-->

رواية جديدة ما تبقى لدي الجزء الثاني من روايةثنايا الروح - الفصل 14 - الجمعة 6/6/2026

السبت, يونيو 06, 2026
تم النشر في: 6 يونيو 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل الرابع عشر

تم النشر الجمعة

 6/6/2026




في تلك اللحظة فتح الباب بهدوء ودخل تميم حاول أن يرسم ابتسامة على وجهه لكنها خرجت مشوهة مجرد قناع شفاف يكشف عن القلق والذنب تحته.

ما إن وقعت عينا روزالين عليه حتى تصلبت ملامحها هو صاحب الصوت الذي يعذبها حامل الحقيقة التي لا تحتمل
في حركة أدارت وجهها إلى الجانب الآخر نحو الحائط، كأنها تبني جدارًا فعليًا بينها وبينه لم تكن تريد أن تراه لم تكن تريد أن تتذكر أي شيء قاله.

فهمت نغم الرسالة على الفور نهضت بهدوء وأشارت للبنات بالخروج
_يلا يا بنات سيبوها ترتاح.

 وهي تمر بجانب تميم توقفت للحظة وربتت على صدره بحنان، نظرت في عينيه نظرة أم تقول
اتحمل مهما فعلت تحمل هذا هو ثمن الحقيقة.

خرجت نغم وأغلقت الباب خلفها تاركة تميم وروزالين وحدهما في صمت مشحون أثقل من صمت القبور.

 سحبت روزا الغطاء الثقيل فوق رأسها وتكورت على نفسها في وضعية الجنين ممثلة أنها ستنام كانت طريقتها لتقول:
 "اذهب اتركني وشأني."

فهم تميم أنها لا تريد الكلام شعر بوخزة ألم حادة لكنه تجاهلها اقترب من السرير وجلس على حافته، وشعر بالهوة الشاسعة التي تفصل بينهما رغم قربهما الجسدي
_روزا 

لم ترد لم تتحرك

_أنا بس عايز أطمن عليكي.

لا زالت صامتة كتمثال تحت الغطاء

تنهد تميم بيأس لم يكن يعرف ماذا يفعل بغريزة عمياء مد يده ببطء شديد ليس ليلمسها بل ليضع يده فقط على الغطاء فوق كتفها، كبادرة طمأنينة صامتة
لقد كان أكبر خطأ ارتكبه

ما إن شعرت بوزن يده حتى انفجرت روزالين
صرخت صرخة مرعبة
_لااااااااا لا تلمسني.

وانكمشت على نفسها بعنف وهي تتمسك بالغطاء وارتدت بعيدًا عنه كأن يده كانت قطعة من الجمر الملتهب

سحب يده بهدوء لقد أخافها لقد أعادها إلى كوابيسها
_آسف… أنا آسف مش هلمسك خلاص.

لكنها لم تسمعه كانت قد دخلت في عالمها المظلم
كانت تلهث تحت الغطاء وصوت أنفاسها المذعورة هو الصوت الوحيد في الغرفة
_خلاص اهدي اهدي يا روزا أنا تميم.

عند سماع اسمه زاد رعبها
 تميم هو من أخذها إلى هناك هو من أراها الحقيقة المروعة هو من يمثل كل هذا الألم الجديد
_أخرج… اخرج اتركني وحدي.

صرخت مرة أخرى وهي تتشبث بالغطاء صرخة يائسة تطلب النجاة
وقف تميم في مكانه متجمدًا عاجزًا محطمًا، كل خطوة يخطوها نحوها كانت تدفعها ألف ميل إلى الوراء في جحيمها أدرك في تلك اللحظة القاسية أن وجوده في هذه الغرفة لم يعد مصدرًا محتملًا للأمان بل أصبح هو مصدر الرعب ذاته.

تحدث بصوت خفيض جدًا صوت لا يحمل أي أمر أو طلب مجرد سرد هادئ
_أنا مش هلمسك ومش هخرج هقعد في البلكونة جنبك لو احتجتي أي حاجة هتلاقيني موجود.

صمت لم يكن هناك سوى صوت أنفاسها المذعورة اللاهثة تحت الغطاء

أكمل بنفس النبرة الهادئة كأنه يحدث نفسه
_بس قبل ما أخرج هحكيلك على حاجة كانت بتحصلي
لما كنت صغير كنت بخاف من الضلمة، كنت بحس إن فيه وحوش هتطلع من تحت السرير أبويا عمره ما نور النور كان بيقعد جنبي على طرف السرير ماسك ايدي يفضل ساكت بس وجوده كان كفاية عشان الوحوش تختفي.

صمت مرة أخرى يمنح كلماته فرصة لتتسلل عبر دفاعاتها
_أنا عارف إن وحوشك حقيقية وعارف إنها مش بتختفي بسهولة بس أنا هفضل هنا مش هحاربهم بالنيابة عنك، لأني مقدرش بس هفضل قاعد هنا عشان متكونيش لوحدك.

ببطء شديد خفت حدة أنفاسها لم تعد تلهث بل أصبحت مجرد أنفاس سريعة

شعر تميم بهذا التغيير الطفيف فتشجع وأكمل
_مش هطلب منك تصدقي أي حاجة ولا تفهمي أي حاجة كل اللي طالبه منك إنك تنسي اللي فات وخليكي معانا.

تركها وخرج للشرفة ليتنفس بعمق كما قال والده عليه أن يعيش صبر أيوب حتى تنسى.

❈-❈-❈


كان السكون يلف القصر ككفن بارد إلا من صوت أنفاس تميم الهادئة وهو يغفو على الأريكة بجانب السرير
كانت نادين تنظر إليه بنظرات تائهة تبحث عن الحقيقة التي ترفض تصديقها

نهضت نادين من فراشها ومازالت تلك الرعشة متملكة منها
اقتربت  بخطوات وئيدة ووقفت تتأمل ملامحه في ضوء القمر الخافت لأول مرة
رأت في تقاسيم وجهه الصارمة لمحة من حنان أبيها الراحل
 نفس الشموخ ونفس الأمان الذي افتقدته لسنوات
انهمرت دموعها بصمت وشعرت برغبة تمزق أحشاءها؛ رغبة في أن ترتمي في حضنه أن تدفن رأسها في صدره وتخبره عن كل ليلة باردة قضتها في شوارع أمريكا عن كل صرخة كتمتها خوفاً من "جون" وعصابته، عن كل محاولة لخطفها أو….
كتمت شهقتها بألم كي لا يشعر بها وسمحت فقط لدموعها بالانهمار

مدت يدها المرتجفة لتمسح على وجهه لكنها توقفت في الهواء غصت بريقها وهي تهمس لنفسها
_لا أستطيع سألوث طهره بخطايا عالمي المظلم، مكاني ليس هنا مكاني هناك حيث السواد الذي يشبه روحي.

تطلعت إليه بنظرة أخيرة وحقيبتها القديمة المتهالكة في يدها، تلك الحقيبة التي تحمل رائحة الفقر والشتات، الشيء الوحيد الذي شعرت أنها تملكه حقاً.

أشاحت بوجهها وأحكمت قبضتها على حقيبتها ثم تسللت خارج الغرفة كطيف حزين

نزلت الدرج والدموع تحرق وجنتيها وكأن كل خطوة تخطوها بعيداً عن هذا البيت تنزع قطعة من روحها
وصلت إلى الباب الخارجي وما إن وضعت قدمها على العتبة لتواجه ظلام الليل حتى شق سكون المكان صوت رخيم، هادئ، ولكنه يحمل ثقل الجبال
_نادين.

تسمرت في مكانها، تجمدت الدماء في عروقها، لم تلتفت لكنها سمعت وقع خطواته الواثقة تقترب منها ببطء فزاد نشيجها وارتجف جسدها بعنف
_رايحة فين؟

التفتت إليه أخيراً وعيناها غارقتان في بحر من الدموع وقالت بنبرة محطمة
_إلى حيث أنتمي يا تميم إلى الظلام الذي صنعني أنا لا أستحق هذا النقاء ولا أستحق هذه العائلة وجودي بينكم خطيئة ستدمركم جميعاً.

خطا تميم خطوة نحوها ولم تتراجع هي كعادتها بقيت مكانها، مستسلمة لقدرها
قال بعتاب يقطر حناناً
_ تدمرينا؟!
إنتي اللي بنيتي جدران وهمية بينك وبيننا، ده بيتك ودي حياتك وده حقك اللي اتحرمتي منه سنين، عايزة تسيبيه وترجعي للوجع تاني ليه؟

أخذت نادين أنفاسها بمرارة وقد اهتزت يديها وهي تنظر إليه بعتاب 
_منذ متى وأنت تعرف؟

ابتسم تميم ابتسامة حزينة واقترب أكثر حتى لفحها عبير عطره الهادئ
_من أول يوم شوفتك فيه قلبي قالي إن الوجع اللي في عينيكي ده وراه حكاية تخصنا، دورنا وعرفنا كل حاجة عرفنا الجحيم اللي عيشتيه، وعرفنا إنك كنتي ضحية لظروف ملناش يد فيها بس شايلين ذنبها.

انفجرت نادين في بكاء هستيري
_ولماذا لم تخبرني؟ لماذا تركتني أتخبط في كرهي لكم؟

_كنت مستنيكي إنتي اللي تفتحي الباب، كنت مستني نادين تخرج من سجن روزا.

تقدم خطوة أخرى وهذه المرة لم تبتعد كما تفعل دائما ونظر إلى عيونها المبللة وقال بصوت يرتجف بمشاعر لم يعد يقوى على كتمانها
_أنا مقدرش أسيبك تمشي يا نادين مش بس عشان إنتي مسؤوليتي لكن عشان إنتي بقيتي جزء مني.

توسعت عيونها وهي تنظر إليه بنظرات تائهة تبحث بهما عن كذب لكنها لم تجد بهما سوى الصدق
تقدم الخطوة الفاصلة ورفع يده ليضعها على وجنتها المليئة بالدموع وتمتم برجاء
_اوعي تفكري تمشي في يوم من الأيام
مهما كان اللي حصلك انا قادر إني امحيه من جواكي.

هزت راسها بألم 
_لن يستطيع أحد فعلها.

قاطعها بثقة
_لا هقدر طول ما انتِ جانبي ومعايا هقدر،
 لو مشيتي يا نادين هتاخدي معاكي النبض اللي لسه متعلم يعيش بيكي 
مستعد أحارب الدنيا كلها عشان أحميكي من أي سواد خايفة منه.

كلماته أعادة لها ذكرى آدم
"لن أسمح لأحد بأن يجرحكِ بوردة يا نادي، فأنتِ أميرتي"

هنا لم تعد تقوى على الصمود سقطت الحقيبة من يدها وارتمت في حضنه بكل قوتها، ودفنت وجهها في عنقه وتركت لانهيارها العنان
كانت تبكي بقهر، تبكي على كل ما مرت به منذ ان فتحت عينيها على تلك الدنيا الظالمة
تشبثت به وكأنه طوق النجاة الوحيد الذي يحميها من الغرق
وهي تصرخ بوجع السنين
_لماذا تأخرت؟ لماذا تركتني كل هذه السنوات أموت ألف مرة في اليوم؟ كنت أحتاجك كنت أبحث عنك في كل وجه غريب حرمتني من أمانك وتركتني للجحيم.

احتضنها تميم بقوة ولف ذراعيه حولها كأنه يغلق عليها أبواب العالم وهمس في أذنها 
_حقك عليا من النهاردة مفيش خوف ومفيش هروب أنا أمانك اللي ضاع وأنا الحيطة اللي مش هتميل بيكي أبداً.

استسلمت نادين لدفء صدره وشعرت لأول مرة منذ رحيل آدم وأبيها أن الرحلة الطويلة من التيه قد انتهت أخيراً على أعتاب قلب تميم 

انسحبت نغم وعادت إلى غرفتها وهي تمسح دموعها فما عاشته نغم قبل سبعة وعشرون عاما لا يقارن بما عاشته هذه الفتاة.

❈-❈-❈

لم يتركها تميم تقف على قدميها المرتجفتين أكثر من ذلك انحنى بهدوء وحملها بين ذراعيه كأنها قطعة من الزجاج النفيس يخشى عليها من الخدش
لم تعترض نادين بل دفنت رأسها في صدره، تستنشق رائحته التي بدأت تصبح "وطنها" الجديد
صعد بها الدرج في صمت مهيب ودخل غرفتهما ثم وضعها على السرير برفق ودثرها بالغطاء، قبل أن يجلس بجانبها ويسحبها لتستقر في حضنه.

مر وقت طويل في صمت مطبق قبل أن تبدأ نادين تتحدث وصوتها يخرج مخنوقاً بالدموع والذكريات
_ما عشته في امريكا لم يكن سوى دمار بمعنى الكلمة، لم أشعر يومًا بالأمان ولم يترك الخوف قلبي يومًا
وحده آدم الذي عاش عمره القصير يحميني من براثين الحياة القاسية هناك، كان هو كل شيء يا تميم
كان البرد يأكل في عظامنا ونحن مختبئين من عصابة تطاردنا كي يجعلوني واحدة منهم
آدم وقف أمامهم جميعاً 
انضرب وسال دمه لكن لم يتركهم يقتربوا  مني خطوة واحدة، وبعد كل ذلك كان يقول (نادي اغمضي عينيكي ولا تخافي أنا هنا)

كان تميم يستمع بإنصات يشعر بوخزة غيرة كلما نطقت اسم "آدم" بتلك النبرة التي تحمل تقديساً للماضي، لكنه في ذات الوقت كان يشعر بامتنان عميق لهذا الشاب الذي لولاه لما كانت نادين أمامه الآن.

استرسلت نادين وهي تشد على قميص تميم
_كان يجوع كي يطعمني، وكان يبرد كي يضفيني، ابتعد عن أهله كي يهربني بعيد عن هؤلاء المجرمين وحينما طردني صاحب الغرفة آواني بغرفته ونام هو في العراء يتدفى مع المتسولين، تكسرت عظامه وسالت دماءه لأجلي وحينما قررت الابتعاد عنه كي احميه حماني هو بروحه
وجدني حينها وسلمني لصديقه توم ثم أعطاني جواز سفر مزور وتذكرت طيران وقال لي
"اذهبي إلى عائلتك يا نادين هم امانك بعدي"
وبعدها تلقى رصاصة غادرة وخرجت روحه أمامي
كان هو درعي الوحيد وكنت أنا سببًا في هلاكه.

تنهد تميم بعمق ومرر يده على شعرها بحنان وقال بصوت رخيم يغلفه الصدق
_عارفة يا نادين أنا بغير من كل لحظة آدم كان فيها جنبك وأنا مكنتش موجود، بغير من كل كلمة حلوة قالها لك وسمعتيها منه بس في نفس الوقت أنا مدين لروحه بحياتي لولاه مكنتش هشوفك النهاردة، ولا كنت هعرف إن فيه بنت بالجمال والقوة دي.

رفع وجهها إليه ونظر في عينيها المجهدتين
_آدم عمل دوره يا نادين حماكي لحد ما وصلك ليا ودلوقتي جه دوري أنا
 أنا مش بس هحميكي، أنا هعوضك عن كل لحظة خوف عيشتيها 
نامي نامي وإنتي متأكدة إن تميم مش بس تميم انما عيلة التهامي مش هتسمح لدمعة واحدة تنزل من عينيكي.

بدأت جفون نادين تثقل وشعرت بأن ثقل السنين بدأ يتلاشى وهي في حضنه، همست بكلمات غير مفهومة وهي تغط في نوم عميق لأول مرة منذ سنوات دون كوابيس، بينما ظل تميم مستيقظاً يراقب ملامحها الهادئة، يطبع قبلة رقيقة على جبينها، ويعد نفسه بأن يكون هو آدم الجديد في حياتها، ولكن بنسخة لا ترحل أبداً.

❈-❈-❈

 خرجت تاليا من بوابة الكلية تشعر بالإرهاق المعتاد بعد يوم طويل من المحاضرات والتدريب استنشقت الهواء تفكر فقط في حمام دافئ وكوب من الشاي في هدوء غرفتها.

خطواتها كانت منتظمة وهادئة في الشارع الجانبي الذي تركن فيه سيارتها
لم تلاحظ السيارة السوداء ذات الزجاج المعتم التي كانت تقف بلا حراك في منتصف الشارع
لم تنتبه للرجلين اللذين نزلا منها بهدوء قاتل.

حدث كل شيء في لمح البصر
قبل أن تطلق صرخة واحدة كانت يد ضخمة قد كممت فمها وذراع أخرى فولاذية قد التفت حول خصرها رافعة إياها عن الأرض. 
شعرت بوخزة حادة في عنقها كأنها لدغة حشرة ثم بدأ العالم يدور الأضواء تشوهت، والأصوات تلاشت وآخر ما شعرت به هو جسدها وهو يلقى بحدة على مقعد سيارة بارد، قبل أن يبتلعها ظلام لا قرار له.

❈-❈-❈

استيقظت على أجزاء أول ما عاد إليها هو صوت محرك سيارة يئن وهو يسير على طريق غير ممهد رأسها كان ينبض بألم عنيف، وفمها جاف كأنه قطعة من القطن.

بعد ما شعرت به كأنه دهر توقفت السيارة سمعت صوت الأبواب تفتح ثم شعرت بيدين خشنتين تسحبانها للخارج بقوة
تعثرت خطواتها على أرض ترابية
ثم تم سحبها إلى داخل مبنى تغير صوت خطواتهم على أرضية حجرية باردة
وأُجبرت على الجلوس على كرسي خشبي ثم سمعت خطوات تبتعد وبابًا ثقيلاً يغلق.

بقيت وحدها في الظلام والصمت لدقائق أو ربما ساعات لم تكن تعرف كل حواسها كانت تعمل بأقصى طاقتها، تحاول التقاط أي دليل سمعت أنينًا خافتًا ومتقطعًا يأتي من مكان ما في الغرفة صوت شخص يتألم.

فجأة فتح الباب مرة أخرى دخل رجلان، شعرت بوجودهما أكثر مما سمعته
وقف أحدهما خلفها وبحركة واحدة سريعة، نزع العصبة عن عينيها.

رمشت عدة مرات تحاول التكيف مع الضوء كانت في غرفة واسعة 
لكن عينيها لم تتجها نحو الخاطفين بل تجمدتا على المشهد في وسط الغرفة.

على سرير كبير كان يرقد شاب كان عاري الصدر ويتصبب عرقًا بغزارة رغم برودة الغرفة
 غطاء أبيض يغطي نصفه السفلي وبقعة دماء داكنة تتوسع ببطء على الملاءة حول خاصرته اليمنى
كان يتنفس بصعوبة وأسنانه مصطكة على بعضها ليمنع نفسه من الصراخ.

ورغم الألم الواضح الذي يعصف به، كانت عيناه مفتوحتين عينان حادتان كعيني صقر تحدقان فيها مباشرة بنظرة قوية تقييمية، وخالية من أي ضعف
 كان وسيماً بشكل لافت لكن نظرته كانت تحمل قسوة وشموخًا لا يتناسبان مع حالته الحرجة.

التفتت تاليا أخيرًا إلى الرجلين الواقفين أحدهما كان ضخم الجثة بملامح جامدة، هو من يخمن أنها رأت ظله قبل أن تفقد وعيها الآخر كان أكبر سنًا يرتدي جلبابًا بلديًا ونظراته كانت قلقة ومتفحصة.

عندما التقت عيناها بعيني الرجل الأكبر سنًا رأته يضيق عينيه كأنه يحاول التعرف عليها ثم اتسعت عيناه فجأة بصدمة حقيقية التفت إلى الرجل الضخم وصفعه على رقبته من الخلف بضربة قوية
_يا غبي يا حمار قلتلك دكتورة شاطرة مش بنت شياطين.

نظر الرجل الضخم باستغراب
_مالك يا عمي الحاج؟ دي الدكتورة اللي بيقولوا عليها أشطر واحدة في سنتها...

قاطعه الرجل العجوز بصوت يرتجف من الغضب والخوف
_إنت اتجننت؟! إنت عارف دي مين؟! دي بنت جاسر التهامي.

تجمد الرجل الضخم في مكانه واتسعت عيناه هو الآخر
_بنت... بنت جاسر التهامي؟!

_أيوه يا فالح ملقتش في مصر كلها غير بنت جاسر وتخطفها؟! إنت عايز توقعنا في مصيبة سودة؟! عايزنا نفتح على نفسنا أبواب جهنم؟!

تلعثم الرجل الضخم وبدا الخوف واضحًا عليه لأول مرة
_والله يا عمي الحاج ما كنت أعرف... أنا سألت قالولي دي أشطر واحدة... معرفش إنها بنته...

صرخ به الرجل العجوز
_اخرس

 ثم التفت إلى تاليا التي كانت تستمع إلى الحوار وقلبها يكاد يتوقف لقد عرفوها وهذا قد يكون أسوأ

اقترب منها الرجل العجوز ونظراته الآن تحمل مزيجًا غريبًا من التهديد واليأس
_اسمعي يا بنت التهامية إحنا مكناش نقصدك إنتي بالذات حصل غلط بس الغلط ده ممكن يتصلح.

أومأت برأسها بصمت تحاول جاهدة ألا تظهر الرعب الذي يشل أطرافها
أشار الرجل برأسه نحو السرير
_ الشاب ده بيموت وإنتي هتساعديه.

نظرت تاليا مرة أخرى إلى الشاب على السرير التقت عيناهما مرة أخرى لم يطلب المساعدة لم يتوسل
 كانت نظرته تحمل تحديًا صامتًا، كأنه يقول: 
"أنا لا أحتاج شفقتك افعلي ما يجب عليكِ فعله"
ابتلعت ريقها وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا قدر الإمكان
_أنا... أنا محتاجة أشوف الجرح ومحتاجة أدوات ومية نضيفة وإضاءة أحسن من دي.

نظر الرجلان إلى بعضهما البعض ثم نظر الرجل الأكبر سنًا إليها مرة أخرى وأومأ برأسه ببطء
_هنجيبلك اللي تطلبيه.

❈-❈-❈

تراجعت تاليا خطوة للوراء أنفاسها لا تزال متسارعة من التركيز والإرهاق نظرت إلى الشاب الذي استكان جسده أخيرًا على السرير صدره يعلو ويهبط بانتظام ثم التفتت إلى الحاج رضوان الذي كان يراقبها بنظرة تحمل مزيجًا من الانبهار والامتنان

_ كدة مهمتي خلصت الرصاصة طلعت والجرح اتخيط لازم ياخد المضاد الحيوي ده كل 8 ساعات بالظبط ومحدش يلمس الجرح والراحة التامة أهم حاجة.

جمعت ما تبقى من شجاعتها ونظرت إليه مباشرة نبرتها حاسمة
_ودلوقتي لازم أرجع بيتي لو أبويا حس بغيابي الموضوع هيكبر ومش هيعجب حد فيكم.

تقدم الحاج رضوان خطوة وقال احترام غير متوقعة
_جميلك ده فوق راسنا من فوق يا دكتورة وهترجعي بيتك معززة مكرمة بس عندي طلب.

ضيقت تاليا عينيها
_طلب إيه تاني؟

_اللي شوفتيه هنا الليلة دي... يموت هنا كأنه حلم وحلمتيه وصحيتي منه إنتي بنت أصول وعارفة إن فيه حاجات الراجل ميحبش حد يعرفها بلاش تدخلي أبوكي في حكايات زي دي.

نظرت إليه تاليا بثبات وشعرت بأن موازين القوى قد تغيرت لم تعد الرهينة الخائفة
_أنا دكتورة وقسمي بيجبرني أحافظ على سر المريض الطريقة اللي جيت بيها هنا غلط، بس المبدأ نفسه مش هتكلم فيه المريض اللي عالجته ده سره في بير.

صمتت للحظة وأضافت بنبرة تحمل تحذيرًا واضحًا
_بس ده بشرط إن العربية اللي هترجعني تكون جاهزة... دلوقتي.

أومأ الحاج رضوان برأسه على الفور
_جاهزة يا دكتورة أنا بنفسي اللي هوصلك.



كانت رحلة العودة مختلفة تمامًا لم تكن هناك عصبة على عينيها ولم تكن مقيدة جلست في المقعد الأمامي بجانب الحاج رضوان في سيارته 
 الصمت بينهما كان ثقيلاً لكنه لم يكن صمتًا عدائيًا

عندما اقتربت السيارة من المنطقة التي يقع فيها قصر عائلتها أشار رضوان إلى سيارتها التي كانت مركونة في شارع جانبي أوقف سيارته على بعد أمتار قليلة
_اني خلتهم يقربوا العربية من السريا عشان مينفعش تفضل قدام الجامعة
قبل أن تفتح الباب لتنزل التفت إليها ونظر إليها باحترام صادق 
_أنا عارف إن الكلام ملوش لازمة دلوقتي بس أنا آسف يا بنتي آسف على الطريقة اللي جبناكي بيها مكنش قدامي حل تاني.

تنهد ونظر أمامه كأنه يرى شيئًا بعيدًا
_الواد اللي جوه ده... أنا اللي مربيه غالي عليا أكتر من ولادي لما شفته غرقان في دمه الدنيا اسودت في وشي كنت مستعد أعمل أي حاجة عشان أنقذه.

نظر إليها مرة أخرى وعيناه تحملان صدقًا لم تستطع الشك فيه
_حقك عليا ولو احتجتي أي حاجة في يوم من الأيام رقبتي سدادة.

أومأت تاليا برأسها بصمت لم تكن تعرف ماذا تقول جزء منها كان لا يزال غاضبًا ومذعورًا، لكن جزءًا آخر كان يتفهم يأس هذا الرجل

_متشغلش بالك المهم المريض يبقى كويس.

فتحت باب السيارة ونزلت لم تنظر خلفها سارت بخطوات ثابتة نحو سيارتها ركبتها وأدارت المحرك الذي استجاب على الفور.

وهي تنطلق في الشوارع الخالية رأت في المرآة سيارته وهي تستدير وتختفي في الاتجاه المعاكس، كأنها لم تكن موجودة قط.

وصلت إلى القصر
وتسللت إلى الداخل بهدوء لم يقابلها أحد صعدت مباشرة إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها عليه وأغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا لأول مرة منذ ساعات.

لقد نجت

تحركت كأنها في حلم خلعت ملابسها المتسخة التي تحمل رائحة العرق والتراب والمطهر، ودخلت تحت الماء الساخن في حمامها
تركت المياه تغسل عنها آثار الليلة الماضية، لكنها لم تستطع أن تغسل الصور من رأسها صورة الشاب المصاب
 نظراته الحادة، لمسة يدها للمشرط شكل الرصاصة المشوهة، كلمات الحاج رضوان الصادقة.

خرجت من الحمام، وارتدت ملابس نوم نظيفة وألقت بنفسها على السرير حاولت ألا تفكر
حاولت أن تقنع نفسها بأن كل ما حدث كان مجرد كابوس طويل ومفزع
لكنها كانت تعرف الحقيقة
لقد تغير شيء ما الليلة شيء بداخلها ولن يعود أبدًا كما كان.

❈-❈-❈

دخل يامن الغرفة بخطواته الواثقة وابتسامته الهادئة التي تحمل طابعاً رسمياً ممزوجاً بالود
 كانت والدة حنين تجلس على السرير وقد استعادت الكثير من عافيتها، بينما كانت حنين تقف بجانبها تراجع بعض التقارير الطبية
طرق الباب وسمحت حنين له بالدخول 
ابتسمت حنين بعفوية حين رأته وقالت 
_اهلا يا استاذ يامن اتفضل.

دلف يامن وهو يلقي السلام
_السلام عليكم 

رد الجميع السلام وتابعت حنين لوالدتها
_ده يا ماما الأستاذ يامن الجارحي.. المحامي اللي وقف جنبي وساعدني في كل الإجراءات اللي قولتلك عليها.

نظرت الأم ليامن بامتنان ودعت له بصوت خفيض
_كتر خيرك يا ابني.. ربنا يجبر بخاطرك زي ما جبرت بخاطر بنتي في وقت الشدة.

رد يامن بوقار وهو يقترب
_مفيش شكر على واجب يا أمي.. إحنا أهل والحمد لله على سلامتك، الدكتور طمني إن حالتك بقت ممتازة وتقدروا تخرجوا بكرة إن شاء الله.

صمت يامن للحظة ثم نظر لحنين بجدية وقال
_بمناسبة الخروج.. أنا عندي عرض لدكتورة حنين وأتمنى توافقوا عليه.

انتبهت حنين وسألته باهتمام
_عرض إيه يا أستاذ يامن؟

_إحنا في البلد عندنا بنبني مستشفى كبيرة ومحتاجين دكاترة بكفاءة ومهارة دكتورة حنين فكرت إنكم تنقلوا تعيشوا في البلد.. حنين تمسك المستوصف اللي شغال دلوقتي لحد ما المستشفى تخلص، والسكن جاهز ومؤمن تماماً.

قطبت حنين حاجبيها باستغراب
_بس يا أستاذ يامن.. الموضوع مفاجئ قوي وبعدين إحنا حياتنا كلها هنا.

قاطعتها والدتها بنبرة مترددة
_يا ابني كتر خيرك.. بس صعب عليا أسيب الحارة اللي عشت فيها عمري كله وربيت فيها بنتي.

هنا تغيرت نبرة يامن لتصبح أكثر حزماً وصدقاً، ونظر للأم مباشرة
_يا أمي.. الحارة مبقتش أمان ليكم أنا شوفت الوضع هناك وشوفت اللي اسمه (سيد) ده وتصرفاته
 دكتورة حنين بقت مسؤولة مني وأنا مش هطمن عليها وهي بتتعرض لمضايقات كل يوم من واحد زي ده.

اتسعت عينا حنين بذهول ونظرت ليامن بعتاب
_أستاذ يامن ليه بتقول كدة قدام ماما؟

التفتت الأم لابنتها بصدمة
_صحيح الكلام ده يا حنين؟ الواد سيد بيضايقك وأنا معرفش؟

رد يامن قبل أن تنطق حنين
_لازم تعرف المكان هناك مش مضمون وحنين كانت مخبية عليكي عشان متقلقكيش أنا كلمت والدي وهو بدأ يجهز كل حاجة في البلد.. بكرة إن شاء الله هعدي عليكم بالعربية وناخد حاجتكم ونطلع على هناك عل طول.

نظرت الأم ليامن طويلاً رأت في عينيه خوفاً حقيقياً على ابنتها واهتماماً يتجاوز مجرد كونه محامياً يساعد موكلة شعرت براحة غريبة تجاه هذا الشاب الشهم، فقالت بابتسامة هادئة
_على خيرة الله يا ابني.. طالما شايف إن ده الأمان لبنتي أنا معاك.

تنفس يامن الصعداء بينما ظلت حنين تنظر إليه بمزيج من الدهشة والامتنان مدركة أن حياتها على وشك أن تتغير تماماً بفضل هذا الرجل الذي اقتحم عالمها فجأة ليصبح هو "سندها" الجديد.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏