رواية جديدة ما تبقى لدي الجزء الثاني من روايةثنايا الروح - الفصل 17 - الخميس 11/6/2026
تم النشر في: 11 يونيو 2026
قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: ما تبقى لدي
ثنايا الروح الجزء الثاني
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: رانيا الخولي
الفصل السابع عشر
تم النشر الخميس
11/6/2026
عادت حنين إلى الملحق بعد أن اطمأنت على نادين ووجدت والدتها تجلس على الأريكة الصغيرة تنتظرها بقلق
الأم بنبرة حانية
_إيه يا بنتي اتأخرتي كده ليه؟ قلقت عليكي.. في إيه؟
جلست حنين بجوار والدتها وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها
_متقلقيش يا ماما مفيش حاجة.. بس مرات الباشمهندس تميم كانت تعبانة شوية عندها حمى خفيفة وكنت بكشف عليها.
الأم بفضول
_يا حبيبتي ألف سلامة عليها.. هي كويسة دلوقتي؟
حنين بإعجاب ظاهر
_الحمد لله لحقناها في الأول بس بجد يا ماما مرات الباشمهندس تميم دي جميلة أوي.. ملامحها متقولش أبداً إنها مصرية كأنها لوحة فنية.
ابتسمت الأم وهي ترى الإعجاب في عيني ابنتها
_ربنا يحفظها بس إيه رأيك في العيلة دي يا حنين؟ شكلهم ناس طيبين ومحترمين.
حنين بتفكير
_بصراحة يا ماما أنا مكنتش متوقعة كده خالص يعني من أول ما دخلت الفيلا حسيت إنهم ناس كبار أوي بس في نفس الوقت فيهم بساطة وطيبة غريبة، استاذ يامن ده إنسان محترم جداً والباشمهندس تميم رغم إنه يبان صارم شوية بس قلبه طيب وباين عليه بيحب مراته أوي.
الأم بتأكيد
_أنا كمان حسيت بكده الست نغم والدتهم ست أصيلة وباين عليها كريمة أوي الناس دي باين عليها ولاد أصول ومتربيين صح الواحد بيحس بالراحة معاهم.
حنين وهي تتذكر موقف تميم مع نادين
_أكتر حاجة عجبتني فيهم يا ماما إنهم عيلة متماسكة يعني رغم إنهم أغنياء أوي بس تحسي إنهم لسه محافظين على قيمهم وعاداتهم والباشمهندس تميم ده رغم إنه كان قلقان على مراته بس كان بيتعامل معاها بحنية وطيبة، وده نادر لما تشوفيه في الزمن ده.
الأم وهي تربت على يد حنين
_ربنا يكرمهم ويكرمنا معاهم يا بنتي شكلها إقامة كويسة لينا هنا وربنا يكتب لنا الخير.
تبادلت حنين ووالدتها النظرات وفي أعماق كل منهما بدأت تتشكل صورة إيجابية عن عائلة الجارحي صورة قد تحمل في طياتها الكثير من الأحداث والمشاعر المستقبلية.
❈-❈-❈
كان الظلام دامساً إلا من ضوء القمر الشاحب الذي انعكس على وجه ريان وهو يجلس وحيداً فوق مقعد خشبي قديم، بعيداً عن أعين الجميع
سكون الليل لم يكن كافياً لإسكات الضجيج الذي ينفجر داخل رأسه فجأة، بدأت شظايا الماضي تنهال عليه كأنها نبال مسمومة.
رأى نفسه طفلاً صغيرًا يرتجف وهو يسند رأس رجل غارق في دمائه، رجل كانت أنفاسه الأخيرة تخرج بصعوبة وهو يهمس بنبرة آمرة ومحطمة
_ ابعد يا ريان.. اهرب.. واوعى تفتكر تنتقم ليا.. عيش حياتك بعيد عنهم.
ثم تبدل المشهد لغرفة مستشفى تفوح منها رائحة الموت واليأس، امرأة شاحبة كالشمع تمسك بيده بقوة واهنة وعيناها تفيضان بدموع الوداع
_ انكتب عليك يا عمري تعيش لوحدك.. الدنيا مش هترحمك يا ابني.. سامحني إني سيبتك لوحدك.
وفجأة اخترق صمت المكان صرخة طفل صغير صرخة تمزق نياط القلب، يقف وسط حشد من الوجوه الغريبة يراقب بنظرات تائهة ذلك النعش الخشبي وهو يحمل على الأكتاف، يبتعد به الرجال نحو حفرة لا عودة منها، بينما كان هو يصرخ بكل ما أوتي من قوة، لكن صوته كان يضيع في مهب الريح، وكأن العالم كله قد أصم أذنيه عن وجعه.
اغمض ريان عينيه وتنفس الصعداء وكأنه كان يغرق في بئر عميق
مسح حبات العرق البارد عن جبينه وعادت ملامحه لتتصلب من جديد، لتصبح كقناع من الجرانيت لا ينفذ إليه ضوء.
كانت عيناه في تلك اللحظة تحكيان قصة دمار شامل إنسان صلب كالفولاذ من الخارج لكنه من الداخل عبارة عن حطام ورماد
لم يكن مجرد رجل يبحث عن انتقام، بل كان كياناً يتغذى على الألم، يسير في الدنيا بجسد حي وروح ماتت منذ ذلك اليوم البعيد.
نظر إلى السماء ولمعت في عينيه نظرة غامضة مزيج من التحدي والانكسار، وتمتم بصوت خفيض كفحيح الأفعى
_ اللي انكتب عليا هكمله للآخر.. والدم مش هيغسله غير الدم.
قام ريان من مكانه بخطوات ثابتة، مخلفاً وراءه أشباح الماضي التي لا تزال تلاحقه
……
كان جاسر يقف أمام النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة، غارقاً في صمت ثقيل وشرود لم تعهده نغم فيه منذ سنوات
كانت ملامحه مشدودة وعيناه تائهتان في الظلام وكأنه يرى أشباحاً لا يراها غيره اقتربت نغم منه بخطوات هادئة، ووضعت يدها على كتفه بحنان وسألته بصوت يملؤه القلق
_ مالك يا جاسر؟ من وقت ما رجعت وأنت مش على بعضك.
التفت إليها وحاول رسم ابتسامة باهتة لم تصل لعينيه
_ مفيش يا نغم شوية ضغط شغل وتفكير في أمور العيلة مش أكتر.
لكن نغم التي تقرأه ككتاب مفتوح بقلب الحبيبة قبل الزوجة لم تقتنع
أمسكت يده وجعلته يجلس بجوارها وينظر في عينيها مباشرة
_ جاسر أنا عارفاك كويس وعارفة لما بتكون في حاجة مضايقاك بجد، قولي في إيه؟ إحنا طول عمرنا مبيخبيش عن بعض حاجة.
تنهد جاسر بعمق وكأن جبالاً من الهموم جثمت على صدره وقال بنبرة غامضة ومحطمة
_ يظهر إن الماضي هيفضل ورايا العمر كله يا نغم مهما حاولت أهرب منه أو أدفنه بيطلع لي تاني في الوقت اللي بفتكر فيه إني نسيت.
انقبض قلب نغم وسألته بلهفة
_ ليه بتقول كدة؟ إيه اللي حصل وخلاك تفتكر الماضي دلوقت؟
حاول جاسر التهرب من نظراتها الثاقبة وشعر بغصة في حلقه وهو يتذكر ذلك الوجه الذي رآه صدفة ذلك الشخص الذي ظهر فجأة ليعيد فتح جروح ظن أنها التأمت
قال بصوت منخفض محاولاً تغيير مجرى الحديث
_ نادين واللي حصل لها النهاردة والحمى اللي جات لها فجأة خلتني أفكر في حاجات كتير وفي المسؤولية اللي شيلتها لتميم.
نغم كانت تعلم يقيناً أن هناك سبباً آخر سبباً أعمق وأخطر من مرض نادين، لكنها بذكائها المعهود لم ترد أن تضغط عليه أكثر
جذبت رأسه إلى صدرها واحتضنته بقوة وكأنها تحاول حمايته من تلك الظلال التي تطارده
_ اهدي يا حبيبي مهما كان اللي فات إحنا مع بعض والبيت ده طول عمره أمان لينا ولولادنا ارتاح دلوقت وكل حاجة هتتحل بإذن الله.
أغمض جاسر عينيه وهو في حضنها لكن عقله لم يهدأ؛ فصورة ذلك الشخص الغريب كانت تطارده، وشعور غامض يخبره بأن العاصفة القادمة ستقتلع كل شيء في طريقها، وأن المواجهة باتت أقرب مما يتخيل.
❈-❈-❈
انتهى تميم من صلاته والتفت ببطء ليجد نادين لا تزال جالسة على سجادة الصلاة بجواره وشالها الأبيض يحيط بوجهها الشاحب الذي لا يزال يحمل آثار الحمى كانت أنفاسها مجهدة وعيناها تلمعان ببريق غريب مزيج من التعب والسكينة
حاولت القيام لكن خانتها قواها فترنحت قليلاً.
مد تميم يده بسرعة وسندها قبل أن تسقط وقال بنبرة لوم حانية
_كان ممكن تصلي وإنتي على سريرك يا نادين ربنا رخص للمريض إنه يصلي وهو قاعد أو حتى نايم لو مش قادر.
نظرت إليه بعينين تائهتين وأجابت بصوتها الرقيق المصبوغ بالفصحى
_لم أكن أريد ذلك.. أنني لم أتقن الصلاة بعد لدرجة تسمح لي بأدائها بمفردي دون توجيهك.
سندها تميم برفق شديد حتى أوصلها إلى الفراش وساعدها لتستلقي وغطى جسدها المرتجف
كانت نادين تراقبه بصمت وعلامات الاستغراب ترتسم على ملامحها
سألته فجأة وهي تنظر ليديه اللتين كانتا ترتبان الغطاء حولها
_لماذا تفعل كل هذا يا تميم؟ لماذا كل هذا الحنان والاهتمام وأنا التي كنت عبئاً ثقيلاً عليك منذ البداية؟
جلس تميم على السرير بجوارها ونظر إليها بنظرة عميقة يملؤها اليقين
_لأن ديني بيطلب مني كدة يا نادين بل بيفرضه عليا الإسلام مش مجرد صلاة وصوم، ده منهج حياة النبي صلى الله عليه وسلم قال ''استوصوا بالنساء خيراً'' وإنتي دلوقتي أمانة في رقبتي قدام ربنا
الحنان اللي شايفاه ده مش فضل مني، ده واجب عليا.
صمتت نادين للحظات ثم قالت بصدق
_كنت أخاف منك كثيراً في البداية كنت أراك رجلاً قاسياً خاصة عندما كنت تتحدث معي دون أن تنظر إلي، كنت أشعر أنك تحتقرني أو ترفض وجودي.
ابتسم تميم ابتسامة هادئة وأجابها بصوت يملؤه الوقار
_بالعكس يا نادين في الوقت ده مكنتيش تحلي ليا وديني بيأمرني بغض البصر عن النساء الأجنبيات احتراماً لهن وصيانة لنفسي
غض البصر مكنش احتقار كان قمة الاحترام ليكي كإنسانة قبل ما تكوني زوجة دلوقتي إنتي مراتي وحلالي، ومن حقي ومن واجبي إني أبص في عينيكي وأطمنك وأحتويكي.
استرسل تميم في حديثه عن حكمة الخالق في توزيع الأرزاق والمشاعر، وكيف أن الابتلاء بالمرض هو تطهير للروح وتقريب للعبد من ربه
كانت كلماته تنساب كالنهر الهادئ تمسح عن قلب نادين غبار سنوات من التيه والضياع.
شعرت نادين في تلك اللحظة بمشاعر عجيبة لم تختبرها من قبل؛ شعور بالأمان المطلق وبالانتماء لرجل يرى فيها روحاً تستحق الرعاية لا مجرد جسد أو صفقة
بدأت دقات قلبها تتسارع ليس بسبب الحمى هذه المرة بل بسبب ذلك الرجل الذي يجلس أمامها والذي بدأ يغزو حصون قلبها بحكمته وحنانه الفطري.
_وبعدين بقى؟ هنفضل نرد على بعض بالفصحى كدة كتير؟ قوليلي يا نادين إنتي ليه اتعلمتي العربي بالتلقين بس؟ يعني ليه محاولتيش تتعلمي تقرئي أو تكتبي الحروف؟
تنهدت نادين واسترجعت ذكرى قديمة
_الأمر يعود لسنوات، كان الطبيب الذي يعالج والدي في أمريكا مغربياً، وكانت لهجته صعبة جداً على والدي أن يفهمها، فكان دائماً يتحدث معه بهذه الطريقة الفصحى المبسطة ليفهمه وأنا اكتسبتها منهما كنت أسمع وأردد فقط، ولم يكن هناك وقت أو مدرسة لتعلم القراءة والكتابة.
أومأ تميم بتفهم وشعر بأسى أكبر على طفولتها التي ضاعت في الممرات الطبية والمنافي.
ساد صمت ثقيل في الغرفة بعد كلمات تميم الأخيرة قبل أن تقطعه نادين بنبرة يملؤها الإصرار والضعف في آن واحد
نظرت في عينيه مباشرة وقالت بصوت متهدج
_تميم.. أرجوك أخبرني بالحقيقة كاملة حتى لو كانت ستجرحني حتى لو كان فيها ما يدين عائلتكم.. لقد وصلت لمرحلة لا أستطيع فيها الابتعاد عنكم حتى لو اكتشفت أنكم كنتم الأشرار في هذه القصة.
تنهد تميم بعمق وشعر بمسؤولية الكلمة وثقلها اعتدل في جلسته ونظر إليها بنظرة يملؤها الوقار والحكمة
_الحقيقة يا نادين أحياناً بتكون أصعب من الخيال اللي أعرفه واللي سمعته من والدي إن الأرض دي كان عليها صراعات ومشاكل كبيرة بين عيلتين صراعات وصلت لحد الدم والتار، العيلتين دول هما عيلة التهامي اللي هي عيلتك وعيلة الرفاعي اللي هي عيلة امي نغم.
اتسعت عينا نادين بذهول فأكمل تميم بهدوء
_بعد سنين من الوجع والضحايا اللي راحوا من الطرفين اكتشف والدي وجدي حقيقة صادمة اكتشفوا إن صخر التهامي اللي هو جدك وعم ابويا كان هو السبب الحقيقي وراء كل التار ده
الأرض اللي كان النزاع عليها اكتشف صخر إن تحتها كنوز وآثار فرعونية وبدأ يهرب الآثار دي لحسابه من ورا العيلتين، وكان بيشعل نار الفتنة بينهم عشان يفضلوا مشغولين بالدم وهو يكمل سرقته في صمت.
صمتت نادين وكأن صاعقة قد حلت بها فتابع تميم بمرارة
_لما ابويا اكتشف الحقيقة البشعة دي جدك حس انه بقا خطر عليه، حاول يقتله فعلاً عشان ميخلهش يتراجع ونجا ابويا وقتها بمعجزة
لحد ما الشرطة عرفت بكل حاجة وقبضت عليه في النهاية ومات في سجنه وحيداً ومنبوذ من الكل
ابويا رغم كل اللي حصل حاول كتير يوصل لوالدك فايز عشان يسلمه نصيبه الشرعي في الأرض والفلوس اللي فضلت لكن ملقاش له أي أثر
جدك صخر كان مخبي مكان إقامته في أمريكا عن الكل ولما والدي تواصل مع السفارة، قالوا إن والدك نقل من مكانه واختفى تماماً ومحدش عرف هو راح فين ولا عاش إزاي.
أمسك تميم يد نادين التي كانت ترتجف بشدة وأكمل بنبرة حانية
_إحنا مش أعداءك يا نادين إحنا كنا بندور عليكم عشان نرجع حقكم، وعشان نقفل صفحة الماضي اللي وجعتنا كلنا والدك اختار يهرب بعيد عن وجع التار وإنتي النهاردة رجعتي عشان تكوني همزة الوصل اللي بتصلح اللي انكسر.
ساد صمت مطبق في الغرفة لم يقطعه سوى صوت أنفاس نادين المتهدجة وهي تحاول استيعاب حجم الزيف الذي عاشت فيه لسنوات
نظرت إلى تميم بعينين غارقتين في الدموع وقالت بصوت يرتجف من شدة الألم
_لم أكن أعلم كل ذلك لقد عشت حياة قاسية، وفقراً أقسى لذا كنت أبغضكم وأحقد عليكم خاصة بعد موت آدم، ذلك الفقد الذي كسر ظهري وجعلني أرى العالم كله عدواً لي.
أخذت نفساً عميقاً وكأنها تزيح جبالاً من الهموم عن صدرها وتابعت بمرارة
_وعندما رأيتكم ورأيت ترابطكم وحبكم لبعضكم البعض ازداد بغضي لكم كنت أسأل نفسي:
لماذا يملكون كل شيء وأنا لا أملك سوى الذكريات المؤلمة؟
لكن طيبة نغم وكرم والدك جعلاني دون إرادتي أرضخ للسلام بينكم.. لقد شعرت بينكم لأول مرة بدفء العائلة الذي حرمت منه طويلاً، لذلك وافقت عندما طلبتني للزواج.. وافقت بأن أكون جزءاً من هذه العائلة، حتى لو كان ذلك بدافع الشفقة وليس الحب.
رفع تميم يده ببطء ووضع كفه الدافئة على وجهها ليمسح بابهامه دمعة تمردت على جفنها
نظر في عينيها بعمق لم تعهده منه من قبل وقال بنبرة هادئة يملؤها الصدق
_نادين لازم تعرفي إني عرفت إنك مزورة جواز السفر من تاني يوم دخلتي فيه البيت ده لكن حاجة جوايا، إحساس غريب مقدرش أفسره، خلاني مأواجهكيش.. حسيت إن جواكي لغز كبير وجع مدفون لازم أعرفه وأفهمه قبل ما أحكم عليكي.
اتسعت عينا نادين بذهول فأكمل تميم وصوته يزداد حنية
_وقتها لقيت نفسي بفكر فيكي باستمرار.. صورتك مكنتش بتفارق خيالي وده خلاني أتضايق من نفسي جداً لأني مكنتش فاهم ليه مهتم بيكي كدة، ولما بدأت أدور وراكي وعرفت حقيقتك وعرفت إنك بنت عمي فايز استغربت في الأول ليه داريتي حقيقتك، ولما عرفت تفاصيل الحياة القاسية اللي عشتيها هناك والظلم اللي شوفتيه.. أقسمت بيني وبين نفسي إني أعوضك عن كل لحظة وجع عشتيها وإني أكون ليكي السند والأمان اللي اتحرمتي منه العمر كله.
لم تتمالك نادين نفسها أمام هذا الفيض من المشاعر والصدق شعرت بأن كل حصونها قد انهارت، وأن الحقد الذي كان يملأ قلبها قد تبخر وحل محله حب جارف لهذا الرجل الذي قرأ روحها قبل أن يقرأ أوراقها
دون تفكير ارتمت في حضنه وأخفت وجهها في صدره وهي تبكي بنحيب مكتوم، لكنه هذه المرة كان بكاء الراحة والوصول إلى الشاطئ بعد عاصفة دامت سنوات.
احتواها تميم بين ذراعيه بقوة ودفن رأسه في شعرها هامساً بكلمات طمأنينة كانت هي كل ما تحتاجه من الدنيا
_خلاص يا نادين مفيش وجع تاني.. إنتي دلوقتي في بيتك وفي حضن اللي هيحميكي بروحه.
في تلك اللحظة لم تعد نادين تشعر بالبرد أو الحمى؛ فقد وجدت في حضن تميم الدفء الذي لم تمنحه لها شمس الغربة، واليقين الذي بدد كل شكوك الماضي.
❈-❈-❈
في غرفة تميم
لم يكن يسمع سوى صوت أنفاس منتظمة وهادئة في الغرفة الواسعة التي غمرها ضوء القمر الفضي المتسلل من النافذة
استيقظت نادين في ساعة متأخرة من الليل وشعرت بدفء غريب يحيط بجسدها، دفء لم تعهده في لياليها الباردة والموحشة
فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها لا تزال غارقة في حضن تميم
كان ذراعه القوي يحيط بخصرها بتملك وحماية ورأسه يستند بالقرب من رأسها للحظة تجمدت نادين وهي تتوقع هجمة الخوف المعتادة، لكن لدهشتها لم يأتي الخوف
بدلاً منه شعرت بموجة من الطمأنينة تسري في عروقها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ابتسامة حقيقية ولدت من أعماق قلبها المنهك، لأول مرة منذ سنوات لم تكن ابتسامة مجاملة أو قناعاً للاختباء
نظرت إلى وجهه القريب منها وعاتبت نفسها في سرها بمرارة
_ظلمتك يا تميم افتكرتك سجان، واكتشفت أنك إنت الحرية اللي كنت أحلم بها.
بدأت تدقق في ملامحه الرجولية الحادة.
في النهار يبدو تميم كالصقر الجارح بنظراته الثاقبة وقسمات وجهه الصارمة التي توحي بالقسوة والسيطرة
لكن الآن وهو مستسلم للنوم بدا وكأنه إنسان آخر تماماً
كانت ملامحه هادئة ساكنة، خالية من أي تكلف أو حدة كأن النوم قد نزع عنه درع المحارب ليظهر جوهره النقي.
لم تستطع مقاومة الرغبة في لمسه، مدت أصابعها المرتعشة قليلاً وبدأت تمسح برفق شديد على لحيته الخفيفة، شعرت بخشونة شعيرات لحيته تحت ملمس جلدها الناعم وكان ملمسها بالنسبة لها كالأمان الذي يغرس جذوره في أرضها.
تأملت سكونه وبدا لها في تلك اللحظة كالملاك الحارس الذي تعب من حمايتها فاستكان قليلاً
همست بصوت خافت يكاد لا يسمع وكأنها تبوح بسر مقدس لنفسها وللقمر
_كنت أظن دائماً أن الأمان هو الهروب، ان أختفي عن العيون لكن اليوم علمت بس أن الأمان لا طريق نسير به ولا مكان نختبئ به الأمان هو قلب نسكن فيه
أنا لم يختفي الخوف بداخلي تميم... فالخوف مزروع بداخلي كالشوك ومن الصعب أن ينتزع في ليلة واحدة، لكن لأول مرة الخوف لم يعد يألمني لأنني أصبحت عاشقة وحبك هو السور اللي سأحتمي وراه من كوابيسي
لا أعرف متى أحببتك لكن يبد لي أنني احببتك قبل ان أولد.
أغمضت عينيها واستنشقت رائحته التي باتت تمثل لها الوطن وشعرت بأنفاسه الدافئة تداعب جبهتها، لم تعد نادين روزا الغريبة، ولم تعد الطريدة الهاربة في هذه اللحظة وفي هذا الحضن، كانت فقط امرأة وجدت روحها الضائعة بين ثنايا روح رجل أقسم أن يكون لها السند والسكينة.
❈-❈-❈
كانت حنين تدلف من باب القصر بخطوات هادئة متجهة نحو الدرج لتطمئن على نادين، عندما رأت يامن يهبط الدرج بطلته الواثقة وابتسامته التي لا تفارق وجهه
توقف يامن ونظر إليها ببريق خاص في عينيه
_صباح الخير يا دكتورة طالعة لنادين؟
أجابت حنين بخجل طفيف
_صباح النور أيوه كنت حابة أطمن على حرارتها.
استوقفها يامن بنبرة جادة لكنها مغلفة بالود
_طيب قبل ما تطلعي لنادين ممكن نتكلم شوية؟
شعرت حنين بوخزة من الإحراج وتسارعت دقات قلبها وهي تسأل
_خير؟ في حاجة حصلت؟
ابتسم يامن وأومأ برأسه
_أكيد في حاجة بس خلينا نتكلم في الجنينة أحسن.
وافقت حنين بصمت وخرجت معه إلى الحديقة الواسعة
جلسا وسألته حنين وهي تحاول استجماع شتات نفسها
_خير يا استاذ يامن قلقتني.
نظر يامن في عينيها مباشرة وبدون أي مقدمات أو تجميل للكلمات قال بصوت هادئ وواثق
_تقبلي تتجوزيني يا حنين؟
تجمدت الدماء في عروق حنين وشعرت وكأن العالم قد توقف عن الدوران لحظة حاولت مداراة خجلها وارتباكها وقالت بنبرة متلعثمة
_بالسرعة دي؟ إحنا لسه مكملناش اسبوعين نعرف بعض.
انفجر يامن ضاحكاً وصوته يملأ المكان بهجة
_تعرفي لو تميم سمع الكلمة دي هيعمل فينا إيه؟ تميم مبيحبش التأخير في الأمور دي أبداً وعنده السرعة دي هي عين العقل.
ضحكت حنين هي الأخرى وشعرت بأن توترها بدأ يذوب
_هو صعب أوي كدة؟
أجابها يامن بمرح
_أصعب مما تتخيلي أنا نفسي وأنا أخوه التوأم ساعات بخاف منه ومن تحكماته.
حاولت حنين تغيير مجرى الحديث لتهرب من نظراته
_طيب لو هو صعب كدة، إزاي وافق يتجوز أجنبية؟ اقصد يعني انها صعب تطبع بطباعة.
صحح لها يامن المعلومة بابتسامة
_نادين مش أجنبية هي بنت عمنا، بس عاشت طول عمرها بره ولما رجعت تميم اتعلق بيها وطلب يتجوزها فوراً بس بلاش بقى تغيري الموضوع وتهربي.. قوليلي إيه رأيك؟
هزت حنين كتفيها بخجل شديد وأطرقت برأسها للأرض وهي تهمس
_قول لماما الأول.. هي صاحبة القرار.
لمعت عينا يامن بانتصار
_أفهم من كدة إنك موافقة؟
بلعت حنين ريقها بصعوبة من شدة الخجل وقالت بصوت خفيض كاد لا يُسمع
_موافقة سيبني بقى أروح لنادين عشان أتأخرت عليها.
قامت حنين مسرعة وهي تشعر بحرارة في وجهها، بينما ظل يامن جالساً يراقب أثرها بابتسامة عريضة، يشعر بأن الصباح اليوم قد أشرق مرتين مرة في السماء، ومرة في قلبه.
طرقت حنين الباب ودخلت بابتسامتها الهادئة لتجد نادين تجلس على السرير تسند ظهرها إلى الوسائد الوثيرة ووجهها قد استعاد بعضاً من نضارته بعد ليلة هادئة.
حنين بنبرة رقيقة
_ صباح الخير يا نادين طمنيني عليكي النهاردة شكلك أحسن بكتير.
استغربت نادين من هي لكنها ردت بوهن وصوتها يخرج صافياً
_ صباح النور
تقدمت منها لتعاينها
_مش عارفة سمعتي عني ولا لأ بس انا دكتورة حنين اللي تابعت حالتك امبارح عاملة ايه دلوقت.
ردت نادين بابتسامة مجاملة
_أشعر أنني استعدت أنفاسي أخيراً، الفضل يعود لاهتمامكم.
اقتربت حنين وبدأت في فحص نبضها وحرارتها بينما كانت نادين تراقب ملامحها بدقة
شعرت نادين في تلك اللحظة أن حنين لا تختلف كثيراً عن تالين وليال؛ نفس النقاء في العينين ونفس الطيبة العفوية التي تفيض من كلماتها
تساءلت نادين في سرها:
هل العالم حقاً مليء بهذا النقاء؟ أم أنني كنت سجينةً في بقعة مظلمة جعلتني أرى كل الوجوه أقنعةً للغدر؟
انتهت حنين من فحصها وقالت وهي تلملم أدواتها
_ الحمد لله الحرارة نزلت تماماً والنبض مستقر
لو حابة تنزلي تحت وتغيري جو الأوضة عادي جداً الخطر زال والحمد لله والحركة الخفيفة هتفيدك وتنشط دورتك الدموية.
نادين بامتنان
_ شكراً لك حنين.. سأحاول النزول أشعر برغبة في رؤية الجميع بعينين مختلفتين هذه المرة.
لاحظت حنين الحزن الذي تتحدث به نادين فأردت ان تشغلها بالحديث
_استاذ يامن قالك انك بنت عمه وشكلهم هنا بيحبوكي اوي لاحظت ده من قلقهم عليكي.
قالت نادين بصوت مسموع وكأنها تفكر بصوت عالي
_هنا لن تجدي سوى القلوب الصافية التي تعطي ولا تنتظر مقابل، اتمنى ان يعود بي الزمان واهرب إليهم.
تطلعت لحنين وسألتها بحيرة
_هل كل الناس يحملون هذه القلوب؟ لقد عشت عمراً أظن فيه أن اللطف عملة نادرة، وأن خلف كل ابتسامة غرضاً مستتراً.
توقفت حنين عن الفحص ونظرت إليها بتفهم عميق
_ الدنيا فيها الخير والشر يا نادين بس يمكن المكان اللي كنتِ فيه كان بيجبر الناس تظهر أسوأ ما فيها عشان تعيش
هنا الأصول والمحبة هي اللي بتحكم، والعيلة هنا بالذات قلوبهم بيضا ومعدنهم أصيل، وده اللي بيخلي أي حد يقرب منهم يحس انه أصبح واحد منهم.
أومأت نادين برأسها وشعرت بغصة في حلقها وهي تتذكر حقدها القديم الذي بدأ يذوب كالملح في الماء.
طرق الباب ودلفت نغم وليال ابتسمت نغم عندما رات حنين
_صباح الخير يا بنات عاملين ايه؟
نهضت حنين لترحب بها
_لا الحمد لله نادين بقيت افضل بكتير.
نظرت لحنين بامتنن
_كله بمجهودك يا دكتورة
نظرت إلى نادين وقالت بحنان زائد
_حبيبتي حمد لله على السلامة عاملة ايه دلوقت ؟
ابتسمت نادين بصدق لأول مرة
_اصبحت أفضل عندما رأيتك.
اتسعت عين ليال بمرح
_لااااا احنا اتحسنا فعلا عن الأول وبقينا نعرف نتكلم ونجامل.
ضحكوا جميعاً وقالت حنين
_بصراحة كرمكم وترابطكم ده يخلي الحجر ينطق.
ردت نغم برضى
_ربنا يديم علينا نعمة اللمة، وبالمناسبة ان ربنا شال عن نادين انتي وولدتك تيجوا تتغدوا معانا النهاردة.
قالت ليال بحماس
_ياريت والله.
وافقت حنين امام هذا الترحيب ولم تجد سبب للاعتذار
خرجت حنين معهم وهي تشعر بالرضا بينما ظلت نادين تتأمل الفراغ مدركةً أن شفاء روحها قد بدأ فعلياً قبل شفاء جسدها، وأنها أخيراً وجدت المرفأ الذي طالما بحثت عنه في بحار الغربة الهائجة.
❈-❈-❈
اجتمعت العائلة حول مائدة الغداء العامرة وكان السكون المهيب يلف المكان
جلست حنين بجوار والدتها مطرقة الرأس بخجل يصبغ وجنتيها باللون الوردي بينما كان يامن يجلس قبالتها محاولاً بكل قوته ألا يرفع عينيه نحوها، احتراماً لوجود والده وشقيقه تميم الذي كانت نظراته الثاقبة تراقبه بهدوء وحكمة.
كان الغداء ممتعاً تخللته أحاديث عائلية دافئة عن أحوال المزرعة والعمل ونادين تجلس بجوار تميم تشعر لأول مرة بأنها جزء حقيقي من هذا الكيان المتماسك
بعد الانتهاء من تناول الطعام وتقديم القهوة ساد صمت قصير قطعه صوت جاسر الرخيم وهو يوجه حديثه لوالدة حنين بوقار شديد
_ يا ست أم حنين إحنا اتشرفنا بوجودكم معانا في البيت واليومين اللي فاتوا أكدوا لنا إنكم أهل فضل وأصل وعشان كدة وبدون مقدمات طويلة، أنا بطلب إيد بنتك حنين لابني يامن على سنة الله ورسوله.
اتسعت عينا والدة حنين بابتسامة يملؤها الامتنان ونظرت لابنتها التي كادت تذوب خجلاً ثم وجهت حديثها لجاسر ونغم
_ ده شرف لينا يا حاج جاسر.. إحنا اللي لمسنا فيكم الشهامة والكرم اللي مبيطلعش إلا من ولاد الأصول وحنين بنتي وأنا واثقة إنها هتكون في أمان بينكم
وأنا باسمي وباسم حنين موافقة ومش هلاقي أحسن من يامن لبنتي.
تهللت أسارير يامن لكنه حافظ على وقاره وهدوءه واكتفى بابتسامة عريضة ونظرة سريعة لوالده تحمل كل معاني الشكر
أما نغم فقد قامت من مكانها واحتضنت والدة حنين بحفاوة ثم قبلت رأس حنين قائلة
_ مبروك يا بنتي نورتي عيلتنا وبإذن الله تكوني زوجة صالحة ليامن وتملي البيت ده سعادة.
تميم الذي كان يراقب المشهد بابتسامة هادئة التفت لأخيه يامن وصافحه بقوة
_ مبروك يا يامن اخترت صح وربنا يتمم لكم على خير ويجعلها زيجة مباركة.
كانت الفرحة تغمر الجميع لكنها كانت فرحة مغلفة بالوقار والسكينة بعيدة عن الصخب فرحة تليق بعائلة الجارحي التي ترى في الزواج ميثاقاً غليظاً وبداية لحياة جديدة يسودها الاحترام المتبادل
نظرت نادين للمشهد بعينين تلمعان بالدموع، وشعرت بأن هذا البيت لا يجمع الأجساد فقط، بل يربط القلوب برباط من الإيمان والأصول التي لا تنكسر.
لاحظت نادين شرود تاليا الغريب أثناء الغداء وكأن عينيها تنظران إلى عالم آخر بعيد عن بهجة الخطوبة
استأذنت نادين من الجميع بلباقة
_اسمحوا لي بالصعود لغرفتي كي اتناول دوائي.
حاولت نغم الاعتراض بلطف
_طيب خليكي وهبعت حد يجبهم.
لكن نادين أصرت بابتسامة هادئة
_لا داعي لذلك كما أنني اريد الراحة قليلاً.
وسحبت تاليا معها إلى الأعلى.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
