رواية جديدة ما تبقى لدي الجزء الثاني من روايةثنايا الروح - الفصل 15 - الجمعة 6/6/2026
تم النشر في: 6 يونيو 2026
قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: ما تبقى لدي
ثنايا الروح الجزء الثاني
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: رانيا الخولي
الفصل الرابع عشر
تم النشر الجمعة
6/6/2026
استيقظ تميم على صوت طرقات هادئة ومنتظمة على باب الغرفة
فتح عينيه ببطء وشعر بثقل دافئ ومريح على كتفه
نظر بجانبه ليجد نادين غارقة في نوم عميق، ملامحها التي كانت دائماً مشدودة بالقلق تبدو الآن هادئة كطفلة وجدت مأواها أخيراً.
سحب ذراعه من تحت رأسها بحذر شديد كي لا يوقظها ثم نهض وتوجه نحو الباب وفتحه ببطء
كانت والدته نغم تقف هناك وملامح القلق مرسومة على وجهها الرقيق
لكنها سرعان ما تبدلت إلى ابتسامة ارتياح حين رأته.
_صباح الخير يا حبيبي معلش يا تميم قلقتك بس لما مظهرتش لحد دلوقتي قلبي أكلني وقولت لازم أطمن ليكون فيه حاجة.
ابتسم تميم بحنان وانحنى يقبل رأس والدته بوقار وامتنان
_صباح النور يا ست الكل متقلقيش إحنا بخير والحمد لله بس الظاهر السهر أخدنا ومحسناش بالوقت ونمنا نومة تقيلة شوية.
نظرت نغم لعينيه بعمق ورأت فيهما بريقاً من الراحة والسكينة، ربتت على كتفه بابتسامة هادئة تحمل الكثير من المعاني
_براحتك يا حبيبي البيت بيتك والوقت وقتك أنا بس قولت أطمن عليكم هروح دلوقتي أحضرلكم فطار معتبر وأبعتهولكم لحد هنا عشان تاخدوا راحتكم.
هز تميم رأسه بالرفض بلطف
_لا يا أمي بلاش تتعبي نفسك إحنا هننزل نفطر معاكم تحت، مش عايزين نتقل عليكي.
قاطعتها نغم بابتسامة ذات مغزى وعيناها تلمعان بدموع الفرح كانت قد سمعت صوتهما الهادئ واحتواءه لها ليلة أمس، وشعرت بأن ابنها قد نضج وأصبح "الرجل" الذي تمنته دائماً.
_مينفعش يا تميم خليك مع عروستك النهاردة والبيت كله في خدمتكم ارتاح يا ابني.
قبلت نغم وجنته بحنان ونظرت إليه نظرة أخيرة مليئة بالفخر والرضا، ثم انصرفت بهدوء وهي تتمتم بدعوات صالحة لهما تاركة تميم يقف للحظة يتأمل طيفها قبل أن يعود لغرفته ليبدأ يومه الجديد مع نادين.
عاد تميم إلى الغرفة بخطوات هادئة ليجد نادين قد استيقظت بالفعل
كانت تجلس على السرير وشعرها ينسدل بعفوية على كتفيها وعيناها تحملان دهشة طفلة استيقظت في مكان غريب لكنه آمن.
ابتسم تميم لها بوقار وحنان
_صباح الخير يا نادين أو نقدر نقول مساء الخير آسف لو صوت الباب قلقك.
نظرت إليه نادين وبدأت ملامحها تسترخي وهي تتذكر أحداث الليلة الماضية أجابت بنبرتها الفصحى الرقيقة
_ لا بأس أنا فقط لست معتادة على النوم إلى هذا الوقت المتأخر أشعر وكأنني كنت في غيبوبة من الراحة.
اقترب تميم وجلس على طرف السرير ونظر في عينيها بابتسامة مداعبة
_مش ناوية بقى تغيري اللهجة دي؟ إحنا في الصعيد يا نادين والفصحى دي بتخليكي كأنك جاية من عصر المماليك.
ابتسمت نادين لأول مرة ابتسامة خافتة لكنها أضاءت وجهها الشاحب
_الحقيقة.. أنا لست قوية جداً في اللغة العربية والدي كان يتحدث معي بها لكنني لم أتعلم القراءة أو الكتابة بشكل صحيح اكتسبتها فقط بالتلقين ومن حوارات معه في الغربة.
أمسك تميم يدها برفق
_ولا يهمك أنا هعلمك كل حاجة هعلمك لغتنا وهعلمك إزاي تقرئي وتكتبي بس أهم من اللغة فيه حاجة تانية لازم نبدأ بيها حياتنا الجديدة.
نظرت إليه بتساؤل فأكمل بصوت رخيم يملؤه الإيمان
_الصلاة يا نادين الصلاة هي اللي هتربط قلبك بالأمان الحقيقي اللي مبيخلصش.
لمعت عيناها ببريق من الأمل وقالت بحماس
_هل ستأخذني معك الليلة للذهاب إلى المسجد؟
هز تميم رأسه بابتسامة حانية
_الصلاة مش بس بالليل يا نادين الصلاة خمس مرات في اليوم وهي صلة بينك وبين ربنا في كل وقت إحنا دلوقتي فاتتنا صلاة الضحى والظهر ولازم نقضيها وبعد شوية هيأذن العصر.
بدأ تميم يشرح لها بتبسيط ووقار معنى الوضوء، وكيف يغسل الإنسان همومه مع كل قطرة ماء
قام وتوضأ أمامها ليعلمها ثم طلب منها أن تفعل مثله وقفا معاً في اتجاه القبلة هو الإمام وهي خلفه.
كان صوته وهو يرتل القرآن يملأ الغرفة بسكينة لم تعهدها نادين من قبل
شعرت بخشوع غريب وكأن كل كلمة يقرؤها تمسح ندبة من ندبات قلبها
عندما سجدا شعرت نادين برغبة في البكاء ليس بكاء الوجع هذه المرة بل بكاء التوبة والراحة.
بعد انتهاء الصلاة التفت إليها تميم وجدها لا تزال جالسة على سجادة الصلاة وعيناها مغرورقتان بالدموع
_تقبل الله يا نادين.
همست بصوت مرتجف
_أشعر وكأنني ولدت من جديد يا تميم هل سيغفر لي الله كل ما فعلته؟ كل الكره الذي حملته في قلبي؟
أمسك تميم وجهها بكفيه
_ربنا غفور رحيم هو اللي جابك لحد هنا عشان يبدأ معاكي صفحة بيضا، الصلاة دي هي اللي هتحميكي من أي سواد قديم
ومن النهاردة كل صلاة هنصليها سوا لحد ما تتعلمي كل حاجة وتعرفي تقرئي القرآن بنفسك.
نظرت إليه بامتنان لا يوصف، وشعرت أن تميم ليس فقط زوجها بل هو المعلم والمنقذ الذي أرسله الله ليردها إلى نفسها وإلى دينها
_يلا بقى هحفظك أهم خاجة في الصلاة وهي سورة الفاتحة اللي كنتي بتردديها ورايا دي
يلا
بسم الله الرحمن الرحيم
…….
كانت تاليا تجلس على طرف سريرها ويداها ترتجفان وهي تحاول سرد تفاصيل ما حدث لها لأختها ليان
كانت ليان تستمع بملامح متجهمة وما إن وصلت تاليا لنقطة اختطافها من أمام الجامعة حتى انتفضت ليان وصرخت بذهول
_إنتي بتقولي إيه يا تاليا؟ اتخطفتي؟ ومن قدام الجامعة كمان؟
ارتمت تاليا عليها بسرعة ووضعت يدها على فمها وعيناها تلمعان بالذعر
_وطي صوتك يا ليان حد يسمعنا وتعملي لنا مصيبة في البيت.. أبوس إيدك اهدي.
أزاحت ليال يد أختها بعنف وقالت بصوت هامس لكنه مشتعل بالغضب
_أهدى إزاي؟ لازم الكل يعرف.. لازم الناس دي تتحاسب على اللي عملته إنتي متخيلة يعني إيه تتخطفوا وتغيبوا الساعات دي كلها؟
هزت تاليا رأسها بنفي قاطع
_لا يا ليال بلاش أنا وعدتهم إني مش هعرف حد ومينفعش أرجع في وعدي هما سابوني أمشي وده كان الاتفاق.
نظرت إليها ليال بسخرية ومرارة
_وعد؟ بتوعدي مجرمين يا تاليا؟ دول ممكن يكرروها تاني دول شكلهم عصابة ومجرمين محترفين وإنتي بتتعاملي معاهم كأنهم جيراننا.
ردت تاليا بنبرة هادئة وكأنها تسترجع ملامح ريان ورضوان
_إطلاقاً بالعكس دول ناس باين عليهم محترمين جداً الطريقة اللي اتعاملوا بيها معايا بعد ما وصلت هناك والخوف اللي كان في عينيهم على الشخص المصاب مكنش تمثيل يا ليال.
ضربت ليال كفاً بكف
_محترمين إزاي وهما خاطفينك من قدام الجامعة يا بنتي؟ فوقي الخطف خطف مهما كان السبب.
تنهدت تاليا بعمق وأسندت رأسها للخلف
_اللي حصل حصل وخلاص هما وعدوني إنها مش هتتكرر تاني وهما أصلا مكنوش يعرفوا اني بنت جاسر التخامي وأنا صدقتهم
ريان ده الشخص اللي عالجته عينيه كانت بتقول إنه مش مجرم، وإنه كان مضطر.
نظرت ليال لأختها بنظرة يائسة وقالت وهي تتوجه لسريرها
_والله يا تاليا طيبتك دي هي اللي هتوديكي في داهية بكرة تقولي ليال قالت بس افتكري لو حصل أي حاجة تانية أنا مش هسكت والبيت كله هيعرف.
………
كان ريان يحاول النهوض من فراشه ببطء، ووجهه يشحب مع كل حركة تضغط على جرحه المضمد
دخل الحاج رضوان الغرفة وهرع إليه بذعر وهو يراه يحاول ارتداء قميصه
_يا ابني رايح فين وإنت بالحالة دي؟ الجرح لسه طري وممكن يفتح منك في أي لحظة اقعد ارتاح يا ريان.
زفر ريان بألم وضغط على جنبه بيده وهو يتنفس بصعوبة
_لازم أقوم يا حاج رضوان القعدة هنا هتخلي العيون تزيد عليا ومحدش لازم يشك في غيابي أكتر من كدة.
نظر إليه رضوان بقلق بالغ
_وهتعمل إيه دلوقتي؟ إنت لسه مصلبتش طولك يا ولدي.
رد ريان بعينين حادتين يملؤهما التصميم
_هروح أقابل جاسر المشروع اللي قولتلك عليه لازم يكمل ولازم ميتعرضش لأي شك من ناحيته وجودي قدامه النهاردة هو اللي هيقطع أي لسان ممكن يتكلم عن غيابي.
ضرب رضوان كفاً بكف وقال بصوت خفيض
_طيب وبنته؟ تاليا اللي كانت هنا وعالجتك لو شافتك هناك هتعمل إيه؟ دي ممكن تفضحنا وتعرف أبوها كل حاجة.
ابتسم ريان ابتسامة باردة وواثقة وهو يعدل هندامه أمام المرآة
_مش هتقدر تقول حاجة يا حاج لو كانت ناوية تتكلم، كان زمان جاسر ورجالته معلمين علينا ومحاصرين النجع كله دلوقتي البنت دي طيبة زيادة عن اللزوم ووعدها دين عليها وأنا عارف إني في أمان طول ما السر معاها.
تنهد رضوان بيأس وأدرك أن ريان لن يتراجع عن قراره
_ماشي يا ابني ربنا يسترها عليك ويعدي اليوم ده على خير بس خلي بالك جاسر التهامي مش سهل وعينيه بتقرأ اللي تحت الجلد.
خرج ريان من الغرفة بخطوات يحاول أن يجعلها ثابتة رغم الوجع الذي ينهش جسده، متوجهاً نحو قصر جاسر ليبدأ فصلاً جديداً من لعبته الخطيرة.
……..
خرج جاسر من المرحاض فاستقبله عبير بخور الذي ملأ الغرفة، ووجد نغم قد أعدت له جلبابه الصعيدي الفاخر ووضعته بعناية على المقعد الوثير
التفتت إليه بابتسامة صافية نبعت من قلب لم يعرف سوى حبه وقالت بنبرة دافئة
_حضرتلك لبسك هنزل أحضر الفطار.
أوقفها جاسر بإشارة من يده وهو ينظر إليها بتقدير
_استني يا نغم نسيت أقولك يامن راجع بكرة إن شاء الله، وجايب معاه دكتورة ووالدتها وعايزهم يقيموا في الملحق خلي أم حسين تنضفه وتجهزه بكل اللي يحتاجوه.
انعقد حاجبي نغم بدهشة وسألته بفضول الأم
_مين الدكتورة دي يا جاسر؟ وجاية بناءً على إيه؟ وليه هتقعد في الملحق؟
رد جاسر ببساطة وهو يشرع في ارتداء جلبابه
_بيقول إنها هتشتغل في المستوصف الجديد اللي بنجهزه بس غرضه الحقيقي إيه الله أعلم، عيالك اليومين دول بقوا بيتصرفوا بمزاجهم، وأنا بقول خليني أسيبهم براحتهم يمكن كبروا وبقوا أدرى بمصلحتهم.
ضحكت نغم بخفة وتقدمت منه لتعاون في تعديل ياقة جلبابه ونظرت في عينيه بدلال أنثى لم يزدها العمر إلا جمالاً وقالت
_وهما يعني هيجيبوا التصرفات دي من برة؟ دول ولاد جاسر طالعين لأبوهم في القوة والقرار.
رفع جاسر حاجبيه بمكر ولف ذراعه حول خصرها قائلاً
_على أساس إني بعمل حاجة من وراكي يا نغم؟ ده أنا كل كبيرة وصغيرة بحكيهالك قبل ما أفكر حتى أعملها.. أنتي شريكة النفس قبل ما تكوني شريكة البيت.
وضعت نغم يدها على خده بحنان وقالت بصوت يقطر عشقاً
_مش عارفة هحبك إيه أكتر من كدة كل ما أقنع نفسي إن بكرة الحب ده هيهدى ألاقيه بيزيد أكتر وأكتر لدرجة إني مبقتش شايفة غيرك في الدنيا، كأن الكون ده مفيهوش غيري أنا وأنت وبس.
طافت عينا جاسر على ملامحها وتجددت في قلبه تلك المشاعر التي خصها بها وحدها منذ اللحظة الأولى
تمتم بحبور وهو يضمها إليه أكثر
_لأن الدنيا فعلاً مفيهاش غيرك أنتي وبس يا نغم أنا معرفتش يعني إيه سعادة إلا لما دخلتي حياتي لسه فاكر أول عقاب ليا منك وعلى قد ما كان قاسي على قد ما كان جاي على هوايا كنت لما بتنسحبي من قدامي كنت بحس روحي بتنسحب معاكي ولما ضميتك لحضني أول مرة، خفت أموت بين إيديكي لأن السعادة اللي حسيت بيها كانت فوق قدرة تحملي
بحبك يا نغم وهفضل أقولها لحد آخر نفس في حياتي.
ساد صمت رومانسي مهيب وهو يميل على شفتيها لم يقطعه سوى رنين هاتف جاسر الموضوع على المنضدة
ابتعد جاسر عن نغم ببطء وهو يزفر بضيق لقطع هذه اللحظة وتناول الهاتف.
بمجرد أن ضغط على زر الرد ووضع الهاتف على أذنه تغيرت ملامحه تماماً شحب وجهه واتسعت عيناه بذهول وصدمة وهو يصرخ في الهاتف
_أنت بتقول إيه؟! إزاي ده حصل؟! أنت متأكد من اللي بتقوله ده؟!
…….
توقفت سيارة يامن أمام مدخل العمارة المتهالك التفت لحنين بنبرة محذرة
_يا دكتورة قولتلك ملوش لزمة المخاطرة دي الحاجات اللي محتاجاها نقدر نشتري غيرها في البلد.
أجابت حنين وهي تفتح باب السيارة بإصرار
_مينفعش يا أستاذ يامن دي أوراقي الرسمية وشهاداتي وهدومي مش هقدر أسيب ذكرياتي وحياتي كلها هنا.
نزل يامن خلفها ووقف أمام باب العمارة
_طيب خليني أطلع معاكي مش مطمن للمكان ده.
ردت بحرج
_لا طبعاً مينفعش تدخل معايا الشقة وإحنا لوحدنا الحارة عيونها متبطلش كلام خليك هنا مش هغيب.
نزلت حنين ودخلت العمارة ولم تلمح تلك العيون المتربصة من خلف
نصبة شاي قريبة؛ كانت عيون "سيد" التي تشتعل حقداً وغلاً صعدت حنين فتحت شقتها وبدأت بلهفة تجمع أوراقها وملابسها في حقيبتين كبيرتين
وبينما هي تهم بالخروج سمعت طرقات قوية على الباب.
ابتسمت ظناً منها أنه يامن قد نفد صبره
_خلاص يا أستاذ يامن دقيقة واحدة وطالعة.
فتحت الباب لكن الابتسامة تجمدت وتحولت لرعب حين وجدت سيد يقف بجسده الضخم وعيناه تلمعان بشر غريب
_سيد فيه حاجة؟
نظر سيد للحقائب بسخرية
_على فين العزم يا دكتورة؟ ماشية وسايبة الحارة اللي لحم كتافك من خيرها؟
حاولت حنين إغلاق الباب
_حاجة متخصكش يا سيد لو سمحت وسع من طريقي.
دفع سيد الباب بقوة ودخل الشقة وأغلقه خلفه بقوة فصرخت حنين بذعر
_ أنت بتعمل إيه؟ اخرج بره فورا.
اقترب منها بخطوات ثقيلة وهو يخرج مطواة من جيبه
_أخرج فين؟ ده أنا ما صدقت خلوت بيكي.. يخص مين بقى الشاب المتريش اللي مستنيكي تحت في العربية ده؟ ولا عشان معنديش عربية زيه هتحرمي نفسك عليا؟
انفعلت حنين وصرخت
_ أنت مجنون ابعد عني.
هجم عليها سيد كالوحش كتم أنفاسها بيد الغليظة وألقى بها نحو الأريكة حاولت الصراخ لكن صوتها تلاشى تحت قبضته
بدأ يتهجم عليها بوحشية وهي تقاوم بكل ما أوتيت من قوة، وأظافرها تنغرس في جلده.
فجأة دوت طرقات على الباب وصوت يامن ينادي بقلق
_دكتورة حنين خلصتي ولا لسة
حاولت حنين الصراخ لكن سيد وضع نصل المطواة البارد على رقبتها وهمس بفحيح الأفاعي
_لو نطقني بكلمة هقتله هو الأول وبعدين أخلص عليكي..
بالخارج شعر يامن ببرودة تجتاح قلبه حين لم يصله رد
_دكتورة حنين إنتي كويسة؟
لكن أيضاً لا من مجيب بدا الشك يساوره لكنه واصل نداءه
_حنين ردي عليا.
وعندما لم تجيبه تلك المرة انصت للباب فسمع همهمات مكتومة وحينها لم يفكر
تراجع خطوتين للخلف وبكل قوته دفع الباب بقدمه مرة.. واثنتين.. حتى انكسر المزلاج واقتحم الشقة كالإعصار.
تسمر يامن مكانه حين رأى حنين بين يدي سيد والنصل يلامس جلدها الرقيق
صرخ يامن بصوت زلزل أركان الغرفة
_سيبها يا كلب سيبها بدل ما أدفنك مكانك.
ضحك سيد بهستيرية
_مش هسيبها.. دي بتاعتي أنا.. اطلع بره وإلا هقطع رقبتها قدامك.
نظر يامن لحنين التي تنتفض رعباً بين يديه
وشعر بغضب عارم وهو يرى ذراعه تلتف حولها وأقسم في تلك اللحظة ان يكسر ذراعها بقسوة تجعله يأن ما تبقى من عمره.
_سيبها وهعملك اللي انت عايزه.
ضحك سيد بسخرية
_اللي أنا عايزة هي الموزة اللي بين ايديا دي من زمان اوي وانا بحلم بيها وعايز انت تسبقني وتاخدها دا ادفنكم انتو الاتنين أحسن.
في لحظة خاطفة استجمعت حنين شجاعتها وبكل قوتها ضربت سيد بكوعها في بطنه (منطقة المعدة)
تأوه سيد وتراجع للخلف للحظة، كانت كافية لترتمي حنين في أحضان يامن وهي تنتحب برعب.
دفعها يامن خلف ظهره وانقض على سيد كالنمر الهائج لم يعطه فرصة لاستخدام سلاحه ركلة قوية طيرت المطواة من يده، ثم توالت اللكمات على وجهه وصدره كان يامن يضربه بغل لم يعهده في نفسه من قبل يضربه دفاعاً عن شرفه وعن حنين التي كادت أن تضيع قام بلوي ذراعها حتى سمع صوت تكسير العظام الذي غطى على صرخاته ثم ركله بقدمه
_عشان تفكر بس تقرب منها مرة تانية.
تجمع الجيران على صوت الصراخ والضرب ليجدوا يامن يجر سيد من ملابسه وهو غارق في دمائه، بينما حنين منهارة في الزاوية صرخ يامن في الجيران
_الكلب ده يتحبس والمرة دي مفيش محامي في الدنيا هيطلعه منها.
اخذ يامن حنين المرتجفة وحمل حقائبها بيده وخرج بها من تلك الحارة المظلمة، واعداً نفسه بأنها لن تعود إليها أبداً.
……..
في منزل جاسر
توقفت سيارة ريان أمام المنزل وترجل منها مخفيًا بصعوبة الآلام المبرحة التي تنهس بخصره
كان ريان يجلس أمام جاسر الجارحي بهيبته المصطنعة، يحاول الحفاظ على ثبات ملامحه رغم النبضات المؤلمة التي تضرب جرحه مع كل نفس يخرجه بصعوبة
كان الجرح ينزف بصمت تحت قميصه الأبيض، لكنه ظل متماسكاً كصخرة صماء.
جاسر بترحيب ووقار
_نورتنا يا سيد ريان.. يا مرحب بيك في بلدك أنا كنت مستنيك امبارح، بس لعل المانع خير.
رد ريان بصوت هادئ يحاول إخفاء وهنه الشديد
_بنورك يا جاسر بيه حقك عليا في التأخير بس حصل ظرف طارئ غصب عني خلاني أجلت المقابلة المهم دلوقتي إننا نبدأ في تفاصيل المشروع اللي اتفقنا عليه على الأرض.
استمر الحديث لدقائق لكن ريان بدأ يشعر ببرودة تسري في أطرافه ورؤيته بدأت تتشوش بفعل النزيف
قال تميم
_كل حاجة جاهزة زي ما اتفقنا وانا هكون واقف على الإنشاءات وهباشر العمل عليه وفي خلال شهر او اتنين المبنى هيكون جاهز.
حاول ريان التحدث دون ان يثير الريبة
_إن شاء الله وشكراً على الثقة دي.
رد جاسر بثقة
_على ايه المعرفة سابقة والحاج رضوان مش موضع شك نهائي.
ابتسم بزيف
_تمام بكرة إن شاء الله هنبدأ تجهيز المعدات ونبدأ الشغل.
لاحظ جاسر أنه ليس على ما يرام فسأله
_استاذ ريان انت كويس.
اومأ له ريان
_اه كويس بس صداع بسيط لأني منمتش كويس بعد اذنكم.
نهض تميم ليخرج معه لكن ريان منعه
_خليك انا عارف الطريق.
خرج بخطوات سريعة نحو الباب الجانبي المؤدي للحديقة الخلفية حيث ترك سيارته
المسافة هناك تكون هادئة وبعيدة عن أعين الخدم والمارة
في تلك اللحظة كانت تاليا تخرج من المطبخ الداخلي حاملة صينية عصير متجهة لنادين في الحديقة
عند المنعطف الضيق المؤدي للمخرج، اصطدم ريان بها بقوة غير مقصودة سقطت الصينية وتحطم الزجاج بضجيج مكتوم، وتمايل ريان وكاد يسقط أرضاً، لولا أنه استند على كتف تاليا بكل ثقله.
جاءت تاليا لتصرخ من المفاجأة والذعر، لكن ريان وضع يده المرتجفة على فمها، وهمس بفحيح متألم
_ متطلعيش صوت مش عايز حد يحس بيا وأنا في الحالة دي.
اتسعت عينا تاليا وهي ترى بقعة الدم القانية التي بدأت تظهر بوضوح وتتسع على قميصه الأبيض
في هذه الأثناء سمعت نادين صوت تحطم الزجاج فجاءت تركض بلهفة
_تاليا ماذا حدث هل انتِ بخير؟
توقفت نادين مكانها وتجمدت الدماء في عروقها
فرؤية الدم السائل على قميص ريان، ورؤية جسده المنهار أعادت لها شريط ذكريات مقتل آدم أمام عينيها في تلك الليلة المشؤومة
بدأت الرعشة تجتاح جسدها وأنفاسها تصارعت في صدرها كطائر محبوس.
تاليا بصوت هامس ومضطرب وهي تسند ريان
_نادين ساعديني بسرعة.. لازم ندخله الملحق اللي هنا قبل ما حد يشوفه.
كانت نادين تتنفض من الخوف لكن صورة آدم وهي تراه يموت أمامها جعلتها تستجمع قوتها بشكل انتحاري لتنقذ هذا الغريب
ساندت ريان مع تاليا وأدخلاه الملحق الخارجي المخصص للضيافة، وأجلستاه على مقعد خشبي كبير
تاليا بحدة وعتاب وهي ترى النزيف الذي غطى ملابسه
_إنت مجنون؟! إزاي تخرج وإنت في الحالة دي؟ أنا مش قولتلك إن الجرح محتاج راحة تامة.
ريان وهو يغمض عينيه بألم يمزق أحشاءه
_مش وقت عتاب دلوقتي.. اعملي أي حاجة توقف النزيف ده لحد ما أمشي من هنا بسلام.
تذكرت تاليا وجود حقيبة إسعافات أولية في خزانة الملحق
نظرت لنادين التي كانت لا تزال واقفة ترتجف وهي تنظر لريان وكأنها ترى شبحاً من ماضيها
_نادين.. الشنطة في الدولاب اللي وراكي.. هاتيها بسرعة.
تحركت نادين كآلة مسيرة أحضرت الحقيبة وسلمتها لتاليا بيد ترتجف بشدة بدأت تاليا بمهارة طبية تنظيف الجرح وإعادة تضميده، بينما كان ريان يراقب نادين بنظرات غامضة مستغرباً من حالتها الانهيارية التي لا تتناسب مع الموقف
بعد دقائق سألته تاليا بقلق وهي تمسح عرق جبينها
_هتقدر تمشي دلوقتي؟
ريان وهو ينهض بصعوبة بالغة، مستنداً على حافة المقعد
_هقدر لازم أخرج قبل ما والدك يلاحظ شكراً يا آنسة تاليا مش هنسى لك الجميل ده.
ردت تاليا بهدوء
_أنا ما سألتش أول مرة خطفتوني فيها وقلت إنسانيتي أهم
بس دلوقتي؟ لأ… دلوقتي لازم أسأل
إنت مين؟
وجاي لوالدي ليه؟
وليه كنت مرعوب إنه يعرف إنك مصاب؟
إيه اللي بينك وبينه أصلاً؟!
اتنهد ريان ورد بثقة رغم الألم الذي يشعر به
_أظن الحاج رضوان جوابك إننا مش عايزين شوشرة لانها كانت رصاصة بالغلط
وجاي لوالدك عشان شغل وشراكة بنا فمينفعش اجيله وانا متصاب برصاصة ولا ايه؟
تطلعت إليه بتحذير
_بص كويس أنا مش خايفة منك
بس لو طلعت بتستغلني أو بتقرب من والدي لسبب قذر
أنا بنفسي اللي هسلمك للشرطة ومش هتردد لحظة.
خرج ريان من الباب الخلفي للملحق وتوجه نحو سيارته تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً يقطعه فقط صوت أنفاس نادين المتلاحقة
التفتت نادين لتاليا وعيناها لا تزالان تحملان آثار الصدمة والذهول
_من هذا يا تاليا؟ وما حكايته؟ ولما تخفين أمره عن الجميع ؟
حكت لها تاليا باختصار ما حدث يوم الاختطاف وكيف عالجته في النجع
نظرت نادين إليها بجدية وقسوة لم تعهدها تاليا فيها من قبل وقالت بنبرة حكيمة صقلتها تجارب الغربة المريرة
_اسمعيني جيدا تاليا.. من تجاربي في الدنيا دي اطلب منك ألا تثقي بأحد، وهذا الشاب يبد خطيرًا ويخفي حقيقته عن الجميع لذا لابد أنه يخفي شيئًا ما، لابد أن تخبري والدك بما حدث
الصمت في هذه المواقف لا يجلب خيرًا.
نظرت تاليا للأرض بحيرة وقلق بينما كانت نادين تشعر بقلبها ينبض بعنف، مدركة بحدسها أن هذا الغريب قد يكون الفتيل الذي سيشعل النار في هدوء هذا البيت من جديد.
…….
ركن يامن السيارة على جانب الطريق في بقعة هادئة تظللها الأشجار، بعيداً عن الضجيج
كانت حنين لا تزال ترتجف بصمت، ويدها تقبض على حقيبتها بقوة وكأنها تخشى أن يظهر سيد من جديد
التفت إليها يامن وبحركة هادئة أخرج زجاجة مثلجة من الليمون بالنعناع كان قد اشتراها من محل قريب وفتحها وقدمها لها بابتسامة مطمئنة
_اشربي دي يا دكتورة.. الليمون هيهدي أعصابك شوية إنتي محتاجة تاخدي نفس طويل دلوقتي.
أخذت حنين الزجاجة بيد مرتعشة وارتشفت منها قليلاً وشعرت ببرودة المشروب تطفئ النار التي كانت تشتعل في صدرها
نظرت إليه بعينين غارقتين في الامتنان والذهول
_أنا مش عارفة أقولك إيه يا أستاذ يامن.. لولا وجودك كان زماني دلوقتي...
قاطعها يامن بنبرة حازمة ولكنها تفيض حناناً
_متقوليش كدة.. خلاص الموضوع ده انتهى ومات في مكانه الكلب ده هياخد جزاءه والحارة دي خلاص مبقتش تخصك في حاجة المهم دلوقتي إنك بقيتي في أمان ومعايا.. ومحدش في الدنيا يقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا جنبك.
ساد الصمت للحظات بدأت فيها أنفاس حنين تهدأ تدريجياً
مسحت دموعها بطرف منديلها ونظرت للطريق الممتد أمامها
_إحنا هنروح فين دلوقتي؟
شغل يامن محرك السيارة ونظر إليها ببريق من التفاؤل
_هنعدي على المستشفى ناخد والدتك وكل حاجة جاهزة في الشنطة ومن هناك هنطلع على البلد على طول أهلي مستنيينكم والبيت اللي جهزناه ليكم هناك هيعجبك قوي.. هتحسي فيه بالراحة.
انطلق يامن بالسيارة وكأن كل متر يقطعه بعيداً عن تلك الحارة هو خطوة نحو "وطن" جديد
وصلوا للمستشفى حيث كانت والدة حنين تنتظرهم بقلق ساعدها يامن في الركوب بوقار ووضع الحقائب في الخلف ثم انطلق بهم نحو طريق الصعيد.
طوال الطريق كان يامن يختلس النظر لحنين من مرآة السيارة يراقبها وهي تستسلم للنوم من شدة الإرهاق النفسي وشعر بمسؤولية كبيرة تجاه هذه الفتاة الرقيقة التي أصبحت، دون أن يدري هي "القضية" الأهم في حياته.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
