رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 4 - الجمعة 5/6/2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل الرابع
تم النشر يوم الجمعة
5/6/2026
كان هو مازال يجلس على الأرض، وظهره مسنودٌ إلى الحائط البارد، شعور بالوحدة والخذلان يلف صدره، وكأن كل الهواء المحيط به أصبح ثقيلاً، يضغط على صدره في كل شهيق وزفير.
كيف تجرأت على خيانته؟ كيف استطاعت أن تفعل ذلك بقلبها؟ وكيف تُقدم على خيانته مع أيهاب؟، سؤال يرن في رأسه بلا توقف، يفتته من الداخل، ويتركه في صراع مرير بين الغضب والحزن والصدمة.
يا لله من قسوة قلبها، من قسوة هذا الفعل الذي كشفه أمام عينيه بوضوح صارخ.
منذ أربع ساعات لم يكن يصدق ما رأته عيناه في بيتها، لكنه الآن، وقد شهد الحقيقة كاملة، رأى كل شيء بوضوح مرعب، كل لحظة خيانة، كل همسة، كل نظرة، كل احتضان، كل القرب الذي لا يُغتفر.
شعر بمرارة الغباء تجتاحه، إذ أيقن أنه كان أحمقًا وغبيًا لأنه صدقها، لأنه وضع ثقته في قلب لم يعرف الرحمة.
كان قلبه يتألم بين نار الغضب وحرقة الخيانة، وكل خلية فيه تتساءل كيف يمكن لحب أن يتحول فجأة إلى هذا الجحيم؟
قبل هذا، كان يرى فيها كل الحنان، كل الحب، كل العشق؛ كانت قلبه، روحه، كل حياته، أما الآن فسيرى قسوته، سيرى الألم الذي يستحق أن يذوقه، وسيجعلها تدفع ثمن خيانتها بكل طريقة يعرفها.
انفصل عن تفكيره العاصف صوت رنين هاتفه، اهتزت يده، وظهر الرقم لاسم صديقة قديمة في فرنسا، فتنهد، وحاول أن يبدو طبيعيًا وهو يرفع الهاتف إلى أذنه:
ـ الو
رد عليه صديقته بحماسٍ واضح، وقد بدت كلماته تنبض بالاشتياق:
ـ وحشتني يا مان جامدد، أخبارك إيه؟
مسح نصر الدموع عن عينيه بيده، وهو يحاول أن يسيطر على نبرته، ويخفف من ارتعاش صوته الداخلي:
ـ بخير، عملت إيه؟
سكت للحظة، وشعر بأن هناك شيئًا ما في صوته، في نبرتها، يجعل قلبه يرتجف قليلاً، لكنه حاول تجاهله، وأجاب بهدوء:
ـ كله تمام، وبعتلها الفلوس، وهي دلوقتي كويسة هي والبنات.
ابتسمت صديقته من خلف الهاتف، وقالت بسرعة:
ـ تمام
فختم جملتها، وأغلق الخط سريعًا، دون أن يسمع ردّه، كما لو أراد الهروب من لحظة شعور بالانكسار.
فكر نصار في الأموال التي يرسلها، المبالغ الباهظة التي يرسلها لزوجة صديقه، رحمه الله عليه.
كانت الفكرة قد بدأت منذ أيامه كطبيب، حين تعرض صديقه لحادث أليم، وهو كان الجراح الذي أجرى له العملية، لكنه لم يستطع إنقاذه.
الآن، بعد أن فقد صديقه، كانت زوجته بمثابة تعويض، وعندما بدأ نصر يشعر بالذنب والاكتئاب، ترك مهنته التي أحبها، وتخلى عن مستشفيات الحياة، وانغمس في عالم الأعمال بعيدًا عن كل ما يعيد له ذكرياته المؤلمة.
كان الهدف من إرسال المال لشريكة حياة صديقه، أنها تعيش حياة كريمة، وأن تبقى بناته آمنات، بعذرٍ أن زوجها قد دخل في مشروع ناجح ومربح للغاية، فتبدو الأموال وكأنها من مشروعه، لكنها في الحقيقة امتداد لذكراه وحبه لهم.
نهض نصار، وقف، ثم بدأ يتمشى في شوارع الليل الخالية، حيث البرد القارس يلتصق ببشرته، ويجعله يشعر بوخزٍ خفيف في أطراف أصابعه، ويغزو رأسه أفكارًا لا تنتهي.
كل خطوة كانت صدىً في قلبه، وكل نسمة هواء باردة تدخل أنفه كانت تذكره بالخيانة، بالغدر، وبالفراغ الذي خلفته.
الليل كان صامتًا تقريبًا، إلا من بعض أصوات الحشرات الليلية، وأضواء خافتة تتسلل من بيوت نائمة، والهدوء الثقيل يحيط به كجدار، يزيده شعورًا بالغربة والوحدة.
كان يمشي ببطء، محاولًا ترتيب أفكاره، لكنه يعلم أن قلبه لن يهدأ إلا بعد مواجهة الحقيقة، وأن الألم سيظل يلاحقه حتى يتخذ قراره، مهما كان الثمن.
ظل يمشي على رصيف الشارع، يتأمل الليل الذي يكسو المدينة بعباءته السوداء، والأضواء الخافتة تتلألأ في النوافذ البعيدة كنجوم بعيدة لا تصلها إلا خيوط الظلام، وصمت الشوارع كان يظن أنه هادئ، لكنه كان يكتوي بصخب داخلي لا تهدئه الرياح الباردة، ولا صدى خطواته على الرصيف.
ظل يتأمل الشوارع، المظلمة أحيانًا، المضيئة أحيانًا بأضواء خافتة، التي شهدت على لحظات ضعفه وانكساره، وكل زاوية فيها كانت تذكره بما فقده، وبما خان قلبه.
كل نافذة مضيئة كانت كعين تنظر إليه، وكل صوت بعيد يذكره بصدى الضحكات والخيانة التي شاهده.
قطع هذا التأمل رنين هاتفه للمرة الثانية، شعور بالانزعاج يملأ صدره، تنهد ببطء وأغلق عينيه محاولًا تجاهل الأمر، معتقدًا أن المتصل صديقه، ولكن حين نظر إلى الشاشة، وجد الاسم يلمع أمامه "فارس".
تجاهل الاتصال، وحاول أن يواصل سيره في الشوارع الخالية، مرارًا وتكرارًا، يلمس حافة الرصيف بقدميه وكأنه يلمس ذاك الألم الذي لا يهدأ بداخله، كل خطوة كانت ثقيلة، وكل نسمة هواء باردة كأنها تخترق قلبه مباشرة.
الشوارع، التي في ظاهرها هادئة، كانت في داخله تعج بعواصف من الغضب، الصدمة، والحزن، وكأن الليل كله يشهد على كسرة قلبه.
ولكن لم يدم هدوءه سوى لحظات، إذ قطع رنين الهاتف مرة أخرى، هذه المرة شعور بالعصبية والحدّة يسيطر عليه، وأغلق الهاتف في يده بحدة قبل أن يفتح الخط ويرد بصوت متوتر ومرتفع قليلًا:
ـ في اي يا فارس عامله ترن كل شويه ليه؟؟
رد عليه "سراج" ليس فارس، بلهجة مزيجها من الزعر والخوف، لدرجة أن قلب نصار بدأ يخفق بعنف وكأن طبول الرعب تُقرع في صدره:
ـ الحقني يا نصار، اخوك عمل حادثة وبيموت.
انقلبت ملامحه على الفور، استبدت به الصدمة، وارتجف جسده كله لحظة، وكأن الأرض التي يقف عليها تزعزعت تحته، وعيناه توسعتا من شدة الصدمة، وصوته خرج كهمس مختلط بالذهول والحيرة:
ـ اي؟؟
قفزت المشاعر في داخله كحمم بركانية، بين الذهول، الخوف، الغضب، والارتباك، وكل شيء حوله من الظلام والصمت في الشارع بدا وكأنه يتحرك، يتحول، يضغط عليه، يذكره بأن العالم كله قد انهار في لحظة واحدة.
❈-❈-❈
وقف سيارته على جانب الطريق المظلم، والهواء البارد يلتف حوله كأطياف الليل، والأنوار الخافتة من مصابيح الشوارع تعكس ظلًّا طويلًا له وللسيارة على الرصيف، وكل شيء حوله يبدو ساكنًا، إلا قلبه الذي يخفق بعنف وكأن الليل كله يضغط عليه، يصرخ بداخله من القلق والخوف والحيرة.
نظر إلى «فيروز» التي كانت بجانبه في السيارة ، مبتسمة بطريقة لم يفهمها في البداية، كأنها تتأرجح بين الواقع والوهم، وقلقه ازداد وهو يرفع صوتًا ملؤه الاستعجال:
ـ فيروز، اصحي، وفوقي وقولي مين اللي عمل فيكي كده.
ارتجفت شفاهها لحظة، وعيناها لم تدركا ما حولهما، ونطقت بلا وعي:
ـ نصار.
تجمد «إيهاب» للحظة، قلبه يعتصره القلق، فقد فهم الآن سبب تصرفها، سبب احتضانها المبالغ فيه وعيناها المشتتتان… كانت تظنه «نصار»، لا هو.
حاول أن يسيطر على انفعاله، ونبرة صوته تهتز قليلاً وهو يحاول أن يخفف وقع الصدمة عليها:
ـ فيروز انا مش نصار انا إيهاب.
ولكن دموعها انهمرت بغزارة، ويداها تضربانه على ذراعيه بشكل عفوي، وكأنها تبحث عن شخص ثابت تمسك به، وتهتف بلا وعي:
ـ لا انت نصار.
حاول أن يبتعد عنها قليلاً ليحمي نفسه من العاطفة التي تجتاح قلبه، لكنه لم يتمكن من إبعادها تمامًا، فصوته ارتفع بنبرة هادئة لكنه صارمة، ممزوجة بالصدمة والحرص:
ـ طيب انا نصار، مين اللي عمل فيكي كده ها؟؟
تكوّست شفاهها من الحزن، وبدأت الدموع تتدفق بغزارة، عيناها ممتلئتان بالألم والخوف، وصرخت بنبرة خائفة وممزقة من الداخل:
ـ هما، بابا سقطني يا نصار، وباسم ضحك عليهم وقالهم الابن ده ابني بس هو مش إبنه ده إبن نصار، ضربوني هنا وهنا وهنا.
نظرت له بحزن تصوّب يديها نحو الأماكن التي ضربتها، والجروح التي تركت أثارها على جسدها الصغير الهش، فابتعد هو عن النظر إليها، وأغلق عينيه للحظات كأنه يحمي قلبه من رؤية ما حرّمه الله عليه، لكنه لم يستطع صد صوتها وألمها.
وبعد دقائق فتحت عينيه ببطء، وارتفعت نبرته بالدهشة والصدمه:
ـ يعني انتِ كنتِ حامل؟؟
هزت رأسها، ويدها تغطي بطنها المرتعش من الألم والخوف:
ـ بس دلوقتي مفيش بيبي هما سقطوني، بابا سقطني.
أخذت تخفي وجهها بين يديها وتبكي بمرارة، واهتز قلبه لمشهدها، كل دمعة منها كانت كالسكين تخترق صدره، فهتف لها بحنان مبالغ فيه، صوته مرتجف وهو يحاول تهدئتها:
ـ طيب خلاص اهدي، اهم حاجه انك كويسه.
نظرت إليه بنظرة طفلة مخنوقة، وعيناها مليئتان بالعزم والانتقام، وهمست بخوف وصرامة في صوتها:
ـ هتجبلي حقي منهم.
هز رأسه بصمت، ابتسم لها ابتسامة صغيرة مليئة بالأمل والطمأنينة، واحتضنتته بعاطفة وحب ولهفة، وهو متجمد، قلبه يمتلئ بمزيج من الألم والحماية، لكنه لم يحتضنها في المقابل، مكتفيًا بمراقبتها بعينين متقدتين بالعاطفة المكبوتة.
ومن بعيد، كانت والدته تراقب المشهد، خرجت من منزلها بخطوات متثاقلة، عيناها مليئتان بالدهشة والصدمة حين رأت ابنها «إيهاب» جالساً مع «فيروز» بلا وهي تعانـ ـقه بشدة ، السيارة مضاءة بنور الشارع الخافت، والليل يحمل صمتًا ثقيلاً، مشهد يشبه اللوحة التي تجمع الألم، الحب، والخذلان في لحظة واحدة، وكل شيء حولهم ساكن إلا المشاعر التي تتدفق في الصمت…
❈-❈-❈
دخلت «فايزة» غرفتها أخيرًا بعد أن انتهت ليلة الحنّة، وأُغلِق باب الغرفة خلفها بهدوءٍ يخالف الضجيج الذي كان يملأ البيت منذ ساعات.
سكنت الأصوات في الخارج، وبقي صدى الزغاريد عالقًا في الجدران، كأن البيت نفسه لم يفرغ بعد من الفرح.
غدًا زفافها
غدًا ستقف في موضعٍ لطالما حلمت به، زوجةً لمن يحمل اسم العائلة، ولمن سيكون كبير العمدة، وغدًا ستُصبح كلمتها مسموعة، لا تُجادَل، ولا تُرد.
ابتسامة رضا ارتسمت على شفتيها، فمرادها بات قريبًا، أقرب مما تخيلت يومًا.
لم يكن الزواج وحده ما يشغل تفكيرها، بل ما بعده، المكانة، السيطرة، والوعود التي قطعتها، تلك الوعود التي لا ترى فيها إلا حقًا مكتسبًا.
اتجهت نحو الفراش، جلست عليه أولًا، ثم تمددت ببطء، أغمضت عينيها، وسمحت لخيالها أن ينسج أحلامه الوردية.
لكن سلطان النوم لم يُمهلها.
اهتز الهاتف على الطاولة المجاورة للفراش، صوتٌ حادّ اخترق هدوء الغرفة.
تأففت بملل، ومدّت يدها بكسل، ظنّت أن المتصل «سالم»، لكنها ما إن نظرت إلى الشاشة حتى تجمّدت ملامحها حين رأت الاسم «باسم».
اعتدلت في جلستها فورًا، وانسحب الاسترخاء من جسدها دفعة واحدة، وتسللت إلى رأسها صورة شقيقتها، فشعرت بوخزة قلقٍ خفيفة.
كانت الخطة واضحة، مرتبة، لا مجال فيها للخطأ أو هكذا ظنّت.
أجابت بسرعة، وبنبرة حاولت أن تُخفي توترها:
ـ الو يا باسم.
جاءها صوته حادًا، غاضبًا، يحمل نبرة لم تعهدها منه من قبل، نبرة أفزعت قلبها قبل أذنيها:
ـ بقولك يا روح امك مش باسم اللي يضرب علي قفاه من واحده زيك، ولو فيروز مظهرتش دلوقتي، هروح اقول لابوكي ولنصار كل حاجه، وطبعا سالم هيعرف وهيطلقك.
اتسعت عيناها، وتيبست أصابعها حول الهاتف. لم تفهم سبب هذا الانفجار المفاجئ، ولا مصدر تلك العصبية.
حاولت أن تستجمع نفسها، وردّت بحيرة صادقة ممزوجة بالضيق:
ـ في اي يا باسم ليه ده كله يعني، و اي الاسطوانه الحمضانه دي؟؟
لكن غضبه ازداد، وكأن برودها صبّ الزيت على النار، فصرخ بحدّة أشد:
ـ فين فيروز يا فايزة؟؟
رمشت عدة مرات، كأنها تحاول استيعاب السؤال، ثم أجابت بثقةٍ ظاهرة تخفي اضطرابًا داخليًا:
ـ فيروز المفروض تكون عندك.
جاءها رده أسرع وأقسى:
ـ عندي فين؟؟ ، انا مستني بقالي ساعه وهي لسه مظهرتش.
قامت من على الفراش فجأة، بدأت تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، قلبها يخفق بقوة، وعقلها يفتش عن احتمالٍ واحدٍ منطقي، لكنها لم تجد.
تمتمت بقلقٍ واضح:
ـ امال هي راحت فين؟؟
انفجر صوته مرة أخرى، حادًا، مخيفًا هذه المرة:
ـ انتِ بتساليني انا السؤال ده يا روح امك؟؟ ، لا بقولك اي ما بلاش شغل لعب العيال ده عشـ…..
قاطعته فجأة، وصوتها ارتفع لأول مرة، ممتلئًا بالضيق والغضب، وقد فاض بها الكيل:
ـ بقولك اي يا باسم انا ملعبتش عليك، انا اتفقت مع حياة صحبتها، وصحبتها قالتلها تروح انهي شارع عشان تقابلك، ومعرفش هي راحت فين بحالتها دي ، تبقي مصيبه فعلا وراحت لـ نصار وحكتله كل حاجه.
ساد صمت قصير، كادت أنفاسها تُسمَع فيه، ثم لم تمنحه فرصة للرد، فأسرعت بنبرة لهفة متوترة:
ـ اقفل دلوقتي اشوفها هناك ولا لا، هتصل علي سالم واشوف فيروز هناك ولا لا، وانت امشي من عندك وحاول تتواصل مع حياة وتشوفها راحت في انهي داهيه.
أنهت المكالمة وأغلقت الخط في وجهه دون انتظار، يدها ترتجف قليلًا.
حاولت الاتصال بـ «سالم»، لكن الهاتف كان مغلقًا.
لعنت حظها في سرّها، واتصلت بـ «فارس» مرة، ثم أخرى، ثم ثالثة بلا رد.
في تلك اللحظة، بدأ القلق يتحول إلى خوف حقيقي. شيء ما يحدث، شيء خرج عن السيطرة.
حاولت الاتصال بـ «سهر»، لكن لا إجابة.
لم تعد تفكر.
أسرعت ترتدي أي شيء وقعت عليه يدها، لم تهتم بمظهرها ولا بتناسق ثيابها، كل ما في رأسها سؤال واحد يتكرر بإلحاح:
أين ذهبت شقيقتها؟
وماذا يحدث هناك؟
فتحت باب الغرفة بعجلة، وغادرت، وقلبها يسبق خطواتها، والخوف ينهشها بصمت.
❈-❈-❈
دخل «نصار» إلى المستشفى بخطوات متعثّرة، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه، وكأن الجدران البيضاء تضيق عليه مع كل خطوة يخطوها.
لم يكن يرى الممرات ولا الأبواب الزجاجية ولا الأضواء الساطعة التي اعتاد عليها يومًا، كل ما كان يراه هو صورة واحدة تفرض نفسها على عقله، صورة شقيقه ملقى بلا حراك، جسد بلا روح، ودماء تلطّخ كل ما حوله.
رائحة المطهرات نفذت إلى صدره فأحسّ بالاختناق، وصوت خطوات الأطباء والممرضين كان يمرّ بجواره دون أن يلتقطه سمعه، كأن العالم كله صار ضبابًا كثيفًا، وهو وحده عالق في قلبه.
وقعت عيناه على والده و«فارس» يقفان في أحد أركان الاستقبال، الهواتف بأيديهم، والقلق محفور في ملامحهم.
كانت الوجوه شاحبة، والأصوات متداخلة، والانتظار ينهش الأعصاب.
وصل «حازم» خلفه بلحظات، وما إن وقعت عينا والده على «حازم» و«نصار» حتى أغلق الهاتف بسرعة واقترب منهما بخطوات مضطربة، وصوته خرج مرتجفًا، مبحوحًا، مشبعًا بالرعب:
ـ الحقوني اولادي بيموتوا ومفيش دكاتره هنا.
تجمّدت الكلمات في صدري «نصار» و«حازم»، واتسعت أعينهما في صدمة واحدة، وخرجا معًا بنفس النبرة المذعورة:
ـ اي؟؟.
كيف؟ كيف لمستشفى كبيرة، بل الوحيدة في القرية، أن تخلو من الأطباء في لحظة كهذه؟ أين الجميع؟ ولماذا الآن تحديدًا؟ أسئلة صامتة تصرخ في العقول بلا إجابة.
اندفع «نصار» خطوة إلى الأمام، وصوته خرج مشروخًا، يحمل خوفًا حقيقيًا لم يستطع إخفاءه:
ـ يعني اي وسالم؟؟.
وقبل أن تأتي الإجابة، قاطع «حازم» وهو لا يقل ذعرًا، وصدره يعلو ويهبط بعنف:
ـ طب وعلي؟؟.
انهار «سراج» تمامًا، وصرخ بهما بصوت خرج من أعماق قلبٍ ممزق، قلب أب يرى أبناءه بين الحياة والموت:
ـ مش مهم دلوقتي، المهم انكم تنقذوهم، همام معاه دكتور معاه ودخل اوضه العمليات، وانت يا محمود تدخل لعلي، فيه ممرضين هناك هيساعدوك، وانت يا نصار انقذ اخوك وفي ممرضين في اوضة سالم هيساعدوك، يلا اتحركوا.
لم ينتظر «حازم» ثانية واحدة، لم يرد، لم يعقّب، لم ينظر حتى، استدار وركض بأقصى ما يملك من قوة نحو غرفة التعقيم، خطواته تضرب الأرض كأنها سباق مع الزمن.
أما «نصار» فتجمّد.
وقف مكانه، عيناه هبطتا ببطء إلى يديه، يديه اللتين طالما أنقذتا أرواحًا، وتذكّر في لحظة خاطفة جسدًا آخر، غرفة أخرى، صوت أجهزة، وصمت أبدي لم يستطع كسره. الذكرى انغرست في صدره كسكين.
لاحظ والده حالته، ذلك الشرود المميت، فالتفت إلى «فارس» بعينين تترجّيان، وكأن الكلمات خانته.
اقترب «فارس» من «نصار» بخطوات حذرة، وصوته خرج خافتًا لكنه ثابت، يحمل خوفه على «سالم»:
ـ حبيبي انسي كل حاجه في دماغك دلوقتي، دلوقتي انت لازم تنقذ سالم، وده كان زمان قضاء وقدر، انت دلوقتي لازم تنقذ اخوك.
شعر «نصار» بيد والده تمسك بيده بقوة، محاولة تقبيلها في رجاء أب يائس، لكن «نصار» سحب يده بسرعة، وقلبه ينهار. سمع صوت والده وهو يتوسل، صوته مكسور، ضعيف، بلا كبرياء:
ـ عشان خاطري يا نصار ابوس ايدك انقذ اخوك، انت لو منقذتهوش، هتندم طول عمرك.
لمعت عينا «نصار» بالدموع، وخرج صوته موجوعًا، متردّدًا، كأنه يعترف بخوف دفين:
ـ ايوا بس انت عارف، انت عارف، اني بعيد عن المجال ده، وممكن يكون خطر علي سالم لان في حاجات نسيتها.
قبض «سراج» على كتفه بقوة، وهزّه بعنف، كأنما يريد أن يوقظه من كابوسه، وصوته خرج قاسيًا، حاسمًا، بلا رحمة:
ـ فوق يا نصار، فوق، اللي جوا ده اخوك، ومحدش هينقذه غيرك، ولو منقذتوش، انت اللي هتموت مش هو، انت هتموت من الذنب والضمير، روح وانقذ اخوك وانقذ نفسك بقي يا خي.
أنهى كلماته ودفعه بقسوة إلى الخلف.
تراجع «نصار» خطوات، والدموع تجمّعت في عينيه، صدره يعلو ويهبط، وكلمات والده تدوي في أذنيه كالرعد.
استدار أخيرًا، واتجه نحو غرفة التعقيم، وكأنه يسير إلى مصيره.
بعد أن انتهى من التعقيم، وقف أمام غرفة «سالم». الباب نصف مفتوح، والأنوار الساطعة تكشف مشهدًا قاسيًا.
ممرضات يتحرّكن بسرعة، أيدٍ تحاول إيقاف النزيف، أصوات متوترة، ولكن الفشل واضح في العيون.
دخل «نصار»، دون كلمة، ودون تردد آخر.
أخذ زمام الأمور، صوته صار آمرًا، حركاته دقيقة، ولكن يديه، يديه كانتا ترتعشان.
ارتعاش لم يغب عن أعين الممرضات.
ارتعاش طبيب يقاتل خوفه، قبل أن يقاتل الموت.
❈-❈-❈
يحاول أن يعمل بكل ما تبقّى فيه من قوة، وكأن جسده قد انقسم نصفين؛ نصفٌ يتحرك آليًّا وفق ما حفظه عقله يومًا، ونصفٌ آخر يتآكل ببطء تحت وطأة الخوف.
كان يقف فوق جسد شقيقه، يحدّق في موضع الجرح، ويجاهد كي لا ترتفع عيناه نحو وجهه، لأن مجرد نظرة واحدة كفيلة بأن تهدم كل ما تبقّى من تماسكه، وتلقي به جالسًا على الأرض، عاجزًا، باكيًا، مكسورًا.
كانت رائحة الدم تملأ الغرفة، تختلط برائحة المطهّرات الحادة، وصوت الأجهزة الطبية يحيط بالمكان كأنّه عدٌّ تنازليٌّ قاسٍ لا يرحم.
أصابعه تضغط على موضع النزيف في ظهره، يحاول إيقافه بكل ما أوتي من علمٍ وخبرةٍ نفض عنها غبار السنوات، كأنّ ذاكرته الطبية تستيقظ رغماً عنها، تُمسك بيده، وتجرّها إلى ما يجب فعله الآن، لا لاحقًا.
لكن فجأة
انطلق صوت الجهاز، صافرة حادة، طويلة، مخيفة، تشقّ الهواء كالسيف.
نبضه يضعف يكاد يفقده.
تجمّد الدم في عروقه للحظة، ثم شعر بشيءٍ ينفجر داخله، كأنّ الصافرة لم توقظ الجهاز فقط، بل أيقظته هو أيضًا، أيقظ ذلك الطبيب الذي دفنه منذ زمن، وأجبره على العودة، الآن، في أخطر لحظة.
كانت إحدى الممرضات تقف إلى جواره، تحاول مساعدته، بينما الأخرى تستعدّ لجهاز الصدمات الكهربائية، وملامح القلق ترتسم على وجوههنّ جميعًا.
العرق يتصبّب من جباههن، والارتباك يتسرّب إلى حركاتهن، فصرخ بهنّ بصوتٍ حادٍّ خرج من أعماق صدره:
ـ انا هوقف النزيف وانتي متبطليش محاولة واعملي علي اعلي فولت .
ثم استدار بسرعة نحو الممرضة الأخرى، صوته صار أكثر حدّة، أكثر قسوة، وكأنّه يحارب الزمن نفسه:
ـ وانتي حاولي ترجعي نبضه زي ما كان معاها، يلا واقفين ليه .
لم يكن في صوته تردّد، ولا مجال للنقاش.
امتثلن فورًا، تحرّكن كما قال، كل واحدةٍ منهنّ تعرف أنّ ثانيةً واحدة قد تعني الحياة أو الفقد.
بدأت الصدمات الكهربائية، جسد «سالم» يرتجف تحتها، وأنفاسه تتقطّع، بينما هو يضغط بيديه على الجرح، يحاول السيطرة على النزيف، عقله يعمل بسرعةٍ جنونية، وقلبه يصرخ باسم شقيقه في صمت.
لحظات مرت ثقيلة خانقة.
ثم عاد النفس، وانتظم النبض.
نجحوا.
شعر بارتخاءٍ بسيط في صدره، وكأنّ الهواء عاد إليه بعد غرقٍ طويل، لكنه لم يسمح لنفسه بالارتياح. لم ينتهِ الأمر بعد.
واصل العمل، يحاول إغلاق الجرح، تثبيت ما يمكن تثبيته، أنقذ ما يمكن إنقاذه.
وفجأة
عاد الصوت من جديد.
صافرة أخرى.
النبض يضعف مرةً ثانية.
ارتعشت يده دون إرادةٍ منه، رعشة خفيفة، لكنها كانت كفيلة بأن تخيفه أكثر من الصافرة نفسها.
حدّق في الجرح، يحاول أن يفهم… ما الذي يحدث؟
ما الخطأ؟
لماذا لا يستجيب جسده كما ينبغي؟
تساءل في داخله، بعجزٍ لم يعترف به، وهو يحدّق في جرح شقيقه:
ما الذي يختلف هنا؟
ما الذي لا يراه؟
ولماذا، لماذا يرتعش قلبه قبل يده؟
ظل واقفًا، محنيّ الظهر فوق الجسد المسجّى أمامه، بين العلم والخوف، بين العقل والأخ، بين الطبيب والإنسان والصافرة، في الخلفية، تذكّره أن الوقت لا ينتظر أحدًا.
كان يقف فوق جسد شقيقه، يحيط به الضوء الأبيض القاسي، والروائح الطبية الثقيلة، وصوت الأجهزة الذي لا يرحم، يعلو ويهبط كأنه يختبر صبر قلبه قبل عقله.
عيناه كانتا معلّقتين على الجرح، على تلك الفوضى الدموية التي ترفض أن تهدأ، وكأن الجسد ذاته يقاوم النجاة.
يداه تتحركان، لكن عقله يسبقها بخطوة، يحاول أن يفرض السيطرة على الارتعاش الذي يتسلل إلى أطرافه رغمًا عنه.
اقترب أكثر، أعاد النظر في موضع الجرح بدقة أشد، ومع كل ثانية تمر، كان يدرك أن المشكلة أعمق مما تبدو عليه.
العروق المتشابكة كانت كحاجزٍ عنيد، تقف في طريق إغلاق الجرح، تمنعه من إنقاذ ما تبقى من الوقت.
حاول مرة أخرى، بحذر شديد، أن يزيحها، أن يفتح لنفسه ممرًا آمنًا، لكن الجسد كان يخذله، والنبض كان يضعف، وصوت الجهاز في الخلفية أصبح أكثر إلحاحًا، أكثر قسوة.
داخله كان يغلي.
عقله انقسم إلى طريقين لا ثالث لهما، وكل طريق أشد قسوة من الآخر.
الهواء في صدره أصبح ثقيلًا، كأنه لا يصل إلى رئتيه كاملًا، وعرقه انساب على جبينه رغم برودة الغرفة.
وفجأة، قطع هذا الصراع صوت الممرضة، كان صوتها مرتجفًا، يحمل استعجال الخوف أكثر من المعرفة، وهي تهتف بلهفة :
ـ اقطع العروق مفيش حل تاني .
توقف كل شيء داخله.
التفت إليها ببطء، ونظرته كانت كفيلة بأن تُسكت أي صوت.
نظرة حادة، صامتة، ممتلئة برفضٍ قاطع، جعلت الكلمات تموت قبل أن تُقال.
استحال عليه أن يفعل ذلك.
استحال عليه أن يكون سببًا في عجزٍ دائم، في جرحٍ آخر لا يلتئم.
عاد ببصره إلى الجسد أمامه.
لأول مرة منذ بدأ، سمح لنفسه أن يرى الوجه.
الوجه الذي يعرفه، الذي لم يكن يومًا مجرد مريض.
ملامحه انكسرت، وذاكرته خانته، فاندفعت صورة بعد أخرى دون استئذان، وتسللت دمعة وحيدة من عينه، دمعة حاول حبسها طويلًا لكنها فرت في اللحظة الخطأ.
لم يعد يرى جسدًا على طاولة.
لم يعد يرى حالة طبية.
كان يرى شقيقه.
نصفه الآخر .
الجزء الذي لا يمكن اقتطاعه دون أن يموت هو أيضًا.
ابتعد وقد وقعت الادوات من يـ ـديه وهو يدمع عينيه وكاد أن يهرب بعيداً، ولكنه فكر بانه يستحيل ان يهرب ويترك شقيقه هكذا، تذكر حديث والداه، مما اقترب مره أخرى، وامسك الأدوات وقد عاد وهو يفكر كيف ينقذ شقيقه من الموت
ابتعد خطوتين إلى الخلف، وكأن الأرض قد مادت تحته فجأة، وسقطت الأدوات من يـ ـديه فوق أرضية الغرفة بصوتٍ معدنيٍّ حادٍّ اخترق صمته الداخلي، فتجمّد في مكانه لثوانٍ بدت له دهرًا كاملًا.
لمعت عيناه بالدموع، وانقبض صدره كأن هواء الغرفة قد نُزع منها دفعة واحدة، وكاد قلبه أن يفرّ من بين ضلوعه قبل جسده.
ارتعشت أنفاسه، وشعر برغبةٍ عارمة في الهرب، في الفرار بعيدًا عن هذا المكان، عن الضوء الأبيض القاسي، عن رائحة المطهّرات، عن هذا الصمت المعلّق بين الحياة والموت. خطوة واحدة فقط، وكان سيُدير ظهره لكل شيء، ويترك الغرفة بما تحمله من ثِقلٍ يفوق احتماله.
لكن قدماه توقفتا، وكأن شيئًا خفيًا قيّدهما في موضعهما. أدرك في تلك اللحظة أن الهرب مستحيل، وأن ترك شقيقه هكذا ليس خيارًا، ولا حتى احتمالًا عابرًا.
تسلّل إلى صدره شعورٌ لاذع بالمسؤولية، شعورٌ أثقل من الخوف نفسه، وجعله يبتلع غصّته بصعوبة.
عاد ببصره إلى الداخل، إلى حيث يرقد شقيقه بلا حراك، تتعلّق حياته بخيطٍ رفيعٍ يكاد ينقطع. شدّ قبضتيه، ومسح دموعه بعجلةٍ كأنها خيانة للحظة، ثم تقدّم من جديد بخطواتٍ بطيئة، لكنها ثابتة هذه المرّة.
انحنى والتقط الأدوات من على الأرض، وكان ملمسها البارد في يده كصفعةٍ أيقظته من انهياره.
أخذ نفسًا عميقًا، طويلًا، حاول به أن يعيد السيطرة على ارتجافه، وعاد إلى موضعه وهو يُجبر عقله على التفكير، لا في الخوف، ولا في العجز، بل في طريقةٍ واحدة فقط:
كيف ينتزع شقيقه من بين أنياب الموت؟
في تلك اللحظة، لم يعد يسمع شيئًا من حوله، ولا يرى سوى مهمته أمامه.
اجتمعت قواه المبعثرة، وتماسك رغم الألم، واستقام في وقفته، وقد حسم أمره أن يقاتل حتى آخر نفس، وألا يسمح للموت بأن ينتصر هذه المرّة
❈-❈-❈
في الغرفة المجاورة، حيث كان الضوء الأبيض القاسي ينعكس على الجدران الخالية، امتزج صوت الأجهزة الطبية برائحة المطهرات الثقيلة، وكأن المكان نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا لما سيحدث.
كان الهواء مشبعًا بالتوتر، وكل ثانية تمر كأنها دهر كامل.
وقف «حازم» إلى جوار السرير، جسده متيبّس، وملامحه شاحبة، وعيناه محمرتان من البكاء والرهبة.
كان يمسك بأداة الصدمات الكهربائية بيدين مرتعشتين، وكأنهما لا تنتميان إليه، بينما قلبه يخفق بعنف داخل صدره، يكاد يمزّقه خوفًا.
ضغط الأداة مرة تلو الأخرى، وصوته يخرج مبحوحًا، مختلطًا بالبكاء والرجاء، وهو يهتف بدموع وبذعر :
ـ لا يا علي متسبنيش، فوق عشان خاطري فوق .
كان صوته يرتد داخل الغرفة الخالية، بلا إجابة، بلا صدى يحمل أملًا.
حدّق في وجه «علي» الساكن، في ملامحه الجامدة التي فقدت دفئها، وكأن الحياة انسحبت منها فجأة وتركته جسدًا بلا روح.
مرّت لحظات ثقيلة، وكل نبضة صمت كانت تطعن قلبه طعنة جديدة.
أعاد المحاولة، مرة تلو الأخرى، لكن الأجهزة ظلت تعلن الحقيقة القاسية ببرودٍ قاتل.
بدأ اليأس يتسلل إلى روحه ببطء مؤلم، وانهمرت دموعه دون قدرة على التوقف، بينما الممرضون يحيطون به، عاجزين، صامتين، ينظرون إليه بعينين ممتلئتين بالشفقة.
يئس وهو يبكي أمام الممرضين حين لا يرى أي استجابة تدل على أنه على قيد الحياة، كانت كتفاه تهتزان بعنف، وأنفاسه تتقطع، وكأن صدره لم يعد يتسع لهذا الألم الهائل.
ثم، في لحظةٍ قاسية، حينما دخل الغرفة وجده قد فارق الحياة، جسدٌ ساكن، بلا حركة، بلا نفس.
لكن قلب «حازم» رفض التصديق. عقله أنكر الحقيقة، وروحه تشبثت بالأمل المستحيل. عزمته، ومحبته، وكل الذكريات التي جمعتهما، وقفت سدًا منيعًا أمام الاعتراف بالفقد.
ظل ينظر إليه، كأنه ينتظر أن يفتح عينيه فجأة، أن يبتسم، أن يعود كما كان.
نظر الممرضون إليه بأسفٍ بالغ، أعينهم مثقلة بالحزن على حالته، وعلى هذا المشهد القاسي الذي يتكرر أمامهم كثيرًا ولا يعتادونه أبدًا.
كانوا متمنين الرحمة لهذا الجـ ـسد الساكن، والدعاء بالسكينة لتلك الروح التي غادرت، بينما ظل «حازم» واقفًا في مكانه، محطمًا، منكسرًا، وكأن جزءًا منه قد توقف عن الحياة إلى الأبد.
❈-❈-❈
كان والد «نصار» و«فارس» ما يزالان واقفَين في الردهة الضيقة، حيث يمتزج صمت المستشفى القاسي بصوت أجهزةٍ بعيدة لا تُرى، ويثقل الهواء بأنفاسٍ محبوسة وقلوبٍ معلّقة على خيطٍ رفيع من الرجاء.
الزمن هناك لا يمضي، بل يتجمّد، وكل دقيقة تمرّ كانت كأنها تختبر قدرتهم على الاحتمال.
وقف «فارس» شاردًا، عيناه معلّقتان بالفراغ، بينما أفكاره تتصارع داخله بلا رحمة.
كان يتمنى الشفاء لثلاثة أشخاص، لكل واحدٍ منهم مكانه الخاص في قلبه، مكان لا يشبه الآخر، لكنه لا يقل عنه وجعًا.
كان يفكّر في «همام» صديقٍ يعترف الجميع بسوء تهوّره، لكنه لم يكن يومًا خالي القلب.
قلبه كان يتّسع لكثيرٍ من الطيبة، طيبة لا تُرى بسهولة، لكنها حاضرة دومًا.
صديق طفولة، ورفيق عمر، مهما اختلفت الطرق، لم يتمنَّ له الأذى يومًا، ولا استطاع أن يراه مجرد اسمٍ على سريرٍ أبيض.
ثم انتقلت أفكاره إلى «علي» شقيقه الثالث، ذاك الذي جاء كتعويضٍ صامت من الله، ليملأ فراغًا لم يكن يُحتمل.
كان وجوده هادئًا، مطمئنًا، يمنح الأُنس دون أن يطلبه أحد.
حين كان «سالم» منشغلًا خارج القصر، يحمل همّ القرية ومسؤولياتها الثقيلة، وحين كان «نصار» بعيدًا، كان «علي» هناك، حاضرًا، ثابتًا، كأن وجوده وحده يكفي ليُسكّن الوحدة.
كان أخًا بحق، وصديقًا بحق، لم يرَ منه سوى الخير، الخير الخالص الذي لا تشوبه مصلحة ولا انتظار مقابل.
أما «سالم»فكان قطعةً من قلبه لا يمكن اقتلاعها.
أخًا لا يُعوّض، ومعلمًا أول، وسندًا، وأبًا ثانيًا.
مجرد التفكير في فقده كان كفيلًا بأن يزلزل روحه.
لذلك خرج الدعاء من داخله بلا صوت: يا الله، احمه.
قطع هذا التيه صوت بكاءٍ متقطع، بكاءٍ يحمل في نبرته رجاءً مذعورًا. كانت «سميحة» تقف إلى جوار «حنان»، ودموعهما تنساب بلا توقف.
هتفت «سميحة» بذعرٍ اخترق المكان:
ـ حد خرج من الاوضة طمنكم علي جوزي وعلي نصار .
لم يأتِ الرد.
اكتفى «فارس» بهزّ رأسه نفيًا، حركة صغيرة لكنها كانت كفيلة بأن تهوي بالقلب.
ظلّت «سميحة» تدعو، يدها تضغط على صدرها، كأنها تحاول منع قلبها من الانكسار.
خرجت الممرضات من غرفة «همام»، وجوههن شاحبة، خطواتهن بطيئة، وكأنهن يحملن خبرًا أثقل من أن يُقال.
تقدّم «سراج» فجأة، سأل بعينيه قبل لسانه، لكن لم يجب أحد. وبعد لحظات خرج الجرّاح، نظر إلى «سراج» نظرة امتزج فيها الأسف بالعجز، وقال بصوتٍ خافت:
ـ البقاء لله يا حج، ادعيله .
شهقت النساء، وكادت «سميحة» تصرخ، لكن الصرخة انحبست في صدرها حين دوّى صوت والدهم، محمّلًا بصدمةٍ لا تصدَّق:
ـ همام مات؟؟ .
انسحبت الممرضات بحزن من الغرفة المقابلة، عيونهن تتجنب العيون، وكأن النظر صار اعترافًا مؤلمًا.
وقف «فارس» يحاول أن يسأل، أن يفهم، لكن الكلمات خانته، ولم يجب أحد.
وفي تلك اللحظة خرج «حازم». كان ينظر إلى الفراغ، وجهه جامد، وعيناه مطفأتان.
وحين وقعت عينا «فارس» عليه، تراجع خطوة إلى الخلف، رافضًا أن يسمع، رافضًا أن تُنطق الحقيقة.
كان «سراج» يكذّب إحساسه، يكذّب ما يراه في ملامح «حازم»، وسأله بصوتٍ يتوسّل الأمل:
ـ طمني علي بقي كويس؟؟ .
اقتربت «سميحة» فور سماع اسم زوجها، تتشبث بالكلمة كأنها آخر خيط للنجاة، لكن «حازم» خفّض نظره، وصوته خرج مكسورًا، يخفي بريق عينيه الممتلئ بالدموع:
ـ البقاء لله يا حج .
تراجعت «سميحة» خطوة، ثم أخرى، وصرخت بإنكارٍ موجع:
ـ انت كداب، حبيبي علي ميسبنيش لوحدي، حبيبي علي وعدني انه يبقي جنبي، حبيبي علي عمره ابدا ما يخلي بأي وعد .
كادت تسقط، لكن والدتها وزوجة أبيها «صفية» أسندتاها، وكلتاهما تبكيان، على حالها، وعلى الفقد الذي حلّ فجأة بلا رحمة.
ترنّح «سراج»، وكاد يسقط هو الآخر، لكن «حازم» أمسكه بقلق. هتف «سراج» بصوتٍ مبحوح وهو يبكي:
ـ لا اله الا الله، لا اله الا الله، إن لله وان اليه راجعون .
لم تحتمل «سميحة» أكثر. أطلقت صرخةً عالية اخترقت المكان، وحين خمد صداها، سقطت مغشيًا عليها، لم يقوَ قلبها على الفراق، ولا على المشهد.
في لحظة الغياب، تمنّت فقط أن يكون كل ما يحدث حلمًا، حلمًا ثقيلًا، لكنها ستستيقظ منه قريبًا.
اجتمع الممرضون على عجل، تتحرّك خطواتهم في الممر الضيق بسرعة مشوبة بالحذر، بينما كان الصمت الثقيل يخيّم على المكان كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها.
حمل «فارس» «سميحة» بين ذراعيه، كانت خفيفة على غير عادتها، جسدها مستسلم وملامحها شاحبة، وأدخلها الغرفة المجاورة حيث أُغلِق الباب خلفها بهدوءٍ مشحون بالقلق.
كاد «فارس» أن يتبعهم إلى الداخل، أن يظل قريبًا منها، أن يتأكد أنها بخير، لكن قدميه توقفتا فجأة حين لمح حركة غير متوقعة عند باب غرفة «سالم».
خرج الممرضون واحدًا تلو الآخر، ووجوههم خالية من أي تعبير، لا بشارة ولا نفي.
اما عند «سراج»
في تلك اللحظة، انعقد قلبه داخل صدره، وشعر أن الزمن كله توقّف عند تلك النقطة.
لم يسأل.
لم يجرؤ على السؤال.
كل ما تمناه، كل ما تشبّث به، أن يكون ابنه بخير، ابنه الذي كان أول فرحته، وأول ضوءٍ في حياته، وآخر أملٍ متبقٍّ من هذه الليلة الثقيلة.
وقف صامتًا، ينتظر، كأن الانتظار ذاته صار فعلًا من أفعال الرجاء.
كان ينتظر خروج ابنه «نصار» ينتظر أن يراه قادمًا نحوه، أن يسمع منه كلمة واحدة، أي كلمة، تطمئنه أن شقيقه قد نجا.
وحين رأى الممرضين يخرجون من الغرفة المجاورة دون أن يظهر «نصار»، ترك «سميحة» مع والدتها وزوجة أبيها «صفية» والممرضة التي انشغلت بفحصها، وابتعد خطوات قليلة، لكنه بقي في الممر، معلقًا بين الخوف والدعاء.
خرج وهو الآخر، لا يزال يتمسّك بآخر أمل، أمله في شقيقه الأكبر.
في الجهة المقابلة، كان «حازم» واقفًا يحدّق في باب الغرفة ذاته، عيناه لا تبرحان المقبض، كأن خروجه أو بقائه هو الفاصل بين الحياة والانكسار.
مرّت ثوانٍ ثقيلة، ثم دخل ممرضون مرة أخرى إلى الغرفة، و«نصار» لم يخرج بعد، فاشتد القلق في صدر «سراج» حتى كاد يخنقه.
ثم..
خرج «نصار».
تعلّقت به الأنظار في لحظة واحدة.
كان وجهه مرهقًا، شاحبًا، وكأن التعب قد استقر فيه إلى الأبد.
عيناه معلّقتان بالأرض، لا يرفع رأسه، لا يرى أحدًا، ولا يبدو أنه قادر على ذلك أصلًا.
خطواته بطيئة، مثقلة، كأن كل خطوة تحمل ما لا يُحتمل.
في تلك اللحظة، وصلت الإجابة، دون أن تُقال.
ترنّح «سراج» في وقفته، جسده لم يعد يقوى على الثبات، فسنده «نصار» سريعًا حين انتبه إليه، أمسك به قبل أن يسقط، وكأن ما تبقى من قوته اجتمع في تلك الحركة فقط.
رفع «سراج» عينيه إليه، وصوته يخرج مكسورًا، متوسلًا، يحمل وجع خسارةٍ ثالثة لا يحتملها قلبه:
ـ عشان خاطري قولي ان اخوك بخير وكويس، وهيطلع منها علي خير، عشان خاطري يا نصار .
و…..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية