رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 5 - الجمعة 5/6/2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل الخامس
تم النشر يوم الجمعة
5/6/2026
ساد صمت ثقيل في ردهة المستشفى، صمت لا يُشبه الهدوء بقدر ما يُشبه الاحتباس، كأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يُستنشَق.
الأضواء البيضاء القاسية انعكست على الوجوه المنهكة، فزادت ملامح التعب وضوحًا، وفضحت ما حاولت القلوب إخفاءه من خوف وانكسار.
كان «سراج» واقفًا بالكاد، جسده ثابت لكن روحه تتهاوى، عيناه معلّقتان بوجه «نصار» الذي خرج لتوّه من الغرفة.
لم يكن «نصار» ينظر حوله، كأن الأرض وحدها تستحق نظره، وكأن الكلمات جميعها قد نفدت داخله.
خطواته كانت بطيئة، مرهقة، تشبه خطوات من خرج من معركة خاسرًا بعضًا من نفسه.
اقترب منه «سراج» متشبثًا بالأمل الأخير، ذلك الأمل الذي يُبقي القلب نابضًا رغم كل شيء.
كانت يده ترتجف وهو يمسك بذراع ابنه، كأنما يخشى أن يسمع الحقيقة قبل أن تُقال. ف
ي تلك اللحظة، لم يكن أبًا فقط، بل رجلًا استُنزف من الفقد والخوف حتى آخر نقطة.
رفع «نصار» رأسه أخيرًا، نظر إلى وجه أبيه، ذلك الوجه الذي شاخ في ساعات، لا في سنوات.
رأى في عينيه رجاءً صامتًا، توسّلًا بلا صوت، فشعر بثقل جديد يهبط على صـ ـدره.
مدّ يده ببطء، وربت على يد أبيه بحركة واهنة، حركة تحمل من التعب أكثر مما تحمل من القوة، ثم قال بصوت خافت، لكنه ثابت:
ـ ابنك بخير يا حج متقلقش .
ما إن انتهت الجملة حتى انهار «سراج» في عنـ ـاق ابنه، عنـ ـاق رجل نجا قلبه من الكسر الأخير. بكى كما لم يبكِ من قبل، بكاءً مكتومًا لكنه عميق، كأن دموعه تحمل شكرًا، وألمًا، ونجاةً في آنٍ واحد.
كانت تلك الليلة أثقل من أن تُحتمل، ثقيلة على قلبٍ أنهكته الخسارات المتتالية، قلبٍ كان يتمنى النجاة للجميع، بلا استثناء.
كان يتمنى أن يخرج الجميع سالمين، أن تنتهي هذه الليلة بلا دموع ولا فِقد، لكن الأمنيات لا تغيّر الأقدار، والقدر حين يكتب، لا يُجادَل.
حاول أن يتمسك بما تبقى، أن يرضى، ولو جزئيًا، بما منحه الله، حتى وإن كان الثمن فادحًا.
أما «نصار»، فكان واقفًا داخل هذا العناق جسدًا فقط، أما روحه فكانت في مكانٍ آخر.
لقد سمع كل شيء.
سمع الأصوات المرتفعة، سمع الانهيارات، سمع البكاء الذي شقّ الجدران، وسمع اسم «سميحة» يتردد مكسورًا.
كان يسمع وهو داخل الغرفة، عاجزًا عن الخروج، عاجزًا عن إيقاف ما يحدث خارجها.
لم يُرد أن يرى أحد دمعته، لم يُرد أن يُظهر ضعفه، فكل ما مرّ به كان كافيًا ليكسره إن سمح لنفسه بلحظة واحدة من الانهيار. لكنه الآن، وبعد أن انتهى كل شيء، كان يشعر بأن جزءًا منه قد غاب للأبد.
فقد أعز أصدقائه، فقد من كان أقرب إليه من كثيرين، فقد «علي».
وقف صامتًا، عينيه إلى الأرض، صدره يعلو ويهبط بصعوبة، كأن أنفاسه نفسها تحاول التكيّف مع واقعٍ جديد، واقعٍ أقلّ دفئًا، وأكثر قسوة.
وظلّ الصمت.
ثقيلا .
ممتدًا .
كأن المستشفى بأكملها تحبس أنفاسها احترامًا لما فُقد، ولما نجا.
❈-❈-❈
أحببتُها، والقلبُ يدري أنّها
تهوى سوايَ… ويصمتُ العشّاقُ
ما كنتُ إلا ظلَّ حبٍّ عابرٍ
في قلبِها، والجرحُ مُشتاقُ
قد غلبها النعاس وهي تجلس بجانبه على مقعد السيارة، فمال رأسها في هدوء، واستسلم جسدها للإرهاق كمن خاض معركة طويلة بلا راحة.
كان السكون يلف المكان من حولهما، والليل يفرض ثقله، بينما هو يجلس متيبّس الملامح، يضغط على الهاتف بيدٍ مرتجفة، يعاود الاتصال بكبيرة الخدم مرةً تلو الأخرى، إلا أن الصمت كان جوابه الوحيد، كان يريديها أن تساعده أن تدخل «فيروز» الي بيته .
لم يكن مستعدًا أبدًا لأن تعود «فيروز» إلى الديار على هذه الحال؛ واهنة، غائبة، لا تعلم ما يدور حولها.
كان عقله يضجّ بالأفكار، وصدره يضيق بما لا يُقال.
أراد أن تستفيق، أن تقف على قدميها، أن تذهب إلي «نصار» وتحكي له كل شيء، ليتكفّل هو بالباقي، وليضع حدًّا لكل هذا الخبث المتخفي خلف الوجوه، وأولهم «فايزة» وأبيها وشقيقه «باسم».
لكن لا يريد ان يجعلها تذهب الي الهلاك، فهو لا يعرف «فايزة» كيف تفكر في خطه اخرى للايقاع بها، ولا تعرف كيف تتعامل مع «فيروز» بهذه الحاله، لذلك قرر أن يجعلها الليلة هنا في بيته، وغداً سيصلها بنفسه الي بيت «نصار» لتقول له كل شئ، فهو لا يرضى بالظلم ابداً، وخصيصاً التي تتعرض الظلم هي حبيبته ..
لكن الهاتف خذله، كما خذلته الساعات الماضية بأكملها.
أبعد الهاتف عنه بضيق، وزفر أنفاسه كأنها تحمل ما لا يُحتمل، ثم هتف بصوتٍ خافتٍ مشحون:
ـ استغفر الله العظيم واتوب اليه .
التفت إليها، فوجدها ما تزال نائمة، ملامحها ساكنة، وأنفاسها منتظمة، وكأن العالم بأسره توقف عند هذه اللحظة.
لم يستطع أن يتركها على هذا النحو، ولم يطق فكرة بقائها وحدها، ففتح باب السيارة، وترجّل منها وهو يتمتم بالاستغفار، كأنما يستجلب السكينة لقلبٍ مضطرب.
دار إلى الجهة الأخرى، فتح الباب بحذر، وانحنى ليحملها بين ذراعيه، متجنبًا النظر إليها قدر استطاعته، وكأن في عينيه اعترافًا لا يريد البوح به.
سار بخطوات ثابتة رغم ثقل ما يحمله في صدره قبل ذراعيه، حتى دخل البيت الذي كان غارقًا في سكونٍ تام، صمتٌ يبعث على الوحشة.
صعد الدرج بخطواتٍ بطيئة، ودخل غرفته في الطابق العلوي، وضعها برفق على الفراش، وسحب الغطاء الثقيل ليغطي جسدها بعناية، كأنما يقيها من كل ما هو أبعد من البرد.
وقف لحظة يتأملها، ثم استدار وغادر الغرفة، وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، حرصًا ألا يقترب منها أحد.
اتجه بعدها إلى الغرفة المجاورة لغرفته، إلا أن خطواته توقفت فجأة، حين وقعت عيناه على والدته، التي كانت تقف هناك، تحدّق فيه بنظراتٍ مشحونة باللوم والدهشة معًا.
نظراتها كانت كفيلة بأن تُثقل كاهله أكثر مما هو مثقل.
قالت بنبرة عتابٍ موجعة:
ـ ليه كده يا إيهاب انا ربيتك علي كده؟؟ .
هزّ رأسه نافيًا، واقترب منها بخفةٍ ولهفة، وكأنما يخشى أن يُساء فهمه، وقال سريعًا:
ـ لا يا امي انتي فاهمه الموضوع غلط .
وتوقفت الكلمات عند هذا الحد، بينما ظل الصمت معلقًا بينهما، محمّلًا بما لم يُقال بعد…
❈-❈-❈
كان «باسم» قد وصل إلى البيت أخيرًا، فتوقّفت السيارة عند بوابته بصوتٍ خافت، كأنها تشاركه إنهاكه وتردده.
أطفأ المحرّك، وبقي جالسًا في مقعده، لا يمدّ يده ليفتح الباب، ولا يملك القدرة على النزول. كان جسده هنا، أمّا روحه فكانت تائهة، معلّقة بين القلق والغضب والحيرة.
أخرج هاتفه بيدٍ متصلّبة، وأعاد الاتصال على «حياة» مرةً تلو الأخرى.
يحدّق في الشاشة، ينتظر اهتزازها أو إضاءة تدل على استجابة، لكن الصمت كان الجواب الوحيد.
زفر بقوة، وتسرّب الغضب إلى صدره شيئًا فشيئًا، حتى صار لهيبًا مكتومًا.
لعن غيابها في سرّه، لا مرةً واحدة، بل مئات المرات، وكأن الكلمات الغاضبة قد تمنحه شيئًا من السيطرة على هذا الفراغ الذي ينهش داخله.
لم يكن يفكر في البيت خلفه، ولا في الطريق الذي قطعه، ولا في التعب الذي يثقل جسده.
كان فكره كله محصورًا في سؤالٍ واحد، سؤالٍ يضغط على عقله بلا رحمة، يكرره في داخله بقلقٍ متزايد، كأن صداه لا يريد أن يصمت:
" اين هي فيروز ؟؟؟ "
ظلّ الهاتف في يده، والسيارة صامتة من حوله، والليل يطبق بأنفاسه الثقيلة، بينما كان قلبه يخفق بإيقاعٍ مضطرب، لا يعرف للسكينة طريقًا، ولا للانتظار نهاية.
❈-❈-❈
كانت «فايزة» قد وصلت إلى البيت، والخطوات التي قادتها إلى الباب كانت ثقيلة كأن الأرض تشدها إلى أسفل.
لم تكن قد مدّت يدها لتدفع الباب بعد، حتى اخترق سمعها صراخٌ حادّ، صراخٌ لا يُشبه صراخ الخلافات اليومية ولا نداءات الغضب العابرة، بل صراخٌ مشبع بالفزع، مشحون برائحة الفقد، صراخٌ يضرب القلب قبل الأذن.
توقفت لثانية، تجمّد الدم في عروقها، وتسارعت أنفاسها دون وعي، كأن حدسًا مظلمًا يهمس لها بأن مصيبةً ما قد حلّت.
اندفعت إلى الداخل تركض، والباب يُفتح بعنف تحت يدها المرتجفة.
كان البيت في فوضى شعورية خانقة؛ الأصوات تتداخل، والهواء ثقيل، والوجوه شاحبة.
رأت كبيرة الخدم تصرخ وقد فقدت السيطرة على نفسها، صوتها مبحوح، وملامحها مشدودة وكأنها تحاول طرد الحقيقة بالصراخ.
وعلى مقربة منها، كانت «سهر» تبكي بصمتٍ موجع، يدها مرفوعة إلى وجهها تخفي دموعًا لا تتوقف، جسدها منكمش وكأنها تحتمي بنفسها من خبرٍ لا يُحتمل.
اقتربت «فايزة» بخطوات متعثرة من «سهر»، قلبها يخفق بعنف، وعيناها تجولان في المكان تبحثان عن تفسير، عن كلمة تطمئن، عن أي شيء ينفي هذا الإحساس الكاسح بالخطر.
هتفت بصوتٍ خرج مرتعشًا، يحمل رعبًا حقيقيًا لا محاولة لإخفائه :
ـ في أي ؟؟؟
لم تستطع «سهر» الرد، كأن الكلمات خانتها أو كأن الخبر أثقل من أن يُنطق به مرةً أخرى.
كانت تحدق في الفراغ، ودموعها تنساب دون مقاومة.
عندها تقدمت الخادمة التي كانت تقف إلى جوار كبيرة الخدم، تبكي هي الأخرى، عيناها محمرتان، وصوتها متقطع، وكأن كل كلمة تُنتزع من صدرها انتزاعًا.
قالت بصوتٍ مكسور :
ـ سالم وهمام وعلي عملوا حادثة، وهمام وعلي ماتوا .
في تلك اللحظة، شعرت «فايزة» وكأن شيئًا عنيفًا ارتطم بصدرها.
دقّ قلبها بجنون، حتى ظنت أنه سيفلت من بين ضلوعها. اتسعت عيناها، وشحب وجهها أكثر، وتراجعت خطوة لا إراديًا، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.
لم تسمع سوى اسمٍ واحد يرن في رأسها بإلحاحٍ مرعب، فاندفع السؤال من فمها مذعورًا، متشبثًا بآخر خيط أمل :
ـ وسالم؟؟ .
❈-❈-❈
في صباح الساعة الثانية عشرة
حين كانت الشمس واقفة في كبد السماء بلا ميلٍ ولا رحمة، وبعد أن أُنجزت الإجراءات جميعها، وبعد أن غُسِّلت الأجساد الطاهرة وسُجِّيت في هدوءٍ مهيب، كان الخبر قد انتشر في القرية انتشار النار في الهشيم.
امتلأ البيت بالوجوه المكدودة، والقلوب المنكسرة، والملابس السوداء التي حضرت لتعزي بحزنٍ ثقيلٍ لا تخطئه العين.
ذلك البيت الذي كان، حتى وقتٍ قريب، عامرًا بالفرح والضحكات والاستعدادات، وكان يُنتظر أن يُقام فيه عرسٌ تُزفّ فيه البهجة، صار اليوم ذاته مسرحًا للفقد، ومأوى للعزاء، وشاهدًا على انكسارٍ مفاجئ.
عرسٌ كان يُنتظر… فإذا به يتحوّل إلى جنازة، وبيتٌ كان يحتضن الحياة… فإذا به يودّع واحدًا من أبنائه.
لم يكن الأمر مستوعَبًا بعد؛ فالناس بين ذهولٍ وحزنٍ، لا يكادون يصدقون ما وقع.
الحزن انصبّ على كبيرهم، وعلى ابن كبيرهم الذي شاع بين الجميع أنّه فقد قدميه، فلم يجدوا إلا الدعاء بالعوض لتلك العائلة التي تهدّم بنيانها في لحظة واحدة.
كانت الكلمات تتعثر في الحناجر، والدموع تختنق في العيون، وكلٌّ يحاول أن يتماسك أمام هول ما جرى.
حُملت التوابيت، وكانت الخطوات بطيئةً مثقلةً بالوجع.
كان «نصار» و«فارس» و«حازم» و«عمار» شقيق «علي» يحملون تابوت «علي»، وكأنهم يحملون معهم ثقل الذكريات كلها.
أمّا تابوت «همام»، فكان أهله هم من تولّوا حمله، في صمتٍ يقطعه النحيب المكتوم.
بدا المشهد أثقل من أن تحتمله القرية الصغيرة؛ قرية لم تعرف كيف تهضم ما حدث في ليلة واحدة، ولا كيف توزّع حزنها بين كبيرٍ ينتظرونه في المستقبل وقد فقد قدميه، وبين «همام» ابن هذه الأرض، وبين «علي» الذي كان البِشر لا يفارق وجهه، وكان إذا احتاجه أحد وجده إلى جواره دون تردد؛ أخًا نعم، وصديقًا صدوقًا، وابنًا بارًّا، وزوجًا يحمل قلبًا دافئًا للجميع.
سار الرجال حاملين التوابيت، وخلفهم صفوفٌ متتابعة تردد في خشوعٍ واحد، " لا اله الا الله " تتردّد الكلمة في الأرجاء، كأنها محاولة للتشبث بالإيمان أمام قسوة الفقد.
كانت القرية بأكملها تسير وراءهم، لا يتخلّف أحد، وخلف الرجال جاءت النساء، أصواتهنّ تعلو بالبكاء والصراخ، حزنًا على الراحلين، وكأن السماء نفسها تنصت لنواحهنّ.
كانت القلوب مضطربة، والخطى تمضي بهم نحو المقابر، ليواروا الثرى اثنين من أبناء القرية، في عمر الشباب، لم تُتح لهما الفرصة بعد أن يريا من الحياة إلا القليل. شبابٌ اختُطفوا من بين أهلهم على حين غرّة، وتركوا خلفهم فراغًا لا يُملأ.
وحين وصلوا إلى المقابر، أُنزِلت التوابيت في صمتٍ مهيب، وبدأت مراسم الدفن.
تعالت الأدعية، ودُعي دعاء المتوفّى بخشوعٍ ودموع، بينما كانت الأيدي تواري الأجساد تحت التراب.
كان بكاء النساء يملأ المكان، وكانت «سميحة» في مقدّمتهنّ، يسبق صوتها الجميع، كأن قلبها هو الذي يُدفن قبل الأجساد.
وبعد أن انتهى كل شيء، وقدّم الجميع واجب العزاء لأهل «سراج»، بدأت الجموع تنصرف واحدةً تلو الأخرى.
غادرت النساء، وتفرّق الناس، وساد المكان هدوءٌ ثقيل بعد صخب الحزن.
لم يبقَ في النهاية سوى «فارس» و«سراج» و«نصار»، واقفين في مواجهة الفراغ، يتقاسمون صمتًا لا يقلّ ألمًا عن البكاء.
❈-❈-❈
فتحت «فيروز» عينيها على ثِقَلٍ غريب، كأن رأسها يُطرَق بمطارق متتالية لا ترحم.
صداعٌ عنيفٌ يضغط على جبهتها، ويُربك أفكارها، ويجعل وعيها يتأرجح بين الصحو والغيبوبة.
حاولت أن تتحرّك، فشعرت بملمسٍ ناعمٍ تحت جسدها، ليس كفراشها المعتاد أبدًا، ملمسٌ غريب زاد من ارتباكها.
عندها فتحت عينيها على اتساعهما بفزع، وراحت تجول بنظراتٍ مذعورة في المكان من حولها.
غرفة لا تعرفها، جدرانها ساكنة، وأثاثها مرتب على نحوٍ لا يشبه بيتها، والهواء فيها يحمل رائحةً غريبة عليها.
أنزلت بصرها إلى جسدها، فوجدت نفسها ما تزال ترتدي الفستان الأسود نفسه؛ ذلك الفستان الضيّق من الأعلى، الواسع من أول الخصر حتى أسفل قدميها، كأنه يعلن الحزن قبل أن تفهم هي سببه.
امتدت يدها بارتجاف إلى حاجبها، فتوقفت أنفاسها حين أدركت أنها بشعرها، دون غطاء.
شهقت بفزع، وراحت تتحسّس رأسها، تبحث بلهفة، حتى وقعت عيناها على الطرحة الملقاة بجانبها، فالتقطتها سريعًا وارتدتها، كمن يستعيد جزءًا من أمانه المفقود.
نهضت من الفراش بجسدٍ متكاسلٍ مثقل، وكأن كل خطوة تحتاج جهدًا مضاعفًا.
وقبل أن تتحرك أكثر، وقعت عيناها على صور «إيهاب الصايغ» المعلّقة على الحائط.
تجمّدت في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة، وانطلق من صدرها شهقة مكتومة.
كادت تندفع خارج الغرفة، وهي تحاول أن تعصر عقلها ليمنحها أي ذكرى، أي خيطٍ يفسّر وجودها هنا، لكن ذاكرتها خانتها، وبقي الفراغ سيّد الموقف.
توقفت خطواتها فجأة حين سمعت صوت الباب يُفتح. التفتت بسرعة، لتجد أمامها «لوزة حاتم»، والدة «إيهاب» و«باسم».
حاولت «فيروز» أن تتكلم، أن تسأل، أن تصرخ ربما، لكن «لوزة» سبقتها بالكلام، قاطعةً عليها أي محاولة.
ـ مش وقته اي حاجه، هجبلك عباية سودة من عندي، وتعالي نروح الجنازة انا وانتِ، انتِ لازم تكوني واقفه جنب جوزك .
انعقدت ملامح «فيروز» بحيرةٍ وذهول، واختلط الشك بالقلق في عينيها، وهتفت بصوتٍ مرتجف:
ـ جنازة اي، واي اللي دخل نصار في الموضوع ؟؟ .
اقتربت منها «لوزة» بخطواتٍ هادئة، وصوتها خرج منخفضًا، مراعيًا قسوة اللحظة:
ـ علي وهمام تعيش انتِ .
ابتعدت «فيروز» خطوة إلى الخلف، كأن الكلمات دفعتها بعيدًا، وهتفت بصدمة، وعيناها تلمعان بالدموع التي تهدد بالانهمار:
ـ اي ، علي جوز سميحه؟؟ .
نظرت إليها «لوزة»، واكتفت بهزّ رأسها دون أن تنطق بحرف، فكان الصمت أبلغ من أي كلام.
ثم تابعت تشرح، وكأنها تضطر لتمزيق قلب الفتاة قطعةً قطعة:
ـ انتِ امبارح مكنتش في وعيك، وكنتِ بتتمشي في الشوراع الله اعلم بحالتك، لحد ما قابلتي إيهاب ابني، جابك لحد هنا، لانه كان خايف يوصلك البيت بعد اللي انتِ حكتهوله، وفي نفس الوقت سالم وعلي وهمام عملوا حادثة، علي وهمام تعيش انتِ، وسالم بيقولوا القرية، انه مش هيقدر يمشي فتره علي رجله .
فـ «إيهاب» حكي لها عن كل شئ بالأمس ولم يخبي عنها اي شئ، تتذكر حاله وقتها
تذكّرت نبرة الصوت، وتذكّرت العيون، وتذكّرت ملامح «إيهاب» في تلك الليلة، حين لم يُخفِ عنها شيئًا، وحين كان الصدق أثقل عليه من الصمت.
flash back
كانت الأجواء في البيت مشحونة بتوترٍ صامت، جدران الغرفة المجاورة تشهد على مواجهةٍ لا مفرّ منها.
وقف «إيهاب» أمام والدته، يحاول أن يتمالك نفسه، وقد بدا الاضطراب واضحًا في ملامحه، لكنه أجبر صوته على الثبات وهو يقول:
ـ يا امي والله انتِ فاهمه غلط .
لم تمنحه والدته فرصة لالتقاط أنفاسه، فقد جذبته إلى الغرفة المجاورة، وأغلقت الباب خلفهما، ثم التفتت إليه بعينين تشتعلان غضبًا، وهتفت بحدّةٍ كسرت هدوء المكان:
ـ هو اي اللي فاهمه غلط، انت بتحلف كدب يا إيهاب انا ربيتك علي كده، ده انا شايفكم بعيني، وهي بتحضنك في العربية قدام البيت، دي كمان فاهمه غلط؟؟ .
نظر إليها «إيهاب» بهدوءٍ مُتعَب، كأن قلبه يسبق كلماته، ثم قال محاولًا أن يشرح، وأن ينتزع الحقيقة من بين أنياب سوء الفهم:
ـ يا أمي هشرحلك .
وبالفعل، بدأ يقصّ عليها ما حدث بأكمله، كلمةً كلمة، دون أن يُسقِط تفصيلًا واحدًا؛ منذ اللحظة التي وجد فيها «فيروز» على حالتها الغريبة، لا تعي ما تقول ولا ما تفعل، تراه «نصار» بعينيها التائهتين، وحتى قراره أن يأتي بها إلى البيت، خوفًا عليها لا أكثر.
كانت والدته تنصت، وعيناها تتنقلان بين وجهه وأرض الغرفة، حتى هتفت فجأة بعدم تصديق، وقد عقدت الحيرة ملامحها:
ـ باسم يعمل كده؟؟ ، باسم أبني؟؟ ، ليه عملوا فيها كده، ليه؟؟
هزّ «إيهاب» رأسه ببطء، وكأنه يبحث عن إجابة لا يملكها، وقال بصوتٍ خافت يحمل قلقًا واضحًا:
ـ معرفش يا ماما، اللي اعرفه قولتهولك كله، انا بس خوفت عليها اوصلها البيت، والله اعلم هيعملوا فيها اي تاني، دول سقطوها وممكن يقتلوها كمان .
تنهدت «لوزة» تنهيدةً مسموعة، خرجت من صدرها مثقلةً بالتعب والخيبة، وسمعها ابنها بوضوح. ثم قالت بهدوءٍ حاسم، كأنها اتخذت قرارها:
ـ سيبها وروح نام وانا هخلي بالي منها، وبكره الصبح انا هوصلها عند نصار، وهو يتعامل بقي، احنا مالناش دعوه
هزّ رأسه موافقًا، رغم القلق الذي لم يستطع إخفاءه عن ملامحه، وهتف بصوتٍ حاول أن يبدو هادئًا على عكس ما بداخله:
ـ حاضر يا ماما، تصبحي علي خير .
كاد يغادر الغرفة، لكن صوت والدته استوقفه قبل أن يخطو خطوةً واحدة:
ـ باسم مش هيعرف انها هنا متجبلوش سيره، وانا لما اشوف باسم هتصرف معاه .
أومأ برأسه دون أن ينطق بكلمة، ثم تحرك ليخرج، إلا أنه توقف مرةً أخرى حين نادت باسمه.
التفت إليها، فوجدها تحدّق فيه بنظرةٍ دقيقة، كأنها تحاول أن تقرأ ما يخفيه قلبه، ثم سألته بشكٍ صريح:
ـ انت بتحب فيروز صح؟؟
ارتبك «إيهاب»، وأبعد عينيه عن عينيها، وقد خانته ملامحه قبل كلماته، وردّ بصوتٍ مهتز:
ـ ليه بتقولي كده؟؟
اقتربت منه، ورفعت يده برفق حتى أجبرته أن ينظر إليها، وهتفت بانفعالٍ صادق:
ـ عشان عارفاك يا ابن بطني، انت بتحبها، بتحب واحده متجوزة يا إيهاب .
أغمض عينيه للحظة، كمن كُشف ستره أخيرًا، وهو الذي لا يعرف الكذب ولا يجيده.
ثم قال بنبرةٍ موجوعة، خارجة من أعماق قلبه:
ـ صدقيني يا ماما، انا بحبها من قبل ما تتخطب حتي لـ نصار، وحتي بعد ما اتكتب كتابها، قولت هنسي، بس منستش، القلب لسه بيحبها، متلومنيش علي حاجه مش بإيدي يا امي .
لان قلب الأم لا يخطئ، تعاطفت معه، ومدّت يدها تربّت على كتفه بحنانٍ بالغ، وقالت بمحبةٍ صادقة:
ـ ربنا يقدملك كل اللي فيه الخير يا بني .
ابتسم لها ابتسامةً باهتة، ثم خرج من الغرفة، تاركًا خلفه قلبًا أموميًا مثقلًا بالهم.
وقفت «لوزة» وحدها، تحدّق في الفراغ، حتى سقطت من عينها دمعةٌ خانتها، وهمست بوعدٍ خرج من أعماق قلبها:
ـ مش عايزك تبقي زي امك، وينتهي بيك النصيب وانت لسه بتحبها، عشان كده وعد هعملك كل اللى انت عايزه يا نور عيني .
end flash back
افاقت «لوزة» وهي تنظر الي «فيروز» التي جلست علي الفراش ببطء، وكأن قدميها خانتها فجأة
الصدمات تتلاحق، الكلمات تتراكم فوق صدرها، وهي لا تتذكر من الليلة الماضية شيئًا، سوى ومضةٍ بعيدة لحديث «حياة» وهي تُخرجها من المنزل… ذكرى مشوشة، مبتورة، لا تُسعفها بشيء.
قطع شرودها صوت «لوزة» وهي تهتف بلهفة، تحاول أن تُبقيها واقفة على قدميها:
ـ لا مش وقت تزعلي، الأصول بتقول تكوني جنب جوزك في الظروف دي، استني اجبلك عباية من عندي .
غادرت الغرفة، تاركة «فيروز» وحيدة مع ثِقَل الحقيقة.
وبعد ثوانٍ عادت، تحمل بين يديها عباءة سوداء، وقالت بهدوءٍ تحاول به جذب انتباهها:
ـ عباية جديدة لسه ملبستهاش، إيهاب جيبهالي، القدر بقي ان انتِ اللي تلبسيها، واهي طرحتها، قومي يلا البسي ولفي طراحتك، عقبال ما امشي باسم لانه ميعرفش انك هنا .
أنهت كلماتها، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها، تاركة «فيروز» وحدها.
جلست الفتاة تبكي في صمتٍ موجع، تبكي فراق «علي»؛ فراق الحياة الذي لا عودة بعده، وتبكي على حال «سميحة» ابنة عمها، تتخيل وجعها، وانكسارها، وتسأل الله في قلبها أن يصبّرها على هذا الابتلاء الثقيل.
❈-❈-❈
اتجهت إلى الأسفل بخطواتٍ هادئة لكنها مثقلة، كأن صدرها يحمل من الهموم ما يكفي لإبطاء السير.
كان البيت ساكنًا على غير عادته، إلا من صوتٍ خافتٍ قادم من المطبخ.
وحين اقتربت، وجدته؛ ابنها «باسم»، يقف أمام الخزائن، يفتحها واحدةً تلو الأخرى، يبحث عن شيءٍ يسد به جوعه، غير مدركٍ للعاصفة التي تقف خلفه.
قطع سكون اللحظة صوتها الحاد، خرج صارمًا لا يحتمل التهاون:
ـ بتعمل اي عندك يا باسم؟؟ .
التفت إليها سريعًا، وقد بدت على وجهه مسحة لهفة ممزوجة بالإنهاك، وهتف مدافعًا:
ـ جعان يا امي، وبدور علي حاجه اكلها .
لم تُعِره اهتمامًا، وكأن كلماته لم تصل إلى مسامعها، بل عادت تسأله بنفس الحدة، وعيناها تراقبانه بدقة:
ـ انت روحت العزا؟؟ .
قلب وجهه بضيقٍ واضح، ونفخ أنفاسه في انزعاج قبل أن يجيب:
ـ لا مشيت معاهم لحد المقابر، وعزتهم هناك خلاص بقي.
كاد يعود لما كان يفعله، يمد يده مرةً أخرى نحو الخزانة، إلا أن صوتها ارتفع من جديد، أشد حدةً، يحمل في طياته أمرًا لا نقاش فيه:
ـ هو اي اللي خلاص بقي؟؟ ، اتفضل روح العزا، واقعد ساعتين ولا ساعه ونص وتعاله زي اخوك .
هتف هو الآخر بانزعاجٍ ولهفة، وقد غلبه الجوع على صبره:
ـ بس انا جعان .
اقتربت منه والدته بخطواتٍ سريعة، ونظرتها لا تبشر بخير، وقالت بصرامةٍ قاطعة:
ـ عنك ما طفحت، روح العزا يلا .
لم تضف كلمةً أخرى، وكأن جملتها كانت نهاية الحديث.
وبالفعل، امتثل للأمر، وترك المكان غاضبًا، يخطو بخطواتٍ ثقيلة وهو يمر من أمامها.
تبعته بنظرها حتى اتجهت نحو باب القصر، تقف هناك لحظات، تنتظر لتتأكد.
وبعد ثوانٍ قليلة، سمعت صوت سيارته وهي تغادر المكان، فتأكدت أنه رحل.
عندها فقط، استدارت بهدوء، وصعدت الدرج متجهةً إلى غرفة «فيروز».
فتحت الباب برفق، لتجدها وقد انتهت من استعدادها؛ حجبت شعرها بإحكام، وارتدت العباءة السوداء التي أعطتها لها.
بدا وجهها شاحبًا، وعيناها محمّلتين بحزنٍ صامت لا يحتاج إلى تفسير.
اقتربت منها «لوزة»، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة تحاول بها بث بعض الطمأنينة، وهتفت بصوتٍ هادئ دافئ:
ـ يلا يا حبيبتي .
لم تمضِ سوى ثوانٍ قليلة، حتى كانتا معًا في طريقهما، تغادران المكان، متجهتين إلى القصر، والخطوات تمضي بهما نحو مشهدٍ أثقل من الكلمات.
❈-❈-❈
دخلن إلى العزاء من جهة السيدات، بخطواتٍ هادئة يكسوها الوقار، وقبل أن يعبرن العتبة لمحَتْه من بعيد.
كان عزاء الرجال قائمًا في الجهة المقابلة، وفي مقدمته «سراج»، يقف شامخًا رغم الانكسار، وبجواره «نصار»، وعلى مقربةٍ منه «فارس»، ثلاثتهم متجاورون كأن الحزن جمعهم في صفٍ واحد.
وقعت عيناها عليه سريعًا، نبضة خاطفة، لكنه لم يلمحها؛ كان نظره معلقًا في فراغٍ بعيد، كأن الدنيا كلها غابت عن مرمى بصره.
تابعت سيرها، ودخلت إلى عزاء السيدات برفقة «لوزة».
كانت سيدات القصر جالسات في صالة القصر الواسعة، جدرانها تكتسي بالصمت، وأثاثها يشهد على حزنٍ ثقيل.
جلست بينهن سيداتٌ أخريات، حضرن للتعزية، تتداخل همسات المواساة مع زفرات الألم.
الجميع كان حاضرًا، إلا «فايزة»؛ التي ما إن بلغها الخبر حتى هرعت لتجلس بجوار «سالم»، لم تفارقه لحظة.
تقدمت بخطواتٍ بطيئة نحو «حنان» و«صفية»، قدّمت لهما واجب العزاء، فردّتا عليها بهدوءٍ ممتن، بنظراتٍ متعبة أنهكها السهر والبكاء.
ثم اتجهت إلى «سميحة»؛ تلك التي ما زالت دموعها تنهمر بلا توقف، ولم يستوعب قلبها بعد ما حلّ بها.
اقتربت منها، واحتوتها بين ذراعيها، وجلست تواسيها بكلماتٍ خافتة، لكن «سميحة» لم تكن معهن في الحقيقة…
كان عقلها وقلبها وروحها هناك، حيث زوجها، حبيب فؤادها. جسدها حاضر، أما روحها فمعلّقة بصوته، بنبضه، بصورةٍ لا تفارق خيالها.
جلست «ورد» و«مروة» إلى جوارها، تحاولان مواساتها، تضمان كفّيها، تهمسان لها، لكن الكلمات كانت تمرّ من حولها دون أن تمسّها؛ لم تسمع أحدًا، سوى صوته هو، يتردد في أعماقها كصدى لا يخفت.
مرّت الساعات ثقيلة، حتى انقضت ساعتان، وغادرت السيدات الوافدات، وبقي فقط أهل القصر، و«ورد» و«مروة» و«فيروز» و«لوزة»؛ التي أبت أن تغادر قبل أن تطمئن على «فيروز»، كأن وجودها إلى جوارها واجب لا يقبل التأجيل.
نهضت «ورد» و«مروة» بهدوء، وأخذتا «سميحة» إلى غرفتها لتنال قسطًا من الراحة.
قاومت في البداية، ثم استجابت لهما أخيرًا، وغادرت بخطواتٍ واهنة.
وعادت الصالة إلى سكونٍ أثقل.
جلست «فيروز» إلى جوار «صفية» و«حنان»، تواسيهما بكلماتٍ صادقة ونظراتٍ حانية، وكانت «لوزة» بجانبها، صامتةً، تراقب المشهد بعينٍ خبِرت الفقد، وتدرك أن بعض الأحزان لا يُخففها الكلام، بل الحضور فقط.
❈-❈-❈
افترقنا .
فانكسرَ الوقتُ بيننا،
وبقيَ القلبُ واقفًا
على بابِ الذكرى.
عند الرجال، كان المكان قد فرغ تقريبًا من روّاده، ولم يبقَ سوى عددٍ قليلٍ من الجالسين، تتشابك أنفاسهم مع ثِقل الصمت.
وفي لحظاتٍ قصيرة، نهضوا جميعًا، واصطفّوا في صفٍ واحد، وقبل أن يغادروا تقدّموا ليسلّموا على «نصار» و«سراج» و«فارس»، يعزّونهم مرةً أخرى، بكلماتٍ تخرج مثقلة بالحزن، وكأن العزاء لا يريد أن ينتهي.
كان «إيهاب» قد صافح «فارس» وعزّاه من جديد، ثم مدّ يده متجهًا نحو «نصار» ليصافحه.
في تلك اللحظة، رفع «نصار» عينيه إليه، ونظر له بعمقٍ غريب؛ نظرة ثابتة، جامدة، اخترقت «إيهاب» من الداخل، وجعلت قلبه ينقبض، وكأن تلك النظرة تحمل إدراكًا ما، أو حقيقةً التقطها دون أن ينطق بها.
طال التحديق، ويد «إيهاب» ما زالت ممدودة في الهواء، تنتظر مصافحة لم تأتِ.
تجاهله «نصار» تمامًا، وأدار رأسه إلى الخلف، حيث وجد «باسم» ينظر إليه بحيرة.
عندها فقط تحرّك، فتجاهل وجود «إيهاب» ويده الممدودة، وتقدّم نحو «باسم»، صافحه، وقال بخفوتٍ وهو يوجّه نظرةً غامضة نحو «إيهاب» لم يفهم معناها:
ـ شكر الله سعيكم .
كان «سراج» و«فارس» يرقبان نظرات «نصار» في صمت، وقد أدركا التغيّر المفاجئ فيها.
تقدّم «سراج» على الفور، وصافح «إيهاب» بيده التي ما زالت ممدودة باتجاه «نصار»، وقال بإحراجٍ واضح من تصرّف ابنه:
ـ شكر الله سعيكم يا بني كتر خيرك .
ابتسم «إيهاب» ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه، بينما كان عقله يعجّ بالتساؤلات حول هذا التصرّف المفاجئ من «نصار».
لم يُعلّق، واتجه بعد ذلك إلى سيارته برفقة «باسم».
أمّا «نصار»، فقد عاد يسلّم على من تبقّى من الناس وكأن شيئًا لم يحدث قبل لحظات.
غير أنّ «سراج» كان يراقب ابنه بقلقٍ واضح، يلاحظ تغيّر حاله المفاجئ فور وقوع عينيه على «إيهاب».
في الخارج، وقف «إيهاب» مع «باسم» أمام السيارة، لا يزال غير قادرٍ على فهم ما جرى.
التفت إليه «باسم» وسأله بحيرةٍ صريحة، وهو ما زال يستعيد المشهد في رأسه:
ـ هو انت عملت لـ نصار اي مرضيش يسلم عليك؟؟ .
أجابه «إيهاب» وهو غارق في التفكير، ولم يستوعب الأمر بعد:
ـ مش عارف، حقيقي مش عارف وبفكر هو عمل كده ليه؟؟
نظر إليه «باسم» باستخفافٍ ممزوج بالملل، وقال بنبرةٍ لا مبالية:
ـ يا عم سيبك منه، ده كل يوم بحال شكل، الله يهديه او يهده، انا رايح اتمشي شويه بالعربيه وبعد كده هروح، اقول لامك متقلقش، سلام .
أنهى كلماته، وغادر بسيارته، تاركًا «إيهاب» وحده، يغرق في دوّامة أفكاره.
كاد «إيهاب» أن يركب سيارته، لكنه توقف فجأة حين شعر بحركةٍ قريبة منه.
التفت، فوجد «سراج» يغادر ومعه «فارس»، وخلفهما «نصار»، إلا أن «نصار» توقّف فجأة عن السير.
استدار «نصار» ونظر إليه نظرة احتقارٍ صريحة هذه المرة؛ نظرة أشعلت في صدر «إيهاب» ألف شعلة، ونظرة جعلته يتأكد أن شكوكه لم تكن محض وهم، وأن هناك سوء فهمٍ قد ترسّخ بالفعل…
«فيروز»؟؟
اندفع «إيهاب» خطوةً للأمام، كاد أن يلحق به ليحكي له ما حدث، وليدفع عنه هذا الظنّ القاتل، لكنه توقّف حين رأى «نصار» يدير ظهره ويغادر دون أن يمنحه فرصة واحدة.
عندها ركض نحو سيارته، فتح بابها بعجلة، وأمسك هاتفه واتصل بوالدته.
جاءه صوتها منخفضًا:
ـ في اي يا إيهاب .
ردّ عليها بنبرةٍ فازعة، يسبقها القلق:
ـ مصيبه يا ماما، تقريبا نصار شافنا انا وفيروز بوضع مختلف وفهم غلط، حاولي تتواصلي مع فيروز وتقوليلها اول ما تشوف نصار تحكيله، لان نصار فاهم غلط خالص، سامعه يا امي .
كانت تستمع إليه دون أن يتغيّر شيء في ملامحها، واكتفت بأن تنظر نحو «فيروز» التي كانت تواسي حماتها و«صفية»، ثم أجابت بهدوءٍ مصطنع:
ـ طيب هقولها، اقفل انت .
وبالفعل أغلقت الهاتف، واقتربت من «فيروز»، وجعلتها تقف بعيدًا عن الجالسات قليلًا، ثم قالت بصوتٍ هادئٍ يخالف حقيقته:
ـ اسمعي يا فيروز يا حبيبتي لما جوزك يدخل وتشوفيه علطول، حاولي تبقي جنبه، وانسي خالص اللي قولتهولك، الراجل مش ناقص، انتِ ابقي احكي علي اللي حصل بعدان مش دلوقتي .
هزّت «فيروز» رأسها وهي تمسح دموعها، وقالت بتفهّمٍ صادق:
ـ حاضر يا خالتي، مش هقوله، هحاول بس اطمنه واكون جنبه في الظرف ده ولما الظرف يعدي هبقي احكي .
ربّتت على يد «فيروز»، وقالت بنبرةٍ بدت مشجّعة، بينما عيناها تلمعان بخبث:
ـ شاطره يا فيروز .
ابتسمت لها ابتسامة واهنة، تلك الابتسامة التي تولد من الامتنان حين يعجز اللسان عن الشكر، وكادت أن تنطق بكلمات عرفان لما وجدته من وقفة ومساندة، إلا أن الصوت الخافت للأقدام القادمة قطع لحظتها الهشّة، حين دخل «سراج» يتقدّم بخطوات مثقلة، وبجواره «فارس»، وخلفهما مباشرةً «نصار»، بملامح جامدة لا تُقرأ.
تغيّر الهواء في المكان دفعة واحدة، وكأن الصالة التي كانت عامرة بالهمس والحزن، قد سُحبت منها أنفاسها فجأة.
اقتربت بخطوات مترددة من «سراج»، عزّته بكل ما تحمله عيناها من أسى صادق، فاكتفى بهزّ رأسه دون أن يضيف كلمة واحدة، ثم جلس على الأريكة وكأن الحزن قد أثقل جسده دفعة واحدة.
اتجهت بعدها نحو «نصار»، الذي كان ينظر إليها بنظرات أربكتها، نظرات لم تستطع تفسيرها أو فهم سببها، كانت غريبة، قاسية، باردة… نظرات لم تعهدها منه يومًا.
وحدها «لوزة»، والدة «إيهاب»، كانت تقرأ ما خلف تلك النظرات، وتفهم معناها الخفي، فارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة، ازدادت اتساعًا كلما طال الصمت.
اقتربت منه أكثر، وكادت أن تلمس يده لتستمد بعض الطمأنينة، لكنه ابتعد فجأة عن ملامستها، كأن قربها أصبح يزعجه، أو كأن لمسة منها باتت عبئًا عليه.
عقدت حاجبيها بدهشة وحيرة، وانفلت صوتها مشوبًا بالشك:
ـ مالك يا حبيبي .
ظل ينظر إليها طويلًا، دقائق بدت لها دهورًا، نظرات جديدة لم تعرف لها سببًا أبدًا؛ لم تكن نظرات الحب التي اعتادتها، ولا الهيام، ولا الغيرة التي كانت تطمئنها دومًا، بل كانت نظرات خالية من كل ذلك، نظرات باردة جارحة، تحمل في طياتها شيئًا لم تدركه بعد.
وفي خضم هذا الصمت الثقيل، نزلت «ورد» و«مروة» بعد أن اطمأنتا على «سميحة» وجعلتاها تستسلم للنوم أخيرًا.
توقفن جميعًا في أماكنهن حين وقعت أعينهن على تلك النظرة الغريبة التي يرمق بها «نصار» «فيروز»، نظرة جعلت القلوب تنقبض دون سابق إنذار.
كادت أن تسأله مرة أخرى، أن تكسر هذا الجدار الصامت، أن تفهم ما يحدث، لكن الكلمات علقت في حلقها، وتوقّف صوتها قبل أن يولد، حين ناداها هو بصوت هادئ، هدوء مرعب:
ـ فيروز .
أجابته وهي تحمل حبها وخوفها عليه في نبرة واحدة:
ـ اي يا قلب فيروز .
ساد الصمت مرة أخرى، صمت ثقيل كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، ثم قال أخيرًا، وهو يرمي عليها نظرة ممتلئة بالاحتقار والاشمئزاز، نظرة كسرت شيئًا عميقًا بداخلها:
ـ انتِ طالق…. طالق بالتلاتة
شهق الجميع في آنٍ واحد، وكأن الصالة كلها تلقت الصفعة ذاتها.
لم يصدق أحد ما قيل، وجوه مذهولة، عيون متسعة، وصدمة شلّت الجميع، حتى «ورد» وقفت عاجزة عن استيعاب ما سمعت.
لكن وسط هذا الذهول العام، كان هناك شخص واحد فقط، ارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تستطع إخفاء نفسها تمامًا، ابتسامة حاولت صاحبتها كتمها، إلا أن أسنانها البارزة فضحتها… وكانت هي «لوزة».
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية