رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 3 - الجمعة 5/6/2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل الثالث
تم النشر يوم الجمعة
5/6/2026
خرج "سالم" من غرفته وهو يُتمّ آخر لمسات ترتيبه، يرتدي ثوبه بعنايةٍ وكأنما يستعدّ للقاءٍ مهم لا مجرد نزهة معتادة مع "نصار".
جذب الباب خلفه، فانفتح أمامه الممر الطويل للقصر، تسبح فيه أنوار خافتة تتسلّل عبر المصابيح المعلّقة، وتلقي ظلالًا مرتعشة على الجدران المزيّنة بصور العائلة.
كان الجوّ ساكنًا، إلا من همسات الريح التي كانت تتسلّل من الشرفات العالية.
وما إن تقدّم خطوةً واحدة حتى اصطدم جـ ـسده بقوةٍ بجـ ـسد آخر، فارتدّ إلى الخلف جذبةً مفاجئة، واتّسعت عيناه بدهشةٍ لحظية ثم التقى نظره بنظرة "مروة".
كانت "مروة" واقفة أمامه وقد تراجعت خطوةً كاملة إلى الوراء، وكأن الأرض فقدت توازنها تحت قدميها.
اتّسع خمارها قليلًا بفعل الحركة، فبرز جزءٌ من وجنتها الخجولة التي احمرّت فورًا كحبة رمان قُطفت للتو.
كانت ملامحها الموروثة عن والدتها ناعمة، هادئة، تسكن فيها براءة نادرة، ورقّة تُشعر من أمامها أن العالم قد هدأ من حوله لحظة.
هتفت بارتباكٍ واضح، محاولةً أن تمنح المسافة بينهما بعض الحياء:
ـ حقك عليا يا سالم مشوفتكش انك طالع .
كان صوتها ضعيفًا، مرتبكًا، لكنه يحمل صدقًا شفيفًا يجعل كل كلمة تخرج منه وكأنها تتوسّل الصفح.
ردّ عليها سالم بصوتٍ هادئ، محاولًا أن يهدّئ ارتباكها ويطفئ شرارة الخجل التي اشتعلت في وجنتيها:
ـ لا ولا يهمك، انا اللي بعتذر .
لمعت عينا "مروة" بخجلٍ جميل وهي تبتسم تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تظهر إلا حين يخفق القلب فجأة، وقالت بتهذيبٍ وحياء:
ـ ولا يهمك انا كنت طالعه اناديك عشان خالتي كانت عايزك .
اقتربت كلماتها منه وكأنها تتحرك في هواء أثقل من المعتاد… فردّ بابتسامته اللطيفة هو الآخر، تلك التي لا تخفي طيبته:
ـ تمام انزلي وانا هحصلك، بس هروح اشوف نصار الاول.
لم تكد تكمل خطواتها نحو الدرج حتى التفتت إليه فجأة، وقالت بلهفةٍ خفيفة وكأنها تخشى أن تتركه في حيرة:
ـ لا نصار نزل من بدري .
توقّف "سالم" كما لو أن أحدًا أمسك بكتفيه، والتفت إليها ببطء، حاجباه معقودان بدهشة:
ـ نزل؟؟ ، طب متعرفش راح فين يا مروه؟؟
هزّت رأسها نفيًا بثقةٍ خالية من الالتباس، وقالت بصدقٍ لا يشوبه تردد:
ـ لا معرفش والله ، بس اللي اعرفه اني انا سمعت صوت عربيته وهي بتمشي من القصر .
عمّ الصمت لحظة… ثم ضرب "سالم" كفًّا بكفّ وكأنه تذكّر شيئًا، وراح يتمتم معها بصوتٍ شبه مسموع:
ـ تقريبا راح لفيروز، مع ان احنا متفقين امبارح نروح مع بعض، بس اعمل فيه اي .
ثم رفع رأسه إليها بلطفٍ معهود، وأشار لها بيده إشارة خفيفة تُشعرها بالراحة:
ـ طيب شكرا يا مروة تعبتك، انزلي وانا هنزل وراكي .
تحرّكت "مروة" لتنزل، وتبعها "سالم" خطوة بخطوة، لكن فجأة انشقّ الممر بصوتٍ حادّ، كأن الصمت تحطّم على صخرة، حين دوّى صوت امرأةٍ من خلفهما، يحمل من الحنق ما يكفي ليهتزّ له الجدار:
ـ الله الله عليكم .
التفت الاثنان ببطء، ووجوههما تمتزج بين الريبة والاستغراب، ليفاجَآ بوقوف "فايزة" أمامهما… عيناها تقدحان شررًا، نظرتها حادّة كالسهم، وشفتيها تتلوّيان باشمئزاز وهي تحدّق في "مروة" كما لو كانت تراقب خصمًا لا مهرب منه.
ثم هتفت بنبرةٍ لاذعة، قاسية، لا تحمل في طيّاتها سوى الاتهام والسُمّ:
ـ وانتِ يا بت مش هتجيبها لبر، ولا انتي نفوخك طار نساكي ان هو مكتوب كتابه عليا وبكره فرحنا، انتِ صنفك اي يا بت؟؟ .
اهتزّ قلب "سالم" داخل صدره من شدّة الانفعال، همَّ بأن يُطلق غضبه عليها، لكن "مروة" سبقته، وقد أصبح وجهها ممتقعًا من الصدمة، فهتفت بصوتٍ لم تعرفه من نفسها من قبل:
ـ والله انت اللي عقلك طار خالص، احترمي نفسك ولمي لسانك ده .
لكن "فايزة" لم تكن لتتركها تخرج بكرامةٍ من المشهد، فأطلقت كلماتها كسياطٍ حارقة، بصوتٍ يقطر شرًّا:
ـ مين ده اللي عقلها طار يا عاره الستات كلها، هو انتِ يا بت فاكرني زي فيروز، تسكت علي عمايل اختك، لا يا حبيبتي فوقي واعرفي انا مين، انا مش زيها، ومش هسكتلك تقربي لجوزي في الرايحه والجاية، ده علي اساس اني معرفش حركاتك ولا صنفك .
وبين أنفاسٍ محتقنة، وممرّ امتلأ بلهيب التوتر، كان المشهد يشتعل شيئًا فشيئًا، وكأن القصر نفسه بدأ يحبس أنفاسه مترقبًا الانفجار القادم
كانت الرجفة التي سرت في أوصال القصر أشبه بزلزالٍ صامت، بدأ من عند باب المدخل حين علت الأصوات، وامتدّ كشرارة نارٍ تلتهم الهشيم. الهواء نفسه بدا وكأنه يقف مشدوهاً، متجمداً بين الصراخ والدهشة، قبل أن يقطعه صوت "سالم" الهادر وهو يقف في بهو القصر الواسع، ودقات قلبه تتعالى كطبول حرب:
ـ عيب كده يا فايزه واحترمي انها في بيتنا وعيب اوي تكلميها كده وانا واقف، يا ستي علي الاقل احترميني .
خرج صوته مشحوناً بالغضب، كالرعد يضرب سقف المكان، ومع ذلك لم تهتزّ "فايزة" بل ازدادت تحدّياً، ووجنتاها اشتعلتا كالجمر، وعينيها تقدحان شرراً وهي تنفث كلماتها بوقاحة أحرقت الأجواء:
ـ بتقول عيب عليا انا؟؟ ، ما تقول لبنت خالتك اللي مش عامله حساب انك جوزي، مهو الزمان ده، اللي اختشوا ماتوا .
ارتد الصدى بين جدران القصر العالية، فخرجت "سميحة" كالصقر من عرينه، وقد دوّى صوتها من أعلى الدرج:
ـ في اي يا بت منك ليها، وانتِ يا بت سيد عامله دوشه ليه علي الصبح .
تهتز الأرض خطوتين تحت قدميها وهي تنزل، غاضبة، متهلة الأسارير، بينما "فايزة"تلتفت إليها بنظرة ملؤها السمّ، وتشير إلى "مروة" باحتقار فاضح:
ـ تعالي شوفي بنت خالتك المحترمه اللي كل شويه تكلم جوزي في الرايحه والجايه، فاكرني مش عارفه تصرفاتها ولا حركاتها دي .
وما إن لفظت "فايزة" جملتها حتى انفتح باب الصمت، وبدأت الجلبة تزداد؛ الخدم تجمعوا في الممرات، النساء يلتصقن بالسور الخشبي العلوي، العيون تترقب، تتسع شيئاً فشيئاً. كانت الدراما تتكثف في الهواء كالسحب قبل العاصفة.
وقفت "سميحة" في منتصف البهو وقد عقدت ساعديها أمام صدرها وكأنها تستعد لمعركة شرسة:
ـ اشوف واهبب اي علي دماغك يا بنت سيد، واحده بتكلم ابن خالتها اي المشكله في كده انا مش فاهمه، وبعدان حركات اي وتصرفات اي ما بلاش تتكلمي انتي يا بنت سيد .
ثم هبطت "صفية" و"حنان" مسرعتين من غرفهنّ، تكسو وجهيهما علامات الدهشة والخوف مما يجري. كان المشهد كأن أحدهم ألقى زيتاً فوق نار مشتعلة.
اقتربت "فايزة" فجأة من "سميحة" واقفة أمامها بجرأة تنم عن تهوّر، وكأنها تفتح باب الطوفان:
ـ طبعا انا بشهد مين علي مين، مهي صحبتك اكيد هدافعي عنها وتقفي جنبها، انما انا؟؟ ، هتموتي وتخلينا انا وسالم نفركش، ما انتوا طباخنها سوا .
صرخت "سميحة" كالبركان المتفجر، والتفتت إلى "سالم" لتُصبّ عليه غضبها أيضاً:
ـ طبعا ما انا هتوقع منها اي ؟؟ ، بنت سيد المقشفه دي، هموت واعرف يا سالم، حبيتها علي اي، دي ولا شكل ولا اخلاق، ولا حتي لسان ولا تربيه، صحيح مرايه الحب عاميه
ثم حدّقت في "فايزة" بنظرة ذئب جائع صادف فريسة مستفزة:
ـ والله يا بنت سيد يا بتعت النعناع انتِ، لو ملمتيش نفسك ودخلتي لسانك جوا بوقك متعرفيش هعملك اي .
كانت "صفيّة" تحاول تهدئة "سميحة"، فأمسكتها من ذراعها محاولة منعها من الهجوم:
ـ اهدي يا سميحه مش كده، لو ليكي حق يا بنتي هتاخديه، لكن مش بشكل ده .
أما "سالم" فكان صدره يعلو ويهبط كبحرٍ هائج، وملامحه تتصلّب كلما نظر إلى "فايزة".
وفجأة دوّى صوته كالسيف حين يُسل:
ـ طلاق تلاته لو مسكتيش يا فايزه، لارمي عليكي اليمين دلوقتي .
ساد الصمت، صمت يشبه الموت.
"فايزة" تجمّدت، حدقت فيه بعينين تتسعان مرتبكتين، وكأن الأرض سحبت الهواء من تحتها.
وفي اللحظة ذاتها كانت "سميحة" تبتسم ابتسامة صفراء، مدركة أنّ اللحظة المناسبة لضربتها قد حانت:
ـ مهي مش محترماك من البداية هتحترمك دلوقتي، هنتوقع منها اي بنت سيد، قليله الرباية .
كادت "فايز" تنفجر رداً، ولكن تهديد الطلاق كان كالسلسلة تلتف حول حنجرتها، فأطبقت شفتيها رغماً عنها، ومع ذلك لم تُخفِ غليانها في النظرات، ولكن نظرت الي «سالم» نظرات بريئة تستعطفه ولو قليلاً، وهنا ضحكت "سميحة" بسخرية قاتلة:
ـ بصوا نظراتها لسالم، بصوا بصوا، وبتقول لمروة حركات ومش حركات، دي مروة متجيش جنبها حاجه بنت سيد بتعت النعناعه دي .
التفت "سالم" إليها صارخاً بنبرة أمر:
ـ اخرسي يا سميحه وحطي لسانك جوا بوقك، كفايه لحد كده، خليتوا الناس كلها تتفرج علينا .
لكن "مروه" هذه المرّة تدخلت، وعيناها تتلألآن بالقهر:
ـ دلوقتي افتكرت الناس كلها بتتفرج؟؟، ومين بقي اللي خليهم يتفرجوا مش ست الهانم؟؟
ثم رمقت "فايزة" بنظرة اختلط فيها الجرح بالغضب:
ـ وانا مش هقول يا سالم، غير حسبي يالله ونعم الوكيل، فكل حد ظلمني وافترى عليا ، وبالأذن .
وغادرت كالسهم، تتبعها "حنان" تحاول احتواء حزنها.
أما "فايزة" فشهقت وهي تشاور على نفسها، مذهولة:
ـ دي بتحسبن عليا، وبتقول حسبي يالله ونعم الوكيل فكل حد ظلمهم، تقصد بيها عليا انا .
ضحكت "سميحة" عليها بسخرية باردة:
ـ كويس ان كل واحد عارف انه ظالم ولا لا، وفي مثال شعبي بيقول، اللي علي رأسه بطحه……
لكن نظرة واحدة من "سالم" أسكتتها.
فابتسمت بتصنّع وقالت:
ـ هو انا قولت حاجه يا اخويا، ده انا كنت بكلم مرات ابويا .
هنا التفتت “صفية” عنهم وهي تضع كفاً على الأخرى، كأنها تلطم على حال القصر، تتمتم بدعاء أن يعيد الله الهدوء، ولو قليلاً.
صعدت "سميحة" الدرج وهي تلعن "فايزة" بكل ما تملك من غضب واحتقار.
أما "فايزة" فتقدمت خطوة نحو "سالم" محاولة أن تُلين موقفه، لكنّه تراجع عنها بقسوة، وسبابته ترتفع تتحذّر كالسوط:
ـ إياكي، إياكي يا فايزة .
ثم استدار وغادر القصر كله… خطواته كانت تُسمع كوقع الطبول، تشق طريقها نحو الباب الكبير حتى اختفى.
وهناك… وقفت "فايزة"، جسدها يرتجف، ووجهها يشتعل غضباً وحنقاً، بينما تكتم دموعها بغيظ، وتكاد تنفجر وهي تصرخ داخلياً
❈-❈-❈
كان "فارس" على وشك أن يخطو إلى داخل بوابة قصره الضخم، ذلك القصر الذي تتلألأ أروقته تحت شمس الظهيرة وتفيض حدائقه الخضراء بروائح الياسمين والورد، غير أنّ قدماه توقّفتا فجأة حين وقع بصره على العمّال المنتشرين في الحديقة الواسعة.
كانوا يتحرّكون بجدّ ونشاط، يرفعون المقاعد ويزيّنون الأشجار ويعدّون المكان ليكون لائقًا باحتفال حنّة "سالم"، شقيقه الذي أحبّه أكثر ممّا أحبّ نفسه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة دافئة، ابتسامة رجل يرى الفرح يتشكّل أمامه، ثم تقدّم بخطوات هادئة بينما "حازم" يتبعه كتفًا بكتف، وهتف بنبرة مطمئنة مُتدلّية من قلبه:
ـ عايزين حاجه يا رجاله؟؟ .
رفع الجميع رؤوسهم نحوه، وبادلُوه ابتسامات ودودة، كأنّ وجوده وحده بثّ الطمأنينة في نفوسهم.
ردّ عليهم بابتسامة مماثلة، ثم أدار جسده ليدخل القصر من الداخل… لكنه ما لبث أن تجمّد في مكانه حين خرج "سالم"، وجهه يشتعل غضبًا يكاد يلمع في الهواء من شدّته.
ضاقت عينا فارس بحيرة، ثم هتف بصوت ممتلئ بالقلق الأخوي:
ـ مالك يا سالم؟؟ .
توقّف "سالم"، وكأنه يحاول إخفاء ما بداخله خلف جدار من اللامبالاة، ثم تنهد بعمق يشي بأن صدره مثقل، وهتف دون أن يرفع نظره:
ـ مفيش يا فارس، انا هروح اتمشي شويه .
ارتفع حاجبا فارس تلقائيًا، ونظر إلى الساعة في يــده، وقد ازدادت حيرته أكثر وأكثر:
ـ ازاي بس يا حبيبي وده معاد الغدا.
هزّ "سالم" رأسه رافضًا، وكأن الطعام آخر ما يمكن أن يفكّر فيه في تلك اللحظة، ثم تمتم بحدةٍ يائسة:
ـ مش عايز أكل .
استدار ليغادر كمن يهرب من شيء يطارده، لكن فارس لم يسمح له أن يرحل بهذه السهولة؛ مدّ يــده وأمسك به من ذراعه، ثم جذب ملامحه لمحة خفيفة من المزاح ليخفف عنه، وهتف بصوت حاول جعله مرحًا قدر استطاعته:
ـ عشان خاطري، لو ليا عندك خاطر عندك يا شيخ، والله ما كلت من امبارح ولو مكلتش ههبط منكم في الفرح، انتوا احرار.
ثم اقترب منه أكثر، وأحاط كتفه بحنان أخ أكبر لا يشبهه أحد، وأضاف بصوت امتلأ دفئًا وودًا:
وانت عارف ان النهارده العيد، يعني النهارده اللمة علي الغدا، عشان خاطري، وخاطر نصار يا شيخ، تعاله كُل، واي كان اللي مزعلك اي، الأكل ملهوش دعوه .
فتح "سالم" فمه ليعترض، ربما ليطلق كل ما يكبته، لكن القدر قطع عليه الطريق حين ظهر "نصار" فجأة.
كان وجهه غريبًا مزيج بين شرودٍ عميق وشيء يشبه الغيظ المكتوم.
مرّ بجانبهم كأنه لا يراهم، وكأن عقله ينشغل بحملٍ ثقيل يمنعه عن العالم، حتى أنه لم يلقِ عليهم نظرة واحدة.
تبدلت نظرات الجميع، وكلّ منهم لاحظ الأمر بوضوح.
هتف فارس بصوت اختلط فيه الغضب بالحيرة:
ـ هو في اي النهارده؟.
أجاب "سالم" وهو يحدّق في الفراغ، وكأنه يحاول فهم تلك الغيمة الثقيلة التي تحيط بـ"نصار":
ـ تقريبا كده فيروز نكدت عليه هي كمان .
ضحك "حازم" ضحكة قصيرة، ونظر إلى "سالم" بمزاح شقي وهو يهتف:
ـ ليه يا اخويا هو انت اتنكدت؟؟ .
اكتفى سالم بهز رأسه، لا يضيف كلمة، وكأن الكلام أثقل من أن يقال.
أما فارس فتنهد بعمق، ونظر إلى حازم نظرة تمزج بين السخرية والمرارة، ثم قال بنبرة عبثية:
ـ شوفت بقي يا حبيب اخوك، انا سينجل ليه؟؟ ، السناجل اللي زي حالاتي يجوا يشوفوا الهنا بتاع المرتبطين .
ابتسم "سالم" و"حازم"، ابتسامة خفيفة خجولة بددت بعض التوتر، ثم خطوا جميعًا نحو الداخل بخطوات سريعة، وكأنهم يتسابقون لمعرفة ما الذي حدث لـ"نصار"، وما الذي يعكر صفو هذا اليوم الذي كان من المفترض أن يكون يومًا للفرح.
❈-❈-❈
أفاقت "فيروز" ببطءٍ شديد، كأن روحها تُسحب من قاعٍ مظلم، لتجد نفسها في غرفةٍ يعُمّها السكون والعتمة.
رفعت نصف جسدها عن الفراش بتثاقلٍ مُنهك، بينما الهواء البارد يلامس بشرتها المرتجفة.
امتدّت يدها المرتعشة نحو زرّ الأباجورة بجوارها، وبمجرّد أن انسكب الضوء الخافت في أرجاء الغرفة، بدا المكان أكثر غربةً وأقلّ ألفة.
انتقلت نظراتها المرهقة إلى الأريكة المقابلة، حيث كانت "حياة" صديقتها المُقرّبة نائمةً بعمق، كأنها قضت الليل ساهرةً على ألمها.
حدّقت فيروز حولها، تتفحّص الجدران وأركان الغرفة وكأنها تبحث عن قطعةٍ من الذاكرة ضاعت منها.
ثم تنهدت بارتياحٍ خافت حين أدركت أنها في غرفة صديقتها، في بيتٍ تعرفه… رغم أن قلبها لم يعد يعرف الأمان بأيّ مكان.
مدّت يدها تلامس كتف صديقتها برفق، وهمست باسمها، تحثّها على الاستيقاظ. في لحظاتٍ قصيرة، فتحت "حياة" عينيها بسرعة، ونهضت تنظر إليها بقلقٍ واضح في نبرة صوتها:
ـ بقيتي احسن؟؟
اقتربت "فيروز" منها وجلست بجانبها على الأريكة، وكأنها تبحث عن شيءٍ تتشبّث به كي لا تنهار مجدّدًا.
وضعت يدها على جبينها وهي تهتف بحيرة، تحاول يائسةً أن تُمسك بخيطٍ واحد من آخر ما حدث… ولكن الصداع الذي يضرب رأسها بعنف يمزّق كل محاولة للتذكّر، يشتت كل شيء، ويُغرقها مجددًا في ضبابٍ خانق.
قاطعت "حياة" شرودها بنبرةٍ بسيطة هادئة، تحاول فيها أن تُطمئنها:
ـ مفيش حاجه، انتي جيتي عندي في البيت وقعدي تعيطي شويه وحكتيلي اللي حصل، وشربتك عصير ونمتي، بس.
تسارعت أنفاس "فيروز" مع استعادة ذاكرتها رويدًا رويدًا… اللحظة التي فقدت فيها قوتها، لحظة انهيارها.
Flash back.
استيقظت «فيروز» فجراً، مع أوّل نداءٍ للأذان، وصوتُ المؤذّن يتردّد ضعيفًا في خلفية أوجاعها.
فتحت عينيها على ألمٍ مفاجئ يجتاح جسدها كله، كأن عظامها تعاتبها وكدماتها تصرخ.
تذكّرت في تلك اللحظة يدَي والدها وهما ينهالان عليها ضربًا… لتنهض مرعوبة، تضع كلتا يديها على بطنها بخوفٍ أشد من الألم ذاته.
وبينما قلبها يدقّ كطبول القيامة، فُتح باب الغرفة ببطء، فارتجفت وكادت تسقط للخلف.
وعندما رأت "فايزة" تقف عند الباب بابتسامةٍ ملوّثة بالشماتة، شعرت بأن الأرض تهتز تحتها.
قالت فايزة، بنبرةٍ من تكره ولا ترحم:
ـ حمد الله علي سلامتك يا فيروز، متزعليش علي البيبي ان شاء الله هتجيبي واحد تاني بس في الحلال مع جوزك.
تجمّدت الكلمات في حلق "فيروز". لم تستوعب جملةً كاملة… سوى تلك الجملة التي اخترقت روحها كالسهم:
"متزعليش علي البيبي ان شاء الله هتجيبي واحد تاني؟؟"
ما معنى هذا؟
هل… هل فقدت طفلها؟
طفلها الذي كانت تضع يديها على بطنها كل ليلة وتبتسم؟
هزّت رأسها بقوة وهي تبكي، ترفض، تنكر، تكذب الحقيقة بكل ما تملك من بقايا روح:
لا… لم تخسره… لا يزال في أحشائها… هي تشعر به. تشعر به، فكيف تقول إنها فقدته؟ لا، لا… هي تكذب، لا بد أنها تكذب!
لكن "فايزة" تابعت بابتسامةٍ أشدّ خُبثًا، ونبرةٍ رغم شرّها، كانت صادقة حدّ الألم:
ـ لو مش مصدقاني فيكي تسألى الداية، ام فلة ، اللي بنفسها اللي قالت انك خسرتي الطفل.
عند تلك الجملة، انهارت "فيروز".
بكت كأن روحها تُنتزع من صدرها، شهقت كطفلة ضائعة، وضعت يديها على بطنها بقوة وكأنها تحاول حماية الفراغ الذي تركه طفلها خلفه.
وكأن الألم لم يعد ألم جسد… بل ألم أمومة خُطف منها قبل أن تبدأ.
راقبتها «فايزة» بلا شفقة، تستمتع بانكسارها، قبل أن يقتحم أبوها الغرفة. وما إن رآهت حتى فزعت، ركضت تختبئ خلف الفراش كطيرٍ مذعور يبحث عن مأوى. لكنه لم يبالِ، بل صرخ بقسوةٍ تحرق الهواء:
ـ اسمعي بقي يا بت انتِ، كفايه مناحه علي الصبح، روحي اتوضي، ويلا عشان نصلي صلاه العيد والكل يشوفك انك كويسه، وحسك عينك، بس اشوف دمعه من عيونك واحنا برا، ولو فتحتي بوقك ده بكلمه لقتلك واشرب من دمك انتِ فاهمه؟؟
كانت كلماته سيفًا يقطع ما تبقى منها. ارتجفت حتى شعرت أن قدميها لا تحملانها، لكن الخوف جرّها جرًّا لتنفيذ أوامره.
دخلت المرحاض وجلست على الأرض تبكي بصمتٍ يصرخ… تبكي طفلها، تبكي قلبها، تبكي قسوة العالم عليها.
ماذا ستقول لـ "نصار" الآن؟
كيف ستخبره؟
كيف تحمل ذنب شيء لم يكن ذنبها؟
وضعت يديها على قلبها الذي أصبح يوجع أكثر من عينيها… ثم سألت الله في ضعفٍ موجوع:
ماذا تقول يا الله؟
وظلّت تبكي طويلًا… طويلًا حتى شعرت أن دموعها جفّت، وبقي الألم وحده.
يقولون إن العائلة هي الأمان بعد الزوج
كيف؟
كيف وهي لم تجد في بيتهم أمنًا، ولا رحمة، ولا حتى ظلّ إنسان؟
سمعت "فيروز" دقات قوية متتالية على باب المرحاض، حتى كادت أن تنكسر، فارتجفت للخلف بخوفٍ وارتباك، وقد انسحبت قدماها على بلاط الأرض البارد، وهي تسمع صوت والداها من الخارج يهتف بغضب وعصبية كصاعقةٍ تهز أركان المكان:
ـ اخلصي يا بنت الـ *****، بدل ورحمه امك لجيبك من شعرك!
تجمعت دموعها في عينيها، لكنها حاولت أن تثبت نفسها، ووقفت لتتوضأ، يحاصرها الألم من كل جانب، وتحاول أن تكبح انفجار بكائها أمامه، وهي تدور في ذهنها كيف تهرب من قبضته، وكيف تقول لـ "نصار" كل ما جرى دون أن يعيقها أحد.
وبعد قليل، خرجت من غرفتها بعد أن ارتدت عباءة بلون السماء الفاتح، وطرحة بيضاء تلفت رأسها بالكامل، تخفي تحتها جذور شعرها المتعبة، وكل خطوة تخطوها على أرضية القصر الصامتة تتردد صدى خافتاً في أرجائه الواسعة.
حين خرجت، تأملها والداها و"فايزة" بعينين متحسستين لأي أثر للدموع أو ضرب، لكن "فيروز" أخفت كل أثر تماماً، كما أوصى والدها، بمهارة وهدوء كأنها قطعة زجاجية صافية لا تتصدع.
وبعد أن انتهى مراقبوها من تقييمها بصمت، خرجوا جميعاً دون أن ينطق أحد بكلمة، فتنفست "فيروز" بهدوء وهمست لشقيقتها:
ـ فين تليفوني يا فايزة؟
ردت "فايزة" بسخرية وباردة، دون أن تلتفت إليها:
ـ عايزني اديكي التليفون، عشان تكلمي حبيب القلب وتقوليله وتخربيها عليا، ده نجوم السما أقربلك، بابا خد التليفون ومش هيرجعهولك.
صمتت "فيروز" مكتئبة، وذهبت الأسرة إلى المسجد المخصص للنساء. بعد نصف ساعة، صلوا صلاة العيد.
كانت تحاول جاهدة أن لا تبكي، ولكن حين خبت على السجود وترددت على شفتيها كلمات "سبحان ربي الأعلي"، اجتاحتها دموعها بلا مقاومة، تساقطت على سجادة الصلاة بصمت، وهي تلفظها بين نحيب مكتوم وكأنها سرٌ لا تشاركه مع أحد.
وما أن قامت لتكمل صلاتها، مسحت دموعها ببراعة، حتى شقيقتها التي كانت تصلي بجانبها لم تلاحظ أي أثر للدموع.
وبعد قليل، انتهت الصلاة، وهدفت "فايزة" لها بصوت منخفض لكنه حاد كالحديد:
ـ روحي على بيت صحبتك دلوقتي، ومتلعبيش بديلك وتروحي لـ نصار، عشان أبوكي كلف واحد يقابلك، ولو روحتي حته غير الحته بتاعت صحبتك، مش هتلحقي توصلي وابوكي يجيبك من شعرك قدام القرية كلها، وساعتها أبوكي هيتكلم ان هو بيعمل كده عشان خونتي نصار، وانتي عارفة لو نصار عرف بحاجه زي كده هيعمل فيكي إيه.
وختمت جملتها بابتسامة شامته، عينيها تتلألأان بسخرية مريرة، وهي تنظر إلى ملامح "فيروز" الحزينة والخائفة. غادرت على الفور، تاركة وراءها صمتاً ثقيلاً يخنق الأجواء، حتى توجهت "فيروز" إلى بيت صديقتها، كل خطوة تخطوها كانت مليئة بالقلق والخوف.
شعرت بشخص يراقبها من خلفها، فالتفتت بحذر لتجد شاباً في أوائل العشرين، يراقبها بعينين ثابتتين، فاستنتجت فوراً أنه يتواصل مع والديها، ليبلغهم بمكانها.
فكرت سريعاً في أن تسلك طريقاً آخر لتصل إلى القصر، حيث تستطيع أن تقول لنصار كل شيء حدث، بعيداً عن أعين والدتها وشقيقتها و"باسم" الذي سيكذب ليجعلها تبدو مذنبة أمامه.
استجمعت شجاعتها، وخطت خطواتها بخفة وحيطة، حاملة قلبها الموجوع وهمسها الخافت معها.
وصلت أخيراً إلى بيت صديقتها، وأدركت أن الشاب خلفها يتحدث على الهاتف، ومن المؤكد أنه يبلغ والديها بوصولها.
قطع تفكيرها صوت فتح الباب، وإذا بصديقتها تفتح لها بترحيب حار، فتقدمت "فيروز" ودخلت الغرفة وجلست، تنهار أخيراً أمام صديقتها، تحكي كل ما جرى لها، وهي تذرف دموعها بحرقة، وصديقتها تحاول مواساتها، تعطيها العصير لتخفف عنها، حتى لم تشعر بنفسها إلا وقد استرخت روحها قليلاً وسط أمان الصديقة.
End Flash back.
ردت عليها "فيروز" وهي تمسك رأسها بألم ينهش عقلها:
ـ راسي مصدعه اوي يا حياة.
نظرت إليها "حياة" بهدوء وحنان، تحاول أن تبث فيها شعور الاطمئنان:
ـ اكيد رأسك هتصدع، من العياط اللي انتِ عيطتيه، اهدي شويه وانا هقوم اعملك قهوة تفوقك شوية.
وبالفعل، رفعت "حياة" قدميها عن الأريكة وتوجهت نحو المطبخ لتجهز لها القهوة، تاركة "فيروز" تغوص في بحر أفكارها، تحاول أن تجمع شتات قلبها وتخطط لكيفية أن تحكي لـ "نصار" كل ما حدث، وهي تتأمل العالم من حولها بعينين تحملان أثقال الخوف والألم والقلق.
❈-❈-❈
جلس «إيهاب» بعد أن فرغ من صلاته بهدوء أمام مدخل المنزل، وأمامه الشارع الصغير الذي يلتف حوله سكون الصباح، يملؤه نسيم بارد يلفح وجهه بخفة ويوقظ في صدره إحساسًا بالراحة والطمأنينة.
أغمض عينيه للحظة واستنشق الهواء النقي، مستمتعًا بالصمت الذي يكسره فقط خرير مياه نافورة الحديقة المجاورة.
ابتسم في نفسه وهو يستحضر صورة «فيروز» التي اتت الي عقله وهي خارجة من المسجد، تلك اللحظة التي غرست في قلبه شعورًا دافئًا من الحنين والاشتياق، وشكر الله على هذه اللحظة الصغيرة التي جعلته يراها اليوم.
ومع هذه الأفكار، عاد إلى وعيه صوت شقيقه «باسم» الحاد الممزوج بالفضول، يكسر صفاء الصباح:
ـ اي اللي مقعدك هنا؟؟
رفع «إيهاب» رأسه عن الأرض، وأجاب بصوت هادئ يتمازج مع النسيم الذي حوله:
ـ عادي، قولت اقعد شويه قدام الباب في الهوا ده.
اقترب «باسم» وجلس بجانبه، ونظره مشوب بالحدة وكأن وراء السؤال ما وراءه أسرار:
ـ مشوفتش نصار؟؟
ارتفع حاجبا «إيهاب» بدهشة طفيفة من هذا السؤال، محاولًا أن يقرأ ما وراء نبرة شقيقه الغامضة:
ـ لا مشوفتوش، او يمكن مخدش بالي منه، ليه هو في حاجه؟؟
ارتعشت ملامح «باسم» قليلًا وأضفى على صوته نبرة التحذير والبرود، وكأن وراءه تهديد خفي:
ـ متتكلمش مع نصار، إياك تتكلم معاه.
ضاق «إيهاب» عينيه، وزاد الفضول والحيرة في داخله، محاولة فهم السبب وراء هذا المنع المفاجئ:
ـ اشمعنا؟؟؟
نهض «باسم» من جانبه وهو يتحدث ببرود وبلهجة أمر لا تقبل النقاش:
ـ عشان اخوك الكبير عايز كده.
وختم حديثه دون أن يضيف كلمة أخرى، واتجه نحو البيت، تاركًا «إيهاب» واقفًا في صمت الصباح، تتلاعب بأذنه نسمات الهواء البارد.
وقلبه يفيض بالحيرة، فهو لم يسبق له أن رأى «باسم» يأمره بعدم التحدث مع «نصار»، وهو يعلم أن علاقته مع «نصار» دائماً ما قامت على الاحترام المتبادل والذوق الرفيع في الحوار.
وقف «إيهاب» للحظة، عيناه تتبعان شقيقه وهو يدخل البيت، وفكر في نفسه
كيف يكون هناك أمر ما بين «نصار» و«باسم» يستدعي هذا التحذير؟ وما هو ذلك الشيء الذي لم يعرفه بعد؟ شعور بالقلق والفضول تغلغل في قلبه، وتركه واقفًا هناك، في مواجهة نسيم الصباح والشارع الهادئ، يفكر ويحاول أن يلتقط خيط الحقيقة من بين صمت الشارع وحديث الشقيق الغامض.
❈-❈-❈
دخل «سالم» و«فارس» و«حازم» خلف «نصار» إلى الغرفة، والفضول يملؤهم لمعرفة ما به، لكن ما استقبلهم إلا مشهد مهيب وهادئ في الوقت ذاته
«نصار» مستلقي على فراشه وقد تبدلت ملابسه، ملامحه تحمل أثر التعب والسكينة، وكأن النوم يحتضنه بعد يوم طويل مرهق.
اقترب «فارس» وهو يضحك بخفة ويهتف بمزاح يحاول به كسر جو الغرفة الهادئ:
ـ لا متستعبطش، وتعمل نفسك نايم، عشان من شويه كنت لسه صاحي.
رد «نصار» بهدوء، عينيه نصف مغلقتين، وكأنها رسالة صامتة عن رغبة في الانعزال:
ـ عايز اي يا فارس؟
عاد «فارس» بمزاح ممزوج بحدة طفولية، وكأن الجوع امتزج بفضوله:
ـ فارس جعان، ومأكلش من امبارح، ياريت نلم نفسنا، ونقوم نأكل لقمه عشان فارس كمان يقوم يأكل لقمه.
تنهد «نصار» تنهيدة مسموعة، صادرة من صدره، ومع أنها خرجت بصوت مسموع، إلا أن قلبه كان يئن بخلاف ذلك:
ـ مش جعان يا فارس.
كاد «فارس» أن يرد، لكنه قُطع بهدوء شديد من «نصار»:
ـ ومتكملش بالله عليك، تعبان وعايز انام بجد، ولسه بعدها بشوية هقوم عشان حنه اخوك، وانت عارف ان من امبارح كان اليوم طويل ازاي، في شويه كده لو جوعت هأكل انا.
اقتربت يد «سالم» من كتف «فارس» برقة، أوقفته، وعيونها تنقل له الحنان والحكمة:
ـ قوم يا فارس، سيب اخوك نايم، نصار تعبان، ومحتاج ينام فعلا.
همس «حازم» وهو يراقب صديقه المتعب، صوته منخفض ولكنه مليء بالعاطفة:
ـ ايوا وانا فعلا بقول كده، سيب نصار نايم، وشويه كده ابقي رخم عليه براحتك.
استوعب «فارس» الحديث وغادر مبتعدًا، وتبعه «سالم» دون صوت، بينما «حازم» كاد أن يغادر ولكنه توقف للحظة، يلتفت إلى «نصار» الذي بدت عليه علامات أنه بحاجة للانعزال والتفكير بمفرده.
أغمض الباب خلفه، فملأ الصمت الغرفة، واختلط مع همسات الهواء البارد من الشباك المفتوح قليلاً.
فتح «نصار» عينيه، وقد تلونتا بالحمرة، كأنهما تحملان أثر المشاعر المكبوتة، جلس نصف جلسة على الفراش، وهو يحاول جمع شتات أفكاره وضميره المتوتر بما حدث منذ قليل.
وسأل نفسه سؤالًا واحدًا يتردد صداه في قلبه:
لماذا؟؟؟
لماذا «فيروز» تخونه بهذا الشكل؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟
تملأ صراعاته قلبه وعقله، شعور متناقض بين الغضب والحيرة، بين الرغبة في الصراخ وتحطيم كل شيء حوله، وبين الحاجة للانتظار والصبر.
كان يتخيل كيف يصرخ، كيف يقلب الغرفة رأسًا على عقب، كيف يواجهها ويطرح سؤالًا واحدًا
لماذا فعلت ذلك به؟
ولكنه لم يستطع، لم يستطع أن يتصرف impulsively، فهناك فرحة شقيقه «سالم» تنتظره غدًا، وحنانه الليلة مكرس لشقيقتها.
لم يكن يستطيع أن يفسد الفرح الذي يملأ قلوب العائلة اليوم.
لذلك قرر الصمت، والانتظار. سينتظر حتى يتمم شقيقه فرحته بزواجه، ثم سيواجه «فيروز» بكل ما في قلبه من ألم وغضب، وسيحاسبها على خيانتها عندما يحين الوقت المناسب.
❈-❈-❈
بعد ساعاتٍ طويلة امتدّ فيها الليلُ بثقله ودفئه ورطوبته، كان هواء القرية يختلط بأصوات البشر وروائح الطين المحمل بندى منتصف الليل، حتى بدأت أجواء الفرح تتّقد كالجمر تحت ريحٍ خفيفة، تتلألأ وسط ظلام الريف الهادئ.
امتلأ المكان بزحمة الأقدام، وبضحكات الرجال، وبتلك الحماسة التي لا تشتعل إلا في أفراح الصعيد، حيث تتمازج الشهامة بالصوت المرتفع، والرقص بالفخر والعصا.
بدأت الأغاني الصعيدية تملأ الأجواء كأنها نبضٌ جديد للقرية، صوت الدي جي يمتد مع نبض الطبول، رجالٌ وشباب يرقصون بالعصاين، يتمايلون بخطواتٍ محسوبة وكأن الأرض ترتجف تحت ثباتهم.
كان «نصار» وسط الدائرة، يرقص بالعصا على نغمةٍ سريعة، كتفاه ترتفعان وتهبطان بانضباط، بجواره شقيقه «سالم» الذي يحتفل بليلته الخاصة، ووالدهما الذي ما زالت هيبته تفرض حضورها على كل من يراه.
كانت أنفاس «نصار» ساخنة من الحركة، وقلبه رغم الرقص يعاني تلك الغصّة التي لم يشفَ منها منذ ساعات، إلا أنه كان يُخفي كل شيء بابتسامة واجبة لأجل أخيه.
أما «فارس»، فوقف بعيدًا قليلًا، يحمل هاتفه ويصوّر المشهد بكل انبهار؛ لم يعرف هذا النوع من الرقص أبدًا، لذلك اكتفى بالمشاهدة، يبتسم وكأنه يرى شيئًا أسطوريًا يحدث أمامه.
وعلى مقربةٍ منه كان «علي» يصفق بحماسٍ شديد، تصفيقًا كأنه يشارك بالروح ولو لم يرقص بالجسد.
وفي مكانٍ آخر، ليس بعيدًا، لكنّه مختلفٌ تمامًا عن صخب الرجال..
كانت الزغاريد ترتفع في شقّة «فايزة»، كأنها سهام من فرح تُطلق إلى السماء.
النساء يتحركن حول العروس، ورائحة الحناء تملأ الأجواء، دافئة كالذكريات، قوية كرائحة الأرض بعد المطر.
كانت «فايزة» ترقص مبتهجة، يداها تتحركان برشاقة وهما مزينتان بنقوش الحنة الداكنة، تتلوى على أنغامٍ شعبية ترتفع من هاتفٍ ما.
أما أختها، فكانت تصفق بإيقاع الحزن المتخفي، تصفق لجسد يرقص وروحٍ تبكي من الداخل على ما فقدته وما تعانيه.
بعد مدة، دخلت صديقتها تحمل كوب عصير، وعيناها ترصدان «فيروز» التي تجلس بثوبٍ أسود ضيق عند الخصر ثم يتسع بانسيابية، ويُظهر جمالها دون مبالغة.
كان وجهها مزيجًا بين الإرهاق والجمود، مكياج خفيف ولكنه يكشف ملامحها أكثر مما يخفيها.
قدّمت لها صديقتها العصير، فهتفت «فيروز»:
ـ مش عايزه يا حياة.
لكن «حياة» لم تتراجع، بل تقدمت بخطوة، وصوتها يحمل إصرارًا وقلقًا يخترق القلب:
ـ لو مخدتيهوش دلوقتي وشربتيه ، هصوت والم عليكي الستات واقولهم الحربايه دي عملت فيكي اي.
اضطرت «فيروز» أن تأخذه، شربته دفعة واحدة بينما عينا «حياة» و«فايزة» تراقبانها بدقةٍ تشبه الترصد.
وحين أنهت الكوب، قالت بمزاحٍ باهت:
ـ شربته مسمعش صوتك بقي.
لم تكد تنهي جملتها حتى بدأت تضحك بلا سبب، ضحكة خفيفة ثم أعلى، كأن شيئًا ما يهتز داخل عقلها.
تلاقت نظرات «فايزة» و«حياة»، نظرة تفهّم مُريب، قبل أن تأخذ «حياة» بيد «فيروز» وتسحبها للخارج.
كانت «فيروز» بلا حجاب، وشعرها يتناثر على كتفيها، وخطاها تتمايل كأن الأرض تميل معها.
أمسكتها «حياة» من ذراعها وهتفت بلهفة:
ـ فيروز اسمعيني، انتِ لازم دلوقتي تروحي عند نصار تقوليله كل حاجه، فايزه وابوكي مش ساهلين دول كانوا عايزين يتفقوا معايا يأذوكي، بس انا رفضت طبعا، لازم تروحي الفرح وتحكي لنصار كل حاجه يعرفها انتي فاهمه.
هزت «فيروز» رأسها ببطء، والابتسامة تتسع دون وعي، وعيناها نصف مغمضتين:
ـ فاهمه …… لازم اوصل لنصار عشان اقوله انه فايزة سقطتني كده حلو؟؟
هتفت «حياة» بسرعة وهي تشير للطريق:
ـ ايوا روحي من الطريق، وادخلي في شارع اللي بعده شمال مش يمين عشان تلاقي الفرح في وشك انتي فاهمه.
هزت رأسها ثانية بطريقة هستيرية:
ـ فهمت، فهمت، هدخل في شمال مش يمين.
وقبل أن تتركها، مالت «فيروز» وقبّلت خد «حياة» قبلة سريعة مرتبكة، ثم لوحت لها بيدين ترتعشان.
خرجت إلى الشارع الطويل.
الليل كان مظلمًا حدّ الرهبة، والشارع خالٍ إلا من أعمدة إنارة متباعدة تُلقي ضوءًا شاحبًا.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، نصف القرية نائم، ونصفها الآخر في فرح «سالم».
كانت خطوات «فيروز» غير متوازنة، تضحك مرة، وتتعثر مرة أخرى، وشعرها يتحرك مع الهواء كأنه يهرب من رأسها.
بعد دقائق وصلت إلى مفترق الطرق…
شارع أيسر…
وشارع أيمن.
وقفت تتأرجح، ورفعت إصبعها تحاول التذكر:
ـ هي قالتلي ادخلي في يمين مش شمال.
واختارت الطريق الخطأ
سارت باليمين تتمايل، تكاد تسقط، والدوخة تضرب رأسها رويدًا رويدًا، حتى جاء نور سيارة قوي اخترق عينيها فجأة.
وضعت يدها على وجهها، جسدها يهتز، ثم سقطت على الأرض.
توقفت السيارة أمامها بفرملةٍ حادة.
فتح السائق الباب بسرعة، نزل يركض نحوها…
وكانت المفاجأة، «إيهاب الصايغ».
اقترب منها، قلبه ينهار من منظرها، شعرها، ارتباكها، سقوطها بهذه الطريقة.
انحنى إليها ينادي بقلقٍ حاد:
ـ فيروز، اي اللي عمل فيكي كده، ومالك.
لم تتعرف على الصوت فورًا
كان عقلها يدور كالدولاب.
وعندما حاول مساعدتها على الوقوف، نظر حوله يبحث عن أحد
امرأة تساعدها، فهو لا يريد لمسها او يقترب منها لان ليست حلاله .
لكن الشارع كان فارغًا كصحراء.
لذلك اضطر أن يمسك يديها، رفعها بلطف، فوقفت ببطء
نظرت لوجهه
ولكن عقلها المشوش رأى «نصار» بدلاً من «إيهاب».
اقتربت منه فجأة، أرتمت على صدره بعناقٍ مفاجئ جعل «إيهاب» يتجمد بالكامل:
ـ حبيبي انت جيت، انت وحشتني اوي.
اتسعت عيناه
جملتها كانت كطعنة في صدره، ليست له، ليست من عقلها
حاول أن يبعدها، لكنها تشبثت به أكثر، تبكي، وتتكلم بصوتٍ مكسور:
ـ مش هسيبك تاني، انا اتعذبت في بعدك، وبعدك ملهوش لا فرح ولا أمان، خدني معاك انا بجد تعبانه منهم اوي.
كان قلب «إيهاب» ينهار من الخوف عليها، بينما جسده ثابت، عاجز.
ولكن
على بُعد أمتار
كان نصار يقف في الظلام، يرى يسمع يتفتت.
عيناه اشتعلتا.
وجهه احمرّ بلون الدم.
كل ما يخشاه أصبح حقيقة واضحة أمامه.
خيانة
أمام عينَيه
اقترب خطوة
ثم أخرى
كان على وشك أن يهجم عليهما، أن يقتل كل شيء…
لكن هاتفه اهتز
رقم «سالم».
أخوه
الذي يصمت لأجله
الذي يكسر نفسه لأجل فرحته
توقف «نصار».
نظر مرة أخيرة
رأى «إيهاب» يُدخل «فيروز» السيارة، يغلق الباب عليها، يركض للمقعد الآخر، يقود ويهرب بها بعيدًا
ثم اختفى الضوء، اختفت السيارة، واختفى آخر خيط يمسك به قلبه.
سقط «نصار» على الأرض…
جثا على ركبتيه…
وبكى…
بكى كبكاء طفل فَقَدَ صـ ـدر أمه.
بكى بحرقة، وصدره يعلو ويهبط كأن روحه تريد الخروج.
كانت عيناه لونهما أحمر قاتم…
لون الغضب…
لون الانكسار…
لون رجلٍ يتحطم بالكامل.
❈-❈-❈
كان الليل قد أسدل ستاره الثقيل على أرجاء القرية، وتلاشت أصوات الضحكات شيئًا فشيئًا بعد أن كان الفرح يعجّ بها قبل ساعات.
خفَّت الأضواء المعلقة على جنبات المنازل، وانطفأت الطبول، وعاد كلٌّ إلى بيته محمّلًا منهمًا بذكرى الاحتفال الذي هزّ أركان القرية.
الهواء صار رطبًا وباردًا، وكأن الليل نفسه يستعد لاحتضان الهدوء ما بعد العاصفة.
قد انتهى الفرح والأحتفال، والناس غادرت بيوتها، وظل «سالم» يقف في ساحة الحديقة التي كان به الأحتفال، كمن فقد شيئًا مهمًّا بين ظلال الليل، هاتفه في يده يلحّ بالاتصال مرة تلو الأخرى.
كان وجهه ممتقعًا، شفاهه تتحرك بقلق، حتى التفت إلى «علي» يتأفف بنفاد صبر، وصوته يحمل ارتباكًا واضحًا:
ـ مش بيرد يا علي اعمل اي دلوقتي؟؟
كان «علي» يجلس على الكرسي الخشبي خلفه، متكئًا عليه بظهر ثقيل، ينظر إلى «سالم» بعينين نصف مغمضتين من التعب:
ـ معرفش والله انا سألته رايح فين، قالي انا هجيب سجاير .
رمق «سالم» صديقه بنظرة ضيق، وكأن الكلمات لا تدخل عقله:
ـ وهو من امتي بيشرب سجاير؟؟ .
تدخل «حازم»، وهو يعقد ذراعاه أمام صدره، وعيناه تنخفضان أرضًا وكأنهما تسترجعان ما مرّ به «نصار» في هذا اليوم:
ـ بيشرب السجاير وقت ما يكون متضايق .
عمّ الصمت لحظة، قبل أن يكسره «همام»، الذي ظهر من خلف السيارة وهو يلوّح بيده بملل، صوته يحمل سماجة لا تخلو من اللامبالاة:
ـ يا جماعه متعصبونيش، هو نصار ده عيل صغير هندور عليه، تلاقيه بيتمشي هنا ولا هنا ولا بيكلم مراته، ما كفايه بقي .
بدت على الجميع علامة الانزعاج من طريقته، لكن «فارس» قال ببساطة، كاشفًا جانبًا يعرفه الجميع:
ـ فعلا نصار مش بيرد علي تليفونه وقت اللي بيكون مع فيروز .
انتقلت الراحة بين الوجوه كأنهم وجدوا مخرجًا، وزفر «سالم» بقوة، ثم مسح على وجهه، وكأن كاهل الخوف اختفى عنه. أما «فارس» فرفع يده باعتذار صامت، وهتف بنبرة مرهقة:
ـ طيب يا شباب انا رايح انام، يلا تصبحوا علي خير .
تحرك ببطء نحو الطريق، لكن «همام» صاح فجأة، بنبرة مستغربة:
ـ هو انت مش جاي معانا؟؟
توقف «فارس» ونظر لهم بحيرة حقيقية:
ـ ليه انتوا رايحين فين؟؟
اقترب «همام» منه، واضعًا يده على كتفه وكأنه يكشف سرًّا خطيرًا:
ـ هنحتفل بسالم بحفلة توديع العزوبيه، هنلف كده بالعربيه شويه، ونغني ونشرب ونيجي .
ابتسم «فارس» ببرود، وهز رأسه:
ـ لا يا حبيبي مش بشرب وانا عندي شغل بكره الصبح هلحق اخلصه عشان فرح سالم، يلا بقي وقتكم خلص، تصبحوا علي خير .
اختفى «فارس» خلف التواءات الطريق، تاركًا خلفه صمتًا قصيرًا، قبل أن ينفجر «همام» قائلاً بطريقته المعتادة التي تحاول مزج المزاح بالوقاحة:
ـ انا حساس ان الواد فارس ده Good Boy .
نظر له «حازم» بعيون ضيقة:
ـ ليه امال انت اي؟؟
نفخ «همام» صدره بتفاخر شديد، وعدّل لياقة قميصه:
ـ انا Bad Boy .
لم يستطع «علي» ولا «سالم» كتم ضحكتهما حين همس «حازم» بنبرة منخفضة نقلتها الريح إليهما:
ـ والله انت محصلتش Boy اصلا .
ضحك الجميع قليلًا، وكأن الهواء ارتخى حولهم، ثم وقف «علي» ومسح على بنطاله:
ـ انا كمان رايح انام اشوفكم بكره بقي، يلا تصبحوا علي خير .
غادر «علي»، وبقي «همام» وسالم»، وحدهما، قبل أن يهتف «همام» وهو ينظر إلى «علي» يبتعد:
ـ الباشا بقي هيسيبنا ويخلع زي اخواته ولا هيكمل معانا ويبقي شطور .
ضحك «علي» من بعيد، ورفع يده دون أن يلتفت:
ـ لا هبقي شطور .
وبعد دقائق، كانوا الثلاثة داخل السيارة، الليل ينعكس على زجاجها مثل لمعة حادة متوترة.
جلس «همام» خلف المقود، و«سالم» بجانبه، و«علي» خلفهما.
وما هي إلا لحظات حتى بدأت رائحة السجائر تملأ المكان، تختلط بدخان الأصناف التي أشعلها «همام» وهو يضحك ضحكته الشهيرة.
اشتد دخان الحشيش، وتغلغل في صدورهم، حتى إن «علي» الذي لم يدخّن، وجد نفسه بعد دقائق يضحك بلا سبب، يضرب على المقعد بيده كطفل فقد السيطرة على نفسه.
السيارة بدأت تترنح يمينًا ويسارًا، كأنها تغرق وسط بحر أسود، والرؤية أمامهم تبهت، خصوصًا عند «همام» الذي ارتخت جفونه وبدأ بصعوبة يتمالك الطريق، حتى قال «سالم» وهو يبتسم نصف ابتسامة، غير واعٍ لما يقول:
ـ انت سكرت ولا اي ما تمشي عدل .
فتح «همام» عينيه نصف فتحة، وضغط على المقود بحماس:
ـ انا بمشي كده عشانكم يا عبيط، عشان لو مشيت بسرعه، هتخافوا وجسمكم يترعب .
ختم جملته وجدهم يضحكوا له بأستخفاف من كلماته، لذلك زاد السرعة فجأة، وصوت المحرك علا في سكون الليل مثل صرخة ممزقة، وضحك بصوت عالٍ:
ـ قولتلكم هتخافوا .
وفي لمح البصر، من بين الضحكات والصراخ، شهق «علي» خلفه، شهقة أطاحت بالضحك كله، حين رأى سيارة أمامهم مباشرة، كأنها ظهرت من قلب الظلام.
حول «همام» المقود محاولة يائسة، وانحرفت السيارة كوحش مذعور، وصوت احتكاك العجلات أطلق صرخة مدوية عبر الأسفلت.
ومع أنهم نجحوا في تفادي السيارة الأولى، إلّا أن الكارثة لم ترحمهم
سيارة أخرى، سريعة، انطلقت من الجانب مثل سهم قاتل، واصطدمت بهم بقوة حارقة.
ضربة واحدة
ثم انقلاب
ثم صرخة معدنية طويلة
السيارة تنقلب
مرّة
مرّتين
أربع
ست
والليل يبتلع صرخاتهم.
وبعد آخر انقلاب، ساد الصمت.
صمت مخيف
ثقيل
موحش
كأن العالم حبس أنفاسه.
لم يعد يُسمع داخل السيارة أي صوت
لا ضحك
لا صراخ
لا أنين
لا حياة.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية