-->

رواية جديدة ما تبقى لدي الجزء الثاني من روايةثنايا الروح - الفصل 16 - الإثنين 8/6/2026

الاثنين, يونيو 08, 2026
تم النشر في: 8 يونيو 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل السادس عشر

تم النشر الإثنين

 8/6/2026




بعد انصراف ريان ساد الصمت في المكتب للحظات قبل أن يقطعه جاسر بنبرة هادئة وهو ينظر لتميم
_قولي يا تميم نادين عاملة إيه دلوقتي؟ بدأت تتأقلم شوية وتتعود عليك؟

تنهد تميم بعمق وظهرت مسحة من الحيرة على وجهه
_بدأت تتحسن والحمد لله بدأت تصلي وتنتظم بس الموضوع لسه صعب حاسس إنها لسه عايشة في سجنها القديم ومش قادرة تخرج منه بسهولة.

أومأ جاسر برأسه بتفهم
_الموضوع محتاج صبر يا تميم اللي شافته نادين في الغربة مش قليل والجروح اللي في الروح بتاخد وقت أطول عشان تلم.

صمت تميم للحظة ثم قرر أن يفضفض لوالده بما يؤرق مضجعه
_انا معاك لكن فيه حاجة بتخنقني، زي تعلقها بآدم ده مش طبيعي لدرجة إنها بتردد اسمه وهي نايمة، ولما بتخاف بحس إنها بتدور عليه بقلبها وعينيها قبل ما تدور عليا الموضوع ده بيضايقني وبحس بسببه إني غريب عنها.

ابتسم جاسر ابتسامة حكيمة وقام من خلف مكتبه ليجلس على المقعد المقابل لتميم ووضع يده على كتفه
_طبيعي يا تميم إنك تغير، إنت راجل وليك كرامتك ومشاعرك بس في حالة نادين الغيرة لازم تكون بالعقل
 البنت دي عاشت صراعات تهد الجبال، وآدم كان هو الحامي الوحيد ليها في وقت الكل اتخلى عنها
 نادين متعرفش يعني إيه حنان أم وحتى أبوها فايز الله يرحمه مكنش قادر يديها الاهتمام الكافي بسبب ظروفهم، آدم بالنسبة لها مش مجرد صديق.. ده كان الأب والأم والأخ والأمان.

نظر تميم للأرض بضيق فأكمل جاسر بلهجة أبوية حانية
_الحل في إيدك إنت يا تميم لازم تكون لها كل ده أنا عارف إنك راجل وليك متطلباتك، وشايف في عينيك إنك بدأت تميل لها بجد بس كل ده بيتحل بالصبر يا شيخ تميم، ولا إيه؟

شعر تميم بالحرج من صراحة والده وحاول النفي بارتباك
_لا أنا بس قصدي إن...

قاطعه جاسر بضحكة خفيفة
_عيب يا تميم أنا أبوك وعارفك كويس وده مش عيب ده حقك، أنا صبرت على أمك شهور طويلة ولما سمحتلي أقرب منها عاقبتني بالبعد تلات شهور كاملين.

ابتسم تميم رغماً عنه وقال
_بس يا حج علاقتك بأمي كانت غير، إنت اتجوزتها غصب عنها عشان تار والظروف كانت أصعب بكتير.

هز جاسر رأسه بوقار
_كل حكاية وليها وجعها يا ابني أنا مش مستعجل عليك وعارف إنك صبور بس الغيرة دي هي اللي هتتعبك لوحدك، نادين تستاهل إنك تتحمل عشانها ولما تلاقي فيك الأمان اللي كانت بتدور عليه في خيالها، اسم آدم ده هيتحول لمجرد ذكرى وإنت اللي هتكون الحاضر والمستقبل.

طبطب جاسر على رجل تميم بقوة وشعر تميم بأن كلمات والده أزاحت جبلاً من الهموم عن صدره وأدرك أن معركته الحقيقية ليست مع "آدم" الراحل بل مع كسب قلب نادين الذي بدأ يلين تدريجياً تحت وطأة حنانه.

❈-❈-❈

صعد تميم إلى غرفته والهدوء يلف خطواته ليجد نادين جالسة على طرف السرير وقد ارتدت بنطال و(تيشيرت) قطني باكمام قصيرة وتركت لخصلاتها العنان لتحيط بوجهها كما تشاء.
كانت ملامحها غارقة في حزن لم تستطع إخفاءه اقترب منها وجلس بجانبها وسألها بصوت خفيض يملؤه الاهتمام
_مالك يا نادين؟ حاسس إن فيه حاجة شاغلة بالك.

حاولت نادين أن ترسم ابتسامة باهتة على شفتيها، تلك الابتسامة التي اعتادت أن تجبر نفسها عليها لتداري انكسارها وقالت بنبرتها الهادئة
_لا شيء أنا بخير لا تقلق.

أدرك تميم أنها لا تريد الحديث الآن فقرر ألا يضغط عليها 
_طيب تحبي تقعدي مع البنات أو….

قاطعته نادين وهي ترفع عينيها إليه 
_تميم أنا أريد التحدث مع عمي، لكن أشعر بالخجل منه فلابد أنه لا يريد النظر بوجهي بعد ان عرف الحقيقة.

ابتسم تميم ولأول مرة تتجرأ يداه ويرفعها إلى وجهها ليزيل خصلاتها عن وجهها ووضع انامله اسفل ذقنها عندما اخفضته ورفع وجهها إليه 
_نادين الموضوع اسهل مما تتخيلي وابويا لو عرفتيه صح مش هتقولي كدة عايزة تتكلمي معاه هاخدك وننزل دلوقت وانا واثق ان كلامك معاه هيمحي اي شك جواكي.

نظرت إليه برجاء
_نعم تميم اريد ذلك وبشدة.

_تمام يلا ننزل ونتكلم معاه.

همت بالنهوض لكنه اوقفها
_رايحة فين كدة؟

امسكت خصلاتها وقالت بحيرة
_الم تقول لي أن بامكاني عدم اترداءه في غياب يامن.

_اكيد بس مش باللبس ده، انا قولتلك ممكن تنزلي بشعرك انما مش بلبس زي ده، يعني عباية كويسة من غير حجاب عادي.

وافقت نادين وقالت برضا
_حسنًا انتظرني حتى ابدل ملابسي.

…….

في المكتب انتهى جاسر من مراجعة بعض الأوراق وأعادها إلى درج مكتبه حين طرق الباب بخفة ودلف تميم
اندهش جاسر وسأله بحيرة
_خير يا تميم؟ فيه حاجة حصلت؟

تنحى تميم جانباً ليسمح لنادين بالدخول وقال بصوت هادئ
_ نادين عايزة تتكلم مع حضرتك يا بابا.. لوحدكم.

ابتسم جاسر بترحيب حار ونهض من خلف مكتبه
_ وأنا تحت أمر نادين.. تعالي يا بنتي نورتي المكتب.

وقفت نادين عند الباب وتسمرت قدماها
 نظرت إلى جاسر فرأت فيه ملامح والدها الراحل نفس الوقار نفس النظرة، وحتى نفس الرائحة التي كانت تفوح من أبيها، شعرت بحنين جارف يمزق أحشاءها، ورغبة طفولية في أن تركض نحوه وترتمي في حضنه لتبكي سنوات اليتم والضياع لكن في اللحظة التي همت فيها بالتحرك صفعها خاطر أسود 
تذكرت لماذا جاءت إلى هنا في البداية تذكرت نيتها في الانتقام، وكيف كانت تخطط لهدم هذا الكيان وإحراق قلب هذا الرجل وأبنائه
شعرت بخزي يغلف روحها وكأنها لا تستحق هذا الحنان الذي يلمع في عينيه

أما جاسر فقد نهض ببطء وعيناه لا تفارقان وجه ابنة أخيه
 كان يتوق لأن يضمها إلى صدره، أن يشم فيها ريحة شقيقه الغائب، أن يخبرها بأنها منذ الآن في مأمن لكنه توقف مكانه، كبله الخجل من نفسه؛ كيف ينظر في عينيها وهو يعلم أنها عاشت سنوات من الفقر والجوع والمرض بينما كان هو ينعم بالترف؟ شعر أن حضنه "ضيق" على حجم الوجع الذي تسبب فيه تقصيره في البحث عنهم.
احجم كل منهما رغبته الملحة وتزاهروا بالقوة
تركهم تميم ليمنحها الخصوصية فتقدم جاسر من نادين وأشار لها بالجلوس على الأريكة الوثيرة وجلس بجانبها قائلاً بحنو
_اقعدي يا نادين وأي حاجة في قلبك قوليها من غير خجل.

جلست نادين وعادت تلك الرعشة الطفيفة لتصيب أطراف أصابعها فحاولت الضغط على يديها بقوة لتخفي ارتباكها
لاحظ جاسر ذلك فتحدث بصوت هادئ يبعث على الطمأنينة
_خليكي براحتك يا بنتي أنتي هنا في بيتك ووسط أهلك، مش ضيفة ولا بتفرضي نفسك علينا أنتي بنت أخويا يعني بنتي ومفيش بنت بتخجل من أبوها أو عمها.

ذبحها دفء حديثه وشعرت بغصة في حلقها جعلت الدموع تتجمع في عينيها
نظرت إليه بعينين تملؤهما سنوات من الوجع وتمتمت بصوت يرتجف ألما
_ هذا ما أود التحدث عنه يا عمي لماذا تركتنا نعاني قسوة الحياة كل هذه السنين؟ أين كنت حين كانت الدنيا تنهش في أرواحنا؟

تابعت وهي تحاول كتم شهقاتها
_ لقد فتحت عيني على الدنيا لأجد نفسي في فقر غير طبيعي، والدي عانى من المرض لسنوات لكنه كان يتحمل فوق طاقة البشر ليوفر لي لقمة العيش ويدفع إيجار الغرفة المتهالكة التي كانت تأوينا
 كنت أسأله دائماً: 
"أليس لنا أهل؟ أليس لي عم أو عائلة؟"
 فكان يجيبني بمرارة: 
"لنا عائلة كبيرة يا ابنتي لكن لا يحق لنا العودة أو المطالبة بشيء".

انهمرت دموعها بغزارة وهي تكمل
_ لم أستطع إكمال تعليمي حين اشتد عليه المرض، واضطررت للعمل في مهن لا تليق بطفلة في عمري لأشتري له الدواء، وحين مات وجدت نفسي وحيدة تماماً في دنيا واسعة لا ترحم لولا "آدم" الذي كان لي درعاً وسنداً في هذه الغابة القاسية.. لماذا لم تبحثوا عنا جيداً؟ لماذا تركتمونا للضياع؟

تأثر جاسر بشدة واغرورقت عيناه بالدموع وهو يستمع لمأساة ابنة أخيه أمسك يدها المرتجفة وقال بصوت متهدج
_ والله يا نادين البحث عنكم كان شغلي الشاغل لسنين أنا عملت المستحيل وسخرت كل معارفي وفلوسي عشان أوصل لأخويا بس كأنه فص ملح وداب، هو اللي اختار يختفي تماماً ويغير كل خيوط الوصل اللي بينا.. كان فاكر إنه بيحميكم بس مكنش يعرف إنه بيحرق قلبي عليه وعليكم.

اقترب منها جاسر أكثر وتابع بنبرة صادقة تمس الروح
_ اللي حصل كان غصب عن الكل يا بنتي وقدر الله مفيش منه هروب أنا عارف إن كنوز الدنيا مش هترجع يوم واحد من العذاب اللي شوفتيه، ولا هتعوضك عن حضن أبوكي.. بس أنا هنا يا نادين أنا عمك وسندك ومن النهاردة مفيش قوة في الدنيا هتقدر تمسك بسوء وأنا عايش، أنتي مش بس بنت أخويا أنتي حتة من قلبي وكل اللي فات مات ابدأي صفحة جديدة في حضن أهلك اللي بيحبوكي.

لم تستطع نادين المقاومة أكثر فكلمات جاسر الصادقة وحنانه الجارف هدموا آخر حصون دفاعها ارتمت في حضنه وانفجرت في بكاء مرير وكأنها تفرغ وجع السنين كله في صدره
 ضمها جاسر بقوة وربت على رأسها وهو يهمس لها بوعود الأمان وفي تلك اللحظة قررت نادين أن تترك الماضي خلف ظهرها وتبدأ رحلة الشفاء الحقيقية في كنف عائلتها.

❈-❈-❈

مرت الأيام ونادين تحاول التأقلم مع تلك العائلة التي قدمت لها كل شيء
وفي يوم كانت نادين قد انهت صلاتها مع تميم فقال لها ليخرجها من قوقعة حزنها
فتح درج المنضدة بجانبه وأخرج ورقة بيضاء وقلمًا ونظر إليها بابتسامة مشجعة
_ إيه رأيك نبدأ أول درس؟ قولتلك هعلمك كتابة العربي والوقت مناسب جداً 

وافقت نادين بفرحة
_اوافق.

ابتسم بحب وجلس على الفراش
_تعالي جنبي هنا.

تحركت نادين وجلست بجانبه تماماً وبحركة عفوية رفعت يدها لتخلع حجابها لينسدل شعرها الذهبي بسلاسة مذهلة على كتفيها، كأنه شلال من الضوء في الغرفة
 في تلك اللحظة شعر تميم بقلبه يخفق بعنف فقد كان قربه منها في هذه اللحظة "غلطة" جميلة لم يحسب حسابها.

تسللت رائحتها المميزة مزيج من الياسمين والنقاء إلى حواسه مما جعله يفقد تركيزه تماماً
بدأ يشرح لها الحروف لكن عينيه كانت تخونه وتتأمل ملامحها بحرية لأول مرة؛ دقق في بشرتها الصافية وفي رموشها الطويلة التي تظلل عينيها الحزينتين، ازدرد ريقه بصعوبة عندما استقرت نظراته على شفتيها الرقيقتين، شعر بضربات قلبه تتسارع لدرجة أنه ظن أنها ستسمعها.

سرح تميم في تفاصيل وجهها وغاب عن العالم للحظات ولم يستفق إلا على صوتها الرقيق وهي تسأله باستغراب
_تميم.. ألن تبدأ الآن؟ لقد توقفت عن الشرح.

ارتبك تميم وشعر بحرارة تجتاح وجهه وحاول استعادة وقاره بسرعة وهو يمسك القلم بيد مرتعشة قليلاً
_آه.. طبعاً.. أنا بس كنت بفكر هنبدأ بأي كلمة.. نبدأ بكلمة (أمان)؟

نظرت إليه نادين بعمق وكأنها أدركت سر شروده فابتسمت ابتسامة حقيقية هذه المرة ابتسامة لامست قلبه قبل عينيه، وبدأا معاً يخطان أولى كلمات لغتها الأم في مشهد تداخلت فيه رائحة الحبر برائحة العشق الذي بدأ يكتب أول فصوله في صمت.

 ………


توقفت سيارة يامن أمام البوابة الضخمة للقصر التفت إلى حنين التي كانت غارقة في نوم عميق من أثر الإرهاق، ووضع يده بخفة على كتفها
_دكتورة حنين اصحي وصلنا بالسلامة.

انتفضت حنين بذعر وعيناها تائهتان للحظة لكن صوت يامن الهادئ أعادها للواقع
_اهدي قولتلك خلاص إنتي في أمان بصي حواليكي.

نظرت حنين من النافذة لتجد نفسها أمام منزل كبير
 أيقظت والدتها برفق بينما تحرك يامن بالسيارة ليدخل إلى ساحة السرايا الداخلية تسمرت حنين في مكانها وسألته بوجل
_أستاذ يامن إنت جايبنا فين؟ 

أجاي يامن بهدوء
_في البيت عندي.

انفعلت حنين قائلة
_إحنا متفقناش إننا نيجي بيتك أنا مش عايزة أسبب إزعاج لحد ومكنتش أتخيل إن الموضوع كدة.

أوقف يامن المحرك ونظر إليها بصدق
_يا دكتورة أنا مش هقدر آمن عليكي في أي مكان بعيد عن عيني دلوقت إنتي ووالدتك هتقعدوا في الملحق الخاص بالفيلا، مكان مستقل تماماً وفيه كل سبل الراحة وبعدين هنا فيه والدتي وإخواتي البنات ومرات أخويا يعني مفيش أي داعي للقلق أو الإحراج، إنتي بقيتي واحدة مننا.

ترددت حنين للحظات لكن يامن لم ينتظر ردها نزل من السيارة ودخل القصر وسرعان ما خرج ومعه جاسر ونغم
استقبلتها نغم بابتسامة دافئة وحضن أموي كأنها تعرفها منذ سنوات
_أهلاً بيكي يا بنتي نورتي بيتك حمد الله على سلامة والدتك متشيليش هم أي حاجة إحنا هنا أهلك.

سلم جاسر على والدة حنين بوقار وترحيب حار
_يا مرحب بيكم في بلدكم.. يامن حكالي عن شطارة الدكتورة حنين وإحنا محتاجينها معانا هنا قوي اتفضلوا ارتاحوا والملحق جاهز بكل حاجة.

شعرت حنين بغصة من التأثر لم تكن تتخيل أن هناك بشراً بهذا النقاء والكرم
نظرت ليامن بامتنان وأومأت برأسها بالموافقة وهي تشعر لأول مرة بأن ثقل الجبال قد انزاح عن صدرها.

التفت جاسر لابنته ليال التي جائت بدورها لترحب بهم
_أهلا وسهلا نورتوا البلد.

ردت ام حنين بصدق وامتنان
_منورة بأهلها يا بنتي.

قال جاسر ليال
_تاليا يا بنتي خدي الدكتورة حنين ووالدتها ووديهم الملحق واطمني إن كل حاجة تمام ومحتاجين أي حاجة تانية.

ابتسمت تاليا بحماس
_حاضر يا بابا اتفضلي يا دكتورة نورتينا بجد.

تحركت حنين مع تاليا نحو الملحق بينما وقف يامن يراقبهما بابتسامة رضا، وشعر بأن قلبه قد استقر أخيراً بعد يوم طويل من العواصف، مدركاً أن وجود حنين في هذا البيت هو بداية لقصة أجمل مما كان يتوقع.

❈-❈-❈

دخلت ليال معهم لداخل الملحق 
_اتفضلوا.

دلفت حنين ووالدتها فتنبهر بالملحق وترتيبه وأساسه الفاخر
تابعت ليال
_إن احتاجتي اي حاجة أنا تحت أمركم 

نظرت إليها حنين بامتنان 
_متشكرة أوي مش عارفة اقولكم ايه.

_ولا اي حاجة انتي خلاص بقيتي واحدة مننا.

ردت حنين بصدق
_أكيد.

خرجت ليال وتركتهم كي يرتاحوا من الطريق أولا 

❈-❈-❈

انتهى تميم من كتابة آخر حرف في الدرس والتفت ليناقش نادين في نطق الكلمة لكنه تجمد في مكانه
 كانت نادين قد استسلمت لسلطان النوم ومال رأسها الذهبي برقة متناهية لتستقر على كتفه شعر تميم بأنفاسها الهادئة تلامس عنقه، وبدفء جسدها الذي بدأ يتسرب إلى كيانه.

كاد يهم بأن يوقظها برفق لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة
سكنت حركته تماماً وأغمض عينيه للحظة يستشعر هذه اللحظة النادرة من السلام
 فتح عينيه وبدأ يتأمل وجهها عن قرب، وبدأ يسأل نفسه بذهول
_إزاي يا تميم؟ إزاي جيه عليك وقت كنت عايز تطردها من البيت؟ إزاي فكرت فيها بكل القسوة دي وكنت ناوي تكسرها؟

نظر إلى يدها الصغيرة التي كانت لا تزال تمسك بالقلم وإلى الهشاشة والضعف الباديين في ملامحها وهي غارقة في نومها. 

أدرك في تلك اللحظة أن كل دروع الانتقام التي كان يرتديها قد تحطمت، كيف يمكن لرجل أن ينتقم من كائن لا يملك من أمره شيئاً سوى هذا الضعف وهذا الاحتياج الصارخ للأمان؟

دقق في تفاصيل وجهها مرة أخرى؛ في بشرتها التي تشبه المرمر وفي شفتيها اللتين ترتجفان قليلاً مع كل نفس شعر بمشاعر جارفة تتجدد في قلبه، مشاعر لم يعهدها من قبل، مشاعر جعلته يشعر بالخطر على ثباته ورزانته
 أحس أن بقاءه بجانبها أكثر من ذلك سيجعله يفقد السيطرة على قلبه تماماً.

ببطء شديد وحذر مبالغ فيه بدأ يسحب كتفه من تحت رأسها ووضع وسادة رقيقة مكان كتفه لتستند عليها دون أن تشعر
وقف يتأملها لنظرة أخيرة، وشعر بغصة في حلقه وهو يرى براءتها التي سلبها منها الزمن
 انسحب من الغرفة بهدوء وأغلق الباب خلفه وهو يتنفس الصعداء مدركاً أن معركته القادمة لن تكون مع أعداء عائلته، بل مع قلبه الذي أعلن استسلامه التام لـ "نادين".

❈-❈-❈

نزل تميم الدرج بخطواته الرزينة ليجد الصالة تعج بالحياة؛ يامن قد عاد وجلس بجانب والده جاسر بينما كانت ليال وتاليا تتبادلان الضحكات ما إن رأت ليال أخاها حتى هتفت بمرح
_ العريس جاه يا جماعة نورت القعدة يا شيخ تميم.

ابتسم تميم رغماً عنه وتقدم نحو يامن الذي نهض لاستقباله
 تعانق الأخوان بحرارة وربت تميم على كتف يامن بقوة تعبر عن اشتياقه وتقديره لمواقفه
_ حمد الله على سلامتك يا يامن نورت بيتك يا بطل.

جلس الجميع وبعد دقائق نهضت نغم قائلة
_ هقوم أنا يا جماعة أشوف غدا الضيوف جهز ولا لسه زمانهم جاعوا من مشوار الطريق.

عقد تميم حاجبيه باستغراب والتفت لوالده
_ ضيوف مين يا حج؟ هو فيه حد غريب في البيت وإنا مش عارف؟

رد جاسر بهدوء وهو يرتشف قهوته
_ دي دكتورة معرفة يامن جاية عشان تشتغل في المستشفى الجديدة ومعاها والدتها.

هنا ظهر التشدد الديني المعتاد في نبرة تميم، وقال بضيق واضح
_ ومستشفى إيه اللي تشتغل فيها دلوقتي يا حج؟ دي قدامها شهر على الأقل عشان تفتتح وبعدين إزاي تقعد هنا وفي رجالة في البيت؟ ده ميرضيش ربنا.

تدخل يامن محاولاً تهدئة الأجواء بابتسامته المعهودة
_ يا عم تميم اهدي بس وصل على النبي.. إنت شايفها قاعدة وسطنا دلوقتي؟ دي هي ووالدتها في الملحق الخارجي مكان مستقل تماماً والبنت في قمة الأدب والاحترام، وإحنا اللي محتاجين خبرتها.

رد تميم بحدة أخوية
_ أنا مقولتش حاجة في أخلاقها يا يامن أنا بتكلم في الأصول والشرع مينفعش وجود غريب في حرم البيت بالشكل ده.

قاطعه جاسر بنبرة حاسمة لينهي الجدال
_ خلاص يا تميم الموضوع منتهي هما في الملحق يعني بعيد عن خصوصية البيت ومفيش داعي لكل الحساسية دي.

استسلم تميم لرغبة والده، لكنه أضاف بشرط حازم
_ ماشي يا حج بس يبقى مفيش خروج ناحية الجنينة نهائي ولا اختلاط لحد ما نشوف الموضوع ده هيرسى على إيه وهيبقى رسمي ولا لأ.

هز جاسر رأسه بتعب من تشدد ابنه وقال
_ إن شاء الله يا حبيبي إن شاء الله اللي فيه الخير يقدمه ربنا.

نهض جاسر وترك الأخوين بمفردهما بعد ان ذهبت تاليا وليل
 التفت تميم ليامن ونظر في عينيه بتركيز
_ قولي بقى يا يامن إيه حكاية البنت دي بالظبط؟ وليه مهتم بيها كدة؟

بدأ يامن يحكي لتميم قصة حنين وكيف أنها تعيش في مكان غير آمن مع والدتها المريضة وكيف أنه خاف عليهما من غدر الزمان لكنه تعمد إخفاء تفاصيل تهجم (سيد) عليها لكي لا يثير جنون تميم
 لاحظ تميم نبرة صوت يامن وهو يتحدث عنها فابتسم بخبث وقال
_ لو ناوي يا يامن يبقى مفيش داعي تأجل المشاعر اللي في صوتك دي بتقول إن الموضوع مجرد مساعدة زميلة.

تعب يامن من فطنة أخيه الذي يعرفه أكثر من نفسه وقال 
_ أنا بس مستني أعرفها أكتر يا تميم وأطمن إنها استقرت نفسياً قبل ما أفتح موضوع زي ده.

رفض تميم هذا المنطق تماماً وقال بحزم
_ مفيش حاجة اسمها نعرف بعض أكتر وإنتوا في بيت واحد.. قدامك فترة خطوبة تعرف فيها اللي إنت عايزه بالمعروف، إنما كدة لا مرفوض تماماً في بيتنا.

يامن الذي يحب أخاه ويحترم كونه الأكبر بدقائق ويعتبره سنده ابتسم وقال
_ ماشي يا تميم كلامك على راسي يومين بس لحد ما يستقروا وهخلي الحج يطلبها رسمي.

ربت تميم على يد أخيه بحب
_ أنا بقولك كدة لأني خايف عليك وعلى سمعة البنت يا يامن إنت أغلى حاجة عندي.

ابتسم يامن وقال بمشاكسة
_ عارف يا سيدي سيبك مني بقى وقولي عملت إيه مع نادين؟ الحج حكالي إن الأمور بدأت تتحسن.

تنهد تميم ونظر للفراغ
_ بحاول معاها يا يامن الموضوع محتاج صبر ودعاء، وربنا يقدم اللي فيه الخير.

استمر الحوار بينهما طويلاً يتبادلان الهموم والأسرار في مشهد يبرز مدى تلاحم هذين الغصنين اللذين خرجا من أصل واحد، رغم اختلاف طباعهما.

……..

كان السكون يلف الغرفة إلا من صوت أنفاس ريان المجهدة وهو يجلس على طرف فراشه، ضوء المصباح الخافت يبرز تقاسيم وجهه الحادة التي نحتها الألم والغموض
دخل الحاج رضوان بخطواته الوئيدة وعيناه تراقبان وهن ريان الذي يحاول إخفاءه بكبرياء مفرط.
_كنت فين يا ولدي من امبارح وقافل تليفونك؟

تنهد ريان واجاب بهدوء
_مكنتش في مكان انا كنت قاعد في الجنينة تحت ونمت فيها.

رضوان بنبرة يملؤها القلق
_ ناوي تعمل إيه يا ريان؟ شكلك وتعبك بيقولوا إنك مش هتقدر تكمل اللعبة دي لوحدك.

رفع ريان رأسه ببطء ولمعت عيناه ببريق غامض يشبه نصل الخنجر في الظلام
_ خلاص يا حاج بدأت أقرب منهم والمسافة اللي كانت بينا بقت خطوة واحدة أكيد هطولهم في أقرب فرصة، والمرة دي الضربة هتكون في القلب.

هز رضوان رأسه بأسى وكأنه يرى في ريان شيئاً لا يراه الآخرون
_ ربنا يسترها عليك يا ابني طريقك ده آخره ضلمة واللي انت ناوي تلعب معاه ده مش سهل.

ترك الحاج رضوان الغرفة وأغلق الباب خلفه وفي تلك اللحظة تبدلت ملامح ريان تماماً
 اختفت القوة المصطنعة وحل محلها جمود مخيف وشرود تائه في ملكوت الذكريات
 أسند رأسه للخلف وأغمض عينيه، فبدت ملامحه وكأنها لوحة من الصخر الأصم الذي لا تنفذ إليه المشاعر.

كانت هناك حرب طاحنة تدور خلف جبهته العريضة؛ صور من الماضي صرخات مكتومة، ورائحة تراب مختلطة بالدم
 بدا ريان في تلك اللحظة وكأن الدنيا قد انتزعت منه أغلى ما يملك فتركته جسداً قوياً يسكنه روح محطمة تبحث عن خلاصها في الانتقام.

لم يكن مجرد رجل أعمال ولا مجرد مصاب يبحث عن علاج؛ كان لغزاً يسير على قدمين شخصية تجذبك بقوتها وتنفيك بغموضها
فتح عينيه فجأة ونظر إلى الوشم الغامض على ذراعه، وتمتم بصوت خفيض كأنه نذير شؤم
_ مفيش رجوع اللي ضاع مش هيرجع غير بالدم.

ظل ريان غارقاً في صمته يراقب الظلال التي ترقص على الجدران، وكأنه يرى فيها أشباح الماضي التي تطالبه بالوفاء بعهد قديم، عهد لا يعرف أحد سره سواه.

❈-❈-❈


دخل تميم الغرفة والهدوء يلف أركانها ليجد نادين لا تزال غارقة في نومها على نفس الوضعية التي تركها عليها
استغرب بشدة؛ فالساعات مرت وهي لم تتحرك اقترب منها ببطء ومع اقترابه لاحظ حبات العرق تتصبب على جبينها رغم برودة الجو وجسدها ينتفض برعشة خفيفة ومنتظمة.

وضع يده على جبينها ليتحسس حرارتها فانتفض قلبه فزعاً؛ كانت بشرتها تشتعل كالجمر
_نادين.. نادين.. اصحي.

لم تجب بل كانت تئن بصوت خفيض وغير مفهوم
قرر تميم أن يستدعي تاليا فوراً لكنه تذكر وجود الدكتورة حنين في الملحق، فأخرج هاتفه واتصل بيامن بسرعة
_يامن ابعتلي الدكتورة اللي عندك فوراً.

انتفض يامن الذي استيقظ على صوت هاتفه
_خير في ايه انت كويس؟

نظر تميم إلى نادين وهو يمسك يدها التي تنتفض بقلق
_ نادين حرارتها عالية جداً ومش بترد عليا.

في تلك اللحظة كانت نادين في عالم آخر.. عالم يكسوه الضباب والبرودة
رأت نفسها تركض في ممر طويل مظلم وفي نهايته كان يقف "آدم" بظهره، يرتدي معطفه القديم الذي كانت تحبه
صرخت باسمه وهي تحاول الوصول إليه لكن كلما اقتربت
 كان يبتعد أكثر التفت إليها آدم بابتسامة حزينة ولوح بيده مودعاً ثم بدأ يتلاشى كالدخان.

انتفض جسد نادين بقوة وهي تهذي بنبرة تمزق نياط القلب
_آدم… لا ترحل.. آدم لا تفعل..

تجمد تميم في مكانه وشعر بوخزة غيرة حادة طعنت كبرياءه في مقتل
الاسم الذي يطارده دائماً خرج من شفتيها في لحظة ضعفها القصوى
لكنه سرعان ما قمع مشاعره وهو يرى حالتها المزرية؛ كانت ترتجف بعنف تائهتان لا تدركان الواقع.

سحبها تميم إلى صدره بقوة واحتواها بين ذراعيه محاولاً تهدئة روعها
_اهدي يا نادين.. أنا هنا.. مفيش حد هيمشي ويسبك اهدي يا حبيبتي.

بدأت نادين تستكين تدريجياً في حضنه ورأسها المشتعل بالحمى يستند على صدره بينما كان تميم يصارع مشاعر متضاربة؛ يشعر بالشفقة العارمة على هذه الروح المحطمة، وبالغيرة القاتلة من ذلك الرجل الذي يسكن أعماقها، لكنه في النهاية اختار أن يكون هو "الأمان" الذي تحتاجه الآن حتى لو كان ينادي بغير اسمه.
❈-❈-❈
انتهت الدكتورة حنين من فحص نادين وخرجت لتطمئن تميم الذي كان ينتظرها بقلق واضح
_متقلقش يا أستاذ تميم دي حمى خفيفة ناتجة عن إرهاق نفسي وجسدي وكويس إننا لحقناها في البداية قبل ما تزيد.

دونت حنين العلاج المطلوب في ورقة وهم تميم بأخذها ليذهب بنفسه لكن يامن استوقفه بابتسامة أخوية
_خليك إنت جانبها يا تميم أنا هبعت حد يجيب العلاج فوراً من الصيدلية خليك مع مراتك.

أخذ يامن حنين ليعيدها إلى الملحق وعاد تميم إلى زوجته
لاحظت نغم نظرات ابنها المتعلقة بنادين فقالت للجميع بلطف
_يلا يا جماعة نسيبها ترتاح شوية لحد ما يامن يجيب العلاج نادين محتاجة هدوء.

خرج الجميع وبقي تميم وحده معها جلس على طرف السرير وأمسك يدها الساخنة بين كفيه ونظر في عينيها المجهدتين بحنان
_متخافيش يا نادين.. إن شاء الله هتخفي على طول وعشان نقدر نكمل الدرس اللي حضرتك نمتي وسيبتيه في نص الكلام.

ابتسمت نادين بوهن وصوتها يخرج رقيقاً ومجهداً
_لا أعرف كيف نمت لكن كان ذلك دون إرادتي شعرت فجأة ببرودة شديدة ثم غبت عن الوعي.

ضحك تميم بخفة وهو يحاول تلطيف الأجواء
_على العموم لسة قدامنا عمر طويل تتعلمي فيه براحتك.

وجدها تفتح عينيها بصعوبة لذلك ابتسم لها بحب
_نامي دلوقت لحد ما يامن يجيب العلاج.

أومأت له بوهن واغمضت عينيها 
نهض تميم ودلفت للمرحاض وخرج بعد قليل وهو يحمل منشفة مبللة وجلس جنبها ثم ابعد خصلاتها الذهبية عن جبينها ليزيل آثار العرق عن وجهها بروية كأنها قطعة زجاج قابلة للكسر
كلما مسح على جزء كلما زادت ضربات قلبه الذي يختبر الحب لاول مرة بحياته.

في تلك اللحظة طرق الباب فترك المتشفة من يده ودخلت نغم وهي تحمل صينية عليها طعام دافئ والعلاج الذي أحضره يامن.

قالت نغم وهي تضع الصينية على الطاولة الجانبية
_هي نامت؟

_اه يا امي نامت.

نظرت إليها نغم بتعاطف
_بس مينفعش نسيبها نايمة كدة لازم تقومها عشان تاخد العلاج
يلا يا حبيبي خليها تشرب الشربة دي الأول وهي سخنة وبعدين اديها العلاج ربنا يتم شفاكي على خير يا بنتي.

انصرفت نغم وعاد تميم إلى نادين ليوقظها
ولم يتركها حتى فتحت عينيها
نظر تميم لنادين وبدأ يساعدها لتعتدل في جلستها وشعر بأن هذه الوعكة الصحية، رغم ألمها، قد قربت المسافات بينهما أكثر مما فعلت أيام الرخاء.

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏