب.
وبعد أن انتهت واطمأنّت عليها، خرجت من الغرفة، لتجد «إيهاب» واقفًا في الخارج، ينتظرها بقلقٍ واضح، وكلمات كثيرة معلّقة في صدره.
وقبل أن ينطق بحرف، بادرت هي بالكلام، بنبرة متعبة مصطنعة، تُنهي بها أي محاولة للحديث:
ـ بقولك اي يا إيهاب بعدان عشان انا تعبانه، بكره نتكلم تصبح علي خير .
أنهت جملتها، ودخلت غرفتها المجاورة لغرفة «فيروز»، وأغلقت الباب خلفها بإحكام.
تنهد «إيهاب» بعمق، وبقي واقفًا مكانه لحظات، يحاول أن يفهم ما الذي حدث، ولماذا رآها بتلك الحالة المنكسرة، لكن الأسئلة ظلت معلّقة، بلا إجابة، تزيد قلقه ولا تُشفيه.
❈-❈-❈
كانت «فايزة» قد وصلت إلى البيت متأخرة، يثقلها الإرهاق كما يثقلها التفكير.
لم تكن ترغب في شيء سوى النوم، نومٍ عميق يقطع سيل الأفكار الذي لم يتوقف طوال اليوم.
رأسها كان مزدحمًا، وعيناها تحرقهما السهرة، وقلبها مشغول بأمرٍ واحد لا غير.
الآن، «سالم» فقد قدميه، ولا تعلم إن كان ذلك الفقد مؤقتًا أم أبديًا.
لا تعلم متى يفيق من غيبوبته، ولا متى يستعيد وعيه ليعود إلى تلك المكانة التي شغلت عقلها أكثر من أي شيء آخر.
مكانة العمدة، المكانة التي كانت تُعرّف بها نفسها قبل أن تُعرّف باسمها.
لم تفكر في حاله، ولا في ألمه، ولا في مصيره بقدر ما فكرت في اللقب الذي قد يضيع منها.
كانت تدعو أن يفيق، لا حبًا فيه، بل ليعود كل شيء إلى نصابه، لتعود هي «زوجة العمدة»، كما كانت، وكما اعتادت أن تُعامل.
اتجهت إلى غرفة «فيروز»، أرادت أن تطمئن عليها، أو ربما فقط تتأكد من وجودها.
فتحت الباب، لكن الغرفة كانت خالية.
لم تجدها.
نظرت إلى الساعة المعلّقة، فوجدتها تشير إلى الحادية عشرة منتصف الليل.
الوقت متأخر، ومتأخر جدًا عن عادات قريتهم.
عقدت حاجبيها بتساؤلٍ خافت، أين هي الآن؟
مرّ بخاطرها موت «علي» و«همام»، فزفرت بمللٍ واضح، لم يكن حزنًا بقدر ما كان ضيقًا من كل ما يحدث.
استقرّ في عقلها ظنّ واحد،«فيروز» لا بدّ أنها مع «نصار».
تخيلتها بين ذراعيه، تواسيه، تشاركه حزنه، وربما تحاول إصلاح ما فسد بينهما.
لم تمانع الفكرة في البداية، ثم سرعان ما طردتها من رأسها؛ فـ «فيروز» ليست من النوع الذي يفتح مثل هذه الأحاديث في وقت كهذا، وخصوصًا وهو في تلك الحالة.
فـ «نصار» خسر زوج شقيقته وصديقه، وهو الآن في حالة سيئة للغاية، و«فيروز» في ظنها، لا بد أنها تحاول أن تكون بجانبه.
دخلت غرفتها أخيرًا، وألقت بجسدها على الفراش قبل أن تمتد يدها إلى الهاتف وتتصل بـ «باسم».
لم تنتظر طويلًا حتى جاءها صوته:
ـ اهلا بالهانم اللي لسه فاكره تتصل عليا .
تنهدت بضجر، وأجابت بنبرة مشبعة بالتعب والملل:
ـ والله الهانم دي منمتش ومطبقه، عشان خاطر سي زفت سالم، وياريته صحي لا يا خويا نايم وبيدلع وفي غيبوبه والله اعلم هيفوق امتي .
لوى شفتيه متأثرًا بنبرة حديثها، وسألها بحيرة حقيقية:
وانت مالك زعلانه ليه ما يفوق وقت ما يفوق انتِ بتحبيه ولا اي .
اشتعل غضبها فورًا، وردّت وقد بلغ بها الضيق منتهاه:
ـ حب اي انت كمان، انت عايز تجيبلي شلل، سالم دلوقتي سايب كرسي العمده، وانا محدش بقي يحترمني ولا يشوفني مرات العمده، تقولي حب وقرف؟؟ .
ابتسم بمراوغة، وعقد حاجبيه ساخرًا وهو يقول:
ـ ما انا قولت برضوا فايزة هانم تحب وتقع لا لا مصدقتش .
شهقت فجأة، كأنها تذكرت أمرًا مهمًا، وقالت بلهفة وقد ضربت رأسها بكفها:
ـ نسيت اقولك صح، فيروز مش في البيت .
تغيّر صوته، وسألها باستفسار:
ـ ليه هي فين .
رفعت حاجبيها بثقة، وأجابت وهي لا تزال ممسكة بالهاتف:
ـ اكيد مع نصار .
تنهد بضيق واضح، وقال بنبرة مشوبة بالملل:
ـ هي اختك بتستغل اي فرصة انها تكون مع نصار وخلاص .
وافقتها الرأي، وردّت هي الأخرى بنفَسٍ ممتلئ بالاستياء:
ـ والله يا اخويا طول عمرها كده مسهوكه علي الكل مش نصار بس .
ثم أكملت بنبرة مرهقة، وكأن طاقتها قد نفدت تمامًا:
ـ سلام بقي عشان الحق انام ساعتين عشان اصحا الصبح اروح للمحروس، سلام .
ضحك بخفة، ثم أجابها:
ـ سلام .
أغلقت الهاتف، وألقت به جانبًا، واستسلمت للفراش أخيرًا، فيما بقي عقلها يقظًا، لا يفكر إلا في الكرسي، واللقب، والمكانة التي تخشى أن تفقدها أكثر من أي شيء آخر.
❈-❈-❈
مع بزوغ خيوط الصباح الأولى، كانت «صفية» تقف في المطبخ، تتحرك بخطواتٍ هادئة وهي تُعدّ السفرة بعنايةٍ مبالغٍ فيها؛ أطباق متنوّعة، وأكواب مصطفّة، وملعقة تُعاد إلى موضعها أكثر من مرة بلا سبب واضح.
لم يكن عقلها حاضرًا مع ما تصنعه يداها، بل كان شاردًا، غارقًا في تصرّفات «نصار» التي لم تفارق تفكيرها منذ الأمس.
كانت أكثر من يعرفه، أكثر من قرأت ملامحه وصمته ونوبات غضبه وهدوئه المفاجئ.
تعرفه حين يكون منكسِرًا، وتعرفه حين يثور، وتعرف يقينًا، أنه لم يكن ليُقدم على ما أقدم عليه إلا إن كان هناك أمرٌ جلل، أمرٌ تجاوز حدود الاحتمال لديه.
لم يكن «نصار» رجلًا يتخذ قراراته هكذا، ولم يكن يومًا مندفعًا إلى هذا الحد دون سببٍ يراه في نظره قاطعًا.
راحت ذاكرتها تستعرض ملامح حياتهما معًا؛ كم تشاجرا، وكم اختلفا، وكم ارتفعت الأصوات بين «فيروز» و«نصار» في مراتٍ لا تُحصى.
كانت الخلافات حاضرة، صغيرة كانت أم كبيرة، لكن ما كان يلبث الأمر أن ينتهي، يُغلق الباب عليهما، ويعود كل شيء إلى هدوئه المعتاد.
فما الذي تغيّر هذه المرة؟
ما الذي حدث الآن حتى يصل الأمر إلى هذه القسوة، إلى هذا القرار الذي بدا كأنه ضربة واحدة لا رجعة بعدها؟
توقفت يدها فجأة عن ترتيب الأطباق، ورفعت رأسها ببطء.
عيناها اتجهتا نحو السلم المؤدي إلى الدور الأول، وكأن فكرةً ثقيلةً سقطت على قلبها دفعةً واحدة. شعرت بانقباضٍ في صدرها، ذلك الانقباض الذي لا يأتي إلا حين تخشى الحقيقة.
تركت السفرة على حالها، كما هي، لم تُكمل ترتيبها، وكأن الطعام نفسه فقد أهميته أمام ما يدور داخلها.
صعدت الدرج بخطواتٍ مترددة، خطوة تسبقها ألف فكرة وألف سؤال.
توقفت أمام غرفته، وقفت للحظة طويلة، ترددت. يدها ارتفعت ثم تراجعت، صدرها يعلو ويهبط مع زفرةٍ عميقة حاولت بها أن تجمع شتات نفسها.
هي تعلم في قرارة قلبها أنه ليس ابنها الذي أنجبته، هو ابن زوجها، لكن هذا الفارق لم يكن موجودًا يومًا في مشاعرها.
لم تفكر فيه بتلك الطريقة أبدًا؛ كان ابنها الذي ربّته، الذي كبر أمام عينيها، والذي وقفت إلى جانبه سنواتٍ طويلة، تشهد ضعفه قبل قوته.
تنفست بعمق مرة أخرى، وكأنها تحسم صراعها الداخلي، ثم مدت يدها أخيرًا، ودفعت باب الغرفة، ودخلت .
دخلت الغرفة بخطواتٍ مترددة، وكأنها تخشى أن تُوقظ وجعًا نائمًا في المكان.
كان السكون يخيّم على الأرجاء، سكونًا ثقيلًا لا يُشبه الراحة بقدر ما يُشبه ما بعد العاصفة.
لم يكن الصمت طبيعيًا؛ كان صمتًا حادًا، مشحونًا، يحمل آثار شيءٍ انكسر ولم يُجمع بعد.
وقعت عيناها فورًا على الأرض، حيث تناثرت بقايا البراويز المكسورة، شظايا صغيرة كانت يومًا ما صورًا تجمعه بـ «فيروز».
بدت وكأنها لم تُكسَر عرضًا، بل حُطِّمت عن قصد، وكأن صاحبها كان يُنهي أمرًا داخله، يقطع خيطًا، ويغلق بابًا في قلبه قبل أن يُغلقه في الواقع.
تأملت الشظايا للحظة، وشعرت بوخزةٍ في صدرها، لكنها لم تُعلّق، ولم تلمس شيئًا.
رفعت نظرها إلى الفراش، فوجدته خاليًا، مرتبًا على غير العادة، خاليًا إلى حدٍ أربكها.
كادت أن تنادي عليه بصوتٍ خافت، لكن صوت حركةٍ من الداخل أوقفها.
خرج من غرفة الملابس، هادئ الخطوات، وكأن الليل لم يمرّ عليه بثقله كله.
كان يرتدي تيشرتًا أبيض نصف كم، وبنطالًا أسود قطنيًا، ملامحه شاحبة قليلًا، وعيناه تحملان إرهاقًا صامتًا لا تخطئه عين.
حين رآها، توقّف لحظة، ثم هتف بحيرةٍ صادقة خرجت دون تكلّف:
ـ صفصف .
ابتسمت له، تلك الابتسامة التي لم تفقد دفئها يومًا، وهتفت بحبٍ صريح وقلقٍ أمومي لا تُخفيه:
ـ يا عيون صفصف، عامل اي دلوقتي .
جلس على طرف الفراش ببطء، وكأن جسده أثقل من أن يحمل نفسه، ونظر إليها بهدوءٍ حذر، ثم قال:
ـ بخير وانتِ .
اقتربت منه وجلست بجانبه، عيناها تلمعان بالحيرة، وملامحها تُخفي ألف سؤال خلف سؤال، ثم هتفت بقلقٍ واضح:
ـ مالك يا قلب صفصف، فيك اي يا حبيبي .
تنفّس بعمق، وكأن صدره امتلأ فجأة بالهواء، ثم أخرجه دفعةً واحدة، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها طبيعية، لكنها كانت أبعد ما تكون عن ذلك:
ـ ماليش ما انا كويس اهو .
مدّت يدها، أمسكت وجهه برفق، وجعلته ينظر إليها مباشرة، لهجتها هذه المرة كانت حازمة، صادقة، لا تحتمل المراوغة:
ـ لو كدبت علي الدنيا كلها انا لا يا نصار .
ثم خفّ صوتها، وعاد الحنان يتسلّل إلى كلماتها وهي تُمعن النظر في ملامحه المتعبة:
ـ مالك يا حبيبي لو محكتليش مالك، امال هتحكي لمين؟؟ .
أدار وجهه بعيدًا، وكأن النظر في عينيها سيُسقط ما تبقّى من تماسكه، وهتف بصوتٍ خافت، يحمل ضعفًا لم تعهده فيه كثيرًا:
ـ عشان خاطري انا يا صفصف، مش عايز اتكلم دلوقتي، لما ابقي احسن هاجي احكيلك .
فتحت فمها لترد، لتُصرّ، لتُجادل، لكنه سبقها، وصوته هذه المرة كان على حافة الانهيار، متوسلًا أكثر منه طالبًا:
ـ عشان خاطري انا بلاش دلوقتي .
صمتت. لم تُجادل، لم تُلحّ. اكتفت بأن وضعت يدها على ظهره وربتت عليه برفقٍ بالغ، كأنها تحاول أن تُسكّن الألم دون أن تنبشه، وهتفت بحنانٍ صادق:
ـ حاضر يا حبيبي زي ما انت عايز، بس لو حبيت تتكلم انا موجودة .
هزّ رأسه ببطء دون أن ينطق بكلمة، محاولًا أن يتماسك، أن يبدو قويًا، على الأقل بما يكفي لئلا يراه أحدٌ على هذه الحال... حتى هي.
❈-❈-❈
كان «سيد» يجلس إلى طاولة السفرة، يحتسي كوب الشاي بالحليب بتمهّل، محاولًا أن يطرد عن رأسه ثِقل الصباح وبدايته الباردة.
البخار المتصاعد من الكوب يلامس وجهه، بينما صوته يعلو وهو يحاول إيقاظ ابنته «فايزة» كي تستعد وتذهب إلى زوجها في المشفى، يكرر النداء بنبرةٍ اختلط فيها القلق بالضجر.
أما «فايزة»، فكانت مستلقية على فراشها، جسدها متيبّس من الإرهاق والسهر، عقلها مثقل بأفكارٍ لم تهدأ طوال الليل.
لم تجد حيلة لإسكاته سوى أن تجذب الوسادة وتضعها فوق رأسها بقوة، محاولةً أن تعزل نفسها عن صوته وعن العالم كله، وكأنها تريد أن تختبئ من يومٍ لا تطيق استقباله.
عاد «سيد» إلى جلسته، يحدّق في السفرة بشرود، لكن تأملاته لم تدم طويلًا، إذ قطعها صوت دقاتٍ قوية على باب البيت.
انتفض قليلًا، ثم نهض متجهًا نحو الباب، يفتح وهو لا يتوقع شيئًا بعينه.
ما إن فتح حتى وجد «لوزة» أمامه.
تجمّد لحظة، وعقد حاجبيه بدهشةٍ صريحة، وهتف بحيرة:
ـ لوزة؟؟ ، خير في حاجه؟؟ .
كانت تقف بثبات، نظرتها حادة، تحمل في عينيها استفزازًا مقصودًا، وكأنها جاءت وهي تعلم تمامًا أثر حضورها.
عقدت حاجبيها بدورها، وقالت بحدّةٍ مباشرة لا تحتمل المجاملة:
ـ احنا هنتكلم علي الباب يا سيد ولا اي؟؟.
ارتبك قليلًا، وتنحنح، ثم فتح الباب على مصراعيه وهو يشير بيده إلى الداخل، وهتف بنبرةٍ حاول أن يُغلفها بالأسف واللباقة:
ـ اتفضلي،اتفضلي .
دخلت «لوزة» بخطواتٍ واثقة، كأنها صاحبة المكان، واتجهت مباشرة إلى الأريكة وجلست عليها، مسندة ظهرها، ووضعت حقيبتها إلى جوارها.
رفعت رأسها إليه، وصوتها هذه المرة خرج هادئًا على غير العادة، هدوءًا لا يُبشّر بالخير، بل يُنذر بما يسبقه من عاصفة:
ـ عايزه اتكلم معاك يا سيد في موضوع مهم .
وقف «سيد» أمامها للحظة، ثم جلس في المقعد المقابل، يهز رأسه دون أن ينطق بكلمة، مستعدًا للاستماع.
كان يراقبها بصمت، بينما كانت «لوزة» تنظر إليه بعينين تلمعان خبثًا، وكأنها تُعدّ كلماتها بعناية، وتستمتع بلحظة ما قبل الضربة.
❈-❈-❈
كان «نصار» غارقًا في عمله، جالسًا خلف مكتبه، وظهره مشدود، وعيناه مثبتتان على شاشة الحاسوب المحمول أمامه.
أرقام وملفات تتلاحق، ومحاولات يائسة منه ليشغل عقله بما هو عمليّ، بما هو بارد لا يحمل شعورًا ولا يوقظ وجعًا.
أصابعه تتحرك بآلية، لكن ذهنه لم يكن حاضرًا كامل الحضور، وكأن التركيز قناع يرتديه لا أكثر.
قطع هذا الانغماس صوت فتح الباب دون سابق إنذار، صوتٌ مألوف يحمل ثقل الأبوة وهيبتها.
دخل والده الغرفة بخطواتٍ ثابتة، ولم يمنحه فرصةً ليرفع رأسه أو يلتقط أنفاسه، إذ هتف بنبرةٍ لا تقبل نقاشًا ولا تحتمل التفافًا:
ـ نصار البس وتعاله معايا نتمشي تحت، مستنياك .
لم ينتظر ردًّا، ولم يُمهله لحظة تبرير أو اعتذار.
أنهى جملته واستدار مغادرًا بسرعة، وكأن الأمر محسوم لا رجعة فيه، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا استقرّ في أرجاء الغرفة.
تنفّس «نصار» تنهيدةً مسموعة، خرجت من صدره محمّلة بما لم يُقال.
حدّق في الشاشة أمامه لثوانٍ، ثم أغلق الجهاز ببطء، كمن يطوي صفحة لا يريد الرجوع إليها الآن.
نهض من مكانه، مرّر يده على وجهه كأنه يحاول أن يستجمع نفسه، ثم اتجه نحو غرفة الملابس.
كان يخطو بخطواتٍ هادئة، لكنها مثقلة، وهو يبدّل ثيابه استعدادًا للخروج، وفي داخله شعورٌ خفيّ بأن هذا المشي لن يكون عابرًا، وأن الأسئلة التي تنتظره لن تكون سهلة ولا قليلة.
كان يتهيّأ، لا لتغيير ملابسه فحسب، بل لمواجهة سيلٍ من الكلمات يعرف أنه آتٍ لا محالة، كلمات لن تتركه ينجو دون أن تنبش ما يحاول دفنه في أعماقه.
❈-❈-❈
مكان بعيدًا
في المشفى، حيث يختلط صمت الجدران بصفير الأجهزة الطبية، كان «سالم» يرقد غارقًا في نومٍ عميق، جسده ساكن كأن الحياة قد انسحبت منه مؤقتًا، لا يظهر منها سوى أنفاسٍ منتظمة تصعد وتهبط بصعوبة.
الأسلاك الطبية تلتف حول جسده، وأنابيب تمتد من الأجهزة إلى صدره وذراعيه، ترسم مشهدًا باردًا يخلو من الرحمة، بينما الضوء الأبيض المنبعث من المصابيح يفضح شحوب وجهه وإرهاق ملامحه.
وقفت بجواره إحدى الممرضات، تراقب المؤشرات بعينٍ يقِظة، تتفحّص الأرقام بين الحين والآخر، وتقترب لتطمئن على حالته كأنها تحرس نومه القلق.
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت ممرضة أخرى، خطواتها سريعة تحمل لهفة ممزوجة بالإنهاك، وهتفت بنبرةٍ دافئة:
ـ انتِ لسه هنا، ليه لحد دلوقتي مخدتيش بريك وروحتِ كلتي .
لم ترفع الممرضة الأولى عينيها عن «سالم»، وكأنها تخشى أن يطرأ أي تغيير إن غفلت عنه لثوانٍ، وردّت بصوتٍ هادئ لكنه متعب:
ـ الدكتور رؤوف قال خليني مع سالم اطمن علي حالته .
اقتربت الممرضة الثانية خطوة أخرى، وألقت نظرة طويلة على الجسد الراقد بلا حراك، نظرة شفقةٍ صامتة، ثم تنهدت بحزنٍ واضح وهي تهتف:
ـ يا حرام ده انا سمعت ان فرحه النهارده، والمفروض انه كان يتجوز النهاردة، وحنته كانت امبارح، يلا النصيب ربنا يقومه بسلامه .
تسللت غصة إلى صدر الممرضة الأولى، واكتفت بالدعاء بصوتٍ خافت:
ـ يارب .
لم تكد الكلمة تغادر شفتيها حتى رنّ هاتفها، نظرت إلى الشاشة سريعًا، ثم ابتعدت قليلًا نحو ركنٍ جانبي، تبحث عن مساحة تتحدث فيها براحة، تاركة زميلتها وحدها في الغرفة.
اقتربت الممرضة الثانية من «سالم»، وتوقفت أمامه، تتأمل ملامحه عن قرب.
رغم الشحوب والإرهاق، ورغم السكون الذي يلف جسده، كانت وسامته لا تزال واضحة، كأن التعب لم ينجح في طمسها تمامًا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة لا شعورية، لكنها ما لبثت أن تلاشت فجأة حين لمحت حركة خفيفة... أصابع يده تحرّكت ببطءٍ شديد، كأنها تستيقظ من سباتٍ طويل.
اتسعت عيناها بفزع ممزوج بفرح، وهتفت بصوتٍ مرتجف من اللهفة والسعادة:
ـ مُني، مُني الحقي يا بت سالم حرك ايده .
أغلقت «مُني» الهاتف بسرعة وهي لا تزال على اتصال بوالدتها، وعادت مسرعة نحو السرير، تراقب «سالم» بعينٍ فاحصة، تتحقق من الأجهزة، من النبض، من كل شيء.
مرّت ثوانٍ ثقيلة لم يحدث فيها شيء، فزفرت بضيق، ثم هتفت بحدة:
ـ سما انتِ بتهزري، هو ولا حرك ايده ولا حاجه خالص، الراجل زي مهو .
تراجعت «سما» خطوة، وعقدت حاجبيها بدهشةٍ ممزوجة باليقين، ثم قالت بثقة لا تقبل الشك:
ـ ازاي ده انا شوفته بعيني والله يا مُني .
تأففت «مُني» بملل، واستدارت مغادرة الغرفة، وكأنها لم تعد تحتمل هذا التوتر، بينما لحقت بها «سما» تحاول إقناعها، تؤكد أنها لم تتوهم، وأن ما رأته كان حقيقيًا، حتى اختفتا معًا خارج الغرفة.
ساد الصمت من جديد، وعادت الأجهزة وحدها تتكلم. وفي تلك اللحظة، بعيدًا عن أعينهما، تحرّكت يد «سالم» مرةً أخرى... حركة خفيفة لكنها حقيقية، وهو لا يزال نائمًا تحت الأجهزة الطبية، كأن جسده يعلن في صمتٍ أنه بدأ يستعيد وعيه ببطء، دون أن يدرك أحد من هؤلاء الأطباء أن شيئًا ما قد تغيّر بالفعل.
❈-❈-❈
جلس «نصار» أخيرًا إلى جوار والده، بعد أن تمشّيا قليلًا في طرقات القرية الهادئة.
بدت الخطوات أبطأ من المعتاد، كأن الصمت كان أثقل من السير نفسه.
استقرا على مقعدٍ بسيطٍ بمحاذاة الزرع الممتد، حيث تتمايل السنابل الخضراء في انسجامٍ صامت، وتنثر رائحة الأرض المبتلّة بندى المساء في الهواء.
كان الجو منعشًا على غير العادة، نسمة باردة تمرّ بين حينٍ وآخر، تلامس الوجوه برفق، فيما كانت الشمس تميل نحو الغروب، ترسل خيوطها الذهبية الأخيرة كأنها إعلان خفي بانتهاء يومٍ طويل.
الضوء الخافت انعكس على ملامح «نصار»، فأظهر هدوءًا ظاهريًا يخفي خلفه اضطرابًا لم تهدأ جذوته.
ظل والده ينظر إليه للحظات، يراقب صمته، وحركاته القليلة، وشروده الذي لا يخطئه قلب أبٍ خبر ابنه جيدًا.
لم يحتمل ذلك السكون، فهتف بقلقٍ واضح على حاله:
ـ نصار .
التفت «نصار» إليه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، بدت كقناعٍ أكثر منها تعبيرًا حقيقيًا، ثم أجابه بصوتٍ هادئ:
ـ نعم يا حج .
عاد الصمت مجددًا، ولم يقطعه سوى حفيف الزرع وصوت الريح الخافت. نظر الوالد أمامه قليلًا، كأنه يجمع كلماته بعناية، ثم أدار وجهه نحوه وسأله بنبرة هادئة لكنها محمّلة بالقلق:
ـ اي اللي حصل بينك وبين فيروز؟؟ .
ما إن سُمِع الاسم حتى تلاشت الابتسامة من وجه «نصار» كأنها لم تكن.
شيء ما انكسر في داخله في تلك اللحظة، ارتجف صدره ارتجافة خفيفة، وشردت عيناه لثوانٍ قبل أن يحك لحيته ببطء، وكأنه يحاول السيطرة على ما يعتمل في داخله.
ساد صمت ثقيل، صمت أشبه بالتحذير، ثم خرج صوته أخيرًا، هادئًا على نحوٍ مرعب، خاليًا من أي انفعال ظاهر، لكنه محمّل بحسمٍ قاطع:
ـ متجبليش سيره البت دي تاني يا حج .
ظل الهواء ساكنًا للحظة، وكأن الطبيعة نفسها توقفت احترامًا لحدة تلك الكلمات، فيما بقي الغروب شاهدًا صامتًا على ما لم يُقال، وعلى ما دفنه «نصار» في صـ ـدره خلف نبرةٍ هادئة تخفي عاصفة كاملة.
نهض والده فجأة من فوق الكرسي الخشبي، فاحتكّت قوائمه بالأرض مُحدثة صوتًا حادًا كسر هدوء المكان.
بدا المشهد مفاجئًا، وكأن الكلمات التي سمعها قبل لحظات أشعلت في صدره نارًا لم يستطع كبحها.
اشتدّ جسده، وتصلّبت ملامحه، وارتفعت نبرة صوته بحِدّة لم يعهدها «نصار» منه كثيرًا، وهو يواجهه بعينين تلمعان بالدهشة والغضب معًا:
ـ البت اللي بتكلم عليها دي، تبقي بنت اخويا، وانا عمها ودلوقتي ابوك، عايزه اعرف اللي خلاك تتطلقها يا نصار ده انت روحك فيها يا بني .
كانت الكلمات كالسياط، تضرب صدر «نصار» دفعةً واحدة. قفز واقفًا بدوره، كأن شيئًا لذعه في أعماقه، فانقلب سكونه فجأة إلى عاصفة.
اتسعت عيناه، واشتعل فيهما بريقٌ لم يره والده من قبل، بريق يحمل غضبًا مكبوتًا ومرارة ثقيلة.
خرج صوته هذه المرة بفحيحٍ حاد، حاسم، كأنه يقتلع الحروف من بين أسنانه اقتلاعًا:
ـ كنت روح فيها، كنت، وده ماضي، لكن دلوقتي لا انا طايقها ولا طايق اسمع سيرتها، انا بكرهها
ساد المكان صمتٌ ثقيل بعد كلماته، صمتٌ بدا أعمق من القرية نفسها.
الريح التي كانت تمرّ برفق منذ لحظات بدت وكأنها توقفت، والضوء الخافت المنسدل من بقايا الشمس زاد المشهد قتامة.
وقف الاثنان متقابلين، أبٌ مصدوم مما سمع، وابنٌ يشتعل من الداخل، وقد انكشف أخيرًا ذلك الغضب الدفين الذي ظل محبوسًا خلف هدوءٍ زائف.
وكاد أن يغادر المكان وهو يجرّ أنفاسه جَرًّا، صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأن الهواء لم يعد يكفي رئتيه.
كانت خطواته متوترة، مشحونة بثقلٍ لا يُرى، لكنه توقّف فجأة، لا بسبب والده، بل بسبب ذلك الصوت الذي جاءه من الخلف، حادًّا ومباشرًا، يحمل نبرة غضب لا تخطئها الأذن.
كان «إيهاب».
التفت «نصار» ببطء، وعيناه مشتعِلتان، الغضب يسبق نظرته، وكأن مجرد سماع اسمه أشعل ما تبقى من برودٍ داخله.
لكن «إيهاب» لم يتراجع، بل تقدّم نحوه بخطوات سريعة، ثابتة، ووقف أمامه دون خوف، وصوته خرج غاضبًا، مكبوتًا، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة:
ـ طلقتها؟؟
لم يمنحه فرصة للرد، بل تابع وهو يقترب أكثر، بنبرة حادة تحمل احتجاجًا ودهشة في آنٍ واحد:
ـ مش قبل ما تطلقها تفهم منها الأول، او علي الاقل ياخي تفهم مني، انت خسرتها، انت فاهم غلط خالص .
ازدادت حدة صوته، وتسرّب التوتر إلى ملامحه، بينما أكمل حديثه بعجلة، وكل ذلك يحدث أمام عيني والد «نصار» الذي كان يراقب المشهد بصمتٍ ثقيل، دون أن يتدخل، كأنه يشهد انفجارًا لا يمكن إيقافه:
ـ انا وفيروز كنا.......
لكن الكلمات لم تكتمل.
قطعه «نصار» ببرودٍ قاتل، برودٍ لا يشبه الغضب الصاخب، بل أشبه بسكين باردة، وهو يقول قبل أن يلتفت ليغادر:
ـ مش عايز اعرف .
في لحظة خاطفة، أمسك «إيهاب» بيده بقوة، أجبره على التوقف، وثبّت قدميه في مكانه، وارتفع صوته قليلًا، حادًّا، مصممًا، لا يقبل الرفض:
ـ لا هتعرف انا وفيروز كنا علي.....
لم تكتمل الجملة.
انطلقت قبضة «نصار» في لحظة عمياء، لكمة مباشرة على وجه «إيهاب»، لكمة حملت كل الغضب، وكل الشك، وكل الاحتقار المكبوت.
أطاحت به أرضًا من شدة المفاجأة، وارتطم جسده بالأرض بقوة، بينما دوّى الصمت للحظة قبل أن يقترب «نصار» منه بخطوات سريعة، عينيه تقدحان شررًا، وصوته خرج حادًا، غاضبًا، لا يحتمل نقاشًا:
ـ هو انت مبتفهمش ولا اي قولتلك مش عايز افهم
تجمّد المكان من حولهم، ووقف الزمن عند تلك اللحظة المشحونة، حيث لم يعد الغضب مجرد شعور، بل تحوّل إلى فعلٍ لا رجعة فيه.
وكاد أن يذهب ويتركه غارقًا في وجعه، لكن خطواته توقفت حين اخترق أذنه صوت «إيهاب»، كان صوته متهدّجًا، يقطر ألمًا من أثر اللكمة، ومع ذلك خرج ثابتًا، يملؤه الغيظ والمرارة:
ـ انت متسهلهاش، متستهلش فيروز .
تجمّد «نصار» للحظة، ثم عاد أدراجه بخطوة ثقيلة، بطيئة، حتى صار في مستوى «إيهاب» الجالس أرضًا.
جلس على ركبته اليمنى، بينما بقيت قدمه اليسرى منحنية قليلًا، كمن يستعد للانقضاض. رفع يده إلى ذقنه وحكّ لحيته ببطء، في حركةٍ هادئةٍ لكنها تحمل تهديدًا خفيًا، وعيناه ثابتتان على وجه «إيهاب»، لا تبرحانه.
ثم نطق بصوتٍ باردٍ، هادئ النبرة، لكنه أشد قسوة من الصراخ، وكل ذلك أمام والده الذي كان يراقبه مصدومًا لا يصدق ما يرى:
ـ ما انا سيبتهالك، انتوا الاتنين تستاهلوا بعض، واحده تخون جوزها، والتاني بيرمي السلام عليا وحاطط عينه في عيني وبيخوني مع مراتى، ثنائي رائع بجد، يلا مبروك عليكم بعض .
قالها وهو يحاول أن يقف ويعدل جلسته، وكأن كلماته تلك كانت السهم الأخير الذي أراد أن يغرسه، لكنه لم يكد ينهض حتى جاءت اللكمة، سريعة، عنيفة، مباغتة، من «إيهاب» نفسه.
ارتد رأسه للخلف قليلًا من قوة الضربة، ودوّى صوتها في الهواء، ليتبعها صراخ «إيهاب» الغاضب وهو يهتف بعصبيةٍ تقطر نارًا:
ـ فيروز دى اشرف منك ومن عيلتك كلها .
لم يمهله «نصار» ثانية واحدة، لحق نفسه وردّ اللكمة باثنتين، ثم بثلاث، حتى تحوّلت الضربات إلى سيلٍ متتابعٍ من الغضب.
عشر لكمات انهمرت بعنفٍ لا رحمة فيه، كأن كل واحدة منها كانت انتقامًا لخيالٍ يعذّبه لا لحقيقةٍ يراها.
تداخلت الأصوات من حولهما؛ صراخ «سراج» وهو يحاول أن يوقف ابنه، نداءاته المرتبكة تطلب من الرجال المساعدة، وأقدام تهرع من كل صوب.
هرع الناس، وأمسكوا بـ«نصار» بصعوبة، سحبوه من فوق «إيهاب» الذي تهدّل جسده أرضًا، بينما أنفاس «نصار» تتلاحق كوحشٍ خرج عن السيطرة.
لكن الغضب لم يخمد بعد، كان كالنار المشتعلة في عروقه، فدفع الرجال الذين يمسكون به بعنف، وتناول الكرسي الخشبي القريب، قبض عليه بقوة، ورفعه عاليًا فوق رأسه، وكأن لحظة الهلاك اقتربت.
تصلبت عضلاته، وامتلأت عيناه بالجنون، وكاد أن يهوي بالكرسي على جـ ـسد «إيهاب» الممدد أمامه، لكن يـ ـده توقفت فجأة، تجمّدت في الهواء حين شق المكان صراخُ امرأةٍ اخترق الصمت والضجيج معًا، فالتفت برعبٍ وذهول، والكرسي ما زال مرفوعًا بين يديه، و....
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية