-->

رواية جديدة قسوة نصار لتوتا محمود - الفصل 1 - الجمعة 5/6/2026

الجمعة, يونيو 05, 2026
تم النشر في: 5 يونيو 2026

قراءة رواية  قسوة نصار كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى





رواية قسوة نصار 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة توتا محمود


الفصل الأول

تم النشر يوم الجمعة

5/6/2026





كان صوت تكبيرات العيد الفطر يعلو من كل صوبٍ وحدب، يمتزج بين نغمة المآذن العالية، وصدى الميكروفونات الصغيرة أمام البيوت القديمة.

الهواء محمَّل برائحة الخبز الساخن واللحم المشوي الذي بدأ الأهالي في تجهيزه منذ الصباح، ومع كل نسمة تمر، تحمل معها شيئًا من دفء القرية وبهجتها، فـغداً عيد الفطر ، والكل يعيش فرحته بطريقته.

وفي قلب محافظة أسيوط، يقف قصر ضخم، فخم التفاصيل، يطل من شرفته الكبيرة على الحقول الخضراء الممتدة.

ورغم هيبته، إلا أن الدفء ينساب من داخله مع أصوات الضحك والحديث العائلي المتشابك، تتخلله خطوات الخدم في الممرات الرخامية اللامعة.

ومن داخل المطبخ الواسع الذي تفوح منه رائحة المانجا الطازجة والبهارات، علت نبرة صوت امرأة حازمة، لكن في ملامحها طيبة الأم التي لا تعرف إلا أن تهتم بكل صغيرة وكبيرة.

ـ يا فاطمه قولتلك مية مره ، متنسيش تعملي عصير مانجا لـ نصار يفطر بيه ، يا حبه عيني جاي علي هنا ، وصايم .

كانت "صفية" تتحدث بحماس وحرص، وهي ترتب الأطباق بعناية على المائدة الكبيرة، تتأكد أن كل شيء كامل، كما اعتادت أن تفعل كل عام قبل قدوم أبنائها. 

في تلك اللحظة، دوّى صوت ابنتها "سهر" وهي تخرج من الممر بخفة، ترتدي فستانًا صيفيًا فضفاضًا، شعرها مربوط للأعلى، وعيناها تشعان بالحيوية.

ـ يا ماما متحسسنيش انه نصار صغير ، ده نصار ما شاء الله عليه .

ضحكت بخفة، لكن "صفية" لم تبتسم، بل رفعت حاجبها ونظرت إليها بنظرة صارمة، وهي تضع يدها على خصرها، لترد بصوت يحمل خليطًا من الحب والغيظ:

ـ هيفضل برضوا نصار صغير مهما عملتوا ، ودايما هشوفه صغير لحد ما اموت .

لم تمضِ لحظة حتى انقطع الجو العائلي بنغمة حذاءٍ رجولي يطرق درجات السلم بخفة ومرح، وصوت مألوف يصدح وهو يهبط بخطوات واثقة:

ـ بعد الشر عليكي يا ست الكل ، ربنا يخليكي لينا وميحرمنيش منك ولا من نصار .

التفتت "صفية" تنظر إلى ابنها "فارس" الذي كان يهبط الدرج مرتديًا قميصًا أبيضَ مفتوح الأزرار من الأعلى، وعلى وجهه ابتسامة تفيض دفئًا.

وبداخلها مرّت لحظة قصيرة، لكنها عميقة، استرجعت فيها كل الذكريات... كيف لم تكن هي التي أنجبت "نصار" و"سالم" و"سميحة"، ومع ذلك كانت دائمًا لهم الأم الثانية، اليد التي امتدت لتربّي وتحنو، رغم أن العلاقة بينها وبين "حنان" لم تكن وردية يومًا. 

لكن يكفي أنها والدة لأبنائها، وأنها تحب أولاد "حنان"، وحنان تحب أولادها، وما بعد الحب إلا الرضا.

اقترب "فارس" بخطوات هادئة، وعيناه لا تفارق وجهها، ثم مد يده ليـ ـقبل يـ ـد والدته بمحبة، وهمس بعَتبٍ دافئٍ يذيب القلب:

ـ قولتلك ميه مره يا امي متجبيش سيرة الموت علي لسانك ، ليه مصممه تزعليني منك بس يا صفصف .

تأملت وجهه للحظة، وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، امتزجت بحنان الأم وخوفها من الفقد، ثم مالت نحوه وقـ ـبلت خده بلطفٍ وهي تهتف بنغمةٍ دافئةٍ تمسّ القلب:

ـ وانا ميرضنيش زعلك يا سيد الرجاله كلها ، وميهونش عليا .

وفي لحظةٍ طريفة، قطعت "سهر" المشهد بخفة ظلها المعهودة، تضع يدها على خصرها وتقول بمرحٍ مصطنعٍ وهي تضحك:

ـ انا بقول امشي انا من مسلسل العشق الممنوع ده ، لان مرارتي رايحه تتفقع ، وانا عندي مراره واحده.

تحولت نظرة "صفية" فورًا من الحنان إلى الغيظ، رفعت حاجبها ونطقت بنبرةٍ حازمةٍ تحمل تهديدًا واضحًا رغم ابتسامة خفيفة في عينيها:

ـ اتلمي يا بت ، ولمي لسانك ده ، شوف البت .

ساد بعدها صمتٌ قصير، ثم انفجر الجميع بضحكٍ جماعيٍ ملأ القصر دفئًا وفرحًا، امتزج صداه بصوت التكبيرات القادمة من بعيد... وكأن الحياة في تلك اللحظة كانت تحتفل معهم بطريقتها الخاصة.

❈-❈-❈

تجاهلها " فارس " وهو يهتف بمزاح :

ـ يعني انتي مش عارفه بنتك سيبك منها ، وبعدان يا بت انتي ، انتي مش وراكي مذاكرة ؟؟ .

قالها "فارس" بنغمةٍ تجمع بين الجد والمزاح، وهو يعتدل في جلسته على الأريكة الجلدية الضخمة وسط الصالة الفسيحة، كانت أشعة الشمس تتسلل من خلال الستائر الفاتحة وتنعكس على وجهه، لتمنحه ملامح أكثر صرامة رغم ابتسامته المرحة.

وهو ينظر إلى شقيقته المدللة التي لا تتعب من الجدل.

ردت عليه وهي تهتف بدلال :

ـ ما انا خدت اجازه بصراحه ، نصار مشوفتوش من سنتين وعايزه اقعد معاه ، وبعد كده نذاكر .

قالتها "سهر" وهي تميل بجسدها إلى الخلف، تداعب خصلات شعرها التي تنسدل فوق كتفيها برقة، وابتسامة صغيرة تتراقص على وجهها.

كانت كلماتها مليئة بالنعومة المصحوبة بالعناد، فـ"نصار" بالنسبة لها ليس مجرد أخ، بل قطعة من طفولتها التي افتقدتها، ومن الطبيعي أن تستغل هذا العذر لتبرر كسلها.

اقترب منها وهتف بحزم مثل والدته :

ـ مش عايز تقصير عشان هعلقك فاهمه ؟؟ ، انتي تالته ثانوية ، يعني كله بوقت .

وقف أمامها بخطوات ثابتة، يده على خصره، وصوته يحمل تلك النغمة السلطوية التي ورثها من والدته "صفية".

كانت نظراته حازمة، ونبرة صوته قوية بما يكفي لتجعل الهواء نفسه يتوقف لحظة بينهما. ومع ذلك، كانت "سهر" تنظر له بتحدٍ طفولي، كأنها تستمتع بإغاظته أكثر من أي شيء آخر.

ردت عليه هتفت ببرود وهى تهز كتفيها بدلال :

ـ والله انا عارفه ده كله ، وعلفكره براحتي ، انا اللي هدخل الجامعه مش انت ، انا مش زيك فاشلة .

قالتها وهي ترفع حاجبها بخفة، تقطع كلمتها الأخيرة بابتسامة جانبية صغيرة، وكأنها تعلم أن عبارتها ستشتعل في أذنيه كشرارة. 

أخرج "فارس" نفسًا طويلاً، وكاد أن يرد عليها بردٍ قاسٍ، لولا أن نبرتها الساخرة اختلطت بضحكتها الخفيفة التي كانت سببًا في تراجعه للحظة.

كاد ان يرد عليها ولكن صمتت حين تدخلت " حنان " وهى تعانـ ـق كتفه بمحبة :

ـ ونبي اتوكسي ، انتي تعرفي تدخلي كلية طب اسنان زي ما هو دخل ؟؟ .

دخلت "حنان" بخطواتٍ رقيقةٍ من خلفهم، رائحة عطرها المميز تعبق في المكان، فـهي دائمًا تظهر في اللحظة المناسبة لتطفئ أي خلاف قبل أن يشتعل. 

وضعت يدها على كتف "فارس" بحنانٍ أمومي، تميل برأسها نحوه وهي تنطق الجملة بنبرةٍ تجمع بين المزاح والعتاب، بينما عينيها تلمعان بالفخر بولدها.

هتفت ببرود بعد ما اطلقت ضحكة ساخرة :

ـ يبقي مش عارفة مستوي الدراسي ، انا في المستوى اللي انا فيه ده ، اجيب اعلي من نصار وسالم وفارس دهه ، انتوا مش عارفني ولا ايه لا صحصحوا كده معايا .

رفعت "سهر" رأسها بغرورٍ طفولي، ضحكت بخفةٍ وهي تشير بيديها كأنها تخطب أمام جمهور، وكلماتها تتطاير بخفةٍ في الجو.

كانت تتحدث بثقة مفرطة، تعلم أنها تثير غضب الجميع، لكنها لا تبالي. كانت تلك طريقتها في الحب، أن تمازحهم بطريقتها الصاخبة.

نكزتها " حنان " بغيظ وهتفت بجدية ولكنها بغيظ :

ـ بطلي ترخمي علي فارس يا بت انتي .

أرسلت "حنان" نظرة حادة، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامة صغيرة في طرف فمها.

نكزتها بخفة على ذراعها، وكأنها تقول لها: "كفاية دلع". بينما "سهر" كانت تضحك وتداري وجهها في وسادة صغيرة، تحاول ألا تنفجر من الضحك.

صاحت هي بعد ما لوت شفتيها بحسرة وهتفت بحزن مصطنع :

ـ ماما بتحب نصار وفارس وسالم اكتر مني ، وانتي بتحبي نصار وفارس وسالم وسميحه أكتر مني ، طيب انا اروح فين بس يارب .

قالتها وهي تضع يدها على صدرها بطريقة درامية مبالغ فيها، تغمز بعينيها وتزفر وكأنها بطلة مسرحية قديمة تتألم من ظلم العالم. 

حاولت أن تكتم ضحكتها لكنها فشلت، فكانت النغمة بين الجد والمزاح، بينما البقية يختنقون من كتم ضحكهم.

بينما اكملت وهى تهتف بلهفة وهى تضحك بمزاح :

ـ بقولكم ايه ، ما تجوزوني احسن ، علي الاقل جوزي يحبني أكتر زي ما بابا بيحب صفصف كده .

سكتت الغرفة فجأة...
ضحكتها تلاشت شيئًا فشيئًا حين لاحظت النظرات التي تبادلتها "حنان" و"صفية"، نظرات صامتة لكنها مليئة بالألم القديم. اختفت ابتسامة "حنان"، وبدت ملامحها وكأنها تذكّرت جرحًا لم يندمل بعد.

فـهي تعرف جيدًا أن زوجها "سراج" لم يحبها أبدًا كما أحب "صفية".

تراجعت ببطء وجلست على الكرسي المقابل، كأنها غاصت في بحر من الذكريات. تذكّرت حين أجبره والده على الزواج منها رغم رفضه، وتذكّرت نظرة عينيه الباردة يوم زفافهما، عندما جاء إلى القصر ممسكًا بـيـ ـد "صفية" وهي في فستانها الأبيض، عروسًا مذهلة والعالم كله حولها يصفّق، بينما قلب "حنان" يتهشّم بصمت.

كانت "حنان" تبتلع غصتها كل يوم، تراقبه من بعيد وهو يضحك مع زوجته الثانية، بينما تضع على وجهها ابتسامة مصطنعة أمام الجميع. كانت تعلم أنه يحب "صفية" أكثر من أي شيء.

كانت تراها النور الذي يسكن عينيه والكلمة التي تذيب صلابته.

لكنها لم ترحل.
لم تفكر يومًا في تركه، لأن قلبها كان يسكنه حبًا صامتًا لا يُقال.
ولأن أولادها... أولادها كانوا الدنيا بأكملها.
ولأنها تعلم أن "سراج" قد لا يحبها، لكنه يحبهم بجنون، وخاصة "سالم" و"نصار".

فكيف تهرب وهي تعرف أن فراقهم يعني أن يُنتزع قلبها من بين أضلعها؟

كانت تعرف أيضًا أن عاداتهم لا تسمح بالانفصال، فـ المرأة تظل في بيتها حتى آخر نَفَس، تموت واقفة لكنها لا تترك بيت زوجها. لذلك اختارت أن تبقى، تحب بصمتٍ، وتغفر بصمتٍ، وتعيش في ظل حب لم يكن لها يومًا.

أفاقت من شرودها حين نكزتها "صفية" برفق، تنبهها إلى أن "سهر" مازالت تقف في المنتصف، وجهها محمر من الإحراج.

اقتربت الفتاة بخطواتٍ سريعةٍ وعانـ ـقت والدتها "حنان" وهي تهتف بلهفة واعتذار :

ـ اسفه يا ماما حنان ، انتِ عارفه اني دبش .

نظرت إليها "حنان" بنظرةٍ دافئةٍ غلبت فيها دموعها، ثم ابتسمت بخفةٍ وهي تعانقها أكثر، وكأنها تقول: "ولا يهمك يا بنتي".

ابتسمت لها وبدلتها العنـ ـاق ، فهى بالطبع تتشاجر كثيراً مع " صفية " ولم يتأقلموا وجود بعضهم البعض ، ولكنها تحب اولادها ، " سهر " و " فارس " تحبهم أكثر من اولادها ، فهى لم تكره اولادها يوما ما ، و " صفية " لم تكرهه اولادها ايضاً ، لذلك هذا الشئ المميز بعلاقتهم .

ردت عليها بمحبة بعد ما خرجت من اعنـ ـاقها :

ـ مفيش كلمة اسفة ما بينا ، وبعدان انتي مش دبش ولا حاجه ، دي تلقائية ، واحلي فيكي تلقائيتك .

ختمت حديثها وقبـ ـلتها من خدها بحب ، مما ابتسمت " صفية " علي هذا المشهد ، وهي تتمنى من قلبها أن عائلتها لا تصيبها اي مكروه ، ويحميها من العين .

وفي تلك اللحظة، كان البيت كله يفيض دفئًا كأن العيد حلَّ مبكرًا...
ضحكاتهم تملأ الأركان، وأصواتهم تختلط بتكبيرات العيد من بعيد، والسماء فوق القصر تبدو وكأنها تبتسم لهم هي الأخرى.

❈-❈-❈

في نفس القصر، في الطابق السادس

الهدوء كان يُخيّم على المكان إلا من صوت المكيف المتقطع، والستائر الحريرية التي تتحرك بخفة مع نسمات المساء.
جناح "سميحة" الواسع كان يعبق برائحة عطرها الفخم، والجدران تلمع بظلال ذهبية تحت الأضواء الناعمة، والمرآة الكبيرة تعكس مشهدًا مليئًا بالتوتر الخفي.

كان "علي" يقف أمامها، يرتدي قميصًا أبيض أنيقًا، أكمامه مطوية حتى منتصف ساعديه، نظراته في المرآة لا تراقب نفسه بقدر ما تراقبها "سميحة".
التي جلست على حافة الأريكة المخملية، ممسكة بهاتفها، ملامحها باردة، وكأن لا شيء في العالم قادر أن يحركها.

اقترب منها بخطوات بطيئة، وصوته الهادئ يحمل خلفه انفعالًا مكتومًا:

ـ سميحة عايزه اتكلم معاكى .

همهمت بملل من غير ما ترفع عينيها عن الهاتف، كأنها لم تسمع، فاقترب أكثر ومد يده برفق، وسحب الهاتف من بين أصابعها بخفة، لتلتفت نحوه فجأة، نظرتها حادة وجادة:

ـ خير يا علي ؟؟ .

بينما اكملت وهى تهتف بملل:

ـ انا معاك في اي كلام هتقوله ماعدا الكلام اللي بيضايقيني وبيخلينا نتخانق .

ابتلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج هادئ لكنه مشحون بالضيق الدفين:

ـ يا حبيبتي انا مش مرتاح هنا ، مهو البيت بتاعنا جهز من ساعه ما اتجوزنا ، ايه لازمتها انه احنا نقعد هنا ؟؟ .

نظرت له بحدة، نظرة امرأة معتادة أن يكون كل شيء تحت سيطرتها، نظرة فيها تحدٍّ أكثر من حوار، وردت ببرود:

ـ عشان انا مرتاحه ، مرتاحه يا علي ، انا مش هرتاح في اي بيت غير بيتي .

كان يحاول أن يتمالك نفسه، فجلس بجوارها ومد يده ليحتوي كفها المتوترة، وصوته ناعم، صادق جدًا:

ـ يا حبيبه قلبي وهناك بيتك برضوا ، ولو عايزه تزوري اهلك في اي وقت ، انا معنديش اي مشاكل .

لكنها سحبت يدها فجأة بعنف، وكأن لمسته تحرقها، ووقفت بخطوة غاضبة تهتف بعناد واضح:

ـ قولت لا يعني لا ، اللي هناك مش بيتي ولا هيبقي بيتي ، انا مرتاحه هنا ، ومش همشي من هنا غير علي موتي .

تغيرت ملامحه تمامًا، وخرج صوته هذه المرة قاسيًا، كأنه طُعن في كرامته:

ـ انا بقي مش مرتاح ، وعايز امشي ، وانتي مراتي ، وهنمشي انا وانتي قريب سواء برضاكي او غصب عنك .

ضحكت ضحكة عالية، ساخرة، صوتها ارتطم بجدران الغرفة الهادئة كالسهم:

ـ نعم ، نعم ، مين دي اللي هتمشي غصب عنها ، انت شكلك متعرفنيش كويس ، لا فوق كده يا حبيبي واعرف بتكلم مين ، انا هقعد مش ماشية من هنا ، ولو انت عايز تمشي مع السلامة ، الباب يفوت جمل .

تراجع خطوتين للخلف، ووجهه امتلأ بالذهول، وصوته خرج متقطع بين الصدمة والخذلان:

ـ ده انا ؟؟ ، الكلام ده ليا انا يا سميحة ؟؟ .

اقتربت خطوة للأمام وهي ترفع حاجبها بتحدٍّ:

ـ ايوا يا حبيبي ليك ، ولو كنت فاكر ان سميحة القرشانه اللي مبتسكتش عن حقها ، تسكتلك تبقي غلطان اوى .

ثم وضعت يـ ـدها علي خصرها في غرور واضح، وهي تميل برأسها قليلاً وتكمل بلهجة ساخرة مليئة بالدلال السام:
ـ وبعدان مش مرتاح ليه يا عنيا ؟؟ ، بتأكل احسن أكل ، وبتشرب احسن شرب ، وبتلبس احسن لبس ، عايز تسيب العز ده كله وتروح الفقر برجليك ؟؟ .

تجمد مكانه، نظر إليها بصدمة، وصوته خرج خافت لكنه موجوع، كل كلمة كانت خنجرًا بطيئًا يغرس في قلبه:

ـ بيتي انا فقر يا سميحة ؟؟ .

سكت لحظة، رفع عينيه إليها ونبرة الحسرة تتصاعد منه كأنها تنهيدة رجل مكسور:

ـ طالما انا فقر قبلتي تتجوزيني ليه يا سميحة ؟؟ .

ارتجفت، واتسعت عيناها، كأنها أفاقت من غفوة الكبرياء، شفتاها ارتعشت وهي تهمس:

ـ لا يا حبيبي مقصدش والله ، يتقطع لساني لو و....

لكنها لم تكمل، فقد قطعها صوته، كان قويًا هذه المرة، لكن خلفه وجع دفين، وجع رجل يشعر أنه فقد نفسه في حب لم يُقدّر:

ـ كفاية يا سميحة كفاية لحد كده .

تركها واقفة مذهولة، وغادر بخطوات سريعة، وصوت الباب وهو يُغلق خلفه كان كصفعة أيقظتها من غفلتها.

بقيت تنظر لمكانه الفارغ، قلبها يدق بعنف، وشعور بالندم يغمرها حتى الاختناق، رفعت يديها في الهواء بغيظ وصاحت وهي تضرب صدرها بيدها:

ـ جدعه يا بنت سراج جيتي تكحيلها عميتها .

سقطت على الأريكة بضعف، وضغطت على وجهها بكفيها، والدموع بدأت تتجمع رغمًا عنها. 

وفي الخارج، كان "علي" يسير في ممر القصر الطويل، كل خطوة منه تحمل وجعًا أعمق، وداخل صدره نار لا تنطفئ نار حب لا يُفهم، وكبرياء لا يُشفى.

❈-❈-❈

كانت "ورد" لا تملّ من النظر إلى الساعة؛ كل دقيقة تمرّ كانت تبدو لها عمرًا، ترفع عينيها من الطهي أو من ترتيب الصحون ثم تعود لتحدق في عقارب الوقت كما لو كانت تنتظر نَفَسًا يخرجه من صـ ـدرها.

الوقت في ذلك اليوم كان يسير ببطءٍ قاسٍ، وكأن كل ثانية تمتدّ لتجعل الشوق أكبر وأكثر وطأة على صدرها.

المطبخ كان ينبض بحركة الخادمة والخبّاز، أصوات أواني تُرتب، رفوف تُفتح وتُقفل، ورائحة البهارات الطازجة تمتزج برائحة زيت قليٍ خفيف لكن وسط كل هذا الضجيج العملي كان هناك هدوءٌ داخلي في "ورد" مختلف تمامًا؛ هدوء أمامه عاصفة. 

كانت تساعد الخدم بأيديها النحيلة، تعصّر الليمون برفق، تقطع البصل بعناية، ترتب الأطباق كما لو أنها ترتّب لحظة لقاءٍ مُنتظَر.

لم تصدق قلبها أن "نصار" سيعود اليوم؛ كلمات الخبر ما زالت تُداعب أذنيها كحُلمٍ جميل لم تُجرّبه من قبل. 

مرت سنتان منذ أن غاب؛ سنتان كانتا كفيلتين أن تزرعا في صدرها مزيجًا من الفقد والحنين والأمل. 

كانت تشتاق لملامحه ليس فقط لشكله، بل للطريقة التي تبتسم بها عيناه حين يُذكَر أمرٌ طريف، للطريقة التي يرتخي بها حاجباه عندما يُفاجأ بشيء. 

كانت تشتاق لضحكته التي كانت في قلبها تُرفرف كما لو أنها طائر صغير، تطوف وتعود لتجلس على صدرها.

وما يُثقل صدرها أكثر أن محبّة "نصار" ليست لها وحدها؛ هو محبّ "فيروز" أيضًا، وقد كتب كتابه عليها قبل سفرةٍ طويلة. هذا الواقع كان كتعكّر في كوبٍ من عسل؛ طعمه حلو لكنه حامض معًا. 

"ورد" تمنّت في سرّها أن يكون لها نصيب، تمنّت أن يسكن قلبه بقليلٍ من احساسها، لكنّ نبلها وعمق حبها جعلاها تُقدّم سعادته على رغبتها، فعلاً لا تهمّ مشاعرها بقدر ما يهمّها أن يراه سعيدًا.

كلّ هذا الحب الخفي لم يمنع قلبها من التوتّر بل زادَه. 

حين كانت تمرّ بحقل الذكرى المتداخل مع الواقع، كانت تمسح كفيها على مريولها، تتأكد أن طقم المائدة لا يحمل آثار بصماتٍ، تتأكد أن بريق الأواني متناسق، أن نار الطهي 

على درجةٍ مناسبة لا تحرق الطعام ولا تتركه نصف مطبوخ. كل تفصيلة كانت بالنسبة لها رسالة: "لو رآني اليوم، أريد أن يرى أفضل ما فيّ".

فتحت مرآتها الصغيرة التي تعلّق بالقرب من الرفّ، وألقت نظرة خاطفة على هيئتها؛ العباية الاستقبالية مُصفّفة بعناية، قماشتها نظيفة، حجابها يحيط بوجهها بطريقة تُبرز جمالها الطبيعي دون تكلّف. 

لم تكن التبرّج هدفها، لكن النظافة والترتيب كانا لهما معنى خاص احترام للضيف، احترام للذة اللقاء المنتظر. 

ابتسمت بقبولٍ داخلي، وسحبت خصلة من شعرها خلف أذنها كما تفعل كل امرأة حين تودّ أن تُوقِف قلبها عن الخفقان القوي.

رجعت لتساعد الخدم مرة أخرى؛ حملت صينية فيها أطباق صغيرة، رتّبتها ببطء كما لو أنها تُنظّم كلماتها حتى لا تُخطئ في التعبير. 

عملت طبق "نصار" المفضّل بتركيزٍ لا يتزعزع: تعدّ المكونات بعناية، تُضيف الملح بقدرٍ مناسب، تُقلب الصلصة حتى تأخذ القوام الذي يعرفه هو، وتضع لمسةٍ أخيرة من الخِلة التي تذكرها بابتسامته.

كانت تتخيله أمامها ليس فقط يأكل، بل يغمض عينيه وهو يستمتع، يلتقط قطعة بخفة، يبتسم لهدفٍ داخلي، ثم ينظر إليها بنظرةٍ عابرة تفيض بالعرفان والراحة.

بين كل حركة وحركة، كانت تُعيد ترتيب إخراج الأغطية، تمسح الطاولة بقطعة قماشٍ ناعمة، وتختار الزهور البسيطة التي ستوضع في وسط المائدة وردتين صغيرتين بلون الشفق تذكرها باسمه أحيانًا. 

كل شيء كان منظّمًا بعناية، لأن اللقاء بالنسبة لها لم يكن مجرد رؤية عابرة؛ كان مناسبة تاريخية في ذاكرة قلبٍ لم تهدأ.

خارج المطبخ، من نوافذ القصر، كانت تكبيرات العيد ما تزال تبدو بعيدة لكنها حنونة، تضيف خلفية صوتية للانتظار. أحيانًا كانت تتوقف ، تلتقط نفسًا عميقًا، وتهمس في سرّها: "يا رب ليّسه بخير، خلي عيوني تشوفه، ولو حتى للحظة".

ومع اقتراب وقت الوصول، زاد النبض في عنقها؛ أحست ببرودةٍ طفيفةٍ في يديها كأن ظروف اللقاء تمتحن ثباتها.

رتّبت منديلًا على يديها لتخفي ارتعاشها، مسحت وجهها بسرعة، ثم عدت لتقف بالقرب من باب المطبخ تطل على الصالة، عينها تبحث في الممر كأنها تلتقط أي بادرة خطوات.

في قلبها كان أملٌ بسيط، أن يكون اللقاء خاليًا من الغضب، أن يرفرف بينهما سلام ما، أو على الأقل كلمة طيبة من شوق. 

أمّا ما كان أكثر ما تتمنى فكان أن يرى فيها إنسانة صادقة، لا تريد شيئًا له سوى سعادته ولو ابتسامة قصيرة تُطفئ نار انتظارها بسُكّر.

❈-❈-❈

كانت "فيروز" جالسة في الحديقة الواسعة التابعة للقصر، تتأمل المكان من حولها وكأن كل وردة فيه تعرف سرّها، وكل نسمة تمرّ بها تهمس باسم "نصار".

كانت عيناها لا تفارق البوابة لحظة واحدة، كأن قلبها عالق بين حديدها الأسود ينتظر أن يُفتح ويطلّ منه حلمها المنتظر.
وضعت يدها برفق على بطنها الصغير المنتفخ قليلًا، وهمست بابتسامة باهتة:
كأنها تهمس لطفلها، «بابا جاي يا حبيبي، بابا جاي.»

مدّت يدها لتفتح هاتفها، تتصفح صوره التي اعتادت أن يرسلها لها بين حينٍ وآخر، كل صورةٍ له كانت كأنها رسالة من قلبه تخبرها بأنه ما زال يشتاق، وكل نظرة من عينيه الرماديتين داخل الشاشة كانت توقظ فيها ألف نبضة حب.
تأملت وجهه الذي حفظت كل تفاصيله: التجاعيد الخفيفة عند ابتسامته، الغمازة التي لا تظهر إلا حين يضحك من قلبه، نظراته الثابتة التي تشعرها بالأمان وكأن العالم كله يتلاشى أمامها.

اشتاقت له.. اشتاقت لأحضانه الدافئة، لهمساته التي كانت تتسلل إلى أذنيها برقة، لصوته الخافت حين يناديها باسمها وكأنه يخشى أن يسمعه أحد.

اشتاقت لوجوده الذي كان يملأ البيت بالحياة.

لقد أحبته منذ كانت صغيرة، ومنذ أن نطقت قلبها أول مرة نطقت باسمه، والآن أصبحت زوجته.. حلمها الذي انتظرته سنين طويلة تحقق أخيرًا، وها هي تحمل داخله قطعة منه، قطعة من "نصار".

لم تكن زيجتهما كما كانت تحلم، لا زفة ولا فستان أبيض، فقط كتب كتاب وسفر سريع، وعدٌ بأن تكون الزيجة الكبرى بعد زفاف شقيقه.

ومنذ ذلك الحين، وهي تعيش على ذكراه، تنتظر رسائله، وتستمد الحياة من صوره.

مرت ثلاثة أشهر منذ آخر لقاء جمعهما، حين عاد خصيصًا لرؤيتها.. لم يطق البعد، ولم تستطع هي أن تنسى لمسة يده في تلك الليلة. ومنذ ذلك الحين، وهي تحمل في أحشائها سرّه، هديته التي لم يعلم عنها بعد.

لكن اليوم... اليوم ستخبره، ستقول له كل شيء، وسترى في عينيه الدهشة الممزوجة بالفرح.

هي لا تخاف شيئًا، لا والدها ولا العالم كله، طالما "نصار" معها، فهي بخير... بخير وأمان لا يشبه أي أمان.

أغمضت عينيها، استسلمت لنسمة باردة داعبت وجهها بخفة، فابتسمت بخدر، كأنها تشعر بقلبه يقترب منها، وكأن تلك النسمة كانت تمهّد لوصوله.

وفجأة... دوّى صوت فتح بوابة القصر الحديدية.

قفز قلبها من مكانه، دقاته تلاحقت كأنها طبول في صدرها، ارتجفت من الحماس، وقامت واقفة بسرعة، وركضت نحو البوابة، نسيت كل شيء، حتى طفلها في أحشائها.
وعندما وصلت، لمحت سيارة فاخرة تتوقف أمام القصر، لم ترَ مثلها من قبل.

تقدمت خطوة بخطوة، عيناها تحدقان بالزجاج الأمامي حتى التقتا بعينيه... نصار!

لم تتمالك نفسها، اتسعت ابتسامتها، ودموعها كادت تتساقط من شدة اللهفة.
أما هو، فبمجرد أن رآها، رفع نظارته الشمسية ببطء، لتظهر عيناه الرماديتان اللتان لمعتا بالشوق والدفء ذاته.
فتح باب السيارة بخطوة ثابتة، خرج، وقف لحظة يلتقط أنفاسه وكأنه لا يصدق أنها أمامه بعد طول غياب.
كان يرتدي قميصًا أبيضَ ناصعًا، أزراره العلوية مفتوحة قليلًا، تكشف عن جزءٍ من صدره العريض الذي لم يفقد صلابته رغم السفر. 

بنطال أسود أنيق يبرز طول قامته، ووجه يزداد وسامة كلما أشرق عليه ضوء الشمس.

اقترب منها بخطوات سريعة، والابتسامة لا تفارق وجهه، وكل نبضة في صدره تنادي باسمها.
وحين صارت أمامه، لم يتمالك نفسه، جذبها إليه بعنفٍ واشتياقٍ، وعانقها بقوةٍ جعلتها تشعر كأن عظامها تتفتت بين ذراعيه، لكنها لم تردّ الفعل إلا بمزيدٍ من العناق.

دفن وجهه في عنقها، يتنفس رائحتها التي حُرم منها طويلًا، وقال بصوتٍ مبحوحٍ يقطر شوقًا:

ـ وحشتيني أوي يا فيروزي.

شهقت، واغرورقت عيناها بالدموع، وردّت عليه بصوتٍ مرتجفٍ وهي تضمه أكثر:
ـ وانت كمان وحشتني يا قلب فيروزك.

تعلقت به كطفلة وجدت حضنها الضائع، يداها الصغيرة تسللت إلى شعره، واليد الأخرى تستقر على ظهره، تشعر بحرارته تخترقها، وكأنهما جسد واحد.

رفعها عن الأرض، لتصل إلى مستواه، وضمها بقوةٍ أكبر، وكأن المسافات كلها التي بينهما تختفي في تلك اللحظة.

من بعيد، كان "سالم" يقف يراقب المشهد بابتسامةٍ صادقة، عيونه تلمع بفرحٍ حقيقي لأخيه.

تذكر اتصاله به صباحًا، حين أخبره أنه سيعود فجأة ليفاجئهم جميعًا.
ذهب سالم إلى المطار بسرعة البرق، ليكون أول من يستقبله، لكنه حين رأى الآن كيف يحتضن "فيروز"، فهم أن المفاجأة الحقيقية كانت لها، لا لهم.

همس سالم في نفسه بدعاءٍ صادق:
"يارب اجمعهم دايمًا، واحفظهم من كل شر، وخلي بيتهم عمره ما يتخرب."

وفي الداخل، كانت الضحكات تملأ القصر، والحديث يدور بين الجميع في جوٍّ من البهجة، إلى أن خرجت "ورد" من المطبخ بعد أن أنهت تجهيز كل شيء، تمسح يديها وتشاركهم المزاح، لكن الأصوات سكنت فجأة حين هتف عماد الجنايني بصوتٍ عالٍ مليء بالحماس:
ـ نصار بيه جاي! نصار بيه جاي!

❈-❈-❈

أما "صفية" و"حنان" فقد اندفعتا من مكانهما، وصاحتا باسمه بصوتٍ واحدٍ تختلط فيه اللهفة بالدموع،
ـ نصااار!

ذلك النداء الذي اخترق الهواء فانتبه له فورًا، فرفع رأسه من اعنـ ـاق "فيروز" ببطء، ابتسامته الهادئة تلمع على وجهه، عيناه اللامعتان تشعّان حبًّا واشتياقًا، وكأن كل غيابه الطويل تبخر في لحظة.

ابتعد عنها على مضض، وكأنه يترك قطعة من نفسه خلفه، واتجه بخطواتٍ سريعة نحو والدتَيه، وملامحه تفيض شوقًا، كل حركة منه كانت تخبرهم أنه لم ينسَ لحظة من حنانهما، لم يغب قلبه عنهما وإن غاب جسده.

اقتربت منه "حنان" بخطواتٍ متعثرة من شدة اللهفة، وذراعاها مفتوحتان تنتظره كأنها تنتظر ولدها بعد غياب عمرٍ كامل، فاقترب منها بلهفة وعانـ ـقها بشدة، عانـ ـقها كما لم يعانق أحدًا من قبل، وكأن صدرها وحده هو الوطن الحقيقي.

كانت "حنان" ترتجف بين ذراعيه، تشمّ رائحته، تلمس شعره بيديها كأنها تتأكد أنه ليس حلمًا، ودموعها كانت تنحدر بلا توقف وهي تقبّله من خده بحنانٍ غامر، وتهتف بصوتٍ مخنوقٍ بالدموع:

ـ وحشتني اوي اوي اوي يا نصار.

بينما هو، وعيناه تغرقان في عينيها، رد عليها بصوتٍ دافئٍ صادقٍ يقطر حنية:

ـ وانتي وحشتيني أكتر يا امي.

ضمّها أكثر للحظة، وكأنه يريد أن يسرق من صدرها كل الحنين الذي فاتهما، ثم خرج من اعنـ ـاقها ببطء، ليرى "صفية" واقفة تنظر إليه بعينين مغرورقتين، دموعها تهتز على وجنتيها دون صوت.

لم ينتظر لحظة، أسرع نحوها، ارتمى في احـ ـضانها كما يركض طفلٌ نحو الأمان، وعـ ـانقها بحبٍ حقيقيٍ وامتنانٍ خالص.

كانت "صفية" ترتجف من شدة التأثر، ودموعها تتساقط على كتفه وهي تهمس بين شهقاتها:
ـ ياااه يا نصار... غيبتك وجعت قلبي.

أما هو فشدّها أكثر إليه، وقال بخفوتٍ يملؤه صدق:

ـ وحشتيني يا أحنّ الناس، إنتي أمي التانية اللي ما خلفتنيش بس ربّت قلبي على الطيبة.

كانت تلك اللحظة دافئة بكل معانيها، مشبعة برائحة الحنين والمودة القديمة.

خرج من اعنـ ـاقها لينظر إلى "فارس"، فابتسم الأخير له بعينين دامعتين، لم ينتظر كثيرًا، تقدّم نحوه واحتضنه هو الآخر بحرارة، كأن كل الذكريات بينهما انفجرت دفعةً واحدة.
ضحك "فارس" بخفوتٍ وهو يربّت على ظهره:

ـ مش مصدق إني بشوفك بعيني تاني بعد سنتين يا مجنون.
ـ ولا أنا مصدق إني رجعت وسطكم يا فارس.

وبعد أن خرج من اعنـ ـاقه، أخذ يسلم على باقي أفراد العائلة، كل واحدٍ فيهم له مكان خاص في قلبه، وكل سلامٍ كان يحمل بين طياته حكاية وذكرى.

أما "ورد"، فكانت تقف هناك على بعد خطوات، تتابع كل حركه له، كل ابتسامة، كل التفاتة، عيناها الواسعتان تمتلئان بالشوق، لكنها لم تجرؤ أن تناديه، لم يلحظها هو وسط الزحام، وكأنه لم يرها أصلًا، وكأن القدر أراد أن يعذبها بصمته.

وقفت تنظر إليه حتى غاب عن بصرها داخل القصر، ثم تنفست ببطء، ابتسامة حزينة تسللت لشفتيها، ابتسامة مكسورة كأنها تقول: حتى وجودي ما بقى له معنى قدامه.
ثم لحقت بهم بخطواتٍ بطيئة، تخفي وجعها بابتسامة واهية.

دخل "نصار" والكل يلتف حوله بالحب والضحك، فجلست "حنان" بجانبه لا تفارقه، بينما "صفية" تضع أمامه كل ما في قلبها من دعاءٍ واهتمامٍ في نظراتها.

نظرت له "حنان" وهي تمسك وجهه بكفيها بحنان أمٍ تخشى على وليدها:

ـ قولي يا ضنايا مالك خاسس كده ليه، انت مكنتش بتاكل ولا اي يا ولا.

ضحك بخفة، ابتسامة هادئة تلمع على شفتيه، ثم نظر إلى "صفية" بخبثٍ لطيفٍ وقال وهو يغمزها:

ـ ما تقوليلها حاجه يا صفصف؟؟

ضحكت "صفية" برقةٍ وهي ترد بودٍّ أموميٍ دافئ:

ـ معاها حق يا قلب صفصف، بقي ده منظر واحد جاي من برا؟ شوف وشك عامل إزاي؟!

كاد أن يرد عليها، لكن "فارس" قطع اللحظة بنبرةٍ مليئةٍ بالملل وهو يمد يده نحو كوب الماء:

ـ سيبوه الواد في حاله بقي الله يكرمكم، وابدوأ حطوا الفطار، لان قرأن المغرب اشتغل خلاص.

ضحك الجميع بخفةٍ وهم يتحركون نحو السفرة الكبيرة التي كانت تنتظرهم منذ الصباح، بدأ صوت الأطباق يملأ المكان، والفتيات يهرعن من كل اتجاه، يحملن العصائر والتمر والطعام، أصواتهن تتداخل مع ضحكات الشباب وهم يتحدثون عن سفر "نصار" وحكايته في الغربة، كيف عاش، وكيف تعب، وكيف اشتاق إليهم جميعًا.

وبينما كان الجو يمتلئ بالدفء، دقّ باب القصر بلطف، ليدخل "سراج السعداوي"، رجل القرية وعمدتها، بخطاه الهادئة وهيبته المعتادة.

ما إن رآه "نصار" حتى نهض فورًا من مكانه، واتجه نحوه مسرعًا، وقبّل يـ ـده باحترامٍ شديد، ثم عانـ ـقه بأشتياقٍ صادقٍ طال انتظاره.

ـ وحشتني اوي يا نصار كنت خايف اموت من قبل ما اشوفك.
قالها سراج بصوتٍ واهنٍ تملؤه الرجفة.

فابتسم نصار وهو يشدّه إليه أكثر قائلًا:
ـ متقولش كده يا حبيبي، ربنا يطول في عمرك ومشوفش فيك أي حاجه وحشه، وبعدان يعني مكنوش سنتين يعني يا حج.

أنهى كلامه وهو يقبّل رأسه بمحبةٍ خالصة، ابتسامة دافئة تملأ وجهه، ودفء اللحظة يُشعل المكان.

وفي تلك اللحظة بالذات، دوّى مدفع القرية يعلن عن وقت الإفطار، ليتبعه بعد ثوانٍ صوت الأذان بصوتٍ رخيمٍ يملأ القصر كله بالسكينة.

جلس الجميع على السفرة، تبادلوا نظرات مليئة بالدعاء والحمد، كلٌ منهم أغلق عينيه لحظةً قبل أن يبدأ، كلٌ دعا ربّه بطريقته، ثم مدّوا أيديهم معًا للتمر، كما أوصى الحبيب صلى الله عليه وسلم، وكأن تلك اللحظة المقدسة توحدهم أكثر من أي وقتٍ مضى.

شربوا الماء، ثم العصائر، وضحكاتهم تختلط بأصوات الأكل والكلام.
لكن "سراج" لم يستطع أن يمنع دهشته حين لاحظ أن "حنان" و"صفية" تركتا أماكنهما المعتادة بجانبه، وجلسن بجانب "نصار" يُطعمانه بحنانٍ زائدٍ أمام الجميع، وكأنهما تتنافسان على من تُشبع حنانها أولًا.
نظر إليهما بدهشةٍ ممزوجةٍ بابتسامةٍ خفيفة، ثم هزّ رأسه بخفوتٍ قائلًا لنفسه:

"هو ده نصار... اللي بياخد القلب غصب عنك."

هتفت حنان وهي تضع له الأكل في فمه :

ـ كُل يا قلب امك كُل ده انت خاسس و وشك اصفر.

كانت عيناها لا تفارقه لحظة واحدة، تتأمل ملامحه كأنها تكتشفها من جديد، يداها ترتجفان قليلًا وهي تمسك الملعقة، فيها حنان سنين طويلة غابت عنه، وكأنها تعوض غيابه لقمة بلقمة، دفء بحنانٍ أموميٍ نادر، تمسح على ذراعه بين كل لقمة وأخرى وهي تهمس بحبٍ صادقٍ يشبه الدعاء.

أما هو، فكان يجلس بخجلٍ لطيف، ينظر إليها وهو لا يعرف كيف يرد على فيضان الحنان الذي يغمره من كل جانب، يبتسم بخفةٍ كلما التقت عيناه بعينيها.

كاد أن يطلب المساعدة من «صفيه» كعادته، فطالما كانت هي الأخرى تطعمه في صغره، تعلم عاداته وأسلوبه في الأكل، ولكنه لم يكد يفتح فمه حتى وجدها قد سبقت الجميع، وهي تضع له قطعة لحم صغيرة داخل فمه، وتهمس بنبرةٍ ناعمةٍ تفيض خوفًا ودفئًا:

ـ ايوا كُل يا حبيبي ده انت جاي من اخر الدنيا وكمان صايم.

كانت كلماتها تخرج محمّلة بنبرةٍ أمومةٍ حقيقية، عيناها تراقبه كأنها تخشى أن يختنق أو يرفض، بينما قلبها يفيض شوقًا وحنينًا، ويدها الأخرى تمسح على كتفه بحنوٍّ لا يُوصف، كأنها تخاف عليه من نَفَسٍ يوجعه.

جلس «نصار» بين الاثنتين كطفلٍ ضائعٍ بين أحضان حبٍ لا ينتهي، يبتسم تارةً ويخفض نظره تارةً أخرى خجلًا، بينما تتناوبان عليه في إطعامه، كل واحدة منهما تريد أن تشعر أنها الأقرب لقلبه.

أما «فارس» فكان يجلس بجانبهم يرمقهم بنظراتٍ تجمع بين الغيرة والدهشة، مدّ يده نحو طبقه ولم يجد ما كان ينتظره... طعامه الفطر المعتاد!

تجهم وجهه للحظة، رفع حاجبيه وهو يتلفت حوله يبحث عن صحن السلطة أو طبق الشوفان المعتاد، فلم يجد إلا الأرز واللحم والمقلوبة، فزفر بضيقٍ مكتوم، ثم نظر إلى والداته وزوجة أبيه، وبدل أن يتذمر ابتسم رغمًا عنه، فمشهد اهتمامهما بـ «نصار» كان كفيلًا بإذابة أي غضب.
قال في نفسه وهو يبتسم بخفة:

"هو ده نصار... حتى بعد سنتين غياب، الكل لسه شايف فيه الطفل المدلل اللي مفيش زيه."

على الطرف الآخر، كان «سراج» يجلس متكئًا على الكرسي الخشبي الكبير، يراقب المشهد بعينين جادتين، قسمات وجهه المشدودة تخفي بين طياتها استغرابًا وشيئًا من الغيظ المكتوم.

ظل صامتًا للحظات، يراقب كيف أن «نصار» يحاول بلطف أن يبعد أيديهم عن فمه، يبتسم بتوتر، يحاول أن يُخفي خجله، بينما هما مصرّتان على أن تُطعمانه وكأنه طفل لم يتجاوز عامه العاشر.

تنحنح «سراج» في مكانه بصوتٍ جهوريٍ جعلهما تنتفضان قليلًا، ثم قال بصرامةٍ هادئة ولكنها مشبعة بالقوة:
ـ ممكن افهم انتوا بتعملوا اي؟؟

تجمدت الملاعق في الهواء لوهلة، قبل أن ترفع «حنان» رأسها إليه بلا مبالاةٍ واضحة وهي منشغلة بإطعام «نصار» لقمة جديدة، وقالت وهي تهز كتفيها ببساطةٍ فيها خفة ظل:
ـ بنعمل اي يعني يا حج، اديك شايف الواد يا عيني عامل ازاي.

أما «صفيه»، فارتبكت قليلًا من نبرة صوته، لكنها مع ذلك لم تستطع التوقف، وضعت اللقمة الأخيرة في فمه وهي تهتف بخوفٍ وقلقٍ صادق:

ـ اه يا حج بنأكله كفايه ان يا قلب امه اليوم طويل عليه.

لم يتحمل «نصار» الحرج أكثر من ذلك، فابتسم بخفةٍ وهو يمسح فمه بالمنديل، ثم نهض من مكانه بخجلٍ لطيفٍ، وقال بنبرةٍ تجمع بين المزاح واللطف:

ـ يا جماعه انا مبقتش صغير، انا الحمد لله شبعت لحد كده.

لكن كلمته لم تمر بسلام، إذ علت أصواتهما في لحظةٍ واحدة كأنهما تواطأتا على الرد، وقالتا في نفس التوقيت:
ـ اي شبعت؟؟؟

صوتاهما امتزجا في نغمةٍ واحدةٍ من الدهشة والاستنكار، وعلامات الغضب الطفولي ارتسمت على وجهيهما، فارتسمت ضحكة مكتومة على شفاه كل من في السفرة.

كادتا أن تنهالا عليه بكلماتٍ أخرى، لولا أن «سراج» قطع المشهد بصوته الغاضب الذي دوّى في القاعة كالرعد:
ـ اكيد شبع ده انتوا مش بتسييوا بوقه يبلع حتي.

ساد الصمت للحظة، العيون كلها اتجهت نحوه، بينما خفضت «حنان» رأسها بخفةٍ وكأنها تتهرب من نظراته، أما «صفيه» فاكتفت بتقليب الملعقة في الطبق بصمتٍ مرتبك.

رفع «سراج» حاجبيه، وقال بصرامةٍ لا تحتمل النقاش، صوته يحمل نبرة عمقها الحب ولكن مظهرها الغضب:

ـ والله لو ما جيتوا قعدوا مكانكم وكلتوا عدل احلف اني هسيب السفره ومش هاكل لا فطار ولا هحط لقمة في بوقى.

كلماته سقطت كالقنبلة في المكان، فسادت لحظة توتر، تبادلت فيها «حنان» و«صفيه» النظرات، ثم بعد ثوانٍ معدودة تحركتا بخطواتٍ متثاقلةٍ وجلستا بجانبه في خضوعٍ واضح، بينما هو اكتفى بزفرةٍ صغيرةٍ ونظرة رضاٍ خفيةٍ، وكأن النظام قد عاد إلى السفرة أخيرًا.

أما «نصار»، فاستغل الفرصة، فقام من مكانه واتجه بهدوء نحو الحمام، توضأ بطمأنينةٍ واضحة، قطرات الماء تنساب على وجهه فتمسح عن روحه تعب السنين، شعر براحةٍ عميقةٍ تغمر صدره كأنه عاد أخيرًا إلى بيته حقًا.

وقف يستعد للصلاة، فردّ سجادته الصغيرة بجانب المائدة، وقلبه مليء بالسكينة، لم يكد يرفع يديه بالتكبير حتى سمع صوت «فارس» خلفه يهتف بحماسٍ صادق:

ـ هصلي معاك يا نصار.

التفت إليه بابتسامةٍ واسعةٍ غمرته بالدفء، شعر أن تلك اللحظة الصغيرة اختصرت الغياب كله، فابتسم أكثر، ثم سمع صوتًا آخر يجيء من الخلف، هادئًا دافئًا يحمل نغمة الحنين، صوت «سالم» وهو يقترب بخطواتٍ بطيئةٍ، قائلاً في هدوءٍ مطمئنٍ يملأ القلوب سكينة:

ـ صلي يلا.

التفت «نصار» إليهما بابتسامةٍ خافتةٍ ولكنها عميقة، نظرة تجمع بين الحب والفخر، ثم رفع يديه في سكونٍ، وكبّر، وأذابت لحظة التكبير كل ما في القلوب من توتر، لتتحول الأجواء فجأةً إلى طمأنينةٍ خالصة، كأن السماء كلها تبارك اجتماعهم من جديد.

❈-❈-❈

وبالفعل بدأ صلاته جماعة مع أشقائه، بصوته الجميل والعذاب الذي يقرأ به قرأن، ذلك الصوت العميق الهادئ الذي يشبه نغمة مطرٍ على زجاج نافذة في ليلة شتاء دافئة.

صوته كان يملأ المكان بخشوعٍ يبعث السكينة في الأرواح، وكل آية تخرج من بين شفتيه كانت كأنها تُغسل القلب من الهمّ والحزن، حتى الجدران بدت وكأنها تنصت بخشوع.

وقف «فارس» و«سالم» خلفه في صفٍ واحد، كل واحد منهم يحمل في قلبه إحساسًا مختلفًا، لكنهم جميعًا يجتمعون على راحةٍ واحدة؛ أنهم أخيرًا يصلّون معًا من جديد.

كانت رائحة البخور الخفيفة التي انتشرت قبل قليل تعبق المكان، ودفء الشمس يتسلل من خلف الستارة، يضيء أطراف السجادة، كأن النور نفسه أراد أن يشاركهم الصلاة.
حين رفع «نصار» صوته بالآية الأخيرة، ابتسمت «ورد» من بعيد وهي تقف عند باب القاعة تحمل بيديها صينية حلو ضخمة، واحدة بها "كنافة بالقشطة" تتلألأ بلمعة السمن والعسل، والأخرى "كنافة بالمانجا" بلونها البرتقالي الذي يشبه الغروب.

كانت واقفة هناك، جسدها ساكن لكن قلبها يخفق بعنف، تتابع صوته، وكل كلمة تخرج منه كانت تمس قلبها بخفة، كأنها نغزة حبٍ قديمٍ لم يمت أبدًا.

ظلت تنتظره حتي انتهى، أنفاسها تتسارع مع اقتراب آخر آية، كأنها تنتظر أن يلتفت ويبتسم لها فقط، مجرد نظرة تُعيدها للحياة.

كادت أن تخطو إلى الداخل، خطواتها مترددة كأنها تسير على أطراف الورد، ولكن صوت «فيروز» اخترق اللحظة الهادئة وناداها بقوة جعلتها تتجمد في مكانها، فتوقفت فورًا والتفتت نحوها.

نظرت لها «فيروز» نظرة سريعة، ثم أسقطت عينيها على الصينية التي تمسكها «ورد»، نظرة واحدة فقط كانت كافية لتشعل في قلبها شرارة الغيرة، شرارة صغيرة لكنها أحرقت الكثير في لحظة واحدة.

ونظرت «ورد» هي الأخرى إلى الصينية التي تمسكها «فيروز»، كانت صينية "بسبوسة" و"كنافة بالمانجا"، نفس نوع الحلو الذي تحمله «ورد» تمامًا!
تجمدت ملامحها لثوانٍ، وعيناها اتسعتا بدهشةٍ طفيفةٍ سرعان ما تحولت إلى ابتسامةٍ مصطنعةٍ حاولت بها أن تخفي ارتباكها.

أما «فيروز»، فقد شعرت بوخزٍ داخلي حاد، شيء في داخلها تمزق وهي ترى «ورد» تهتم لزوجها حتى في أبسط التفاصيل، تصنع له الحلو وتأتي به بنفسها! لم تحتمل المشهد أكثر، وارتفع صوتها فجأةً بنبرةٍ حادةٍ تخفي خلفها طوفان من الغيرة:

ـ بتعملي اي هنا يا ورد؟؟

ارتبكت «ورد» للحظة، شعرت أن الكلمات علقت في حلقها، نظرتها تائهة، ويدها ترتعش وهي تمسك الصينية، ثم هتفت بصوتٍ مترددٍ ضعيفٍ لا يكاد يُسمع:

ـ انا كنت بـ.....

لكنها لم تكمل، لأن «سالم» خرج من الغرفة في تلك اللحظة، وصوت خطواته قطع حبال التوتر بينهما.
وقف أمامهما وهو يرفع حاجبيه بدهشةٍ صريحةٍ، ينظر من واحدة إلى الأخرى، ثم إلى الصواني التي تحملانها، وسأل بنبرةٍ يملؤها الاستغراب:

ـ انتوا بتعملوا اي هنا، وشايلين ليه الصوانى دي.

في تلك اللحظة خرج «نصار» من الغرفة أيضًا، وجهه ما زال مضاءً بخشوع الصلاة، قطرات ماء الوضوء لم تجف تمامًا عن وجهه.
نظره أولًا إلى الصواني، ثم إلى «فيروز»، ثم استقرت عيناه على «ورد».
ابتسم بخفةٍ تلقائية، تلك الابتسامة التي كانت كفيلة بإرباكها من جديد، ثم هتف بودٍ خالصٍ يحمل مزيجًا من الدفء والحنين:

ـ ورد اخبارك ايه.

ابتسمت «ورد» بلهفةٍ واضحةٍ لم تستطع أن تخفيها مهما حاولت، نظرتها امتلأت بمشاعر لم تعد تحتمل الكتمان، وهتفت بمحبةٍ صافيةٍ خرجت رغماً عنها:

ـ الحمد لله يا نصار انت اخبارك اي، حمد الله علي السلامه.

كلمتها كانت بسيطة، لكنها خرجت بنغمةٍ فيها شوق السنين كلها، فشعر هو بذلك، وأدار وجهه عنها بخفةٍ وهو يرد بهدوءٍ واحترامٍ واضحٍ يخفي توتره:

ـ الله يسلمك تسلمي يا ورد.

لكنها لم تكتفِ بذلك، نظرت إليه بعينين لامعتين وهمست بصوتها العاذب الذي يحمل رقةٍ مؤلمةٍ:

ـ تسلملي من كل شر يا سيد الناس.

تلك الكلمة كانت كالسهم الذي أصاب قلب «فيروز» في لحظة، شعرت بها كطعنةٍ صغيرةٍ لكنها موجعة، فابتلعت غصتها بصعوبة، وأجبرت نفسها على الابتسام، ثم تناولت الصينية التي في يدها بسرعةٍ وأعطتها لـ «سالم»، وهي تهتف بنبرةٍ مفعمةٍ بمحبةٍ مصطنعةٍ لكنها تحمل غيرةً واضحة:

ـ طيب يا سالم بالهنا والشفا بقي، انا عامله الصينيه دي بإيدي وانت اول واحد هتأكل منها.

تردد «سالم» للحظة، شعر بالجو المشحون بينهما، فابتسم بصعوبةٍ وهو يحاول تهدئة الموقف وقال بنبرةٍ خفيفةٍ:

ـ تسلمي يا فيروز.

في تلك اللحظة اندفع «نصار» بخفةٍ وبنبرةٍ طفوليةٍ مفعمةٍ بالغيرة الحلوة:

ـ طيب وانا؟؟

التفتت له «فيروز» بسرعةٍ، والغضب الطفولي يتطاير من عينيها، وهتفت بانفعالٍ مليءٍ بالدلال والغيظ:

ـ انت ملكش حاجه خلاص.

ثم استدارت وغادرت بخطواتٍ سريعةٍ، شعر بها الجميع وكأنها تهرب من مشاعرها أكثر مما تهرب من الموقف.
نظر إليها «نصار» للحظة، ثم ابتسم بخفةٍ، وغادر خلفها بخطواتٍ هادئةٍ لكن عينيه كانتا ممتلئتين بالعتاب والحنان في آنٍ واحد.

ظلت «ورد» واقفة في مكانها، تنظر إلى أثره وهو يبتعد، بعينين يملؤهما الحزن، كأنها ترى حلماً يبتعد عنها ببطءٍ ولا تستطيع اللحاق به.

قطع «سالم» الصمت بنبرةٍ هادئةٍ مقصودةٍ، فيها حكمة الأخ الأكبر، وهو يقول وهو يضع الصينية على الطاولة:

ـ مكنش لي لازوم يا ورد تعملي الصينيه، كانت فيروز هتعملها وامي، اقعدي ارتاحي وتسلم ايدك علي الصنيه الجميلة دي.

ابتسمت له ابتسامةٍ باهتةٍ، لم تصل لعينيها أبداً، كانت ابتسامة مجاملةٍ ثقيلةٍ لا تشبهها، ثم خفضت رأسها بخجلٍ وألمٍ صامت.
وفي تلك اللحظة خرج «فارس» من الغرفة وهو ينظر لهاتفه بانشغال، لكنه ما إن رفع رأسه ورأى «ورد» حتى غضي بصره سريعاً، وكأن النظر إليها خطيئة، ثم قال وهو يوجه كلامه لـ «سالم»:

ـ انت اي اللي موقفك هنا.

وقبل أن يجيب «سالم»، كانت «ورد» قد مدت الصينية نحوه بخفةٍ مفاجئةٍ وقالت دون أن تنطق بكلمة، فاكتفى هو بتلقيها بدهشةٍ، نظر إليها بعيونٍ متسعةٍ للحظةٍ، وكأنه لم يفهم ماذا يحدث، ثم لمحت ظلها وهي تغادر بخطواتٍ سريعةٍ نحو الممر.
ناداها بنبرةٍ مرتبكةٍ يختلط فيها المزاح بالدهشة:
ـ ياا، يا انسه، يا بتاعه انتِ، هعمل اي في الصينيه دي.

فجاءه صوت «سالم» من الخلف وهو يحمل الصينية الثانية:

ـ روح وديها المطبخ معايا يا فارس.

رمقه «فارس» بنظرةٍ مريبةٍ، ثم أشار للصينيتين بنبرةٍ مشككةٍ فيها سخريةٍ خفيفةٍ:

ـ هي اي الحكاية؟؟

ضحك «سالم» بخفةٍ وهو يتجه نحو المطبخ وقال دون أن يلتفت:

ـ هقولك بعدان.

تجمد «فارس» في مكانه لثوانٍ، وهو ينظر إلى الصواني في يده، ثم هز رأسه بخفةٍ وهو يتمتم بنبرةٍ هادئةٍ أقرب للضحك:
ـ يكونش هنفتح محل جديد حلويات؟؟

ثم ابتسم ابتسامةٍ واسعةٍ وهو يواصل طريقه، بينما ترك خلفه رائحة الحلو، وقلوبًا مليئةً بمذاقٍ آخر... مزيجٍ من الغيرة، والاشتياق، والوجع.

❈-❈-❈

لم تفطر «سميحه» جيداً، كانت جالسة على سرير جناحها في الطابق السادس، تنظر إلى الهاتف بين يديها، عينيها مليئتان بالقلق، ويديها ترتعشان قليلًا من التوتر. الهواء البارد الذي يتسلل من الشباك لم يشعرها بالراحة، بل زاد إحساسها بالغضب والارتباك. حاولت أن تتفقد الهاتف مرة أخرى، علّها تجد اتصالًا أو رسالة من «علي»، لكنه لم يرد عليها، ولم تقترب أي إشارات من الشاشة لتطمئن قلبها.

أخذت نفسًا عميقًا، محاولة تهدئة نفسها، لكنها لم تستطع أن تخفي الانفعال الذي بدأ يطفو على ملامح وجهها. فجأة، وباندفاع عصبي، رمت الهاتف على الفراش بقوة، حتى ارتطم بالمخدة واهتز السرير معه:

ـ دماغه جزمه يا ربي، يارب ربنا يهديه بقي، انا معرفش مين اللي لميني علي جوازه الشوم دي.

خرج الصوت وكأنه صرخة مكتومة، ممزوجة بالغضب واليأس، وكأنها تحاول إخراج كل إحباطها دفعة واحدة.

جلست «سميحه» لبعض اللحظات، تراقب الهاتف كما لو كان سبب كل المشاكل، وعينها تتلمس الشاشة وكأنها تنتظر معجزة تأتي من تلقاء نفسها.

ثم أخذت تدور في الغرفة ذهابًا وإيابًا، خطواتها سريعة وعصبية، كل خطوة تصطدم بخفوت بالأرض وكأنها تعكس قلبها المتوتر.

أحيانًا كانت تضع يديها على خصرها، وأحيانًا تضغط على وجهها براحتيها، محاولة استيعاب ما يحدث وكيف ستواجه زوجها لاحقًا.

ختمت حديثها وهي تفكر بعمق، عيناها تحدقان في الفراغ، وكأنها ترى المستقبل أمامها، محاولة رسم خطة لإقناعه بعدم الذهاب من هنا أبدًا، فكل فكرة كانت تراودها تحمل وزن القلق والمخاطرة، لكنها لم تترك مساحة للخوف أو التردد.
كانت عازمة، رغم الغضب والقلق، أن تجد طريقة تجعل «علي» يبقى معها، وأن لا تسمح له بأن يغادر، مهما كان الثمن.

❈-❈-❈

كان «حازم» يقف أمام قصر السعداوي، يضع يده على صدره ويحاول تهدئة انفعاله، بينما الهاتف يهتز بين أصابعه مرارًا دون أي رد من «فارس». الهواء المسائي البارد الذي يتسلل من البوابة الكبيرة لم يخفف من توتره، بل زاد إحساسه بالغضب المكبوت، فرفع رأسه وهتف بصوت يمزج بين الانفعال والإحباط:

ـ استغفر الله العظيم واتوب اليه، يا خي رد بقي متعصبنيش.

بعد رنات عدة، جاء الرد أخيرًا، صوت «فارس» الهادئ عبر الهاتف:

ـ الو يا حازم.

ابتلع «حازم» غضبه لكنه لم يخف دهشته، وقال بسرعة وعصبية مختلطة بالارتياح:
ـ انت خليت فيها حازم بعاميلك دي؟؟ ، يا بني انا مستنياك قدام القصر اكتر من عشر دقائق.

أجاب «فارس» بهدوء وبصوت فيه قليل من المزاح:

ـ طيب خلاص اهو طلعالك.

أغلق «حازم» الخط وهو يتأمل القصر، فظهرت له في الحديقة نافذة من الطمأنينة، حيث كان «نصار» يتحدث مع «فيروز» التي كانت ترتدي حجابًا يغطي شعرها بالكامل.

ابتسم «حازم» برقة وهو يرى صديقه القديم، قلبه يفرح لمشاهدته، لكنه صمت قليلًا احترامًا لخصوصيتهما، فابتعد خطوة إلى الخلف، مراعياً المسافة والحشمة.

خرج «فارس» من القصر بجانبها، متجاهلاً «نصار» و«فيروز» لحظة حديثهما، لكنه لم يبتعد كثيرًا، حتى ناداه «نصار» بصوت فيه مزيج من الدعابة والود:
ـ رايح فين؟؟ ، ده لسه العشا مأذنش، لتروايح.

ابتسم «فارس» وهو يستعد، قائلاً بخفة:

ـ حازم واقف برا، وهنروح كده كام مشوار وهنروح نصلي.

استأذن من «فيروز» بخطوات واثقة، وابتسامة خفيفة:
ـ هروح اسلم عليه.

هتف «فارس» وهو يتابعهم:

ـ طيب يلا بينا بقي.

خرج الثلاثة من القصر، وكانت الأضواء الصفراء للبواية تلقي ظلها الطويل على الأرض، فظهرت «حازم» واقفًا أمامهم، عيناه تلمعان بفرحة الغائب الذي طال انتظاره.

وعندما التفت إلى صوت البوابة المقرقعة، صُدم برؤية «نصار» أمامه، فركض إليه بسرعة، واحتضنه بحرارة.

هتف «حازم» بمزاح مختلط بالحنين:

ـ ياااه يا عبد الصمد، كل ده غياب، وحشتني اوي.

ابتسم «نصار» وهو يرد بنفس الدفء:
ـ وانت كمان وحشتني جدا.

بعد أن افترقوا قليلًا عن الاحتضان، نظر «حازم» إلى صديق عمره ووجهه يفيض بالاهتمام:

ـ اطمني عليك اي الاخبار؟

أجاب «نصار» مبتسمًا:

ـ زي الفل وبتسلم عليك.

عقد «حازم» حاجبيه بحيرة، ثم غمز له «نصار» بخبث:
ـ الأخبار.

ضحك «فارس» وهو يشير لهم:

ـ انا شامم رايحه حاجه حرام بس معنديش دليل.

ضحكوا جميعًا، وكانت لحظة خفيفة تمزج المزاح مع الحنين، ونظر «نصار» إلى «فارس» بابتسامة:
ـ لا دي عشوائيات بيني وبين حازم.

أجاب «فارس» بمزاج مرِح:

ـ طيب يا ابو عشوائيات هاخد حازم وهمشي انا، يلا سلام عليكم.

تحركوا معًا بعيدًا عن القصر، و«حازم» ينظر خلفه وهو يبتسم بخفوت، وهو يهتف بالكلمة الأخيرة:

ـ وعليكم السلام.

❈-❈-❈

نظر «فارس» إلى «حازم»، فرأى الابتسامة التي كانت تزين وجهه قد اختفت فجأة، وحل محلها هدوء غريب، يملأ ملامحه بعض الحزن المكبوت، وكأن ثقلًا ثقيلًا يضغط على صدره. 

ارتفع حاجباه قليلاً، وعيناه تلمعان بقلق، وهو يحاول قراءة ما خلف الصمت:

ـ مالك يا حازم.

أجاب «حازم» بصوت منخفض هادئ، لكنه كان يحمل في نبرته ثقل المشاعر وأثر الحزن العميق، بينما عينيه تبحثان عن شيء بعيد في الأفق:
ـ ماليش يا فارس.

تقدم «فارس» خطوة صغيرة نحوه، يراقب كل تعبير على وجهه، ويحاول فك شيفرة حزنه، ثم قال بحذر وابتسامة خفيفة تكاد تكسر الجدية:

ـ مالكش ازاي بس ده وشك باين عليه حاجات وحاجات.

ابتسم «فارس» بطريقة طفولية، وأطلّت أسنانه البارزة، وكأنها محاولة لكسر أي توتر، ثم أضاف وهو يلمّح بروح الدعابة:
ـ لا متقولش جاموسه ابوك ماتت؟؟؟

ظل «حازم» ينظر له بدهشة، عينيه تتسع قليلًا للحيرة، وهو يحاول أن يفهم ما يقصده «فارس» بابتسامته وروحه المرحة، ومع ذلك لم يستطع أن يمنع ابتسامة خفيفة تتسلل إلى وجهه، فابتسم على شكله وملامحه الطفولية، كما لو أن جزءًا من الطفولة القديمة قد عاد له للحظة قصيرة بين الحزن والذكريات.

كانت تلك اللحظة هادئة، مليئة بمزيج من المشاعر: الحنين، القلق، والدفء العميق، وكأن الصمت بينهما يقول أكثر مما تستطيع الكلمات أن تعبّر عنه.

❈-❈-❈

ـ طيب اراضيكي ازاي كده بكل هدوء.

قالها «نصار» وهو يمسك يـ ـديها بحنان، شعاع من الدفء يملأ عينيه، ونظراته تخترق قلبها وكأن كل مشاعره مركزة عليها فقط. كان صوته هادئًا، ناعمًا، يحاول تهدئة العاصفة التي شعرت بها «فيروز» داخلها.

تذمرت «فيروز» وهتفت بغضب، وعينيها تشتعل نار الغيرة والغيرة الحقيقية التي لم تستطع كتمانها:

ـ تقطع علاقتك بورد دي نهائي، ولو سلمت عليك متردش يا عم.

ابتسم «نصار» بخفة وحمل نبرة حنانه، كأنه يهمس لطفلته ليطمئنها ويهدئ قلبها المتحمس:

ـ مينفعش يا حبيبه قلبي، دي بنت خالتي، والسلام لله.

اجتمعت بريق دموع في عينيها، وحمرة على وجنتيها من الغيرة والحزن، وهتفت بصوت مرتفع واضح:

ـ وانا ذنبي اي يا نصار، انت مشوفتهوش كانت بتتكلم ازاي، كانت بتكلمك انت ازاي، لا وعامله ليك كنافة بالقشطه وبالمانجا.

ابتسم لها «نصار» بعينين مليئتين بالحنان، وغمز لها بخفة، كأن كل كلماتها الصغيرة لمست قلبه وجعلته يحبها أكثر:

ـ هو في زي القشطة والمانجايه بتاعتي؟؟

ابتسمت له، وشيء من الدموع اختفى من عينيها، وحلت مكانها شعور بالراحة والأمان، وهي تهتف بنبرة صادقة ومليئة بالحب:

ـ انا ميهمنيش في الدنيا دي غيرك انتِ.

ابتسم لها «نصار» بدفء، كأن كل العالم أصبح يقتصر على تلك اللحظة الصغيرة بينهما، فابتسمت هي أيضًا بإبتسامة عاشقة:

ـ طيب يا سيدي، اتصالحت خلاص، وبعدان انا لازم امشي، بابا مستنيني.

ـ بسرعه دي يا فيروز، انا ملحقتش اقعد معاكي؟؟

عانقت وجهه بيدها الصغيرة، وهي تهتف بمحبة، وكل نظرة تحمل ألف كلمة لم تستطع قولها:

ـ لازم امشي يا حبيبي عشان اجهز حاجه العيد اللي بكره ده، وانت كمان لازم تجهز، وتشوف فرح سالم، مهو خلاص بعد بكره اللي هو تاني يوم العيد.

قبـ ـل يـ ـديها بمحبة، ضامًا إياها للحظة قصيرة، كأنه يريد أن يخزن كل دفء العالم في قلبها:

ـ ماشي يا حبيبتي انا هوصلك.

قاطعته هي بنبرة محبة وحماس طفولي:

ـ لا يا حبيبي، عم فاروق مستنيني وبابا كمان هو اللي بعتاه، ومتنساش تأكل البسبوسه والكنافة اللي عملتها.

ـ حاضر يا عمري، لا اله الا الله.

ـ سيدنا محمد رسول الله.

غادرت، ولكن شعرت بنغزة خفيفة في قلبها، شيء لم تفهمه، وكأن قلبها لم يرغب في فراقه، لكنها ابتسمت له مرة أخيرة ولوحت له بيدها من السيارة.

ظل «نصار» واقفًا، ينظر أثر السيارة وهي تختفي في الطريق، وكل ثانية تمر كأنها دهر.

ثم تلاشى صمت اللحظة بصوت الأذان، معلنًا عن أذان العشاء.

التفت ووجد «سالم» خلفه، وعيناه تلمعان بالحماس، وهو يهتف بمحبة:

ـ يلا نصلي.

ـ يلا يا حبيبي.

ابتسم «نصار» لنظرة شقيقه، ثم غادروا معًا لصلاة المغرب، وخلفهم كان الجو يعج بالبهجة والفرحة، أصوات الألعاب النارية تتصاعد في السماء، والناس تملأ الشوارع بالفرح، فالعيد غدًا، وكل مكان يعج بالاحتفال والسعادة، كأن الكون كله يحتفل بعودة الأمل والفرحة إلى قلوبهم.

❈-❈-❈

دخلت «فيروز» منزلها بخطوات مترددة بعد أن شكرت العم فاروق، شعور بالراحة يملأ قلبها لعودتها إلى البيت، ولكنها توقفت فجأة عند باب المنزل، إذ سمعت صوتًا واضحًا يملأ المكان بخبث طفولي:

ـ متقلقش يا بابا هكون مرات العمده يعني انا اللي هكون مرات العمده.

تجمدت في مكانها للحظة، عيناها تتسعان من الدهشة، إذ لم تكن تتوقع سماع هذه الكلمات من «فايزة»، الصغيرة التي اعتادت على الدلع والمرح، ولكن تلك المرة كانت كلماتها محملة بالمكر والخطة السرية.

سمعت والداها يردان بخوف وغيظ، أصواتهما مرتعشة بعض الشيء:

ـ انا خايف بعد جوزتك وجوزت فيروز، مطولش لا اللقب ولا اي حاجه.

شعرت «فيروز» بقشعريرة تسري في جسدها من فكرة المؤامرة الصغيرة، كيف تخطط «فايزة» للسيطرة على الأمور بهذا الشكل المبكر، ولكن «فايزة» كانت واثقة جدًا من نفسها، ربّتت على يد والديها بلطف وابتسامة واثقة:

ـ متقلقش يا حبيبي، انا ميفرقش معايا سالم، ولا اي حد غير اللقب، وحياتك عندي لهتكون ماسك اللقب، وهتبقي احسن عمده في البلد.

شهقت «فيروز» بصوت خافت، قلبها يخفق بقوة، ودهشتها امتزجت بالقلق والخوف على ما ستفعله هذه الصغيرة، فقد بدت لها وكأنها تخطط لتغيير كل شيء في لحظة.

حاولت أن تبقى متخفية، ولكن بمجرد أن التفتوا نحوها، شعرت بوجود أعينهم عليها، فبدت خجولة ومحرجة في آن واحد. 

لم تعلق على شيء، ولم ترد بكلمة واحدة، بل ركضت بسرعة إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، وتنهدت بعمق وهي تحاول أن تهدأ، قلبها لا يزال ينبض بقوة من المفاجأة والخطة الخبيثة التي اكتشفتها للتو.

وقفت لحظة تتنفس بهدوء، عيناها تتفحصان الغرفة، وهي تفكر في كيفية التعامل مع «فايزة» ومكرها، شعور بالقلق والدهشة يختلط بمزيج من الغضب الخفيف، إذ لم تتوقع أن تكون هذه الصغيرة مخططة بهذه الجرأة.

❈-❈-❈

وصل إلى البيت «نصار» و«سالم»، وقد ملأ الجو أصوات الفرح والزغاريد التي تتطاير في الهواء، رائحة الطعام والبهجة كانت تتسلل إلى كل زاوية في المنزل.

عند دخولهم، وجدوا والديتهم يغنون أغاني شعبية قديمة، أصواتهم عالية ومليئة بالحياة، لدرجة أن من كان فوق الغرف يمكنه سماعها بوضوح، وكأن البيت كله أصبح مسرحًا للفرح الجماعي.

سيدات المنزل كن يطلقن الزغاريد بحماس، وأخريات يصفقن بأيديهن، أصواتهن تتداخل مع نغمات الأغاني، فتخلق أجواء احتفالية تجعل القلب يرقص فرحًا.

كان المشهد كله مليئًا بالحب والدفء، شعور بالعائلة الممتدة، حيث كل فرد يشعر بوجود الآخر، وتتشابك الابتسامات والضحكات بين الجميع.

جلس «نصار» و«سالم» بجوار والدتهما، استنشاقهم رائحة الطعام والضحك في الهواء، وبدأوا يغنون معهم بحماس، يرددون كلمات الأغاني القديمة التي تربوا عليها منذ صغرهم، أصواتهم تتناغم مع أصوات والدتهم، فتشعر وكأن اللحظة توقفت على فرحها وحدها.

كل حركة وكل ابتسامة وكل نظرة كانت تنقل شعورًا بالانتماء، بالدفء العائلي، وكأنهم لم يفترقوا يومًا. 

أصابع «سالم» كانت تضرب على الطاولة بحماس إيقاعي مع الأغاني، بينما «نصار» كان يلوح بذراعيه مع كل كلمة يغنيها، وجهه يلمع بالفرح، وعيون والدته تلمع بالحب والفخر.

البيت كله أصبح مليئًا بالطاقة، الضحكات تتصاعد، والأغاني القديمة تعود للحياة من جديد، واللحظة تكاد تذوب فيها كل تعب الأيام الماضية، ليصبح كل ما حولهم ينبض بالموسيقى والفرحة، كأنهم جميعًا قطعة من لوحة واحدة، لوحة مليئة بالحياة والحب والدفء الأسري.

❈-❈-❈

العشق له حدود ولكن قسوته ليس لها حدود.

كانت تسير بخطوات متوترة داخل الغرفة، تتحرك ذهاباً وإياباً كأنها أسيرة داخل زنزانة من أفكارها.

يدها ترتفع كل لحظة لتضم صدرها في محاولة يائسة لتهدئة نبض قلبها الذي يكاد يقفز من بين ضلوعها. 

وجهها شاحب، عيناها تائهتان بين الأرض والسقف، والقلق ينهشها من الداخل كما تنهش النار الحطب اليابس.

كانت تفكر جيداً... تفكر حتى كادت تنفجر.
كيف تخبر «نصار»؟ كيف تبوح له بالحقيقة التي تمزقها؟؟ 

كيف تقول له إن والدها وشقيقتها «فايزة» لم يخططا لتلك الزيجة إلا ليصلوا إلى لقب العمدة؟ أي قلب سيصدق هذا؟ وأي لسان يستطيع أن ينطق به دون أن يختنق؟

جلست على حافة الفراش، وكأن الأرض لم تعد قادرة على حملها. 

مدت يدها المرتعشة إلى الهاتف، تتشبث به كما يتشبث الغريق بخشبة خلاص. 

ضغطت على اسمه، تنتظر أن يجيبها، أن يقول "أيوه يا حبيبتي"، أن يُخفف عنها قليلاً هذا الثِقل الجاثم فوق روحها.

رن الهاتف... مرة... مرتين... ثلاث مرات... ولا رد.
شهقت بعمق وهي تهمس لنفسها بيأس:

ـ أكيد مشغول مع أخوه... الغدا والحنة والزيجة اللي هتدمر «سالم» المسكين...

تساقطت دموعها واحدة تلو الأخرى، حتى بللت كفيها.

يا الله... تلك الزيجة اللعينة! والدها وافق عليها لا حباً ولا رحمة، بل من أجل اللقب، من أجل العظمة الكاذبة التي تلمع أمام عينيه.

كيف تمنع هذه الزيجة؟ كيف تنقذ «سالم» الطيب، الذي لا يعرف المكر ولا الخداع؟

أما شقيقتها «فايزة»... فهي الوجه الآخر لوالدهما، لا ترى في الدنيا سوى المال والسلطة، تجري خلف الألقاب كأنها تركض وراء الهواء، لا تشبع أبداً.

رفعت الهاتف من جديد، مسحت دموعها سريعاً كي ترى الشاشة بوضوح، وكتبت بأنامل مرتجفة رسالة قصيرة في تطبيق واتساب، كانت كل حرف فيها يصرخ برجاء مكتوم:

" نصار عايزه اكلمك في موضوع ضرورى ، لما تبقي لوحدك ابقى كلمنى ، متنساش "

ضغطت على إرسال، وظلت تنظر إلى الشاشة تنتظر العلامة الزرقاء، كأن حياتها كلها معلقة بها.
لكنها لم تظهر.

الهاتف غير متصل بالإنترنت.

شهقت بحدة وصرخت في الهواء الخالي من حولها:

ـ لأ... لأ مش دلوقتي يا رب!

لعنت حظها، قلبت الهاتف بين يديها بلا جدوى، ثم ألقت به بجوارها في الفراش.

رفعت يديها إلى بطنها تتحسسها بخوف، كأنها تحتضن طفلها من شر العالم كله.

وفجأة...

انفتح الباب بقوة، صوته دوّى في الغرفة كصفعة على وجهها.

ارتج جسدها بالكامل، وتراجعت خطوتين إلى الوراء وهي تمسك بطنها بحركة تلقائية، تحاول أن تحمي ما تبقّى من أمان
ها.
عيناها اتسعتا رعباً حين وقعت على «فايزة» الواقفة أمامها، تقف كملكة شرّية على عرش الكبرياء، نظراتها قاسية كحد السيف، وصوت كعب حذائها على الأرض كأنه إعلان حرب.

نظرت إليها بحدة وقالت ببرود متعجرف:

ـ سمعتى الكلام اللى كان داير بيني وبين ابوكى صح؟؟.

تجمدت الكلمات على شفتيها، لم تستطع النطق.
وقفت صامتة كأن أحدهم سلب منها صوتها، وعيناها تهربان من عيني أختها خوفاً من الشرر المتطاير منهما.

كانت تعرف «فايزة» جيداً، تعرف لؤمها، تعرف أنها لا تترك أحداً في سلام، وأنها لن تتركها هي بالذات.

لم تتركها حين شعرت أنها تنوي فضحها أمام «نصار»، ولم تغفر لها نيتها في هدم تلك الزيجة التي تعبوا من أجلها.

إنها لا تعرف الرحمة، ولن تتراجع... أبداً 

ابتعدت عنها حين اقتربت منها خطوة، كأن الهواء بينهما اشتعل فجأة وتحول إلى جدار خفي يمنعها من الاقتراب أكثر. التوتر كان واضحاً في عينيها، والرهبة تسكن نظراتها، تلك النظرات التي تفضح كل ما تخفيه.

نظرت لها «فايزة» بحيرة من أمرها، حاجباها ارتفعا في دهشة خفيفة، وكأنها تحاول أن تفسر تصرف أختها الغريب.

تأملتها من أعلى رأسها حتى بطنها التي كانت تمسكها بحذرٍ غريزي، بحماية أمٍّ تخاف على جنينها من نسمة هواء، وشيء غامض بدأ يلمع في عيني «فايزة»... مزيج من تساؤل وريبة، وشك بدأ ينسل إلى داخل عقلها كدخان يتسلل من تحت الباب.

لم تنطق، لكنها وقفت تنظر، تحدّق، تراقبها بصمت طويل متعب، حتى شردت، وكأن ذاكرتها سُحبت فجأة إلى الوراء لتعيدها إلى لحظةٍ بعينها... لحظة لم تفهمها وقتها، لكنها الآن بدأت تكتسب معنىً جديداً.

Flash Back

كان البيت في ذلك اليوم غارقاً في هدوءٍ غريب، لا يُسمع فيه إلا صوت خطوات «فيروز » أو بالأحرى صدى تلك الخطوات المتوترة وهي تدخل تحمل في يدها ورقة بيضاء.

دخلت إلى غرفتها بخطوات مترددة لكنها مفعمة بفرحةٍ لا تخفى، وضعت الورقة بعناية في أحد أدراج دولابها كمن يخبئ كنزاً لا يقدر بثمن، ثم التقطت هاتفها بسرعة، قلبها يخفق في صدرها بخفة ودفء، وضغطت على اسم «نصار».

انتظرت... لكن الاتصال لم يُجب.

أعادته مرة ثانية، ثم ثالثة، ولا رد.

تنهدت بخفة، لكن الابتسامة لم تفارق وجهها، فكتبت له بسرعة رسالة صوتية، وضغطت زر التسجيل، وصوتها خرج مفعماً بالحنان والاشتياق والفرحة التي كانت تكاد تفيض منها:

ـ نصار ، وحشتنى اوى ، انا مبسوطه اوى يا نصار ليك عندي خبر حلو اوى .

صمتت لثوانٍ، تلك الثواني التي كانت كأنها تُغزل فيها الفرح بخيوط ذهبية.

ثم أكملت بصوتٍ تغمره السعادة، نبرتها ترتجف بالحياة:

ـ احنا مبقناش اتنين يا نصار بقينا تلاتة ومش هقولك اكتر من كده بقي لان عايزه اشوف تعبير وشك وفرحه صوتك ، متنساش لم تخلص تتصل بيا ، بحبك اوى .

ضحكت بخفة، نظراتها معلّقة على الهاتف، تنتظر أن تراه يضيء باسم «نصار» كما يضيء الحلم في عتمة الليل.

لكنها لم تكن وحدها... لم تكن تعلم أن هناك عيناً تراقبها من بعيد.

كانت «فايزة» تقف عند باب الغرفة، نصف مختبئة، تتابع المشهد في صمتٍ مريب.

عيناها تتنقلان بين الورقة التي خبأتها أختها وبين ملامحها المضيئة بالفرحة، ولم تفهم شيئاً.

"احنا بقينا تلاتة؟!" كانت العبارة ترن في رأسها بلا معنى واضح، تتساءل في حيرة: ما المقصود؟
وقبل أن تقترب لتسأل أو لتكتشف، رن هاتفها فجأة، اسم «سالم» يسطع على الشاشة.

ترددت لحظة، ثم أجابت، فاختفى كل ما حولها خلف صوت المكالمة، وتركت أختها تمضي إلى عالمها المجهول، تاركة خلفها علامة استفهام لم تجد لها إجابة في ذلك الوقت.

End Flash Back

وحين أفاقت من شرودها، شهقت بصوتٍ مسموع، وارتج جسدها كله كمن اكتشف الحقيقة أخيراً.
ركضت نحو دولابها بخطواتٍ متوترة، فتحت الأدراج بعنف، الأوراق تتناثر حولها، عيناها تبحثان كمن يبحث عن قلبه الضائع.

كانت تتمتم في خوفٍ هستيري، الدعاء يخرج من بين شفتيها المرتجفتين:

"يا رب... يا رب يطلع ظني غلط، يا رب كل اللي بفكر فيه ميبقاش حقيقي."

لكن القدر لا يرحم المتوجسين.

وفي لحظةٍ وجدت الورقة.

تجمدت أصابعها للحظة قبل أن تمسك بها، وكأنها تحمل جمراً في كفها.

فتحتها بحذر، والهواء من حولها صار ثقيلاً، حتى سمعت صوت الورقة وهي تُفتح كأنه طعنة في أذنها.
جحظت عيناها شيئاً فشيئاً وهي تقرأ، وكل حرف كان يُسقط عنها ذرة من صلابتها.

تحاليل... أدوية... فيتامينات... علامات واضحة لا تقبل الشك.

شهقت بقوة، وضعت يدها على فمها، واهتز جسدها كله في ذهولٍ صامت.

الآن فقط أدركت الحقيقة التي لم تكن تريد تصديقها...

شقيقتها حامل؟؟. 

تراجعت إلى الخلف بصدمة وهي تنظر لها نظرة لم تفهمها، نظرة متشابكة بين الخوف والخذلان والدهشة، كأن الكلمات التي قالتها أختها قبل لحظات ما زالت ترن في أذنيها كطعنةٍ باردة في قلبها.

تراجعت خطوة... ثم أخرى، كأن الأرض تهتز تحت قدميها، وجسدها يرتعش دون إرادتها، نظراتها زائغة، تبحث عن مأمن ولا تجد سوى الجدار الذي التصقت به بظهرها، تستمد منه قوة وهمية لا وجود لها.

كادت أن تتقدم نحوها، أن تمسك بيدها، أن ترجُوها بصوتٍ مبحوح أن تصمت، أن لا تنطق بشيء، لكن قبل أن تفتح فمها... انفتح الباب فجأة ودخل والدهما.

تجمّدت في مكانها كأن الوقت توقف تماماً، كل ما فيها سكن دفعة واحدة.

عينها اتسعت، أنفاسها انحبست في صدرها، نظرت إلى شقيقتها نظرة ترجٍ صامتة، نظرةٍ يملؤها الخوف والعجز، نظرة أمٍ خائفة على طفلها قبل أن تخاف على نفسها.

امتلأت عيناها بغيمةٍ من الدموع التي لم تسقط بعد، كانت فقط تلمع على أطراف جفنيها، تتمايل بخوفٍ مع كل رمشة.

كانت ترجوكِ يا «فايزة»... لا تقولي شيئاً، أرجوكِ، لا تدمّري ما تبقى لي.

اقترب والدها من «فايزة» وهو ينظر إليها بعينين غارقتين في الحيرة، حاجباه معقودان، وصوته هادئ لكنه محمّل بغيوم الغضب المكبوت، غضبٍ ينتظر شرارة ليشتعل.

كانت «فايزة» متمسكة بالأوراق بين يديها، أناملها تضغط عليها كأنها تمسك بسلاحٍ خطير، وعيناها تتنقلان بين الورق و«فيروز» بذهولٍ وارتباكٍ لا تخطئه العين.

هتف الأب بنبرةٍ هادئة ظاهرها السكون، لكن ملامحه كانت تصرخ بالحيرة والقلق والشك:

ـ في ايه يا بت مالك، ماسكه اوراق ايه دى، ومالك عامله كده ليه؟؟

ارتج جسد «فيروز»، هزت رأسها بعنفٍ وهي تشير بخوفٍ شديد إلى شقيقتها، عيناها كانت تترجاه بلا صوت: "بلاش، بالله عليكي متقوليش".

كانت تلك النظرة وحدها كافية لتُحطم قلب أي إنسان، بريق عينيها كان يصرخ بالرجاء، كأنها تستغيث قبل أن تغرق.

دموعها بدأت تنساب بصمت، تنزل ببطءٍ على وجنتيها، تخطّ مسارًا مرًّا كوجعٍ قديم، وكل دمعةٍ منها كانت تصرخ "خايفة... خايفة من بابا".

لكن «فايزة» لم تَرَ هذا النداء الإنساني... أو ربما رأته وتجاهلته عمداً.
نظرت لها نظرة اشمئزازٍ قاتلة، نظرة كأنها تنظر إلى شيءٍ دنس لا يستحق حتى الدفاع.

ثم التفتت نحو والدها بوجهٍ جامد، بملامح لا تعرف الشفقة، وصوتها خرج ببرودٍ جارحٍ كأنه سكين يشقّ صدر أختها نصفين:

ـ عايز تعرف الاوراق دى فيها ايه يا بابا؟؟

سقطت الكلمة في الهواء كالصاعقة، جعلت «فيروز» ترتعش وتغطي بطنها بذراعيها بحركةٍ غريزية، كأنها تحمي طفلها من عاصفةٍ قادمة.

لكن «فايزة» لم تتوقف عند هذا الحد، بل أكملت ببطءٍ متعمد، وهي تنظر إلى «فيروز» بنظراتٍ مشتعلة بشرٍّ وقسوةٍ وسُخرية قاتلة:

ـ الاوراق دى بتثبت أن فيروز حامل.

شهقت «فيروز» شهقةً مختنقة، صوتها خرج كأنها تُطعن وهي تبكي، دموعها تفجّرت دفعة واحدة حتى غامت الرؤية أمامها.

تراجعت بسرعة إلى الوراء، إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه قدماها، وكأنها تهرب من الحقيقة، أو من غضب أبيها الذي بدأ يشتعل في عينيه.

احتضنت بطنها بكلتا يديها، تضمها إلى صدرها، تحمي طفلها من القسوة التي ملأت الغرفة فجأة.

كانت تهز رأسها بيأسٍ وهي تهمس بلا وعي: "لأ... لأ متعملش كده يا بابا... أرجوك".

نظر إليها والدها بصدمةٍ كأن الأرض انشقت تحت قدميه.

عيناه لمعتا بمزيج من الغضب والذهول، خطا نحوها بسرعة، صوته خرج كالرعد المجلجل المليء بالشك والخذلان والغيرة الأبوية القاسية:

ـ ايه؟؟ الكلام اللى بتقوله اختك ده يا بت صح ولا غلط؟ انطقى!

لكنها لم تستطع... لم تستطع أن ترد، الكلمات علقت في حلقها كحجرٍ ثقيل، والهواء انقطع عنها.

كل ما استطاعت فعله أنها تراجعت أكثر وأكثر، حتى التصقت بالحائط، كأنها تحاول أن تذوب فيه لتختفي.

عيناها واسعتان، وشفتيها ترتجفان بلا صوت، والدموع تغسل وجهها في انكسارٍ موجع.

اقترب منها الأب أكثر، وجهه صار قريباً منها حدّ الرعب، يمد يده نحوها بعنفٍ غاضب، ولكن فجأة...
تقدمت «فايزة» بخطوةٍ حادة، وضعت يدها أمامه تمنعه من الوصول إليها.

لم تفعل ذلك حباً... بل غروراً، كبرياءً، أو ربما لتبقي زمام الموقف بيدها.

اللحظة اشتعلت في الهواء، التوتر كان كثيفاً حتى كاد يُخنق الأنفاس، و«فيروز» في المنتصف... بين أبٍ يشتعل غضباً وأختٍ تشتعل قسوةً، وطفلٍ في أحشائها لا ذنب له سوى أنه وُجد في بيتٍ لا يعرف الرحمة.

هتفت بخبث هذه المرة ولكن نظرت له ببراءةٍ مصطنعة، ملامحها تجمع بين المكر والنعومة، كأنها تضع قناعًا بريئًا فوق وجهٍ مسموم:

ـ يا بابا مش وقته ، لازم نتصرف في المشكله دي ، لازم نبلغ باسم ان فيروز حامل .

تجمّد والدها مكانه، كأن الكلام ارتطم به فجأة، التفت نحوها ببطء وعيناه متسعتان من الذهول، وصوته خرج مترددًا، يحمل رجفة دهشة لا تصدق:

ـ باسم ؟؟ ، وايه دخل باسم في الموضوع ؟؟ .

هتفت هي بحنقٍ مكتوم وهي تلوي شفتيها بخبثٍ واضح، وصوتها يقطر سمًّا باردًا:

ـ تقدر تقولي فيروز حامل من مين؟؟ .

هتف هو بدون تفكير، صوته يخرج بحيرة ودهشة، مازال لا يدرك الفخ الذي نُصب له:

ـ من نصار طبعا .

ضحكت ضحكة قصيرة حادة، سخرية قاسية خرجت من بين شفتيها كطعنة، ثم قالت بوقاحة ونظرة ازدراءٍ لم تُخفها:

ـ ده ازاي ده ، بنتك حامل من تلات شهور ، يعني العملة اللي بنتك عملتها حصلت قبل تلات شهور ، ونصار كان مسافر من سنتين ، ولسه راجع بعد غياب ، تقدر تقولي بنتك حامل من مين ؟؟؟ .

تجمّدت أنفاس فيروز في صدرها، شعرت كأن الأرض تبتلعها، نظرات والدها اخترقتها كالسكاكين، يشتعل فيها الغضب والخذلان، حتى اقترب منها بعنفٍ يخلع القلوب، ويده امتدت فجأة تمسك خصلات شعرها بقسوةٍ مؤلمة، وهتف بعصبيةٍ حارقة:

ـ انتِ حامل من مين يا بت ؟؟

شهقت "فيروز" بصوتٍ مبحوح، جـ ـسدها كله يرتعش، كأنها ورقة صغيرة في مهبّ عاصفة، الدموع انحدرت من عينيها بغزارة، وصوتها المكسور خرج متقطعًا بين شهقاتها:

ـ صدقني يبا انا حامل من نصار ، ونصار جاه قبل كده بس مكنش قايل لحد و....

لكن لم تُكمل، فقد قطعتها "فايزة" بحدةٍ كالسكين، اقتربت منها بخطواتٍ ثابتة ووجهها يغلي من الحقد، وهتفت بصوتٍ عالٍ وهي تشير نحوها كأنها تدينها أمام محكمة قاسية:

ـ كدابة يا بابا متصدقهاش ، نصار منزلش ابدا هناك ولا شاف عيلته من سنتين ، وكنت شايف كلامهم قدامك ان نصار منزلش من سنتين ، بنتك كدابة ، ولو نصار عرف ، جوازتي انا هتتخرب يا بابا .

كانت فيروز تهز رأسها بيأس، عيناها متورمتان من الدموع، ونبرتها صادقة تخرج بصعوبة من بين ارتعاش جـ ـسدها وارتجاف شفتيها:

ـ والله يبا نصار جاه ومقلش لحد وكان محتاجني جنبه وجالي البيت وحصل اللي حصل والله ده اللي حصل ، انا والله حامل من نصار .

لكن "فايزة" لم تحتمل، صرخت بصوتٍ اخترق الجدران، وهتفت بعصبيةٍ وهي تلوّح بيدها في الهواء:

ـ كدابة يا بابا ، وعشان تصدقني هتصلك بسهر اخته ، وتقول هو نصار جاه ولا لا .

كانت كلماتها كالسهام، أطلقتها بثقةٍ خبيثة، وما إن ختمت جملتها حتى أمسكت هاتفها بسرعةٍ شرسة، بينما "فيروز" حاولت الاقتراب وهي تبكي، لكن صفعةً مدوّية هوت على وجهها، صفعةٌ قاسية جعلت الأرض تدور بها، فسقطت على الأرض تتلوّى من الألم، وصوت أبيها يزلزل المكان بعنفٍ مرعب:

ـ اخرسي يا بنت الـ **** ، مسمعش حسك فاهمه ؟؟

هزّت رأسها وهي تبكي بصمتٍ مذعور، يـ ـداها تحاول أن تحمي بهما بطنها كأنها تحمي طفلها من قسوة العالم، جسدها كله ينتفض، والهواء يختنق حولها.

وفي تلك اللحظة كانت "فايزة" تبتسم بشماتةٍ باردة، كأنها تنتقم بنشوة، ضغطت على زر مكبر الصوت، حتى يسمع والدها كل شيء بنفسه، وبعد ثوانٍ جاء صوت "سهر" عبر الهاتف، مفعم بالحيوية والدفء:

ـ الو يا عروسة .

هتفت "فايزة" بابتسامةٍ واسعة، وبنبرةٍ لينة مصطنعة تخفي وراءها خبثًا أسود:

ـ ازيك يا سهورة ، واخبار مذاكرتك طمنيني عليكي ؟؟

ردت "سهر" عليها ببراءةٍ ودفءٍ صادق:

ـ الحمد لله بخير يا حبيبتي ، كله تمام .

ارتسمت على وجه "فايزة" ابتسامة انتصارٍ صغيرة، ثم قالت بسرعةٍ وهي ترمق أختها بنظرة شماتةٍ تفيض بالحقد:

ـ يارب دايما يا حبيبه قلبي ، بقولك يا سهورة ، هو نصار فعلا نزل قبل كده ، ولا بقاله سنتين بره زي ما سالم قال .

ردت "سهر" بلهفةٍ وهي تضحك بخفة، دون أن تدرك أنها تشعل حربًا بكلمةٍ واحدة:

ـ لا نصار منزلش من سنتين خالص ، واكيد لو نزل كنت عرفت ، او حتي سالم عرف .

هنا ساد الصمت، صمت ثقيل كأن الزمن توقف، وفايزة تنظر لوالدها بعينين لامعتين بالنصر، بينما فيروز انهارت على الأرض، عيناها تائهتان، الدموع تنساب بلا توقف وهي تهمس برجفةٍ تملؤها الرجاء، وقبل والداها ان يتحدث بشئ اغلقت الخط في وجهه " سهر " بدون سابق انذار :

ـ والله العظيم ده ابن نصار ، انا حامل من نصار ونصار جاه يوم......

لكنها لم تُكمل، إذ قاطعها والدها بصفعةٍ ثانيةٍ أشد من الأولى، صفعة أسقطت آخر ما تبقّى فيها من قوة، رأسها ارتطم بالأرض ودماء حمراء فاقعة نزلت من فمها، شعرت بدوارٍ حاد والظلام بدأ يبتلع أطراف رؤيتها.

وبين أنينها، وقفت "فايزة" تنظر إليها بابتسامةٍ قاسية، وهتفت بنغمةٍ متشفية، تملؤها لذة الألم:

ـ الحل دلوقتي انه احنا نكلم باسم ، لان الأكيد ان فيروز حامل من باسم .

صاحت هذه المرة بصوتٍ مشحونٍ بالضعف، وكأن الهواء نفسه خانها فجأة، وكان دورٌ حادٌ يطعن صدرها في كل نفس:

ـ انا مش حامل من باسم والله ، انا حامل من نصار صدقوني .

افتتحت عينيها على اتساعهما، الصوت خرج كصرخة تائهة تبحث عن طوق نجاة بين أمواج لا ترحم. الهواء في الغرفة صار ثقيلاً وكأن كل جزيئاته تحملهما عنوةً إلى مصيرٍ لا سبيل للعودة منه.

نظرت "فايزة" إلى والدهما، ورأت التردد قد دبّ في ملامحه كما لو أن كلام العالم كله انسحب من تحت قدميه، كأن ثقل معرفةٍ جديدة يثقل صدره. كانت عيناه تقولان:
كيف؟ ولماذا؟ بينما كان قلبه يتلوى بين الشكّ والحنان لابنته المدللة التي تبدو الآن كمن يبكي من ألم لم يتوقعه.

لم تقوَ "فايزة" على الصبر، اقتربت بخطوات سريعة تحمل في صدرها نفاذ صبرٍ وقسوةٍ متعمّدة، ونفَستها خرجت محشوة بالحاح:

ـ انت مصدقها بعد ده كله ؟؟ .

لم يرد عليها؛ الصمت كان يدور كطوفانٍ حولهم، لكنه لم يمتد طويلاً. "فايزة" لم تترك المجال لظهور أي رأفة، سحبت هاتفها من جيبها بسرعة عملية وفتحت الاتصال كمن يطلق رصاصة للتأثير، قالت بلا تورد:

ـ تمام انا هتصلك علي باسم دلوقتي ، عشان تصدقني أنه فيروز حامل من باسم .

ضغطت الاتصال، وانتشرت في الهواء رائحة التوتر مثل دخانٍ صامت، ثم بدأ رنين الهاتف الذي بدد هدوء المساء. 

بعد قليل رن الخط ورد "باسم" بصوت أجش ناعس، نصف نائم:

ـ ايه يا فايزة .

كانت نبرة "فايزة" رقيقةٍ من الخارج، لكنها تستتِر باحتمال انفجار بركان، قالت بهدوءٍ محكومٍ لكنها داخلياً على وشك الانفجار:

ـ كنت عايزة اسألك سؤال يا باسم وهقفل علطول

همهم هو نائماً، لكن الكلمة التي تلت كانت كطلقة مفاجئة، أجبرته أن يجلس نصف جلوس ويضيء المصباح بجانبه فتلوّن ضوء ضعيف وجهه:

ـ بقولك يا باسم ، هي فيروز حامل من مين ؟؟ .

ظل نائماً إلى أن طعنت الكلمة أحلامه؛ فتح عينيه ببطء وانقبضت ملامحه، وصوت الدهشة خرج منه متلعثماً:

ـ هي فيروز حامل ؟؟؟ .

ردت هي بسخريةٍ مرّة وحقدٍ يتلذذ، ونظرتها تتعرّج بين والدها و"فيروز" كمن يرسم مشهداً تلفزيونياً من الظلم:

ـ هي الهانم كمان مقالتلكش ؟؟ ، يبقي انا كنت حاسه ، هي عايزه تخرب عليا ، وتقول لنصار انها حامل ، عشان يطلقها ، وسالم هيدايق ، فـ هيطلقني انا كمان .

صمتٌ قصير، ثم صوت "باسم" الحاد الذي غلب عليه التوتر تلعثم قليلاً:

ـ هي ازاي فيروز متقوليش ، طيب ايه رأيك بقي لو ابوكي وجهني وقالي ده ابنك هقوله لا ، مع انه هو ابني ، بس هنكر عشان اعلم درس لفيروز ، مش كفاية انها مكتوب كتابها علي نصار كمان .

سمع الأب الكلام، وغضنه اختلط بالألم؛ غمضة عينٍ واحدة كانت كفيلة بأن تسقطه في صمتٍ ثقيل.

"فايزة" ضحكت بشماتة، كأنها تضع العلامة الأخيرة على ورقة اتُبخت للتو:

ـ والله براحتك ، هي فعلا فيروز محتاجه تتربي .

أدرك الأب كمية الوقائع التي انهالت فوقه فجأة، جلس متكئاً على الأريكة من ثقلها، نفساته الثقيلة تخرج وكأنها تقسم له العالم إلى ما قبل وما بعد هذه اللحظة:

ـ طيب يا فايزة خلي بالك منها عشان ممكن تعمل حاجه ، وتقول لـ نصار وتخربها عليكي ، انا نبهتك اهو ، انا مش عارف فيروز بتعمل كده ليه ، وبتحقد عليكي كده ليه .

كانت أنفاس "فيروز" تخرج قصيرةً متقطعة، وشيء ما في داخلها انكسر كزجاجٌ يُكسر ببطء. 

تجلّى الألم على وجهها حين اقتربت من والديها، دموعها تكاد تكون كلمةٍ واحدة معلقة على شفتها:

ـ متصدقهوش يا بابا ، كل ده كدب والله ، انا حامل من نصار ، وحياتك عندي انا حا....

لم تُتَح لها أن تكمل.

الصفعة الأولى سقطت كشيء يقطع خصلة أمل؛ وجهها التفت بشدة إلى جهة الجدار، فمها تنزف والصدع الصامت يزداد في صدرها. 

الدم خرج فاتحاً في زخاتٍ صغيرة، والذهن بدأ يطفئ ألوانه؛ دوخة حادة اجتاحت رؤيتها، العالم التفت حولها كأنه آلة تدور ببطء.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، الأب أمسك خصلات شعرها بقبضة صارمة كالمسمار الذي يثبت أبواب الحقيقة، ثم تتابعت الصفعات الواحدة تلو الأخرى، أصوات اليدين على الجلد تُخفي تحتها بقع من استبدادٍ لا رحمة فيه.

توقفت الصفعات لوهلة، ثم انقضّ بقسوةٍ أكبر على بطنها، ضربات مركزية لم تكن فقط لإلحاق الألم، بل لإرهابٍ مبني على الخجل والعار وكسر الأرواح.

صراخٌ صغير اختنق في صدرها، لكن الصوت خرج متقطعاً، كل ضربة جعلت التنفس يقطّع، وكل نظرة من "فايزة" كانت تتغذى على الألم كما لو أنه انتصار منتظر.

أغلقت "فايزة" الخط في وجه "باسم" حتى لا يسمع الكلام أكثر، ثم عقدت ساعديها على صدرها في وضعية انتشاء شرسة، ابتسامةٌ خبيثة ارتسمت على ثغرها، ضحكت بشرّ وحنق كما يشاهد شخصٌ عرض انتقامه المخبأ، وإذ رأت الدم على شقيقةٍ في الركن، لم تستطع كتمان فرحها بالانكسار، فضحكت بصوتٍ عالٍ يمزق ما تبقى من هدوءٍ في الغرفة.

وسرعان ما هتفت ببكاء مصطنع ، وهي تقنرب من والداها :

ـ خلاص يا بابا بقي كفاية ، حرام عليك ، فيروز هتموت في ايدك .

كانت دموعها تتلألأ على خدّها لكنّها كانت أقسى من أي دمعة حقيقية، شفاهها مرتعشة لكنها مُتحكِّمة في كل اهتزاز كمتلاعب يضغط على أوتار مشهدٍ محسوب.

تقدّمت بفخذٍ ملوَّنٍ بارتعاشةٍ مصطنعة، كما لو أنها تُظهِر للكاميرا براءة تسيل من عيونها.

الأب، الذي كان كالمطرقة مطالِعةً على ظهر الحياة، تلعثم في صدره شعورٌ بين الشك والخوف؛ لحظاتٍ قليلةٌ كانت كافية لتأرجح مشاعره بين الغضب والرحمة. 

دفع "فايزة" إلى الخلف بقوة دفعت به على مقربةٍ من الحائط، وحين اندفعت يد الأب مجدداً لتصيب بطن "فيروز" كانت الضربة كما لوها هزةٌ قوية تهتز معها الأرض.

صرخة "فايزة" التالية خرجت مُفخَّخة بذعرٍ مُصطنع، نبرة مدروسة تحمل توقيتاً حسابياً:

ـ الحق يا بابا فيروز بتنزف .

كانت كلماتها كجرس إنذار؛ سكب دلو ماءٍ باردٍ على كلّ ما تبقّى من تصميم الأب، وتوقّف عن ضربها كمن قرأ كلمةٍ خطيرة على صفحةٍ لا تُمحى. عيناه انطبعتا بالذعر للمشهد: الفتاة ممدّدة على الأرض، أنفاسها تختنق، وخيوط الدم تسبح على زاوية الشفة.

هتفت "فايزة" بخوفٍ مُتصنعٍ ترتعد كأن قلبها يكاد يتفتت من الشفقة المفروضة:

ـ روح يا بابا هات خالتي حمدية بسرعة ، بسرعة يبا .

الأب انفجر خارج الغرفة كمن يركض لإنقاذ سفينة قاب قوسين أو أدنى من الغرق، خطواته دوّت في الممر كأنها قرع طبول الاستغاثة. 

خرج من البيت يلهث دون وعي، واتسع الفضاء الفجائي داخل الغرفة ليتحوّل إلى مسرحٍ صغير يتقن كل طرفه دوره بدقّة متناهية.

ظلّت "فايزة" واقفةً بابتسامةٍ ضيقةٍ تمرّ كخنجر في صدرها، اقتربت من "فيروز" وهي تُصوِّب نظراتها ببرود، تُمطّ لسان الانتقام بخفّةٍ أمام ما تراه:

ـ عجبك حالتك يا فيروز دلوقتي ؟؟ ، اتحديتيني ، وكنتي هتخربيها عليا ، وكنتي هتفركشي جوازتي ، دلوقتي جوازتك ، والبيبي خسرتيه ، ولسه هعمل فيكي حاجات مش هتتوقعيه ، هي لسه مخلصتش ولا هتخلص علي كده يا فيروز .

كلماتها قُطِعتْ بأنفاسٍ قصيرة، لكنها كانت يدوية الحلاقة على وجه الواقع؛ كانت تَتمتع بكل مقطع من الألم الذي تنثُرُه.

ابتسامتها الشماتية كشفت عن أسنانٍ تُشبه حدَّة السكين، لا قلبَ فيها ولا رحمة.

في تلك اللحظة دخلت خالتها "حمدية" من الباب، تحمل حقيبة إسعافها الصغيرة وتتحرّك بخطوات مُرتعِدة لكنها مُتقنة. 

وراءها والدها يعود إلى الغرفة مُسرعاً، عينيه مُظلومة بالقلق، وخطوط الحيرة تَعرّج في جبينه. توقّفت "فايزة" للحظةٍ قصيرة، ونظرت للأب تهمس بصوتٍ مُرتعش من ورعٍ مُصطنَع:

ـ اخرج انت يا بابا ، انا واقفة مع خالتي حمدية وان شاء الله فيروز هتطلع منها .

الأب، الذي كان قلبه يتقاذف بين الرجفة والغضب، انسحب ببطء، أغلق الباب خلفه كمن يغلق باب مستشفىٍ دون رجعة. 

الباب رُفع خلفه كستارٍ على مسرحٍ داخلي، وأصبحت الغرفة محتويةً على صوتٍ واحد، عملية سريعةٍ من "حمدية" وإيماءات "فايزة" المتصيدة لكل لقطة ضعف تظهر على "فيروز".

خالتها تسرعت إلى جانبها، خرجت الأدوات من حقيبتها شاش، مطهّر، ضمادات رائحة الكحول والمطهر امتزجت برائحة الدم والعرق، والمشهد صار أكثر واقعيّةً من أن يتحمّل. "فايزة" قالت ببرودٍ مُكشوف بينما "حمدية" تُعاين الجرح:

ـ ها يا خالتي ، فيروز كويسه والبيبي كويس .

صوت "حمدية" كان مُحاولاً أن يُطَمْئِن، يدها ثابتة وهي تحاول كتم رعبها، تردف بعدما نظرت إلى النزيف:

ـ ان شاء الله فيروز والبيبي هيبقوا كويسين .

هنا انفجرت حماسة "فايزة" التي تظنُّ أنها أمسكَت بخيط الانتصار، لكنها لم تُظهر سوى صدمة:

ـ يعني البيبي لسه عايش؟؟

كلماتها كانت ككبتة عابرة عبر صدر امرأةٍ مُنتصِرة وكأن وجود الجنين يُبقي
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة توتا محمود، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏