رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 45 - السبت 13/6/2026
تتاريخ النشر: 13-6-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الرابع والأربعون
تم النشر السبت
13/6/2026
نظرت جيهان إلى شقيقتها بنظرةٍ باهتة، وقالت بصوتٍ منخفض يحمل الكثير من الحيرة:
ـ يوسف هو اللي جابه يا كاميليا.. حطه وسط الأكياس من غير ما حد يحس.
اتسعت عينا كاميليا بإعجاب شديد وهي تتفحص تفاصيل الفستان وقماشه الراقي، وقالت بانبهار:
ـ يجنن يا جيهان! ذوقه طلع عالي أوي.. الفستان ده هيخليكي ملكة في الفرح.
لكنها لاحظت أن جيهان لم تكن معها، بل كانت شاردة تماماً، وعيناها مثبتتان على ورقة صغيرة كانت تطويها بين أصابعها بتوتر.
انتبهت كاميليا للرسالة، فمدت يدها وسحبتها بفضول هادئ، وبدأت تقرأ كلمات الاعتذار التي سطرها يوسف بعناية.
ساد الصمت الغرفة للحظات، قبل أن ترفع كاميليا رأسها لتجد جيهان تنظر إليها بعيون تملؤها المرارة والضيق. تفهمت كاميليا الآن سر هذا الوجوم؛ فالرسالة قلبت المواجع وأعادت جيهان لنقطة الصفر.
قالت جيهان بحدة ظهرت في صوتها رغم محاولتها الهدوء:
ـ إيه الفايدة يا كاميليا؟ هو فاكر إن كلمتين حلوين وفستان غالي هيمسحوا اللي عمله؟ هو فاكر إنه بالبساطة دي يقدر يرجع كل حاجة زي ما كانت؟ أنا لسه غالية عنده دلوقتي؟ فين كان التقدير ده وهو بيروح يتجوز واحدة والتانية؟
تنهدت كاميليا بعمق، فقد أدركت أن غضب شقيقتها لا يزال كالجمر تحت الرماد، وأن جرح كرامتها أعمق بكثير من أن تداويه هدية، مهما كانت قيمتها.
حاولت كاميليا أن تهدئ من روع شقيقتها، اقتربت منها وربتت على كتفها بحنان قائلة:
ـ اهدي يا جيهان.. يوسف بيحبك يا حبيبتي، واللي بيعمله ده مش مجرد تمثيل، ده حب حقيقي.
التفتت إليها جيهان بابتسامة مريرة، وقالت وهي تحاول كبت دموعها:
ـ حب إيه بس يا كاميليا؟ هو بيعمل كل ده كنوع من التعويض.. ضميره مأنبه عشان الحادثة اللي حصلت لي وأنا معاه، وشايف إن ده واجبه علشان يشيل الذنب من على كتافه، مش أكتر.
لكن هذه المرة، لم تصمت كاميليا، بل قررت أن تدافع عن يوسف أمام شقيقتها بصدق، فقالت بنبرة حازمة:
ـ يا جيهان، المرة دي إنتي ظالماه.. يوسف فعلاً غلط في حقك زمان وغلطاته كبيرة مفيش كلام، بس اللي بيعمله دلوقتي أبعد بكتير من مجرد تأنيب ضمير على حادثة. الراجل بقاله فترة مستحمل منك تجريح وكلام قاسي مفيش راجل كرامته تسمح له يتقبله، ومع ذلك بيبلع إهانته ويسكت، وبيدور على أي فرصة عشان يرضيكي.
تابعت كاميليا وهي تنظر في عيني جيهان مباشرة:
ـ لو كان الموضوع واجب بس، كان اكتفى بإنه يصرف على علاجك ويطمن على بناته، لكن يوسف بيحا.رب علشان يرجع جيهان نفسها.. بيتحمل اللي محدش غيره كان هيتحمله علشان عارف إنه بيحبك بجد ومتمسك بيكي لآخر لحظة.
صمتت جيهان تماماً، وبدا أن كلمات شقيقتها بدأت تلمس وتراً حساساً بداخلها، فدفاع كاميليا المستميت عن يوسف جعلها تعيد التفكير في كل المواقف الأخيرة التي مرت بها معه، وصبره الطويل على جفاها وقسوتها في التعامل.
صمتت كاميليا للحظة، ثم قررت أن تبوح بالسر الذي أخفته طويلاً، وقالت بصوت هادئ ومؤثر:
ـ على فكرة يا جيهان.. يوسف مكنش بيسيبك لحظة وانتي في المركز. كان بيكلمني كل يوم بالليل، وأوقات كذا مرة في اليوم، علشان يطمن على أدق التفاصيل.. كان بيبقى هيموت من القلق عليكي، وبيتابع تطورات حالتك وكلام الدكاترة خطوة بخطوة. هو بس مكنش بيحب يظهر قدامك علشان عارف إن وجوده بيضايقك.
وقعت الكلمات على مسامع جيهان كالصدمة، فنظرت إلى شقيقتها بنظرة غامضة، نظرة اختلط فيها الذهول بالعتاب وبالكثير من التساؤلات التي لم تجد لها إجابة. لم تنطق بحرف، بل ظلت عيناها معلقتين بوجه كاميليا وكأنها تحاول استيعاب أن يوسف كان ظلاً يحرسها في الخفاء طوال تلك الفترة الصعبة.
أدركت كاميليا أنها قالت ما يكفي، وأن جيهان الآن بحاجة لتختلي بنفسها بعيداً عن أي ضغط؛ فانسحبت من الغرفة بهدوء وأغلقت الباب خلفها، تاركةً شقيقتها وسط حصار من الذكريات، والرسالة، والفستان، والحقيقة الجديدة التي عرفتها للتو.
جلست جيهان وحدها، وساد الصمت أركان الغرفة إلا من صوت دقات قلبها. بدأت تعيد شريط الأيام الماضية في المركز.. تذكرت كيف كانت تشعر أحياناً بأن هناك من يراقبها من بعيد، وتذكرت نظرات يوسف المنكسرة في كل مرة ترفضه فيها.
قالت في نفسها وهي تلمس طرف الفستان:
ـ يعني مكنتش غايب يا يوسف؟ كنت موجود بس خايف من وجعي؟
بدأ جدار القسوة الذي بنته حول قلبها يتصدع ببطء، لكن الحذر لا يزال قائماً. هي الآن أمام مواجهة حقيقية مع مشاعرها؛ هل تستسلم لهذا الحب الذي أثبت وجوده في المحن، أم تظل متمسكة بكبريائها الذي يحميها من خذلان جديد؟
فتحت جيهان باب خزانة ملابسها ببطء، وكأنها تفتح فصلاً من كتاب كانت تحاول إغلاقه للأبد. وضعت الفستان بعناية بين ملابسها، لكن صورته ظلت مطبوعة خلف جفونها. تراجعت للخلف وجلست على طرف السرير، والهدوء من حولها جعل صوت أفكارها يرتفع ليملأ الغرفة.
بدأت تسترجع كلمات تامر ونبرة صوته وهو يحكي لها عن حال يوسف في غيابها.. عن انطفائه، وعن ضياعه الذي لم يستطع إخفاءه خلف انشغالاته. شعرت بغصة في حلقها؛ فجزء منها يريد أن يصدق أن هذا العذاب كان لأجلها، لكن الجزء الأكبر والمهزوم بداخلها كان يهمس لها بقسوة:
ـ وإيه يضمنلك يا جيهان إنه مش بيعمل كل ده عشان يصعّب عليكي؟ ولا عشان الحادثة اللي حصلت وإنتي معاه خلته يحس بالذنب؟
كان الخوف يتملك منها كالأخطبوط، يلتف حول كل ذكرى جميلة ويخنقها بكلمة واحدة: الشفقة. هي لا تريد أن تكون ضحية في عينه، ولا تريد حباً يأتي كتعويض عن وجع جسدي، بل أرادته حباً ينتصر لكرامتها التي أُهدرت بزواجه من غيرها.
تنهدت بتعب وأمسكت برأسها الذي بدأ يئن من فرط التفكير، وقالت في سرها بصوتٍ مجهد:
ـ كفاية يا جيهان.. كفاية عقلك مش هيوصل لحل دلوقت.
سحبت الغطاء فوقها، وكأنها تختبئ من حقيقتها ومن يوسف ومن رسالته التي لا تزال تهتز في وجدانها. أغمضت عينيها بقوة، هاربة من واقعها المرتبك إلى عالم النوم، لعلها تجد فيه سلاماً أو هدوءاً يعجز عقلها المستيقظ عن منحه لها.
❈-❈-❈
في بيت عدنان، كان يوسف في غرفته، يصارع أفكاره التي لا تهدأ. كان يدرك أن الفستان الآن أصبح بين يدي جيهان، وأنها بالتأكيد وجدت تلك الرسالة الورقية التي دسّها بعناية لتعبر عن مكنون قلبه. كان يخشى كبرياء جيهان، ويخشى أكثر أن تكون قد اعتبرت اعتذاره جاء متأخراً جداً ليداوي جرحاً غائراً.
كان الهاتف في يده كقطعة جمر، ينتظر منه أن ينطق بأي خبر. وفجأة، اهتز الجهاز باتصال من كاميليا. حبس أنفاسه لثوانٍ، ثم أجاب بسرعة وبصوتٍ يملؤه التوجس والقلق الشديد:
ـ أيوة يا كاميليا.. طمنيني بالله عليكي، جيهان شافت الفستان؟ وقرأت اللي كتبته؟ حالتها إيه دلوقتي يا كاميليا؟ ردت عليكي وقالت إيه؟
أجابت كاميليا بنبرة هادئة تحاول فيها امتصاص توتره:
ـ اهدا يا يوسف.. جيهان شافت الفستان وقرأت الرسالة، بس لازم تفهم إنها لسه مترددة ومتخبطة جداً. بلاش تستعجلها يا يوسف، الضغط عليها دلوقتي ممكن يقلب كل حاجة ضدك.
صمتت قليلاً ثم تابعت بصدق:
ـ جيهان دلوقتي في مرحلة تعافي، ومش بس تعافي من إصابة الحادثة، دي بتحاول تتعافى من الجرح اللي إنت سببتهولها في قلبها.. وده أصعب بكتير. هي محتاجة وقت عشان تقدر تستوعب وجودك من جديد، ومحتاجة تتأكد من مشاعرك ناحيتها.
تنهد يوسف تنهيدة طويلة ببطء، وكأن جبالاً كانت جاثمة على صدره. أغمض عينيه وهو يستمع لكلمات كاميليا، وأدرك أن الطريق الذي بدأه لا يمكن قطعه في يوم وليلة. قال بصوت منخفض يحمل التسليم والرضا:
ـ عندك حق يا كاميليا.. أنا صبرت شهور، مش هقدر أصبر كام يوم؟ المهم إنها قرأت كلامي ومرفضتش الفستان. أنا هسيبها براحتها خالص، والوقت اللي هي محتاجاه أنا مستعد أديهولها، المهم في الآخر ترجع جيهان اللي أعرفها.
أغلق يوسف الهاتف وهو يشعر بمزيج من الراحة والقلق، لكنه الآن يعلم يقيناً أن الكرة في ملعب الوقت، وأن عليه أن يكون ظلاً خفيفاً لا يزعجها حتى تفتح هي له الباب من جديد.
أغلق يوسف الهاتف مع كاميليا، ولأول مرة منذ وقت طويل، شعر بقلبه يهدأ قليلاً. أسند رأسه إلى وسادته وهو يعيد شريط كلمات كاميليا في عقله:
ـ هي في مرحلة تعافي.
أدرك يوسف أن جيهان الآن تشبه طيراً جريحاً يحاول الثقة من جديد، وأي حركة مندفعة منه قد تجعلها تطير بعيداً للأبد.
نام يوسف تلك الليلة وهو يشعر ببارقة أمل، وشعور غريب بأن القادم، رغم صعوبته، سيكون أفضل. تيقن أن الصبر هو مفتاحه الوحيد، وأن عليه أن يثبت لها بالفعال لا بالأقوال فقط أن حبه ليس مجرد شفقة.
استيقظ يوسف بنشاط افتقده لشهور. ارتدى ملابسه بعناية، وتوجه إلى الشركة بوجهٍ مغاير تماماً؛ لم يعد ذلك الرجل الشارد المحطم، بل عاد يوسف القيادي الذي يعرف كيف يدير الأمور.
دخل مكتبه والابتسامة لا تفارق وجهه، وبدأ يتابع ملفات العمل بحماس شديد، ويناقش الموظفين بذهن حاضر. لاحظ الجميع هذا التغير، حتى أن السكرتيرة همست لزميلتها:
ـ أستاذ يوسف النهاردة رجع يوسف بتاع زمان.. يا ترى إيه اللي حصل؟
كان يوسف يعمل وهو يضع هدفاً واحداً أمام عينيه أن يبني نجاحاً جديداً يليق بالعودة التي يتمناها، وأن يكون مستعداً لليوم الذي تفتح فيه جيهان قلبها له مرة أخرى.
دخل تامر إلى المكتب، فلاحظ فوراً ملامح يوسف وتركيزه العالي في العمل، فابتسم وقال بمداعبة الأخ لأخيه:
ـ إيه النشاط والحماس ده كله؟ شكلك كدة نمت كويس النهاردة يا يوسف!
رفع يوسف نظره عن الأوراق وقال وهو يتنهد براحة أمام شقيقه:
ـ أيوة يا تامر، نمت ولأول مرة من فترة طويلة أحس إني مرتاح.. أنا عملت اللي قولتلي عليه، بعت الفستان ومعاه رسالة وسط أكياس الهدوم، وكنت طول الليل قاعد على أعصابي، قلبي هيقف من القلق وخايف من رد فعل جيهان.
اعتدل يوسف في جلسته وأكمل وهو يحكي لأخيه بتفاصيل ما حدث:
ـ كنت مستني أي رد، ولما كاميليا كلمتني قلبي وقع في رجليا، بس الحمد لله طمنتني.. قالتلي إنها شافت الفستان وقرأت الرسالة. رغم إنها لسه مترددة وشايلة جواها، وكاميليا أكدت عليا إني لازم أصبر ومستعجلش علشان جيهان لسه بتتعافى من جرحي ليها، بس مجرد إنها مرفضتش الهدية ده في حد ذاته إشارة خلتني أحس إن اللي جاي ممكن يكون أحسن.
هز تامر رأسه بتفهم وطمأن أخاه قائلاً:
ـ عين العقل يا يوسف.. جيهان مش سهلة، وكرامتها فوق كل شيء، وصبرها ده دليل إنها بتوزن الأمور. المهم دلوقتي إنك تفضل كدة، هادي ومستني، وتثبتلها إنك اتغيرت فعلاً.
رغم محاولة يوسف للتركيز في أرقام الصفقات وملفات المشاريع التي كان يعرضها عليه تامر، ورغم صوته الذي كان يناقش تفاصيل العمل، إلا أن عقله كان في وادٍ آخر تماماً. كان جسده في المكتب، لكن روحه كانت تحوم حول غرفة جيهان.
كان يتخيلها في هذه اللحظة؛ هل استيقظت؟ هل نظرت إلى الفستان مرة أخرى بنظرة مختلفة تحت ضوء الشمس؟ هل مازالت كلماته في الرسالة تتردد في أذنيها أم أنها حاولت نسيانها بمجرد استيقاظها؟
انتبه تامر لسرحان شقيقه، فصمت قليلاً ثم ابتسم وهز رأسه، وقال بصوت منخفض قطع خيال يوسف:
ـ يوسف.. يا يوسف! أنا بكلمك في ميزانية المشروع الجديد وإنت بتفكر في صاحبة الفستان، صح؟
ارتبك يوسف قليلاً وحاول العودة لتركيزه وهو يعدل وضع نظارته، وقال بصدق:
ـ مش بإيدي يا تامر.. غصب عني. كل ما أحاول أركز في الورق اللي قدامي، أفتكر شكلها وهي لسه زعلانة مني، وأسأل نفسي يا ترى هي دلوقتي بتفكر فيا إزاي؟ كلام كاميليا طمني شوية، بس لسه قلبي مقبوض وخايف إنها تكون لسه شايفة إن كل ده شفقة مش حب.
وضع تامر يده على كتف أخيه وقال له بجدية:
ـ سيبها للوقت يا يوسف. إنت عملت اللي عليك، ودلوقتي دورها هي إنها تفتح الباب. ركز في شغلك عشان لما ترجعلك تلاقيك يوسف القوي اللي هي عرفته وحبته زمان.
تنهد يوسف بعمق وقال:
ـ يا رب يا تامر.. يا رب.
في هذه الأثناء، في فيلا عدنان
كانت سميرة تراقب صعود ونزول يوسف، ولاحظت اهتمامه الزائد بمظهره اليوم وخروجه متحمساً، فقررت ألا تصمت أكثر. ذهبت لغرفة نور وقالت بنبرة حادة:
ـ مش شايفة جوزك نازل الشركة النهاردة والضحكة من الودن للودن؟ يظهر إن جيهان بدأت تليّن، ويوسف خلاص نسينا خالص!
نظرت سميرة إلى نور بضيق واضح، وزفرت بحدة من طريقة تفكيرها، ثم قالت بنبرة حازمة ومباشرة:
ـ بقولك إيه يا نور.. ريحي نفسك ووفرى الكلام ده. جيهان لسه مراته لحد اللحظة دي، ومحدش فينا يقدر يمنعه عنها ولا يتدخل في اللي بينهم. هي صاحبة القرار الأول والأخير، ورجوعها من عدمه دي حاجة تخص يوسف وتخصها هي.
اقتربت منها سميرة خطوة إضافية وتابعت بنصيحة باردة:
ـ بدل ما تقعدي تراقبي يوسف ضحك لمين وراح فين، فكري إزاي تحافظي على مكانتك في البيت ده.. لأن جيهان لو رجعت، الأوضاع كلها هتتغير، وكل واحدة فينا لازم تعرف حجمها كويس. لو عندك مشكلة مع يوسف أو حاسة إنه مقصر معاكي، روحي اتكلمي معاه هو، أنا ماليش علاقة بالموضوع ده خالص.. طول ما يوسف محترمني ومش بيسيء ليا، أنا مش هتدخل في خصوصياته.
صمتت نور وهي تنظر لسميرة بذهول، لم تكن تتوقع أن يكون رد فعل ضرتها بهذا العقل والبرود، وكأن سميرة قررت أن ترفع يدها عن هذه الحرب وتترك يوسف يواجه مصيره مع جيهان وحده.
تركتها سميرة واقفة في مكانها وخرجت من الغرفة، تاركةً خلفها نيران الغيرة تشتعل في قلب نور، التي شعرت للحظة أنها أصبحت وحيدة في مواجهة عودة جيهان المحتملة.
❈-❈-❈
استيقظت جيهان ومازال طيف أحداث الأمس يطارد مخيلتها، وكأنها تبحث في زوايا ذاكرتها عن مخرج لهذا التشتت الذي تعيشه. دخلت عليها شقيقتها كاميليا وابتسامة هادئة ترتسم على وجهها، لتخبرها بأنها أعدت وجبة الإفطار. خرجت جيهان إلى الردهة وجلست تتناول الطعام في صمت وسكون، لكن عقلها كان يخوض معركة شرسة؛ كانت تنظر إلى بناتها اللاتي يجلسن معها، وشعرت بغصة وهي تفكر في مستقبلهن. هل تغفر ليوسف من أجل هؤلاء الصغيرات؟ أم تظل متمسكة بموقفها مهما كان الثمن؟ كانت تدرك تماماً حاجتهن للاستقرار، ولا تريد لهن أن يشعرن بمرارة النقص وسط عائلة مشتتة.
وفي لحظة حسم، التقطت هاتفها وابتعدت قليلاً لضمان الخصوصية حتى لا تسمع كاميليا حديثها، ثم اتصلت بأحد الأرقام وقالت بنبرة جادة:
ـ محتاجة أشوفك ونتكلم.
جاءها الرد من الطرف الآخر بالموافقة، وأخبرها أنه سيكون بانتظارها في تمام الساعة الرابعة مساءً. أغلقت جيهان الخط وهي تشعر بوقرٍ في صدرها، لكن بداخلها يقين بأنها ستجد الإجابة الشافية لكل ما يؤرقها في هذا اللقاء المرتقب.
وضعت الهاتف جانباً وعادت لتكمل إفطارها، محتفظة بهذا السر داخلها، بانتظار حلول الموعد الذي حددته.
جلست جيهان تداعب بناتها، تارة تبتسم لمداعباتهن وتارة تغرق في تأمل ملامحهن الصغيرة، وفي قرارة نفسها كانت تشعر بحمل ثقيل، وكأنها هي الوحيدة المسؤولة عن رسم طريق حياتهن وتحديد مصيرهن في هذا العالم. كانت الأسئلة تدور في رأسها كالإعصار: هل قرارها بالبعد سيحرمهن من حياة مستقرة؟ وهل قرارها بالعودة سيكون تضحية بكرامتها التي أُهينت؟
في هذه الأثناء، انضمت إليهن كاميليا، وجلست معهن في تلك الجلسة العائلية الهادئة. كانت كاميليا تراقب شرود شقيقتها بين الحين والآخر، وبذكائها المعهود، قررت ألا تفتح أي سيرة تخص يوسف أو الفستان أو حتى الرسالة. فضلت أن تترك لجيهان مساحتها الخاصة لترتب أفكارها وتصل لقرارها بنفسها دون أي ضغط أو توجيه، إدراكاً منها أن جيهان في أمسّ الحاجة الآن للهدوء النفسي في هذه الفترة.
ساد المنزل جو من الطمأنينة الظاهرية، بينما كانت دقات الساعة تقرب جيهان من ذلك اللقاء الذي تعقد عليه آمالاً كبيرة لتجد فيه الإجابة التي تبحث عنها.
مع دقات عقارب الساعة، وقفت جيهان فجأة وكأن نداءً داخلياً قد حركها، واتجهت لغرفتها لتبدل ملابسها وتستعد لهذا الموعد المرتقب. بعد دقائق، خرجت من الغرفة بكامل أناقتها وهدوئها، مما أثار تعجب كاميليا التي كانت تراقبها بدهشة؛ فهي لم تخبرها بأنها تنوي الخروج، ولم تتحدث مع يوسف أو تامر ليرافقها أحد كالعادة.
تحدثت كاميليا بنبرة يملؤها القلق:
ـ رايحه فين لوحدك يا جيهان؟ وليه مقولتيش أخرج معاكي؟ وكمان مكلمتيش تامر ليه ييجي يوصلك؟
تعمدت كاميليا ألا تذكر اسم يوسف، ظناً منها أن جيهان ربما تذهب للقائه ولا تريد ذكر اسمه، لكن رد جيهان كان مفاجأة لم تتوقعها، حيث قالت بجمود ووضوح:
أنا ورايا ميعاد مهم جداً، ومش عاوزة حد يعرف بالأمر ده نهائي، وخصوصاً يوسف.. يا ريت يا كاميليا الموضوع يفضل بيني وبينك.
ازداد قلق كاميليا التي حاولت إثنائها عن الخروج بمفردها قائلة:
ـ طيب استني ألبس وأروح معاكي، وننزل الأولاد عند بيت عمي ونمشي براحتنا.. مش هينفع تخرجي لوحدك كدة.
إلا أن جيهان رفضت بحسم وأخبرها أنها تريد أن تكون وحدها تماماً في هذا اللقاء، وطمأنتها بكلمات قصيرة ألا تقلق عليها، وأصرت عليها ألا تخبر أحداً بخروجها مهما حدث.
غادرت جيهان المنزل بهدوء يسبق العاصفة، تاركة خلفها كاميليا في حالة من الحيرة والقلق الشديد. كانت كاميليا تود بشدة أن تتصل بيوسف لتخبره بما يحدث، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة احتراماً لرغبة أختها وخوفاً من العواقب، فجلست مع البنات وعقلها يذهب ويجيء مع جيهان في مشوارها الغامض.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
