رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 2 - الجمعة 5/6/2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026
قراءة رواية قسوة نصار كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية قسوة نصار
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة توتا محمود
الفصل الثاني
تم النشر يوم الجمعة
5/6/2026
ـ لا يا خالتي ، انا عايزه اليبي ينزل فاهمه ؟؟ ، البيبي هينزل يا خالتي .
نظرات "حمدية" ارتسمت عليها علامات الاستفهام، ووجهها أخذ لون الحيرة المُحترِق:
ـ يعني ايه ؟؟ .
أجابت "فايزة" بصوتٍ خافتٍ، كأنها تُفشِي سرّاً من حنايا جهنم:
ـ يعني اعملي اي حاجه ، عشان البيبي ينزل ، والا ورحمه امي لكون قاطعه رزق بنتك وامشيها من القصر بفضيحه ، لكن لو سمعتي كلامي ، المرتب هيجيلك ضعفين ، سواء بقي بنتك اشتغلت في القصر او لا .
كانت تهتف كمن يلوّح بورقة دينٍ على صدر متّهم، كل كلمةٍ منها مَصوغَة بدقّة لتخيف، تُوقِع، وتبتز.
ثم لعبت عليها مرةً أخرى ببرودٍ مُتزايد:
ـ وفكري كويس ، فله بنتك متعلقه بقرارك دلوقتي .
في أركان الغرفة، "فيروز" التي كانت غائبة عن الوعي، رُقّ قلبها في ذاهلة؛ الشاش يلتصق بوجهها، ويداها ترتعشان كأوراق الشجر في رياح بردٍ جانبي.
ارتعشت يداها شيئاً، فتأرجح العالم حولها بين ضوء المصباح الخافت وصراخ داخليٍّ بلا صوت.
همست بصوتٍ به ارتعاش وخوف:
ـ طيب لو عملت اللي بتقوليه عليه ده ، حد هيعرف بحاجه ؟؟.
السؤال الأخير وقع في الغرفة مثل حجرٍ في بركةٍ صامتة.
التوتر تشنج في الهواء لبرهة؛ حتى صوت "حمدية" الذي كان سابقاً مهنياً، أصبح الآن حَبْرَة بين الشك والحرج فهي لم تُربَّ على أن تكون طرفاً في مكائد، لكنها الآن تقف بلطفٍ مهني أمام خيارٍ أخلاقي مرعب.
عين "فايزة" لَمْ تبتعد عن وجه "حمدية" لثانية؛ كانت تستقصي ملامح الرهبة والبحث عن أي نقطة ضعف تُخرِجها من صمتها.
ابتسامةٌ باردة خفّفت ثغرها للحظة، ثم همست كأنها تُقِرّ بالاتفاق المُنوط:
ـ ما تخافيش يا خالتي، مش مخلوق هيعرف... احنا نعملها كأنها حادثة، ولا حد يفهم حاجة.
لكن "حمدية" بين نبضةٍ ونبضة كانت تُقلّب في صدرها حقيبة الإسعاف بأصابعها، تبحث عن حل طبي لا جنائي، تبحث عن سلامة "الفتاة" قبل كل شيء.
دمعة صغيرة لمعت في زاوية عينها، ويدها رغم برودتها المهنية لم تتّخذ قراره المُخادع بعد.
و«فايزة» شاهدت هذا ايضا لذلك ردت عليها "فايزة" بسرعة ولهفة وعينيه يلمعون من الحقد التي بداخلها :
ـ متقلقيش ، كله هيبقي تمام ، لو نزلتي البيبي مش هيبقي بسببك ، هيبقي بسبب بابا لان هو اللي ضربها ، انتي جيتي بحجه انك تنقذيها ، تطلعي بس من الاوضة ، تقوليله مقدرتش انقذ الجنين بس .
الكلمات انطلقت من فمها كأوامر مُحبوكة سريعة؛ نبرة صوتها فيها وقاحة مدروسة، والعينان اللتان تلمعان بالشر كأنهما نحسٌ مُرتبٌ على وجه العالم.
كانت تحرك شفتها ببطء حين تقول الجمل كأنها تتلذذ بلحظة وقوعها في صدر السامع، وفي حركتها كان شيء من مَنٍّ انتقاميٍ مكتوب.
هتفت بخوف وجبينها تعرق بسبب التوتر والخوف الذى اصابها :
ـ انا خايفه نصار بيه يعرف .
الكلام خرج متلعثمًا، الشفة السفلى ترتعش، اليد تلتقط هواء الغرفة كمن يطلب منه أن يهب كذريعة لإخفاء الحدث.
الخوف رسم خطوطًا رقيقة على وجهها، لكن تلك الخطوط لم تمتد لتصل إلى شفقة كانت خطوط تخوفٍ داخليّ أكثر من ندم.
هتفت هي بنفاذ صبر وقد طفح به الكيل :
ـ فيروز مش حامل من نصار ، فيروز حامل من باسم عشان كده بابا ضربها
الجملة سقطت في الجوّ كحكم صادر؛ نبرة "فايزة" فقدت فيها أي رفق. كانت تلك لحظة الحسم عندها، لحظة ترييف الحقيقة وفق مصالحها. الصوت صار قاسيًا، كأنما يقطع أي فرصة للعودة أو للتصحيح.
بينما اكملت وعينيها يدمعون يحزن ببراعة وهى تمسك يـ ـدها تترجيها :
ـ انتي كده بتنقذيها من ايد بابا ومن ايد نصار ، مش بس بتنقذى حياة بنتك .
الدموع كانت هناك، لكن شكلها محسوب، لامعة على الخد، تهبط ببطء لتعطي المشهد بعدًا إنسانيًا يُخفي دوافعها الحقيقية.
حرارتها، رطوبة جفونها، صوتها المرتعش كل هذا مُدرّب ليُقنع.
كانت تلمس يدها بلطفٍ مُتدرّب، تضعها في موضع الضمّ لتُظهِر أنها تُعطف، بينما عقلها يعدّ لخطّةٍ أخرى.
دفعتها امام فيروز حتي تنفذ طلبها ، وهتفت بدموع وهتفت بصوت ضعيف :
ـ ارجوكي انقذيها .
الدفع كان خفيفًا جسديًا لكنه دفعٌ لهزيمة معنوية؛ اليد التي دفعتها كانت ثابتة، العينان لا تفارقان وجه "حمدية" لتقرأ موقفها.
الصوت الضعيف لم يَخرج من ضعفٍ حقيقي بقدر ما خرج من حسابٍ لتذويب مقاومة حديثة قد تظهر.
وبعد قليل نفذت بما طلبته منها وهى تبكي وتهتف بنبرة منخفضة :
ـ سامحني يارب ، بس غصب عني ، انا كده بنقذها وبنقذ حياة بنتي .
الكلمات خرجت من فم "حمدية" كأنها تلاوة اقتنعتها بها ضغوط اللحظة دعاء مختلط بخوف وحرج، نبرة صوتها مُثقلة بالمسؤولية المهنية والرحمة، لكنها أيضًا تلمح ترددًا داخليًا ضميرها يتمايل بين فعل الخير والخضوع لابتزاز مكشوف.
الدموع على خدّيها كانت حقيقة هذه المرة؛ يدها التي أمسكت أدوات الإسعاف كانت ترتعش، وابتسامتها المرة لم تكن متكاملة، لأن عقلها يرنو إلى خطورة ما قد يحدث إن انتشر السر.
وبالفعل نفذت طلبها بما ابتسمت بشر وخبث ، وتتمنى لها أن الايام المقبلة لن تمر علي خير لها ،
الفعل تمّ ببطء وتأنٍ؛ "حمدية" قامت بما تطلبه البروتوكولات الطبية لوقف النزيف أولًا، لكن تحت هذه الإجراءات الطبية كانت هناك لمسات صغيرة تُحوّل الحادثة إلى "حادث عابر" لا دليل لغير أهل البيت
وضع الضمادات بطريقة تُظهر عناية لكنها لا تترك أثارًا قد تُستخدم لاحقًا كدليل إدانة، تعليمات هادئة تُقال بصوتٍ منخفض لأفراد البيت كي يشرحوا الأمر للجيران كحادثة منزلية عادية.
أما "فايزة" فكانت تراقب كل حركة بعينٍ صقرية؛ ابتسامتها الخبيثة لم تغب، كانت تستمتع بتقلّص الفجوة بين ما يخطط له وبين لحظة النتيجة.
في داخل صدرها كان هناك هدوء قاتل، كأن طقوس الانتصار قد بدأت تتلوها في صوتها الداخلي.
الغرفة امتلأت برائحة الدم الباهتة، تداخلت مع رائحة الكحول والمطهر، ومع أنفاس النساء المتعبة؛ الصوت الوحيد الذي يملك القدرة على كسر ذلك الصمت هو همهمة الأب خارج الغرفة وهو يتصل بشخص أو يهرع لاستدعاء مساعدة أخرى خطواته عادت خفيفة، غارقة في حيرة وندم، وهو لا يعلم أن المحكمة التي افتتحها بيده للتو قد تُسجن مستقبله أكثر مما كان يتوقع.
في زاوية صغيرة من المشهد، وبمجرد أن اطمأنت "حمدية" نسبياً على حالة "فيروز" الطبية، تبادلت "فايزة" و"حمدية" نظرة قصيرة نظرة اتفق فيها الثمن مقابل السكوت، ورغم أنها تبدو مبطنة باتفاق عملي، لكن "حمدية" لم تُطفئ ذلك الطيف الخفيف من الشكّ على ملامحها.
وأثناء خروج "حمدية" لترتيب بقية الأمور، تركت "فايزة" الغرفة ببطء وكأنها تتأكّد أن كل حجر في مسرحها قد حُرك في مكانه الصحيح.
ابتسامةٌ أخيرة على وجهها، نظرة إلى "فيروز" التي نصف وعيها لا يزال يتلاشى، ونظرة احتقار أخيرة أعادتها إلى قلبها المنتشي
لم تَعد تخاف؛ كانت تعتقد أن اللعبة بدأت تنتهي لصالحها.
❈-❈-❈
كان «فارس» قد خرج من المسجد منذ قليل مع «حازم»، والليل ينسدل فوقهما في سكينةٍ مهيبة، كأن الهواء نفسه يستمع لخطواتهما البطيئة فوق الطريق الرمليّ.
كانت رائحة السجاد الذي امتلأ بآثار السجود لا تزال عالقة في صدريهما، وصوت المصلّين وهم يغادرون يطفو كأصداء بعيدة، ممزوجًا بلمعان الأنوار التي تزيّن الشوارع استعدادًا للعيد.
وبينما كانا يسيران، هتف «فارس» بمرحٍ طفوليّ وكأنه يحاول اقتلاع الهمّ من صدر صاحبه انتزاعًا:
ـ لا بقي وحياه ابوك وحياه الجاموسه اللي ابوك مدوخني بسببها لتقول مالك.
توقّفت خطوات «حازم» لحظة، كأن قلبه تعثّر قبل قدميه، وانخفض بصره إلى الأرض كمن يبحث عن شيء فُقد منذ زمن. خرج صوته هادئًا، لكنه مشبع بثقلٍ لا يخطئه أحد:
ـ ماليش يا فارس، بس اديك شايف، نصار مبشوفهوش كتير، بلعن المسافات اللي مخلينا كده، انا لولاك ولولا سالم مكنتش هعرف اعمل اي.
كانت كلماته تشي بحزن لا يُرى ولكن يُسمَع، حزنٍ تراكم فوق صدره عامًا بعد عام، حتى صار يشبه حجَرًا يجرّه أينما ذهب.
وعندما أنهى جملته، رفع يده وربت على كتف «فارس» بضعفٍ لا يخفيه:
ـ الحمد لله علي كل شئ ربنا كاتب كده، واديك شايف شغل نصار كله برا، بيجي لسنه من السنه او ساعات بيجي كل سنتين زي كده بس اهو هنعمل اي.
كان يحاول التماسك، يحاول أن يبدو قويًا… ولكن صوته كان يقول الحقيقة:
إنه مُتعَب.
مُشتاق.
ومكسورٌ قليلًا من الداخل.
ابتسم «فارس» ابتسامة صغيرة، تحمل بين طياتها ألمًا يعرفه جيدًا، ثم تمتم:
ـ فعلا الحمد لله.
ولكن فارس، الذي يكره أن يرى الدموع تلمع في عيني أي شخص يحبه، سارع لتغيير الحديث بنبرة خفيفة أراد بها أن يعيد لصاحبه روحه:
ـ الا قولي صحيح جاموسه ابوك عامله اي.
رفع «حازم» رأسه إليه متفاجئًا من تغيّر الموضوع، ثم ضحك بخفوت، في حين أكمل «فارس» بنبرة ممتلئة بالضيق المصطنع:
ـ ما انا لازم اطمن عليه برضوا، بكرا العيد ولو شوفت ابوك بيتصل علي في يوم العيد ويقولي تعاله شوف الجاموسه، انا اللي هسافر مع نصار، نفسي يفهم انا دكتوره اسنان مش بيطري.
وفي تلك اللحظة…
انفجرت ضحكة «حازم» من أعماقه، كأن فارس قد طرق على باب قلبه الموصَد ففتحه ضاحكًا.
ضحكة صافية، عالية، كانت كفيلة بأن تمحو الغيم الذي خيّم على ملامحه قبل قليل.
قهقه وهو يميل برأسه للخلف، حتى بدت الضحكة كأنها تُوقِظ الحياة في وجهه من جديد، بينما كانت الأنوار المعلّقة في الأزقّة ترقص فوق ملامحه الراجعة للحياة.
❈-❈-❈
كانت «حنان» تجلس في الصالة الواسعة التي بدا أنها تحمل عبق السنين، بثريّاتها المضيئة على خفوتٍ، وكأن البيت نفسه قد هدأ أخيرًا بعد ضجيج الغناء والزغاريد.
كان «نصار» نائمًا على ساقيها، وقد أرخى رأسه عليها كطفلٍ صغيرٍ عاد إلى حضن أمّه بعد رحلة طويلة.
مدّت «حنان» أصابعها المرتعشة بحنانٍ عميق، تُملّس على خصلات شعره الساكنة، وكأنها تُهدّئ شيئًا من خوف يسكن صدرها، خوف لا تعرف مصدره.
كانت «صفيّة» تجلس قريبة منهما، تحدّق في ملامح «نصار» الهادئة بعينين تمتلئان بحنان الأم الثانية، قبل أن تهتف وهي تتنهّد بحبّ أمومي غامر، وكأن الكلمات خرجت من قلبها قبل فمها:
ـ الفرحه الجاية ان شاء الله فرحة نصار، الشهر الجاي فرحه خلاص.
انفرجت شفتا «حنان» بابتسامة صغيرة، لكنها كانت ابتسامة ممتزجة بالألم، فحنان كانت تعرف جيدًا أن قلب الأم لا يكذب مهما حاولت طمأنته.
ردّت بصوتٍ متعب، بينما ما تزال يدها تمرّ فوق شعر ابنها ببطء شديد، وكأنها تخشى أن يتبخّر أمامها:
ـ ياريت يا صفيه، انا قلبي وجعني معرفش ليه حاسه ان حاجه هتحصل، وحاجه مش خير خالص.
مدّت «صفيّة» يدها وربّتت على ساقها بطمأنينة المرأة التي تحاول أن تُسكِت خوفًا قبل أن يكبر، وهتفت بحنان عميق يشبه حضنًا :
ـ اهدي بس يا حنان، انتي بس بقالك سنتين مشوفتيش نصار وفرحه سالم والعيد داخلين علينا، فـ الشيطان بيحاول يلعب في دماغك مش أكتر.
هزّت «حنان» رأسها ببطء، ورفعت عينيها لتحدّق في صورة العائلة المعلّقة في منتصف القصر.
الصورة الكبيرة التي تجمع الأب والأم والأبناء، والتي يبدو فيها الجميع مبتسمين… ابتسامة تحمل من الحنين أكثر مما تحمل من فرح. همست وكأنها تُحدّث الصورة نفسها:
ـ يارب يا صفيه يارب.
لكن «صفيّة»رغم قوة كلماتها شعرت بوخزة في قلبها، ألمًا خفيفًا مرّ سريعًا… لكنها لم تُظهره، فهي تعرف أنّ البيوت لا تنهض إلا بالصبر، وأنّ الخوف لا يقال بصوتٍ مرتفع.
في تلك اللحظة، دخل «سالم» إلى الصالة بخطوات هادئة، وكأنّه يخشى أن يوقظ النوم المُعلّق فوق رؤوسهم.
كان وجهه مزيّنًا بابتسامة لا تخطئها عين، ابتسامة رجلٍ يعيش ساعات ما قبل الفرح. هتف بصوت خافت:
ـ مالكم يا جماعه، في اي.
نظرت إليه «صفيّة» بحنان الأم التي تُحبّ أبناءها جميعًا، ولو لم تلدهم، وأشارت له بالاقتراب وهي تقول:
ـ مفيش يا حبيبي.
ثم لمعت عيناها بخبث مشاكس، محاولةً تغيير الجوّ كله، فأردفت وهي تقلب الحوار بخفة:
ـ كنت بتكلم المزه؟؟
ضحك «سالم» بخجل بسيط، ثم جلس قربهم، وقال بصوت دافئ يشبه الهمس:
ـ طبعا، هي مبتعرفش تنام غير لما تسمع صوتي وهي رايحه تنام دلوقتي.
ربتت «صفيّة» على كتفه، وهتفَت بمرح خفيف:
ـ كلها بكره بس، وهتبقي تاني يوم في بيتك.
ابتسم «سالم» ابتسامة عاشق حقيقي، وقال وقد امتلأ صوته بحب لا يشبه أي حب:
ـ يارب يا صفصف يارب، انا بحبها اوي.
لم تنتظر «حنان» حتى تكتمل الجملة، فقد ردّت بغيظٍ لطيف يخفي خلفه خوفًا أموميًا قديمًا:
ـ اهي خلاص بقيت مراتك وكلها يوم هتبقي في بيتك.
ثم عادت تنظر إلى «نصار» وتُمرّر يدها على شعره مجددًا، وأردفت بصوت خافت فيه شيء من العتب:
ـ مع اني مكنتش موافقه علي بنات العيله دي نهائي بس النصيب.
تغيّرت ملامح «سالم» للحظة، كأن الكلمة أصابته، لكنه لم يُكمل اعتراضه، فقد رأى «صفيّة» تهزّ رأسها له بخفوت وهي تهمس همسًا وصل لأذنه فقط:
ـ معلش استحمل امك شويه، هي مكنتش موافقه علي الجوازه وانت عارف، اهم حاجه ان فايزة خلاص بقيت مراتك وبعد بكره فرحك، يبقي تقول اللي تقوله بقي.
ثم ربتت على ذراعه بحنان دافئ:
ـ قوم نام عشان بكره يوم طويل وصحي نصار خليه ينام في اوضته، وانا هحاول اتكلم معاها الين قلبها.
اقترب «سالم» منها وقبّل يدها ورأسها بحب خالص، وقال:
ـ ماشي يا حبيبتي.
ثم انحنى نحو «نصار» يوقظه برفق، وكأنّ يقظته كنز لا يريد أن يخدشه، وقاده إلى غرفته، ووضعه في سريره، ليكمل نومه بعمق.
أما «سالم»، فدخل غرفته، وبدّل ثيابه، ثم رقد فوق سريره بارتخاء رجل أرهقه الفرح. أغلق عينيه وهو يتخيل غدًا… يوم الحنّة… وبعد غدٍ ليلة زفافه على من اختارها قلبه دون تردّد.
ابتسامة كبيرة ارتسمت على وجهه قبل أن يبتلعه النوم، كأنّه طفل يحلم بعيدٍ جاء مُحمّلًا بالسعادة.
❈-❈-❈
كانت الصالة قد غمرها سكون ثقيل، كأن الجدران نفسها تُصغي للنقاش الذي بدأ يتصاعد رويدًا رويدًا.
وقفت «صفيّة» قُرب «حنان»، تحمل في عينيها القلق والشفقة معًا، تُحاول أن تُغلّف كلماتها بالحكمة رغم الاحتقان الذي بدأ يشتعل في الجوّ.
قالت بلهجة عتاب رقيق، تحاول أن تُلين قلب «حنان»:
ـ ما خلاص بقي يا حنان ملوش لازم الكلام ده، نصار خلاص كتب كتابه هو وسالم وبقيت خلاص دي مراته ودي مراته، خلاص عشان خاطري، وحاولي متقوليش الكلام ده تاني.
لكن ما إن لامست كلماتها أذن «حنان» حتى تغيّرت ملامح الأخيرة دفعة واحدة؛ كأن شرارة اشتعلت في صدرها، فاندفعت واقفة، تتحرك بخطوة غاضبة في أرض الصالة، وكأن الأرض تضيق بكلماتها.
ارتفع صوتها يحمل كل ما خبّأته في صدرها لسنوات، هتفَت بعصبية تقطر ألمًا:
ـ وهفضل اقوله يا صفيه، انا البنات دي مش قابلهم ولا نزليلي من الزور، بنات اختي رباب و ورد يتمنوا لسالم ونصار الرضا يرضوا، بس اولادي مش شايفين ده ولا هيشوفوه غير لما يتلسعوا من العيله دي.
كانت يد «حنان» ترتجف وهي تتكلم، وكأن الغضب ليس غضبًا فقط… بل خوفًا متجذّرًا في العمق، خوف أمّ تشعر أن شيئًا غامضًا سيأتي، وأن أولادها يسيرون نحوه دون أن يروا.
اقتربت منها «صفيّة» بخطوات حذرة، كما لو أنها تخشى أن تُفجّر كلمةٌ واحدة الموقف كله، مدّت يدها تُحاول تهدئتها، وهتفت بصوت هادئ متماسك، رغم ارتجاف قلبها:
ـ يا حنان مينفعش تقولوا الكلام ده ربنا يتمملهم علي خير سؤاء كان نصار او سالم، والبنات هتحبيهم، كلها يوم وفايزة تنور البيت، وكلها شهر فيروز تنور برضوا البيت، في ابوس ايدك يا حنان بلاش تكسري فرحه العيال.
لكن كلمات «صفيّة» بدت وكأنها صبّت الزيت على نار «حنان» لا العكس.
استدارت «حنان» نحوها بحدة، واتسعت عيناها بدهشة غاضبة، كأنها رأت شيئًا لم تتوقعه. سألتها بصوت جريح يختبئ خلفه غضب مُرّ:
ـ انتي بتدفعي عن مين، عن بنات سيد؟؟ ، سيد الكلب اللي اول ما شاف اخوه تعب مجريش علينا، جري علي القرية وقال قدام البلد كلها انه هو العمده، سيد اللي اول ما عرف ان سراج دخل السجن وبسبب تشابه اسماء سؤء سمعته قدام اهل القرية كلها، إذا كان ابوهم كده، امال البنات هيطلعوا اي، مهو اللي ربهم.
كانت الكلمات كالسياط، تنزل على الهواء فتهز الجدران. وقفت «صفيّة» في مكانها، جسدها ساكن لكن قلبها يضجّ بأسئلة كثيرة.
حاولت أن تفتح فمها لترد، لتدافع، لتشرح… ولكن قبل أن تفعل، بادرتها «حنان» بصوت أشد قسوة، بصوت امرأة لا تتكلم بعقل بل بحدس مرعب لا تعرف تفسيره:
ـ بكره هتعرفي البنات دي مش سهله، وبكره مش بعيد يا صفيه.
ثم ساد صمتٌ خانق… صمت لم يكن توقفًا عن الكلام فقط، بل توقفًا في الزمن نفسه.
كلمات «حنان» بدت وكأنها انغرست في هواء القصر، في جدرانه، في سجادته، في السقف… وكأنها نبوءة خرجت رغمًا عنها وستظل معلّقة بين الظلال حتى يأتي اليوم الذي تُفهم فيه.
استدارت «حنان» وغادرت بخطوات سريعة، خطوات امرأة تحاول الابتعاد لا عن «صفيّة»… بل عن الخوف الذي يسكنها.
تركت خلفها السكون يزحف ببطء، وكأن كل كلمة قالتها بقيت محفورة في أركان القصر، شاهدة… تنتظر.
❈-❈-❈
مرّت ساعتان كان فيهما الهدوء يخيّم على أرجاء القصر العظيم، حتى بدا وكأن الجدران نفسها تستريح من صخب اليوم الطويل.
وفي تلك اللحظة، دخل «فارس» إلى المنزل بخطوات مرهقة، يضع يده على بطنه كأنها تُذكّره بالجوع الذي صاحبه منذ الصباح، فهو لم يشاركهم الإفطار، إذ لم يُعد له أحد طعامه الصحي الذي لا يتنازل عنه مهما كان اليوم مزدحمًا.
كان يتجه إلى المطبخ وهو يُفكّر في أي شيء يسدّ به جوعه، وظن أن المكان خالٍ كما اعتاد في هذا الوقت، لكنّ خطواته توقفت فجأة… توقّف كمن صُدم بنور في عتمة، حين لمح «فَلّة» تقف قرب الفرن، منشغلة بيديها الصغيرتين في العجن والترتيب.
ارتبك «فارس» ارتباكًا شديدًا، وغضّ بصره في الحال، كأنه خشِي أن يقع نظره على ما لا يرضي الله، فأدار ظهره بسرعة وكأن حرارة المكان اشتعلت فجأة حوله، وهتف بصوت منخفض متحفظ:
ـ فله انتي اي اللي مصحيكي لحد دلوقتي، وبتعملي اي هنا؟.
رفعت «فَلّة» رأسها نحوه، وما زالت يداها تحملان آثار الدقيق، وعيناها تتسعان باللهفة والخجل، وردّت بصوت يشبه الهمس المُتوتّر:
ـ انا كنت بجهز البسكويت والبيتي فور والحلويات عشان عمو سراج هياخدهم بكره يوزعهم.
هزّ رأسه ببطء، وكأنه يُحاول أن يضبط انفاسه ليظل محتفظًا بوقاره، ثم قال بهدوء واحترام، وما زال يعطيها ظهره بلا التفاتة واحدة:
ـ طيب يا فله لما تخلصي قوليلي عشان احضر اكلي.
لكن «فَلّة» لم تستطع إخفاء تلك المشاعر الناعمة التي تسكن قلبها له؛ اقترب صوتها منه بلهفة وحبّ خجول وهي تقول:
ـ اجهزهولك انا؟؟.
ازدادت دقات قلبه خجلًا، لكنه ظل ثابتًا في مكانه، مُتمسّكًا بالوقار الذي يلتزم به دائمًا، وردّ بصوت منخفض مهذب وما زال يشيح بوجهه:
ـ لا شكرا يا فله الوقت اتأخر، استاذنك بس تخلصي وتروحي تنامي.
كان يهمّ بالخروج، لكن خطواته توقفت مرّة أخرى حين سمعها تهتف خلفه بلهجة مُتذمّرة تُحاول إخفاء اهتمامها به:
ـ ما انا مش هعرف انام وانت اللي هتحضر، احضرهملك في السريع كده وهسيبهملك علي الطربيزه.
ضغط على شفتيه ليحبس ابتسامة صغيرة أرادت أن تظهر، ثم ردّ عليها بنفس الاحترام الصارم:
ـ براحتك، بس مش عايزه اتعبك وخصوصا الوقت اتأخر.
ولم تكن «فَلّة» قادرة على كتم تلك المشاعر الدافئة التي غمرت قلبها حين سمعته يُصرّ على احترامه لها، فخرج صوتها خافتًا، خجولًا، مترددًا، لكنه مشبع بالحبّ:
ـ تعبك راحه.
كلمتها تلك اخترقت قلبه، لكنه لم يسمح لنفسه بالرد، بل أسرع بالخروج من المطبخ وكأنه يهرب من نفسه، يهرب من قلبه الذي خاف أن يخطو خطوة واحدة نحو شيء ليس وقته.
دخل غرفته، يجرّ قدميه بثقل، ثم أغلق الباب وأطلق تنهيدة طويلة، وتوجّه ليغيّر ثيابه، ثم شغّل القرآن بصوت القارئ “المنشاوي”، ذلك الصوت الذي يُطفئ أي اضطراب يسكن روحه.
أطفأ الأنوار بخفوت، وفتح النافذة ليدخل نور القمر الفضيّ ورائحة الزرع الذي يملأ الحقول الممتدة أمام القصر.
جلس على الفراش نصف جلسة، وفتح كتابه محاولًا تشتيت أفكاره، وظلّ يقرأ… يقرأ… حتى غلبه النوم وهو يعانق الكتاب بيـ ـده، كأنه وجد فيه أمانًا من اضطراب قلبه.
في الخارج، كانت «فَلّة» تدور ذهابًا وإيابًا في المطبخ، تعدّ له الطعام وتنتظر… تنتظر خروجه لتخبره أنها أنهته. لكن الوقت مرّ طويلًا، أطول مما توقعت، وطال الانتظار حتى تحوّل إلى قلق.
رفعت رأسها نحو السقف حيث غرفته، ثم اتجهت بخطوات مترددة نحوها.
كان قلبها يدقّ بقوة، ليست خوفًا فقط… بل لأن مجرد الاقتراب من غرفته يُربكها.
طرقت الباب برفق…
مرّة…
اثنتين…
ثلاث…
ولا صوت.
ازداد قلقها، فوضعت يدها على المقبض ودفعته ببطء. فُتح الباب، وانساب ضوء القمر الخافت إلى داخل الغرفة.
ظلامٌ هادئ… ونور فضيّ يسقط بخيوط دقيقة على وجه «فارس» النائم، وكتابه مُسند إلى صدره، وصوته يتنفس بعمق وكأنه طفل غارق في حلم جميل.
ابتسمت «فَلّة» رغماً عنها… ابتسامة هادئة، محبّة، ممتنة لأن القدر سمح لها بلحظة كهذه.
اقتربت بخطوات حذرة لئلا توقظه، مدّت يدها الصغيره وأخذت الكتاب بلطف شديد، ثم أغلقته وتركته على الطاولة بجواره.
ثم أمسكت بالغطاء ورفعته لتغطيه به برفق… كأنها تخشى أن تزعج نومه.
وعندما استدارت لتغادر، توقفت عند الباب… التفتت تنظر إليه نظرتها الأخيرة، تلك النظرة التي تحمل كل ما تخشاه أن تبوح به يومًا.
ابتسمت بخجل… ثم أغلقت الباب بهدوء شديد، وغادرت.
❈-❈-❈
في قصر أخر
كان الليل قد أرخى سدوله على أرجاء القصر، سكونٌ ثقيل يخيّم على الممرّات وكأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها، بينما ضوء القمر ينساب من النوافذ العالية كخيط فضّي يلامس الأرض برفق.
وفي إحدى الغرف البعيدة، كان «إيهاب الصايغ» ما يزال مستيقظًا، منفصلًا تمامًا عن ضوضاء الدنيا، كأن بينه وبين العالم حجابًا من نور.
جلس عند طرف سريره، مصحفٌ مفتوح بين يديه، يقرأ بترتيل خاشع يشبه الهمس… همسًا يذيب القسوة من القلب، ويُطهر الروح من كل شوائبها.
كانت عيناه تتحركان على السطور كما لو كان يقرأ رسائل خاصة بينه وبين ربه، وكل آية تنزل على قلبه بردًا وسكينة. وما إن وصل إلى النهاية، حتى
ـ ختم القرأن قراءه، مما ابتسم بشده، ودعي قلبه أن يرزقه «فيروز» ان يجعلها من نصيبه .
ابتسم ابتسامة لم يعرفها من قبل؛ ابتسامة ممتلئة باليقين، بالرجاء، بالخشوع، انفلتت منه كضوء مفاجئ في الظلمة.
رفع يديه إلى السماء، وداخل صدره دعاءٌ حارّ، يشبه التوسل، يشبه الرجاء الأخير لرجل يرى حبه بعيدًا لكنه يؤمن أن الله قادر على قُربه.
كان يدعو أن تكون «فيروز» من نصيبه، وأن يجمع بين قلبه وقلبها جمعَ رحمة لا جمعَ ابتلاء.
وتنهّدت الغرفة كلها مع تنهيدته، كأنها تشاركه الوجع والرجاء معًا.
ثم وقف، بثقل قلبٍ امتلأ بالمشاعر، وشرع في الصلاة، يقف بين يدي الله بثبات وكأن الأرض كلها اختفت من تحت قدميه ولم يبقَ إلا هو وربه.
رفع يديه، كبّر، وسجد وظلّ يناجيه سرًا لعلّ فيروز تصير من نصيبه هو.
و
بعد ذلك قام وصلي ركعتين لله، وبعد قليل بعد ما انتهي قال اذكار النوم وقرأ سورة المُلك ونام بعمق .
أغلق المصحف برفق، كأنّه يخشى أن يوقظ الكلمات، ثم جلس على فراشه وسحب أنفاسًا متتابعة، يردد أذكار النوم بصوت خافت، ناعم، ينساب بين السكون كالنسيم.
وحين بدأ يقرأ سورة المُلك، أحاطت به طمأنينة لم يشعر بها منذ زمن… إحساس كأن أحدًا يربت على كتفه، أو كأن الليل نفسه فتح ذراعيه ليحتضنه.
وما إن انتهى حتى أغمض عينيه، واستسلم للنوم بعمق شديد، كأن قلبه أخيرًا وجد مكانًا يضع فيه تعبه، وكأن نومه دعاءٌ آخر دعاء بصمت.
❈-❈-❈
وبعد ثلاث ساعاتٍ كاملة، كانت القرية لا تزال غارقة في سكونٍ مهيب، سكونٍ يشبه أنفاس الأرض قبل أن تستيقظ.
وفجأة شقّ صوت الفجر الهادئ هذا الصمت، يرتفع شيئًا فشيئًا كنسيمٍ مبارك يُوقظ الأرواح قبل الأجساد.
دقائق قليلة، وبدأ صوت التكبير يتردد بين بيوت القرية، يتصاعد كأن السماء كلها تهتف معه.
وهنا استيقظ القصر بكل من فيه، كأن الحياة دبت فجأة في جدرانه الثقيلة.
صوت الفجر بدأ ياذن في القرية، وبعد قليلاً بدأ يكبر مما استيقظ الجميع مما في القصر، صلوا وبعد ذلك غيروا ثيابهم واتجهوا الي الاسفل.
هبط الجميع إلى الأسفل بثيابهم المرتبة وروائح العطر تعبق في الممرات.
بدا القصر كخلية نحلٍ هائجة؛ الخدم يركضون بين الغرف والمطبخ، يحملون صواني الحلويات، ووجوههم ممتلئة بالتوتر والفرح في آنٍ واحد.
ـ وكانوا القصر رأساً علي عقباً..
حقًا كان كأن إعصارًا من البهجة مرّ من هنا.
الأصوات تتداخل، رائحة السمن والعسل تملأ المكان، وصواني "كعك العيد" تتراص كالجواهر بانتظار أن تُوزع على كل بيتٍ في القرية.
جميع الخدم يجهزون الحلويات العيد الفطر حتي يوزعهم علي كل بيت في القرية، اما اهل القصر، يجهزون نفسهم لصلاه العيد الفطر .
وفي الجهة الأخرى، كان أهل القصر يتهيّأون للصلاة، يجلسون سويًا على السفرة الكبيرة التي تتلألأ تحت ضوء الثريات.
أكواب الحليب الدافئ مصطفّة أمامهم، وقطع الحلوى مُرتّبة كأنها جزء من احتفال أزلي لا ينتهي.
ـ بدوأ بالفعل يجهزون نفسهم وجلسوا جميعاً علي السفرة يشربون الحليب والحلو معاً، اتجهه «نصار» لهم وهو يري المشهد المُحب لقلبه..
دخل «نصار» بخطوات هادئة، وعيناه تتأملان المشهد العائلي الذي أحبه منذ طفولته ضحكات خفيفة، خفق القلوب، رائحة العيد في كل زاوية. اقترب وجلس بينهم، يتحدثون عن كل شيء ولا شيء، حديثًا عشوائيًا دافئًا كنسيم الصباح.
اتجهه لهم وجلسوا يتحدثون بأمور عشوائيه
ثم رأى «علي» يدخل من الخارج، فتغير وجهه فورًا، ابتسامة و اتجهه له عانـ ـقه بمحبه :
ـ حبيب قلبي وحشتني كتير
رد عليه «علي» وهو مازال يعانـ ـقه :
ـ وانت كمان يا حبيبي، عامل اي طمني عليك .
رد عليه بمحبه واشتياق :
ـ الحمد لله، فضلت مستنياك امبارح لحد ما نمت .
قالها بأعتذار ولهفه :
ـ حقك عليا يا حبيبي، كان عندي شغل مسهرني ومخليني مطبق .
رد عليه بمحبه وربت علي كتفه :
ـ ولا يهمك، تعاله افطر بس الاول .
رد عليه بعد ما نظر الي «سميحه» وهتف بأعتذار :
ـ سبقتكم وفطرت، هروح اغير هدومي، عشان نمشي سوا، عن اذنكم .
وبالفعل غادر وترك «سميحه» تنظر لأثره وغادرت خلف زوجها، فلا يصح ابداً ان يفضلوا متخاصمين في اول عيد لهم وهما متزوجون .
دخلت عليه الغرفة وجدته يبدل قميصه، لم يعطيه اهمية وتجاهلها، مما اقتربت منه وهتفت بعاتب :
ـ كده تقلقني عليك طول الليل؟؟ ، ليه مكنتش بترد عليا؟؟ .
رد عليه بدون أن ينظر لها :
ـ ده علي اساس اني افرق معاكي؟؟ .
ردت عليه بعاتب وهدوء :
ـ طبعا تفرق معايا مش حبيبي وجوزي ومستقبلاً ابو عيالي، يا حبيبي مش عشان اختلفنا، تقول كده .
بينما اكملت وهي تلمس كتفه :
ـ انت عارف معزتك عندي وعارف اني دبش من يومي، وحياتي عندك ما تزعل، علي الاقل منفضلش كده واول عيد لينا واحنا متجوزين، حقك عليا يا عمري .
ختمت جملتها وعانـ ـقته من الخلف، مما رق قلبه له، فهى يحبها كثيراً ولا يريد أن ياخذ موقف منها في يوم هكذا، يريد أن يتحدث في الموضوع ولكن ليس الأن.
لذلك التفت لها وعانـ ـقها وقبـ ـلها قـ ـبلة فوق فروة رأسها وهو يهتف بحنان :
ـ مش زعلان يا حبيبه قلبي، حصل خير .
ابتسمت له وعانـ ـقته أكثر وهي تهتف بطفوله :
ـ يعني صافي يا لبن .
رد عليه بصوته الرجولي وهو يهتف بمحبه :
ـ حليب يا قشطتي .
❈-❈-❈
استيقظ «فارس» على وقع التكبيرات الأولى التي شقت هواء الفجر كنداءٍ صافٍ يوقظ القلب قبل الجسد.
انفتحَت عيناه على نور خافت يتسلل من الشباك، وشيء داخله شعر بأن هذا اليوم مختلف، يوم عيد… يوم بركة.
نهض من فراشه سريعًا، توضأ وهو يشعر كأن الماء يمسح عن روحه تعب الليل، ثم وقف مُصلّيًا في خشوعٍ صادق.
وبعد أن أتم فرضه رفع يديه إلى السماء يدعو ربه دعاءً طويلًا يخرج من القلب…
ـ وبعد ذلك وجدهم جاهزين للخروج لصلاه العيد، مما اسرع اتجاهم وهو يهتف بمرح :
ـ انتوا نستوني هنا .
توقّف الجميع للحظة، والتفتوا إليه كأن ضحكته وحدها كفيلة بإشعال البهجة في المكان.
كانت «صفيّة» أول من بادرته بنبرة أمّ تعرف كيف تُعاتب بلطف:
ـ كل ده يا فارس؟؟ ، انا افتكرتك سبقتني .
اقترب منها بخطوات خفيفة، وعيناه تحملان اعتذارًا رقيقًا يشبه انحناءة وردة في الريح:
ـ غصب عني يا ست الكل روحت متأخر، ونمت متأخر ومدرتش بنفسي .
وهنا قفز صوت «حنان» المتلهّف، كعادتها حين يقلقها شيء:
ـ طيب يلا روح الحق سالم ونصار، عشان هيجهزوا المسجد للصلاه .
لم تنتظر منه ردًا؛ كانت تعرف أنه لن يتأخر.
ابتسم لهم جميعًا، ثم انطلق بخطوات سريعة تشبه جري فرحٍ لا يريد أن يفوته شيء من جمال هذا الصباح… وترك خلفه والدته وعمّاته يبتسمن له بمحبة تشبه البركة.
وصل أخيرًا للشباب، وانضم إليهم وكأن نبضه عاد لطبيعته.
كانوا يجهزون المسجد من الداخل؛ ينفضون السجاد، يصفّون الصفوف، يرفعون المصاحف، بينما بعضهم يكنس الشارع ويرشه بالماء لتفوح رائحة تراب الأرض المبلل… كأن القرية كلها تستعد لاحتضان العيد.
ـ وبالفعل بعد ما انتهوا بدأت الصلاه، وبعد دقائق صلوا بمن ما في القرية وكل العائله والأحبه، مستمتعين بعيديهم.
ارتفع دعاء الإمام كنسيمٍ يلامس الأرواح، وترددت التكبيرات في السماء بينما الناس يبتسمون دون سبب إلا البهجة.
وبعد الصلاة وقف الشباب في دائرة صغيرة، يضحكون ويهتفون لبعضهم:
ـ بعيدكم مبارك…
خرج «نصار» من المسجد بوجهٍ مرتخٍ من السكينة، يرفع عينيه نحو السماء ويتلو بطمأنينة:
ـ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا .
ثم اقترب من والده وإخوته «سالم»، «فارس»، «علي» ليسمع صوت الأب، صوت «سراج»، وهو يملأ المكان وقارًا ونبرة المسؤول:
ـ متنسوش تعدوا علي كل بيت تديهم علبه الحلويات والأكل، واوعا تسيبوا بيت والعربيات هتجيب كل حاجه بحيث متتأخروش علي الناس، وعيدكم مُبارك يا اولادي، ربنا معاكم .
كان «نصار» على وشك الرد، لكن القدر اختار لحظته الخاصة؛ لحظة دخَل فيها «سيد» بخطواته الثقيلة، بثيابه البيضاء الناصعة وعمامته السوداء، وعصاه التي تلامس الأرض بإصرار… بينما نبرة السخرية سبقت حضوره وجعلت الجميع يتوقف.
ـ متتعبش نفسك يا سراج، انا ادتلهم الاكل بالعيديه بتاعتهم، يعني حاجاتك ملهاش اي تلاتين لازمه .
وقف «سراج» مواجهًا له… وجهه لم يهتز، لكن صوته حمل ثقل الرجال:
ـ ادتلهم أي بقي يا اخويا يا كبير؟؟ .
رد «سيد» بابتسامة متعجرفة، يرفع ذقنه كأنّه ملكٌ متوهم:
ـ ادتلهم علبة حلويات ومش اي حلويات ده من عند العبد، كيلو كحك، وكيلو بيتي فور، وكيلو بسكويت ، و1000 جنيه عيديه للاولاد، علي الاقل انا باخد فلوس اقل منك، وبجيبهم وادتلهم وضيعت فلوسي عليهم .
لم يكد ينهي جملته حتى التفت بعض أهل القرية نحوه، يستمعون، يتبادلون النظرات، يراقبون ما يحدث.
أما هو، فزاد صوته ارتفاعًا، كأنه يريد أن يصل كلامه لكل حجر في القرية.
ـ انت بقي ادتهم حلويات وخدمينك هما اللي عملوها؟؟ ، بس؟؟ ، مع انك تاجر وسالم ابنك تاجر زيك، يعني قبضكم يكفي بلد بحالها، ده غير نصار اللي جاي من بلد غريبه وعلي قلبه فلوس اقد كده، ده غير فارس اللي شغال دكتور اقد الدنيا، وده غير قبضك القديم اللي سبهولك ابونا .
ثم رفع صوته أكثر، حتى تعالت الهمهمات حولهم:
ـ ده بدل ما تصرف فلوسك كلها وفلوس ولادك علي القرية اللي انت عمده فيها، بتبخل عليهم يا بخيل؟؟ .
في تلك اللحظة تحرك أبناء «سراج» غاضبين، مستعدين للرد، لكن الأب رفع ذراعيه أمامهم
إشارة واحدة فقط.
إشارة رجل قضى عمره يتعلم أن الكلمة حين تخرج لا تعود .
ما إن انتهى «سيد» من كلماته الثقيلة، التي انطلقت في ساحة المسجد كحجرٍ أُلقي في ماء راكد، حتى عمّ المكان صمتٌ غريب، كأنّ الهواء نفسه توقف للحظة ليفهم ما يجري.
كانت وجوه أهل القرية مُعلقة بين الدهشة والامتعاض، لا لشيء سوى لأنّ الرجل اختار أن يجهر بما لم يكن يليق أن يُقال أمام الجمع، في أوّل أيام العيد، وفي قلب بيت الله.
ورغم حدّة الموقف، وقف «سراج» في مكانه بثباتٍ هادئ، وكأنه جبل لا تهزه ريح ولا يستفزه صوت، وملامحه اتّشحت برصانة رجل يعرف قدر نفسه وقدر الناس، فلم يغضب ولم يرفع حاجبيه حتى.
فقط نظر إلى «سيد» نظرة طويلة… نظرة رجلٍ يرى أمامه طفلاً يصرخ في السوق لا يدري ماذا يقول.
ثم رفع صوته بنبرة وقار جعلت السكون يزداد:
ـ انا مش هرد عليك، انا هسمح لاهل القرية بس هما اللي يردوا، وانا كطبيعتي وكطبيعه راجل عمده، مش هقول انا عملت اي واي لاهل القرية، لان دي مش من اخلاق عمده قرية ابداً .
كانت كلماته كنسمة باردة أطفأت حرارة الموقف.
والشباب من حوله وأبناؤه وأصهاره كانوا على وشك التقدم، عروقهم نافرة وصدورهم تغلي، لكن إشـ ـارة اليد التي رفعها «سراج» جعلتهم يتجمدون في أماكنهم فوراً.
لم تكن مجرد إشارة… كانت أمراً مهيباً لا يُعصى.
التفت لهم بهدوء رجلٍ يعرف جيداً ماذا يفعل، وهتف:
ـ ابدوا يا اولاد وزعوا هدايا اولاد حتتكم .
وما إن نطق الجملة حتى اهتزّ الطريق الرئيسي للقرية بصوت محرّكات ضخمة، عشر عربات كاملة نصف نقل تشبه سفن الخير القادمة من بعيد.
كانت محمّلة عن آخرها بصناديق الحلوى وأطباق الطعام الكبيرة المربوطة بعناية، وروائح اللحم والفراخ المتبّلة تفوح حتى قبل أن تُفتح.
ركبوا السيارات، وانتشروا في طرق القرية كقناديل نور تتجه في كل اتجاه، ينفذون ما أمرهم به أبيهم دون تردد.
❈-❈-❈
اقترب «فارس» من أول بيت في صف البيوت الطينية القديمة، تلك البيوت التي يعرف أصحابها واحداً واحداً.
دق الباب برفق لكنه دقة ملؤها الاحترام والمحبة، وما هي إلا ثوانٍ حتى فُتح الباب وظهرت امرأة مُسنة، ظهرها منحني وعيناها تلمعان بفرح العيد.
ابتسم لها وهتف بصدق:
ـ عيدكم مُبارك .
ومدّ لها ثلاث علب حلويات، مزينة بأشرطة لامعة، ثم سلّمها صينية كبيرة مليئة بأنواع الطعام، لحم وفراخ وخيراتٍ لا تنتهي، وألعاب ملفوفة للأطفال تجعل القلب يبتسم من قبل أن تراها.
دخلت دعواتها قلبه قبل أن تدخل أذنه:
ـ ربنا يبارك فيك يا فارس وربنا يباركلنا في سراج يارب.
وفي البيت المجاور كان «نصار» يفعل الشيء ذاته، بوجهٍ مبتسم ويدين لا تتوقفان عن العطاء، وأهل القرية الواحد تلو الآخر يخرجون من بيوتهم بقلوب تفيض دعاءً ومحبة لعائلة «سراج».
❈-❈-❈
ثلاث ساعات ونصف
الشمس ارتفعت، والعرق ابتلّ جباههم، لكن خطواتهم لم تهدأ.
لم يتركوا بيتاً واحداً إلا ووقفوا أمامه، حتى آخر كوخ في طرف القرية.
وبعد أن تأكد «فارس» أنّ كل بيت نال نصيبه من الخير، اتجه إلى السيارة الكبيرة التي انتهى دورها تقريباً، وقال السائق بأسف وهو ينظر إلى المحرك:
ـ حقك عليا يا فارس والله العربيه عطلت وكلمت واحد يجي يصلحها حالا .
فردّ «فارس» وهو يربت على كتفه بطمأنينة حقيقية:
ـ ولا يهمك الله يعينك، هات المفاتيح واقفل العربيه، وخليه يجي علي بيت سراج وياخد المفاتيح مني، انما انت بقي روح واحتفل مع اولادك وعيلتك .
هز الرجل رأسه بخجل وتردد قبل أن يقول:
ـ لا يا فارس يا بيه انا موجود هنا ولما يخلص هجبلك المفاتيح لحد عندك .
ريم عليه «فارس» بنظرة عتاب خفيفة وصوت صارم لكنه دافئ:
ـ ما انت ماشي كويس وكنت بتقول يا فارس اي لازمتها البيه دلوقتي، هات بس مفاتيح العربيه، وانت روح احتفل في بيتك، زمان عيلتك دلوقتي مستنياك، وعيدك مُبارك يا صحبي .
كأن الكلمات أوقعت راحة في صدر الرجل، فابتسم ابتسامة واسعة وقال بامتنان صادق:
ـ ربنا يباركلك يارب، يا فارس يا بن عم سراج، واشوفك احسن واحد في الدنيا ويسعد قلبك يارب .
أعطاه المفاتيح وأغلق السيارة، ثم غادر وهو يردد الدعاء كأنّه أغنية عيد قديمة.
أما «فارس» فسار بخطواتٍ مطمئنة نحو بيت «سراج»، وذهنه يمتلئ بأصوات الناس ودعواتهم، وكأن القريه كلها تضع يدها على كتفه قائلة:
جزاك الله خيراً يا ابن الرجل الطيب.
وكان ذلك اليوم… يوماً لا يُنسى.
❈-❈-❈
«فارس» كان يغادر المكان بخطواتٍ ثابتة، لكنّه توقّف فجأة حين اخترق الأجواء صوتٌ غليظٌ عالٍ، صوتٌ يعرفه جيدًا صوت عمّه «سيد».
كان يصرخ في أحد رجاله، صوته يقطر غيظًا وكأن الحسد ينهش ما تبقّى في صدره:
ـ يعني كل ده جيبه، صحيح عيله سراج مش سهله وكل واحد منهم مش سهل .
كانت نبرة «سيد» نبرة رجلٍ رأى بأمّ عينه ما يكرهه، وما لا يستطيع أن يشبهه.
وحين التفت للخلف، وجد «فارس» يقف هناك، يتأمّله بابتسامةٍ هادئة تلك الابتسامة التي تحمل استفزازًا مقصودًا، كأنها طعنة لا تُرى. ثم قال بسخرية واضحة:
ـ بيتكلموا علينا وهمّا لا خلقة ولا أخلاق واللّٰه .
قالها ثم همّ بالرحيل، كأن وجود «سيد» أو غضبه لا يعني له شيئًا.
ولكنّ «سيد» لم يحتمل هذا التجاهل، فارتفع صوته فجأة، ممتلئًا بالحدّة، يجرّ خلفه الكبرياء المجروح:
ـ اتكلم معايا بطريقه كويسه، يا ولد انا اكبر منك، حتي اكبر من ابوك نفسه .
كانت الكلمة الأخيرة كأنها حجرٌ ضُرب في ماءٍ ساكن، فاهتزّ الجو كله.
وفي تلك اللحظة، ظهر «حازم» لاهثًا وهو يركض نحو «فارس»، وقد سمع آخر ما قيل.
أسرع وأمسك بـيـد «فارس» في محاولة لتهدئته وسحبه بعيدًا، لكن «فارس» توقّف دون أن يلتفت، وقال بنبرة تحمل استفزازًا هادئًا… لا يخلو من احتقار:
ـ احترامي للمحترم مش للكبير افرض إنك كبير وبتحب تجيب لنفسك التهزيق امنعك يعني .
تشنّج وجه «سيد» غضبًا، وكاد يردّ بعاصفةٍ كاملة، لكن «حازم» شدّ «فارس» بقوة أكبر، كأنه يخشى أن تنفجر الفتنة في لحظتها.
ابتعدا خطوة بعد خطوة، فيما بقي «سيد» واقفًا في مكانه، يغلي كالجمر تحت الرماد.
وحين ابتعدا بما يكفي، تنفّس «حازم» بعمق، ثم قال بعتابٍ ظاهر:
ـ اي اللي انت عملته ده يا فارس .
لكن «فارس» ظلّ صامتًا، لا يرفع نظره ولا يبادل الكلمة بكلمة.
فقال «حازم» مجددًا بنبرةٍ أهدأ، أشبه بنبرة رجل يحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه:
ـ تفضّل إنّ الناس تحبّك ولا تَحتَرمك؟؟ .
عندها نطق «فارس» لأول مرة، بجملةٍ قصيرة، خرجت كالسهم، بلا شرح، بلا التفات:
- تتلاشَاني .
ترددت الكلمة في الهواء كأنها بابٌ يُغلق.
تنهد «حازم»، وقد عرف أنه بلغ حدود الحوار.
فـ«فارس»… هو فارس.
يُصرّ على طريقه مهما كان، ويمشي كأنه لا يرى خلفه شيئًا… ولا ينتظر من أحدٍ أن يلحق به.
❈-❈-❈
كان «نصار» حين وصل إلى المنزل، يمسك بهاتفه بقبضةٍ متوتّرة وهو يحاول الاتصال بـ«فيروز».
كان قلبه يطرق صدره بقلقٍ لا يعرف سببه، وكلما رنّ الهاتف بلا إجابة، شعر أن شيئًا غير مفهوم ينساب في صدره كغيمة ثقيلة.
وحين يئس من المكالمة، فتح الإنترنت سريعًا، وانسابت صفحة الواتساب أمامه، ففوجئ بوجود رسالةٍ محذوفة منها.
تجمّدت نظراته فوق الشاشة، حاجباه انعقدا بدهشةٍ وقلقٍ معًا.
ثم رفع عينيه نحو الإشارة الخضراء
«فيروز» أونلاين.
هذا يعني أنّ الهاتف في يـديها وأنها تجلس الآن، تتحدّث مع أحد، ترى اتصاله ولا ترد.
تجاهلته؟
تجاهلته عمداً؟
نارٌ صغيرة اشتعلت في صدره، فكتب لها سريعًا وهو يراها مازالت «أونلاين»:
ـ والله؟؟
ـ الهانم بتكلم مين كده واونلاين ومش راضيه ترد علي اتصالاتي؟؟.
وانتظر.
دقيقة.
دقيقتان.
عشر دقائق.
وهي لا ترد.
ولا حتى تفتح الرسائل فقط ثابتة هناك، متصلة، وكأنها تراه ولا تريد الاقتراب.
عاود الاتصال مرّة، ثم ثانية، ثم عاشرة
ولا شيء.
ولا نفس.
وفي لحظة غيظٍ انفجرت فيه الأعصاب، رمى الهاتف فوق الأريكة بعنفٍ مكتوم.
«نصار» لا يحتمل التجاهل خصوصًا منها هي.
كانت أقرب الناس إلى قلبه فكيف يحدث هذا اليوم؟
تقدّم بخطواتٍ سريعة يريد أن يصعد لغرفته، لكن قبل أن يخطو أكثر، اخترق أذنيه صوتٌ مرحٌ من خلفه:
ـ اي يا عم الغيبه الطويله دي .
التفت فورًا، فوجد «فايزة» واقفة، يعلو وجهها ذلك الخبث اللطيف المعروف عنها.
ابتسم ابتسامة صغيرة محايدة، يخفي خلفها غليان قلبه، وهتف بلطف:
ـ ازيك يا فايزة، اخبارك اي، عيدك مبارك .
ابتسمت له بمحبةٍ طفولية، ثم نظرت إليه نظرةً ماكرة وقالت بنبرةٍ تغازل الأسرار:
ـ عيدك انت اللي مبارك اي يا بني طيب ربنا كرمك وجيت البيت عندنا، مش تسلم عليا، ده انا اللي خليت بابا ينشغل عشان ميزعكوش وانتوا في الأوضة .
تجمّدت ملامحه…
ارتفع حاجباه بصدمةٍ خالصة، وحدق فيها باستغراب:
ـ مش فاهم تقصدي اي؟؟؟ .
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم اقتربت خطوة وكأنها تلقي سرًا ثقيلًا:
ـ ايوا قول بقي واعمل نفسك بتستعبط علي العموم، فيروز هي اللي قالتلي ان نصار جاي، وانا اللي خليت بابا ينشغل شويه عشان هي تعرف تفتحلك الباب وتدخل، وقعدت للصبح كمان .
كلماتها سقطت فوق أذنيه كالمطارق.
وجهه ازداد شحوبًا.
عيناه اتّسعتا أكثر مما يجب.
وفايزة استمرت، غير منتبهة للعاصفة التي أثارتها في صدره:
ـ ده حتي ادتها عيديه في الصلاه ومتدتنيش، وقال اي تعالي قابلني عند الجبل، جبل اي يا ابو جبل وانت هتقابلها عند الجبل ليه هناك ده انت خطيبها وجوزها .
حدّق فيها بذهول، وصوته خرج متقطعًا:
ـ انا قولتلها تروح عند الجبل؟؟ .
فردّت بثقةٍ مصحوبة بخبثٍ بريء:
ـ ايوا طبعا وهي اللي قالتلي بنفسها ولما جيت ورتلي العيديه 3 الاف اللي ادتهم ليها، واسوره دهب، وكمان سلسله مكتوبه عليها اسمها، عايز اي اكتر من كده تاني عشان اثبتلك؟؟ .
قالت جملتها الأخيرة ثم تركته واقفًا هناك
وغادرت بخفّة، غير مدركة أنها تركت خلفها رجلًا سقط في دوامة لا يعرف أين بدايتها.
وقف «نصار» في مكانه، كأن الأرض تميد تحته.
هو كان منشغلًا منذ الفجر يصلي، يُجهّز، يوزّع الهدايا، يساعد القرية.
لم يرَ «فيروز» أمس ولا صباح اليوم
فمتى خرجت؟
مع من؟
ولماذا قالت ما لم يحدث؟
ولمن ذهبت؟
وماذا يعني كل هذا؟
سؤال وراء سؤال، والجواب.
لا وجود له.
كان يشعر أنّ شيئًا مظلمًا بدأ يتكوّن في صدره.
شيئًا اسمه الشك.
لم يدْرِ بنفسه إلا وهو يندفع خارج القصر كأن الأرض تضيق تحته، يخطو بخطواتٍ سريعة يكاد يسمع ارتطامها بالحجارة قبل أن يسمع أنفاسه نفسها، وكلّ ذلك تحت نظرات «فايزة» الحادّة التي كانت تتابع حركته بفرحٍ شيطانيّ لا تُخطئه عين.
كانت واقفة عند المدخل، راكزة كتفيها للخلف، تشبه من ينتظر سقوط الفريسة في الفخ الذي حاكته بمهارة.
وما إن أغلق الباب خلفه حتى أخَذَت هاتفها تُرسل رسائل قصيرة، دنيئة، سريعة واحدة لأبيه، وأخرى لتلك السيّدة التي تشاركها خطّتها الخبيثة، وكأنها تُعدّ المسرح لليلة مظلمة.
وبعد مضيّ ربع ساعة كاملة كان الوقت فيها يتثاقل عليه كأنه ساعة كاملة، توقّفت سيارة «نصار» أمام بيت عمّه «سيد».
دقّ الباب بقوةٍ غير معتادة، فيها نفاد صبر وارتباك داخلي يحاول إخفاءه.
وما لبث الباب أن فُتح حتى ظهر «سيد» بابتسامةٍ واسعة، دافئة، كأنه لا يشعر أن الدنيا كلها مقلوبة فوق رأس ابن أخيه.
ـ اهلا وسهلاً بابن الغالي .
قالها عمه بثقل رجلٍ فخور بقرابته، ثم أشار له بالدخول وهو يهتف بفخرٍ لا يخلو من محبّة:
ـ تعاله اتفضل .
دخل «نصار» البيت وهو يحاول أن يثبّت ملامحه، لكن عينيه لم تطيعا روحه، فسبقتاه إلى غرفة «فيروز»، كأن اسمه يخفق داخل صدره نبضًا لا يتوقف.
سأل بنبرة حاول جاهداً أن يكسوها بالهدوء، بينما أفكاره تشتعل كجمر:
ـ امال فين فيروز؟؟ .
كان «سيد» على وشك أن يدخل الصالة ليدعوه للجلوس، لكنه توقف فجأة، والتفت إليه بخفّة دهشة صافية:
ـ راحت عندك، هي قالتلي رايحه عند نصار .
شدّ «نصار» كتفيه دون قصد، وكأن السؤال لم يكن في خياله بل في دمه:
ـ من امتي؟؟ .
ردّ «سيد» ببراءة رجلٍ لا يدرك حجم الزلزال الذي يدور في صدر الآخر:
ـ من ربع ساعه قالت هشوف عيله نصار عايزين مساعده مني ولا لا، عشان زي ما انت عارف انا النهارده الحنه .
ساد الصمت لحظة، صمتٌ ثقيل كأنه ثياب مبللة تُلقى فوقه.
ثم تنفّس «نصار» وغيّر نبرة صوته لتصبح أقرب للاحترام والاتزان، يخفي فيها ما لا يريد أن ينكشف:
ـ طيب ممكن يا عمي تعملي كوبايه شاي بإيدك الحلوين دول.
ابتسم «سيد» بودٍّ صادق:
ـ عنيا .
وغادر للمطبخ، بينما استدار «نصار» نحو غرفة «فيروز» كأن خطواته تُسحب سحبًا إليها، لا تمشي. فتح الباب ببطء، فوجده السكون نفسه.
الغرفة كانت ساكنة، صامتة، بلا نفسٍ واحد يتحرّك فيها.
تقدّم خطوة، ثم أخرى وكل جزء فيها يصرخ بأنها لم تكن هنا منذ لحظات.
لكن الذي جذب انتباهه فجأة ذلك الدرج المفتوح.
اقترب منه ببطء، وكأن يده تخشى ما ستلمسه، ووجد داخله سلسلة ذهب، بسيطة، رقيقة ومعتادة.
كانت تلك السلسلة التي لا تفارق «فيروز»، المكتوب عليها اسمها، والـ أسوِرة الرخيصة الثمن، التي رغم بُساطتها كانت غالية عليها كأن قيمتها تُقاس بالذكريات لا بالمال، ومعهما مبلغ صغيرثلاثة آلاف فقط.
هنا تذكّر كلمات «فايزة».
تذكّر نظرتها.
تذكّر السمّ الذي دسّته في أذنه.
تهاوت قدماه كأنها لم تعد تحمل روحه، وجلس على الأرض يمسك الأشياء الثلاثة بكلتا يديه، يضمّها إلى صدره وكأنها آخر ما تبقّى له من عقل.
وضع يـ ـده على وجهه وهتف بصوتٍ منكسر، يتقطّع بين رفض ووجع:
ـ لا لا فيروز متعملش كده، يمكن في سؤء تفاهم، يمكن في حاجه غلط، فيروز حبيبتي متعملش كده، ولا تستجرأ انها تخوني لانها بتحبني بجد و….
لكن صوته انقطع
اختنق
تجمّد
لأن عينيه وقعتا فجأة على فلّانة رجاليّة بجانب السرير.
اقترب منها بقلقٍ يزأر داخل صدره.
أمسكها. فحصها.
كانت رجاليّة ولا تخص «سيد».
لا تشبه مقاسه، ولا شكلها، ولا مقاس رأسه، هذه تخص رجلاً شابًا، قويًا في نفس عمر «نصار» ونفس حجمه تقريبًا.
الصدمة ضربته كالرعد.
وبرقٌ داخلي بدأ يربط، يجمع، يفسّر،
كلمات «فايزة»
غياب «فيروز»
المال
السلسلة
الأسوِرة
والآن فلّانة رجل آخر تحت فراشها.
شعر وكأن قلبه يُسحب بيدٍ غليظةٍ من صدره.
وفجأة
بدأ عقلُه يصرخ دون صوت:
فيروز تخون؟
فيروز هي؟
فيروز التي يعرفها؟
مستحيل، مستحيل لكن الأدلة؟
لكن العقل؟
لكن هل يعقل؟
ومع ذلك، ورغم كل شيء.
كانت الصدمة أكبر من أن تُعالجها كلمة مستحيل.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية