رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 26 - الخميس 11/6/2026
تم النشر في: 11 يونيو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل السادس والعشرون
تم النشر الخميس
11/6/2026
دخلت (شيرين) فجأة دون أن تطرق الباب، فقطعت الصمت الذي كان بينهما حيث كان (مالك) يهم بالرحيل لكي يأتي له بوجبة البريك، لكنه انتفض حين وجد الباب فُتح فجاءة فرفع رأسه سريعًا وقد ارتسمت العصبية على ملامحه، وقال بانفعال وهو يحدّق بها
- في حد يفتح الباب كده من غير استئذان يا (شيرين)؟!
عقدت حاجبيها وهي تتطلع إليه واقفًا على وشك الرحيل، فردّت بتهكم لاذع
- يعني فتحت عليك باب الحمّام مثلًا؟! ده مكتب يا (مالك)!
احمرّ وجه (سدرة) من حرج كلماتها، وأخفضت بصرها سريعًا، بينما (مالك) شدّ على أسنانه بقهر وقال بحدة
- أنا بجد تعبت منك ومن طولة لسانك يا (شيرين)!
اقتربت منه (شيرين) وابتسامة ساخرة تعلو ثغرها، ثم أخرجت دعوتين من حقيبتها ومدّتهما نحوه، قائلة
- أديك هترتاح منّي .. دي دعوة خطوبتي يا أستاذ (مالك) كنت جاية أعزمك إنت و(سدرة)
رفعت (سدرة) بصرها إليها، وابتسمت بلطف
- مبروك يا (شيرين)
لكن بداخلها، كانت تتساءل بمرارة كيف استطاعت أن تُخرج (مالك) من قلبها بتلك السهولة؟ بينما هي حتى الآن لم تستطع نسيان (معتصم)؟
أخذ (مالك) الدعوة بابتسامة ساخرة، وقال مستهزئًا
- اسمه إيه اللي أمه داعية عليه؟
أخرجت له (شيرين) لسانها كى تقوم بأغظاته، وردّت وهي تضحك
- اسمه (منذر) .. كيوت وقمر كده وأحلى منك ومن أخوك .. وأحلى واحد في الدنيا أصلًا!
رفع (مالك) حاجبه بسخرية متصنعة وقال
- يا سلاااام! طيب يا سِتّي
ثم نظرت (شيرين) إلى (سدرة)، وقالت بلطف
- هستناكي يوم الخطوبة .. لو مجتيش، هزعل منك بجد
أومأت (سدرة) برأسها بالإيجاب، ثم جلست (شيرين) عند المقعد المقابل لمكتبها وقالت
- انا جايبة اكل ليا وليكِ، تعالي ناكل بقى
ثم رفعت حاجبها نحو (مالك)
- تعالى كل متتكسفش .. انت ابن خالتي برده
ضحك (مالك) بآسى وساد الصمت للحظة، لتبدء (شيرين) الحديث وهي تقول
- عاملة ايه دلوقتي يا (سدرة) .. احسن من امبارح؟ ولا لسه بتفكري برده
اخذت (سدرة) نفس عميق واعتدلت في جلستها ثم قالت
- تعبانة يا (شيرين) ومحدش حاسس بيا في البيت خااالص
نظرت (شيرين) بطرف عينيها إلى (مالك) وقالت
- ما تكلمها يا (مالك) .. هي حكتلي انك عارف موضعها هي و (معتصم) انا حاولت اكلمها امبارح بشتى الطرق، مش قادرة اصدق انك أنتِ بقيتي هشة كده
اماء (مالك) بعينه نحو (شيرين) وقد فهم من حديثهم أن (شيرين) هي التي اختارتها لكي تتحدث معها كما نصحها بعيدًا عن أبويها، كان يود أن يكون هو المستمع إليها ولكن يعرف أن هذا مناف للشرع، فالتفت إلى (سدرة) وقال وهو يتنهد بغيظ
- شايفة الناس؟ .. نِسيتني، ولا كأني كنت شراب عندها .. مش ناس تانية بقالها شهر بتعيّط على الأطلال! ده انا لو كنت طبق لوبيا فى حياة (شيرين) كانت هتزعل عليا اكتر من كده
ضحك كلاً من (سدرة) و (شيرين) كثيرًا وما أن استردت أنفاسها قالت
- طبيعي أكون زعلانة .. حضرتك أنا كنت مخطوبة .. لكن (شيرين) كانت حاجة تانية
شعرت (شيرين) بالحزن عليها بينما هزّ رأسه بأسى وقال
- والمخطوبة دي نعملها إيه عشان تفك؟! أنا حلولي نفذت! بقالى شهر ونص بحاول الهيكِ بالشغل وحاجات تانية كتير .. بس كل ده مش نافِع! بسمع مشاكلك أحيانًا ولا كأني دكتورك النفسي ومش عارف أقنعك! خلاص بقى، ما تبكيش على اللبن المسكوب .. إنتِ مش قطة هتلحسيه بلسانك!
أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بهدوء
- عارفة .. أنا تعبتك معايا .. انت و(آسر) أوي الفترة اللي فاتت
رفع عينيه نحو السقف بغيظ، وقال وهو يزفر بقوة
- و(آسر)؟! الجربوع ده عملك إيه أصلًا؟! أنا اللي بعمل كل حاجة على فكرة
ابتسمت بخفة وهي تتذكر، وقالت بصوت هادئ مع بسمة صغيرة تُزين وجهها
- بيضحكني بجد .. كل لما يشوفني يضحكني وآخر مرة قالي هو الخسران .. انتِ محتاجة حد يحبك زيي كده يقدّرك! .. عارف .. أنا لولا إني عارفة ان دماغ (آسر) لاسعة كنت قلت إنه بيحاول يفتح كلام معايا!
ضحكت (شيرين) وهي تقضم من الشطيرة الخاصة بها وقالت
- حاسة مش متأكدة!!
في حين ضغط (مالك) على شفتيه بغيظ، وقد فهم تمامًا تلميح شقيقه فهو يقصده ومن سيكون مثله غيره، ولكن تلك البلهاء لن تفهم أسلوبه الملتوي ذاك، فنظر إليها بنظرة حانقة وقال
- عجبك أوي (آسر)؟! بيضحكك مش كده؟!
أشاحت بوجهها عنه، وقالت
- بضحك من الغُلب اللي أنا فيه أنا من ساعة اللي حصل ونفسي أشوفها
نظر كلا منهما لها باندهاش وهما لا يفهمان عن من تتحدث لتسأل (شيرين)
- تقصدِي مين؟
زفرت بمرارة وقالت
- اللي اتجوزها (معتصم) .. عاوزة أعرف .. هي أحلى مني في إيه؟! من ساعة اللي حصل (معتصم) حتى محاولش يكلمني! حاسة إني كنت صفر عنده ولا ليّا قيمة!
في تلك اللحظة، كسر (مالك) القلم الذي كان يمسكه دون أن يشعر، كان الغضب يتصاعد في داخله، لكن (سدرة) لم تنتبه، وتابعت حديثها
- بابا رجّع التليفون اللي (معتصم) كان جايبهولي واشترالي واحد جديد برقم جديد .. عشان ميبقاش في طريقة يوصل لي بيها .. بس لو (معتصم) عاوز يكلّمني فعلاً كان بعتلي رسالة مع (عمار) .. بس مفييييش! .. عايش حياته هناك وأنا مش مهم .. هي فيها إيه أحلى مني؟! نفسّي أفهم!
كانت الدموع تترقرق في عينيها، وقد فاض قلبها بالحزن، بينما (مالك) شعر باختناق من ضعفها هذا، لكنه كتم ضيقه وحاول أن يكون هادئًا، ثم قال بصوت دافئ
- (سدرة) .. هو انتِ ليه أصلاً تسمحي إن ثقتك تهتز في نفسك؟ كل بني آدم ليه جماله .. وأجمل ستات الكون اتخانوا! .. المشكلة مش في الجمال .. المشكلة في الطبع! ممكن تكون حلوة .. بس متتعاشرش .. وممكن هو اللي خاين أو ممكن حصلت ظروف أكبر منه ومنك بس متقوليش إنها أحلى منك!
فتابعت (شيرين) الحديث مؤكدة حديث (مالك)
- هو شاف حياته ومشي .. بس ده مش معناه إنها أجمل! ممكن يكون شايف إنك مش هتسامحيه أو شايف إن أهلك مش هيوافقوا .. يعني الموضوع مش بالبساطة اللي بتفكري بيها
همست وهي تنظر للأسفل
- أنا تعبت أوي .. تعبت بجد .. نفسى انسى
اقتربت (شيرين) منها قليلًا وقالت بصوت منخفض يشوبه الحنان
- يا (سدرة) الشكل عمره ما بيكون السبب في الخيانة .. والواد ده قالي قبل كده لو بالشكل كان حبني .. الشكل ممكن يروح في أي لحظة اللي بيتبقى روحك .. وأنتِ روحك حلوة ومريحة .. وبرده جميلة
ليؤكد (مالك) على حديث ابنة خالته
- فعلاً إنسانة مريحة في التعامل وسلسة ..
لم تفهم كلماته، فقال وهو يضغط على كلماته كي يشتت تركيزها عما قاله
- لو عاوزة ترجعي ل (معتصم) ارجعي .. بس هتقبلي تبقي زوجة تانية؟! ولا هتقولي له طلقها؟!
نظر في عينيها مباشرة، يبحث عن جوابها، فهزّت رأسها بخفة وقالت بصوت مبحوح
- لا .. مش هرجع له
كانت الكلمة ثقيلة على قلبها، خرجت منها بتعب، لكن (مالك) لاحظها، فقال بلطف
- خليكِ واثقة في نفسك دايمًا .. وفي رجالة تانية .. يتمنوا وجودك في حياتهم بس انتِ مش مدّية نفسك فرصة
نظرت إليه نظرة امتنان هادئة، ثم قالت
- شكرًا ليكوا .. بجد
في حين نظرت (شيرين) إلى (مالك) بشكل واضح ولكن سرعان ما ابتسمت، كان عليها أن تفهم هذا منذ مدة في (مالك) لا يهتم بأي فتاة سواها، لم تعد تشعر بالغيرة عليه علمت أن مشاعرهم اخوية متبادلة وهي من ترجمت تلك المشاعر بصورة خاطئة لذا قالت
- روح يا واد كده جبلنا ٣ عصير عاوزيين نبلع اللقمة
هز (مالك) رأسه بآسى ونهض عن مكانه ليلبي رغبتها وهو يقول
- يا سااااتر
❈-❈-❈
مرت الأيام سريعا وكان يوم خطبة (شيرين)، اقتربت (سدرة) من قاعة الخطوبة بعد أن ترجلت من سيارة أجرة، ولكن عند البوابة، توقفت فجأة، رأته واقفًا هناك يرتدى قميصًا كلاسيكيًّا بلون بني غامق، وبنطالًا من نفس الدرجة، وقف ويداه متشابكتان أمامه، يبدو وأنه ينتظر أحد ما، كان يبدو وسيمًا للغاية للحظة، ظنّت أنه (مالك) ..
لكن ما إن اقتربت، حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة تلقائية، وما إن بادلها الابتسام حتى تأكدت إنه (آسر) ..
رغم الشبه بينه وبين أخيه التوأم، كانت تميّزه بسهولة، لا تعرف لماذا، على الرغم من أنه يرتدي نفس نمط الملابس الذي يرتديه (مالك)، غير أن (مالك) لا يرتدى نظارته طوال الوقت فمن لا يعرفهم لا يستطيع التفريق بينهم ولكن شيئا ما في روحهم مختلف اعتادت هي على تميزه، فقالت، وابتسامة خفيفة تزين صغرها
- ازيك يا (آسر)؟
بادلها بابتسامة ناعمة، وقال
- (مالك) جوه أنا بس مستني حد وهدخل
أومأت برأسها متفهمة، ثم خطت إلى الداخل، كانت القاعة ممتلئة بالأنوار وبالناس وكانت مزينة بعناية خاصة، لكن عيناها وقعتا فورًا على (شيرين) وخطيبها، ابتسمت من أجلها، من قلبها ..
كانت (شيرين) تبدو وكأنها لم تُحب رجلًا سوى ذلك الذي يجلس بجوارها، لولا أنها تعلم وعاشت مع (شيرين) فترات حبها ل (مالك) لظنت أن خطيبها ذلك اول حب فى حياتها ..
ابتسمت بآسى، وسألت نفسها، هل سيأتى يوم وتحب رجلًا غير (معتصم)؟
هزّت رأسها نافية، تعلم جيدًا أنها لن تستطيع فعلها ..
في تلك اللحظة، كان (مالك) قد لمحها من بعيد، واحتبست أنفاسه حين رأى جمالها، كانت ترتدي فستانًا من الستان بلون البنفسج، وطرحة من نفس الدرجة، تنسدل بانسيابية، بدت له كزهرة بنفسج نبتت فى قلب الزحام، فاتنة، هادئة، وعذبة ..
وضع يده على قلبه بلا وعي، كأنه يخشى أن يفرّ من بين ضلوعه ..
اقترب منها، وفى نفس اللحظة، شعرت هي أن أحدهم يراقبها فحولت عينيها ببطء، واصطدمت عيناها بعينيه، كان يرتدى قميصًا أخضر داكنًا، مشمّرًا أكمامه حتى منتصف الساعد، وبنطالًا أسود أنيق، بدا مميزًا حتى وهو يرتدي نفس النمط الذي ارتداه شقيقه، قال وهو يقترب، نبرته مرحة، وعيناه تشعان بإعجاب
- ده إيه الشياكة دي؟
أحمرت وجنتاها، ونطقت بخفوت يكاد لا يُسمع
- شكرًا
ابتسم لها، وقال بلطف وهو يومئ برأسه ناحية الطاولات
- تعالي نقعد سوا، هتفضلي واقفة كده؟
هزّت رأسها بالإيجاب، وسارت بجواره حتى وصلا إلى طاولة فى إحدى الزوايا، جلست بهدوء، ثم نظرت له قائلة
- شفت (آسر) برا، سلمت عليه .. بس شكله مستني حد
أومأ برأسه، ورد ببساطة
- آه، بنت .. بيحبها
ابتسمت، ثم نظرت له نظرة فيها شيء من الفضول، كأنما اكتشفت فجأة أنها لا تعرف عنه ما يكفي، فقالت بصوت منخفض
- وانت مش بتحب؟ عمري ما شفتك واقف مع بنت ولا بتتكلم غير معايا أنا و(شيرين)
وضع يده على فمه، وتمتم بصوت خافت
- وياااريت البعيدة بتفهم
نظرت له نظرة كي تحثه على الحديث، فهمها فورًا، فأخذ نفسًا عميقًا وقال
- يعني .. لسه محصلش نصيب
كانت إجابته غامضة، فهزّت رأسها فقد تقبلت انه لا يريد التحدث في هذا الأمر، أو ربما لم تشأ أن تُلح بالسؤال أكثر، أخرجت هاتفها من حقيبتها، وبدأت تعبث به بصمت ..
أما هو، فكان ينظر لها بضيق، فهو يريد أن يستمتع بلحظات خاصة بينهم بأن يتحدث معها بأن يشعر وأنهم خارج نطاق العمل وتلك فرصة لن تعوض، يعلم أنه مخطئ في تفكيره لأنه ليست له صفة شرعية لها ولكن لا يستطيع ردع نفسه فقال بصوت فيه نفاذ صبر
- هو طول الوقت تليفون؟ انتِ مش خارجة عشان تقعدي مع الناس؟
ارتبكت، وأغلقت الهاتف فورًا، وقالت بتوتر
- سوري مش أقصد بس أصل معرفش حد هنا وقلت انت هتقوم تروح لقرايبك
عقد يديه عند صدره، ثم عض على شفتاه بغيظ وقال بحدة
- لا قعدلك
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم نظرت للقاعة وقالت بهدوء
- الفرح جميل
وضع يده على المنضدة وهو مازال عاقدًا يده عند صدره، ومازال ينظر إليها، ثم قال بنبرة هادئة ولكن واضحة
- مش أحلى من اللي انا شايفه
رفعت حاجبها بدهشة، لم تتوقع تلك الجملة، نظر بعيدًا محرجًا فما هذا العبث الذي نطق به، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة ممزوجة بالدهشة والخجل قالت، بلهجة مرحة مستنكرة
- فى لحظة حسيت إني بكلم (آسر) ولا انت زيه ومخبي؟
حرّك قدميه بتوتر، وقال بنبرة ساخرة
- لااا .. أنا أبو الهول .. عارفة أبو الهول؟!
نظرت له بحيرة، لم تعد تفهمه حقًا ..
لكنه لم يعد يهمه إن فهمت أو لا، كل ما أراده أن تبقى أمامه، وعيناه معلقة عليها .. وهم قريبان من بعضهم البعض، حقًا لم يعد يستطيع السيطرة على مشاعره ولكن أن تحدث مع والديها في أمرهم في ذلك التوقيت بالتأكيد سيكون مرفوض فزفر بضيق وهو لا يعلم ماذا عليه أن يفعل ..
❈-❈-❈
فى الخارج ..
وصلت سيارة (أوهيلا) أخيرًا أمام القاعة، توقفت بهدوء ثم فُتح الباب لتنزل هي ببطء، كانت ترتدي جمبسوت كحلي بلمعة حريرية أنيقة، ويُبرز ملامحها الهادئة، رفعت رأسها، وألقت نظرة سريعة حولها، لكن نظراتها استقرت فجأة عليه يقف ليس على بعد كبير منها، بقميص بني غامق وبنطال من ذات اللون، انقبض قلبها للحظة، هل هذا (آسر)؟ لا، لا يعقل .. هذا ليس نمط ملابسه المعتاد! (آسر) يفضل الملابس الاكثر شبابية، يبدو أنه (مالك) شعرت بتوتر كبير، شعرت بخوف أن يحدث كما حدث بالمرة السابقة، بقيت واقفة في مكانها، متجمدة النظرات، تتفحص ملامحه في صمت حتى اقترب هو منها، فابتسم ابتسامة ساخرة تلوح على طرف شفتيه
- إيه التأخير ده كله؟
قالها بنبرة فيها عتاب خفيف، لكنها لا تخلو من دفء، ابتلعت ريقها، وقالت بارتباك واضح وهي تنظر له من أعلى لأسفل فقد تأكدت حين فتح فمه انه (آسر)
– إيه اللي إنت لابسه ده يا (آسر)؟! أنا معرفتكش
هز رأسه بأسى مصطنع وقال، وقد زفر وكأن الأمر كبير
- الله يبارك لها (سدرة) عرفتني من أول ما ابتسمت ف وشها .. مش ناس قلبها ميت قد ما تعرفني معرفتنيش برده
اتسعت عينا (أوهيلا) بدهشة ممزوجة بالغيظ، عقدت حاجبيها وقالت بأنزعاج
- مين (سدرة) دى ياا وااد؟!
ابتسم وأخذ يراقص حاجبيه ممازحًا، معجبًا برد فعلها، قبل أن تلوّح له بحقيبتها وتضربه على كتفه بخفة، قائلة بنبرة غاضبة متهكمة
- اتعدل اتعدل بدل ما أعدلك يا (آسر)!
ضحك وقام بتمثيل حركة دفاعية، وهو يلوّح بيده ليبعد حقيبتها
- إيدك لو اتمدت عليا هسفلتك يا (أوهيلا)
شعرت بالضيق فجأة، تراجعت قليلًا وقالت بنبرة مختنقة
- أنا ماشية أصلاً ومش قاعدة .. روح اقعد معاها
فحاول إيقافها وهو يقول
- استني يا مجنونة! دى البنت اللي تبع (مالك) اللي قولتلك عليها قبل كده
استدارت نحوه بسرعة، ثم نظرت له بعينين نصف مصدومتين
- هو إنت كل مرة هتلزقها في أخوك؟!
ضحك، وهو يرفع يديه وكأنه يستسلم
- بتكلم بجد! مش تبعي بجد .. (سدرة) دي البنت اللي بيحبها (مالك) بس هي مش بتحبه أصلاً
شعرت (أوهيلا) بشيء غريب بالحزن، تمتمت بصوت خافت
- يا حرااام .. وليه مش بتحب (مالك)؟! ده عسول خااالص!
فى تلك اللحظة، اقتربت مجموعة من الفتيات ومعهم شابان، واتجهوا نحو (أوهيلا) بحماس، طلبوا منها التقاط صورة، ابتسمت برقة، التقطت الصورة معهم وهى تحاول أن تُخفي توترها، بينما (آسر) كان يراقبها بصمت، لم يعلق لكن ما إن انصرفوا، حتى نطق ساخرًا
- فاكرة نفسك (منة شلبى)!
هزت رأسها بآسى، ثم قالت بابتسامة خفيفة
- هتفضل واقف هنا؟ مش هتدخلني الفرح؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم مال نحوها قليلًا وقال بنبرة منخفضة
- لا هدخلك طبعًا بس عاوز أقولك بعد الخطوبة هنروح نتعشى سوا .. عاوزك فى موضوع مهم
نظرت له بترقب، ثم أومأت بهدوء
- ماشي
دلفا إلى الداخل، و(آسر) قدمها إلى (سدرة)، التي استقبلتها بابتسامة هادئة، دار بينهما حديث دافئ، تحدثتا عن الفيديوهات الخاصة بها، وتفاصيل الحياة اليومية، كانت (سدرة) تضحك بصدق معها، وعيناها تتلألآن وتبادلا ارقام الهاتف سويًا ..
من بعيد، كان (مالك) يراقبها، نظر لشقيقه، ثم عاد بنظره إلى (سدرة)، وقال وهو يشعر براحة
- ياااه يا (آسر) .. ما كنت تعرفها على (أوهيلا) من زمان .. أنا أول مرة أشوف (سدرة) مبسوطة كده!
ابتسم (آسر) وهو ينظر لحبيبته وقال بنبرة فيها صدق
- وهو فى حد يشوف (أوهيلا) وميحبهاش؟ دى تخطف القلب والعقل والروح يا بني
نظر إلى شقيقه وهو يشعر بسعادة أنه شعر بالحب الحقيقى أخيرًا، ثم سأله بجدية
- هتقولها النهاردة؟
هز رأسه إيجابًا، وقال بهدوء
- ربنا يستر
فى الجانب الآخر، كانت (أوهيلا) تبتسم ل (سدرة)، وهى تقول لها
- انتِ بجد عسولة أووي، وأنا حبيتك عادة مش بنسجم بسرعة كده مع حد بس انتِ هادية أووي ووجودك مريح
بادلتها (سدرة) الابتسامة وقالت بلطف
- وانتِ كمان يا (أوهيلا) ظريفة وفيديوهاتك دمها خفيف .. بحب طريقتك لما تعملي ليبسينج
ابتسمت (أوهيلا) وقالت بامتنان صادق
- ميرسي بجد .. ربنا يخليكِ
❈-❈-❈
بعد انتهاء الخطوبة، أصر (مالك) على أن يوصل (سدرة) بنفسه فالوقت كان متأخرًاا بعض الشئ، بينما غادر (آسر) مع (أوهيلا) متوجهَين نحو مطعم هادئ فى شارع جانبي ..
شعر فيها (آسر) أن قلبه ينبض بأصوات لا يسمعها سواه، وأن الكلمات تتخبط فى حلقه كأنها ترفض الخروج، جلسا على طاولة صغيرة قرب النافذة ..
ارتبك (آسر)، وأمسك قائمة الطعام كمن يحتمي بها، ثم قال محاولًا كسر حاجز التوتر
- تحبي تاكلي الأول؟ وبعدين أسد نفسك باللي هقوله؟
قطبت حاجبيها بدهشة، وأسندت ذراعها على الطاولة وقالت بحدة مصحوبة بنفاذ صبر
- (آسر) أصلاً أنا عاوزة أعرف من ساعة فيه إيه ما قولتلي إن فيه موضوع عايزنى فيه، فمتوترنيش أكتر .. مش عاوزة اكل
شعر وكأنه تلميذ صغير على وشك دخول اختبار أمام لجنة قاسية، خفق قلبه بقوة، لكن عينيها تحدّقان فيه بعدم فهم ..
نظَر إليها مطولًا، ثم رفع رأسه قليلًا وقال محاولًا أن يبدو ذكيًّا وهو يداري خجله خلف ابتسامة باهتة
- موضوع .. إني بحبك وعاوز أتجوزك أنتِ عرفاه آه مقولتش قبل كده بس انتِ مش غبية وفاهمة
ازدردت ريقها بصعوبة حتى لو كانت تعلم هل هذه طريقة؟
أهذا اعتراف؟ أم أنه مجرد خبر عابر ضمن نشرة المساء؟
شعرت لوهلة وكأنه سقاها دواءً مُرًّا بدل أن يمنحها عصيرًا لذيذًا في لحظة انتظرتها كثيرًا ..
لكنها تماسكت، وأخفت خيبتها في غلاف من البرود المفتعل، وقالت بجفاف واضح
- يعني في موضوع تاني عاوزني فيه غير ده؟
هز رأسه بالنفى، وقال بجدية
- لا هو مرتبط بده
زفرت بضيق، ونظرت للنافذة لحظة، ثم عادت بعينيها إليه، وقد وصل نفاذ صبرها لاعلى مرحلة
- خلص يا (آسر) قول اللي عاوز تقوله
نظر لها نظرة مطمئنة، كأنه يطلب الأمان، ثم قال بنبرة خافتة وهو يُخفض صوته
- متتعصبيش عليا
صمتت، نظرت له نظرة ممتلئة بالتوتر والفضول، تنهد، واستجمع شجاعته، ثم قال وهو يشبك أصابعه أمامه
- أنا حكيتلك عني كل حاجة وقولتلك إني كنت زفت وطين وبتاع بنات بس ربنا تاب عليا حتى موضوع (هايدي) حكيتلك عليه وانتِ منفرتيش مني بالعكس، قولتيلى إن كل شخص بيختار طريقه محدش بيجبر حد على حاجة
انقبض قلب (أوهيلا)، لأنها تعرف أن ذلك الموضوع يؤلمه حقًا، وقد ندم عليه بما يكفى وزيادة، نظرت إليه برقة، ثم قالت بهدوء
- (آسر) قولتلك ميت مرة أي إنسان فعلاً بيختار طريقه بإرادته يعني أنا لما حسيت إن موضوع (رأفت) كان ماشي في طريق مش لطيف وقفت نفسي .. حتى (هيثم) لما طلب مني حاجة مكنتش فاهمها خدت استشارتك قبل ما أعمل حاجة أندم عليها فـ بلاش موضوع (هايدي) ده، شيله من دماغك
أومأ برأسه على مضض، كان يعلم ما تقوله، لكنه يشعر أنه يتحمل ذنب تلك الفتاة، ثم قال بعد لحظة من الصمت، بنبرة لينة قليلًا كأنها تطعن قلبه
- عارف إنك مضايقة من علاقتنا وعارف إنك كل يوم تقريبًا بتقولى حاسّة بالذنب عشان مش معرفة والدك إنك بتكلميني .. وأنا حاولت أبعد عنك بس انتِ رفضتي وقولتي مش متخيّلة اليوم من غيري وفي نفس الوقت مش مرتاحة
أشاحت وجهها بعيدًا، تلك الجملة أوجعتها، ليته لم يُذكّرها بما تحاول دفنه، فذلك التناقض يُرهقها، فقد وعدت أبيها أنها ستقطع علاقتها مع أي شاب لكنها لا تستطيع فعلها معه تحديدًا، تعلم أن مشاعرها صادقة تجاهه لكن خداع والدها ينحر فيها ندمًا، رمقها بنظرة ثابتة وقال بهدوء
- عارفة ليه مبعدتش بجد يا (أوهيلا)؟ عارفة ليه ببقى مطمن وأنا بكلمك ومش حاسس إني بعمل حاجة غلط؟
نظرت إليه، لا تفهم بعد، فتابع وهو يُخفض صوته
- أنا الحمد لله بتقي ربنا فيكِ .. عمري ما مسكت إيدك ولا كلمتك فى حاجة خارجة كل كلامي معاكِ إني أطمن عليكِ ولو عندك مشكلة أساعدك
أخفض عينيه للحظة، ثم رفع رأسه وقالها دفعة واحدة
- بس من أول ما مشاعري اتغيرت كلمت والدك .. والدك عارف إني بكلمك و .. أنا اتقدمتلك رسمي من فترة كبيرة مش قليلة .. والدك يعرفني
قالها وهو لا يجرؤ أن ينظر فى عينيها، بينما كانت عيناها قد اتسعتا بصدمة، لا تُصدق ما سمعته، فتحت شفتيها، لكنها لم تتكلم ..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
