تم النشر في: 28 مايو 2026
قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: ما تبقى لدي
ثنايا الروح الجزء الثاني
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: رانيا الخولي
الفصل الثالث عشر
تم النشر الخميس
28/5/2026
كانت حنين تتحرك كشبح في أروقة المستشفى التي كانت تعرفها كراحة يدها
الأطباء والممرضون الذين كانوا زملاءها بالأمس كانوا ينظرون إليها اليوم بنظرات غريبة، مزيج من الشفقة والتردد والبرود
لم يتقدم أحد منهم لمساعدتها أو حتى لمواساتها
لقد أصبحت منبوذة في مملكتها.
بعد أن قام أطباء الطوارئ بالفحوصات الأولية خرج أحدهم ليخبرها بالخبر الذي كانت تخشاه
_والدتك حالتها حرجة أزمة ارتفاع ضغط حادة أثرت على القلب لازم تدخل العناية المركزة فورًا.
ركضت حنين نحو مكتب الإدارة لإنهاء الإجراءات وقلبها يخفق من القلق وهناك وجدت مدير المستشفى دكتور جلال الرجل الذي كان خصمها في المحكمة، يقف في انتظارها بابتسامة باردة لقد شعر بأن هذه هي فرصته للانتقام.
_دكتورة حنين للأسف حالة الوالدة عشان تدخل العناية المركزة لازم يتم دفع مبلغ تأمين تحت الحساب الأول.
صدمت حنين
_إيه؟! بس... بس أنا بشتغل هنا اخصم المبلغ من مرتبي.
اتسعت ابتسامة دكتور جلال السامة
_مرتبك؟ بس على حد علمي إنتي لسه مستلمتيش الشغل بشكل رسمي عشان يكون ليكي مرتب نخصم منه دي الإجراءات يا دكتورة ولا إنتي عايزانا نكسر القواعد عشانك؟
شعرت حنين وكأن الأرض تميد بها
لقد عادت إلى نقطة الصفر
لا مال ولا سند نظرت حولها باحثة عن وجه صديق عن زميل قديم لكن الجميع أشاح بوجهه خائفين من غضب الإدارة
لقد كانت وحيدة تمامًا في مواجهة الذئاب.
في تلك اللحظة كان يامن قد أنهى مكالمة هاتفية لتسهيل بعض الأمور وكان يتجه نحوها ليخبرها بأن كل شيء تحت السيطرة، عندما سمع الحوار الدائر
تجمد الدم في عروقه من الغضب تقدم بخطوات هادئة وثقيلة ووقف خلف حنين مباشرة كجدار صلب يحميها.
نظر إلى المدير مباشرة وتحدث بصوت بارد كالثلج لكنه يحمل تهديدًا واضحًا
_أنا دفعت كل المستحقات المطلوبة، وزيادة حساب المريضة مفتوح بالكامل ولو حصل أي تقصير أو تأخير في علاجها ولو لدقيقة واحدة اعتبر نفسك والمستشفى بتاعتك في مواجهة مباشرة معايا
وساعتها القضية الجاية مش هتكون تعويض هتكون إهمال جسيم شروع في قتل.
ابتلع دكتور جلال ريقه بصعوبة وتلاشت ابتسامته على الفور
نظر إلى يامن ثم إلى حنين، وأدرك أنه يلعب مع من هو أقوى منه بكثير
تمتم ببعض الكلمات غير المفهومة عن "الإجراءات الروتينية" ثم استدار وغادر بسرعة مهزومًا وممتلئًا بالغيظ.
ما إن اختفى المدير حتى انهارت حنين
لم تعد قادرة على التحمل استندت على الحائط ثم انزلقت ببطء حتى جلست على أقرب كرسي في الممر وخبأت وجهها بين يديها وانفجرت في بكاء صامت يهز كتفيها بكاء اليأس والقهر والوحدة.
وقف يامن أمامها يشعر بعجز لم يشعر به من قبل
كان كل جزء فيه يريد أن يقترب أن يجلس بجانبها، أن يضع يده على كتفها، أن يخبرها بأن كل شيء سيكون بخير
لكنه لم يستطع تقاليده، مبادئه، ووضعه كمحامي لها... كل شيء كان يمنعه.
نظر حوله ورأى العالم الذي تعيش فيه حارة شعبية جيران فضوليون
وبلطجي مثل "سيد" الذي رآه قبل قليل، والذي كانت نظراته لحنين تثير الاشمئزاز والقلق
أدرك أن مشكلتها أعمق من مجرد أزمة صحية لوالدتها إنها تعيش في بيئة خطرة محاطة بالضعف والتهديد بلا حماية حقيقية.
لازم أخرجها من هنا.
كانت الفكرة واضحة وحاسمة في عقله
لا يمكن أن يتركها في هذا الوضع
لا يمكن أن يظل يصلح الأمور من بعيد كلما حدثت أزمة
يجب أن يجد حلًا جذريًا حلًا يوفر لها الأمان ويحفظ كرامتها ولا يجرح كبرياءها.
وبينما هو واقف يراقبها وهي تبكي، بدأت خيوط حل جريء تتشكل في ذهنه
حل سيغير حياتها وحياته هو أيضًا
حل سيجعلها قريبة منه تحت حمايته المباشرة وبطريقة لن تستطيع رفضها
حل سيناسب الجميع ويضعها أخيرًا في المكان الآمن الذي تستحقه.
❈-❈-❈
قاد تميم السيارة مبتعدًا عن القصر وسلك طريقًا فرعيًا تصطف على جانبيه الأشجار العتيقة
كانت روزالين تنظر من النافذة بصمت تتأمل الأراضي الشاسعة التي لا تنتهي
التفتت إلى تميم وسألته
_ألن تخبرني إلى أين؟
نظر إليها بثقة
_هتعرفي كل حاجة دلوقت.
بعد دقائق بدأت تلوح في الأفق ملامح بناء ضخم يختلف عن منزل جاسر الحديث
كان بناءً أقدم
سرايا كبيرة بتصميم شرقي أصيل لكنها تبدو مهجورة يحيط بها سور عالي وحديقة واسعة أهملتها يد الزمن.
أوقف تميم السيارة أمام البوابة الحديدية الضخمة والمغلقة
نزلا من السيارة ووقفت روزالين تتأمل المكان بدهشة صامتة
تحدثت بصوت خفيض وعيناها لا تزالان مثبتتين على البناء
_لمن هذا المكان؟
وقف تميم بجانبها ونظر هو الآخر إلى السرايا وقال بنبرة هادئة تحمل الكثير من المعاني
_ده بيت العيلة القديم، سرايا جدي بس في الأصل هو ملك ابن عم أبويا... واحد اسمه فايز التهامي.
عند سماع الاسم شعرت روزالين بصدمة كهربائية تسري في جسدها
فايز اسم والدها؟!
تجمدت في مكانها وشعرت بأن أنفاسها محبوسة في صدرها هل هي صدفة؟ هل يمكن أن يكون هناك شخص آخر بنفس الاسم؟
أجبرت نفسها على الكلام وحاولت أن تبدو طبيعية
_ومن... ومن هو فايز هذا؟
أجابها تميم وهو لا يزال ينظر إلى السرايا كأنه يروي قصة من الماضي
_قولتلك ابن عم أبويا بس سافر أمريكا من وهو شاب في الجامعة واتقطعت علاقته بينا نهائي
أبويا بيقول إن صخر هو اللي سفر ابنه فايز أمريكا بنفسه عشان كان فيه تار قديم بين عيلتنا وعيلة تانية وهو خاف على ابنه الوحيد فهربه بره البلد ومحدش كان يعرف طريقه غيره
ولما أبويا كشف حقيقة أفعال جدي واتقبض عليه... حاول كتير يوصل لعنوان ابن عمه عشان يرجعله حقه، بس مقدرش
ومن يومها قرر إنه يحافظ على كل أملاكه، نصيبه في البيت والأرض والشركة لحد ما يرجع في يوم من الأيام من وقتها السرايا دي مقفولة أبويا رفض إن أي حد فينا يلمس فيها طوبة واحدة وقال إنها مش ملك حد غير صاحبها الأصلي فايز.
كانت كل كلمة من كلماته كالمطرقة التي تهوي على رأسها
والدها يملك كل هذا؟ هذه السرايا؟ هذه الأراضي؟
أكمل تميم
_جدي كان عنده بنات تانية غير فايز
عماتي زينة وشروق، زينة دكتورة وعايشة هنا في البلد مع جوزها، وشروق اتجوزت وسافرت ولا واحدة فيهم رضيت تاخد حقها في السرايا دي، قالوا إنها عذبت الكل بذكرياتها.
ثم التفت إليها ونظر في عينيها مباشرة
لم تعد روزالين تستمع كانت كلماته الأخيرة تتردد في أذنيها كطنين يصم الآذان
يحافظ على كل أملاكه... نصيبه في البيت والأرض والشركة...
انهار عالمها
كل القصة التي بنت عليها حياتها، كل الحقد الذي تغذت عليه، كل دافعها للانتقام كله كان يتبخر الآن
هل يمكن أن يكون ما يقوله حقيقة؟ أم أنها مجرد كذبة متقنة لتجميل صورة والده؟
هل عرف حقيقتها وهذه هي طريقته ليداري جريمته؟ جريمة الاستيلاء على كل شيء؟
بدأت الأفكار تتصارع في رأسها بعنف
كاذب... إنه يكذب ليحمى والده
ولكن... لماذا يخبرني بكل هذا؟ لماذا يريني هذا المكان؟
أبي... كان يملك كل هذا؟ ونحن... نحن كنا نموت من الجوع؟
فجأة شعرت بصداع حاد ينبض في صدغيها كأن رأسها سينفجر
بدأت الدنيا تدور بها وأصبحت صورة السرايا مشوشة ومزدوجة
شعرت بغثيان شديد وبأن الأرض تهتز من تحت قدميها.
لاحظ تميم شحوب وجهها المفاجئ ورأى عينيها الزائغتين
أدرك في تلك اللحظة أنه أخطأ لقد ألقى عليها بثقل الحقيقة كلها مرة واحدة وروحها المنهكة لم تتحمل هذه الصدمة
_روزالين؟ إنتي كويسة؟
مد يده ليسندها لكن قبل أن تلامسها ارتخت ركبتاها ومال جسدها
التقطها بين ذراعيه قبل أن تسقط على الأرض، فاقدة للوعي تمامًا وقد هربت من حقيقة أقسى من كل كوابيسها.
❈-❈-❈
كانت نغم قد لاحظت شرود جاسر منذ عودته من المكتب كان صامتًا غارقًا في أفكاره وهالة من الحزن الثقيل تحيط به، حزن لم تعهده عليه بهذه القسوة من قبل بعد أن وضع الأطفال رؤوسهم على وسائدهم، جلست بجانبه على حافة السرير ووضعت يدها بحنان فوق يده
_جاسر... مالك؟ قلبك مقبوض من إيه؟
أخذ نفسًا عميقًا كمن يستعد لحمل ثقيل أدار يده ليمسك بيدها وشبك أصابعه بأصابعها بقوة كأنه يستمد منها القوة
_عرفت حقيقة روزالين يا نغم.
انتبهت نغم بكل حواسها متوقعة أن تسمع ما يؤكد شكوكها القديمة لكن نبرة صوته المهزومة أنذرتها بأن الحقيقة أبعد ما تكون عن توقعاتها.
بدأ جاسر يسرد لم يترك تفصيلاً حكى عن الأم التي هربت والأب الذي قتله المرض والفقر والطفلة التي كافحت في عالم لا يرحم حكى عن آدم الحارس الذي مات بين يديها، وعن اسمها الحقيقي... "نادين فايز التهامي".
كانت نغم تستمع وكل كلمة كانت تسقط على قلبها كقطرة من حمض حارق
تحولت ملامحها من الترقب إلى الصدمة، ثم إلى ألم عميق
كانت الدموع تتجمع في عينيها وهي تتخيل تلك الطفلة الصغيرة وحيدة، تقاتل من أجل لقمة العيش وثمن الدواء.
عندما انتهى جاسر من كلامه ساد صمت رهيب حتى قاطعته نغم
_ حفيدة صخر بنت فايز هي دي؟
أومأ جاسر برأسه وعيناه زائغتان مثبتتان على نقطة بعيدة في ظلام الغرفة
_ هي حتة من دمنا يا نغم كانت بتشتغل عشان تمن الدوا لأبوها، وإحنا هنا عايشين في القصور.
هنا انفجر السد الذي كان يحبسه تحدث بنبرة لم تسمعها منه من قبل نبرة رجل محطم يجلده إحساس الذنب
_أنا السبب أنا اللي قتلتهم بالبطيء.
اقتربت منه نغم بسرعة وأمسكت وجهه بين يديها لتجبره على النظر إليها
_لأ أوعى تقول كده إنت ذنبك إيه يا جاسر؟ إنت عملت اللي عليك وزيادة.
هز رأسه بعنف رافضًا مواساتها، كأنه يرى أنها لا تستحقها
_ معملتش كان المفروض مدورش سنة ولا اتنين ويأس كان المفروض أقلب عليها الدنيا كان المفروض مسيبش شبر في أمريكا كلها إلا لما ألاقيهم
إزاي؟ إزاي ابن عمي يموت عشان مش لاقي تمن العلاج وأنا فلوسه وأملاكه عندي بتزيد كل يوم؟ إزاي بنت التهامي تتهان وتتبهدل عشان تاكل؟ إزاي حد يفكر يلمسها لمسة حقيىة وأنا عايش؟!
كان صوته يرتجف من القهر وهذه المرة لم يحاول أن يخفي الدموع التي لمعت في عينيه
_أنا سبت حتة مني تموت في العذاب وأنا معرفش.
احتضنته نغم بقوة وضمت رأسه إلى صدرها كأنها تحاول أن تحميه من جلاديه الداخليين تحدثت بصوت حنون وقوي، صوت الأم والزوجة والحبيبة
_إنت مغلطتش يا جاسر إنت حاولت وربنا شاهد إنك حاولت
إنت كنت بتدور على إبرة في كوم قش هو اللي اختفى وهو اللي اختار يهرب إنت حافظت على حقه وصنت كرامته في غيابه وكنت مستنيه يرجع ده مش ذنبك، ده قدرهم.
ابتعدت قليلًا لتنظر في عينيه مرة أخرى ومسحت دموعه بأطراف أصابعها
_وبعدين ربنا بعتها لحد عندك بعتها عشان إنت اللي تصلح اللي الزمن بوظه بعتها عشان تكون إنت الأمان اللي عمرها ما شافته
دي مش عقوبة ليك يا حبيبي دي فرصة من ربنا عشان تكفر عن ذنب معملتوش أصلًا.
نظرت إليه بحب لا حدود له
_جاسر اللي أنا أعرفه مبيقعش بيزعل، بيتألم بس بيرجع يقف تاني أقوى من الأول والبنت دي... نادين... محتاجالك واقف على رجلك محتاجة قوة جاسر عشان تحميها ومحتاجة قلبك عشان يطمنها وإنت عندك الاتنين.
هدأت ثورة جاسر الداخلية قليلًا كانت كلمات نغم هي البلسم الذي يحتاجه لم تكن مجرد مواساة، بل كانت الحقيقة التي يحتاج أن يراها
إنها ليست النهاية بل البداية.
❈-❈-❈
_روزالين…
صرخ تميم باسمها لكنها لم تجب
كان جسدها رخوًا بين ذراعيه رأسها متدلي للخلف ووجهها شاحب بشكل مريب.
تصرف بغريزته جلس على الأرض بسرعة وسند ظهرها على صدره آخذًا إياها في حضنه
بدأ يربت على وجهها بخفة وصوته يرتجف وهو ينادي اسمها مرارًا وتكرارًا
_روزالين... نادين... فوقي أرجوكي فوقي.
لكنها كانت غائبة تمامًا
وفجأة بدأ جسدها يرتعش
في البداية كانت مجرد رعشة خفيفة لكنها سرعان ما تحولت إلى تشنج عنيف
بدأ جسدها ينتفض بين ذراعيه بقوة، حتى أنه كاد يفقد السيطرة عليه.
شعر بعجز لم يشعر به في حياته
يقف الآن عاجزًا تمامًا أمام جسد امرأة يتألم وهو لا يعرف كيف يوقف هذا الألم
كل ما تعلمه كل قوته كل ثقته بنفسه... تبخرت في تلك اللحظة.
لم يعد هناك وقت للتفكير لم يعد هناك حل سوى العودة.
بذل جهدًا جبارًا ليحكم قبضته على جسدها المنتفض ثم نهض بها بين ذراعيه
اسرع بها نحو السيارة وضعها بصعوبة في المقعد بجانبه وانطلق بأقصى سرعة نحو القصر وقلبه يدق بعنف كأنه سيحطم أضلاعه.
ما إن توقفت السيارة أمام مدخل القصر، حتى حملها مرة أخرى وجرى بها إلى الداخل، وهو يصرخ باسم أخته بصوت يملؤه الهلع
_تاليــــــــــــا.
ظهرت تاليا من غرفة المعيشة وعلى وجهها ابتسامة سرعان ما تجمدت وتحولت إلى صدمة وهي ترى روزالين بين ذراعي أخيها جسدها لا يزال يرتعش بعنف وعيناها مغمضتان لقد رأت هذه الحالة من قبل
_تميم إيه اللي حصلها؟!
صرخ بها وهو يكمل طريقه نحو الدرج
_مش وقته تعالي ورايا بسرعة.
صعد الدرج وهو يكاد يتعثر من سرعته والجميع قد خرجوا على صوت صراخه جاسر نغم ليال كلهم تبعوه إلى جناحه
اقتحم تميم الغرفة ووضع روزالين برفق على السرير جسدها كان لا يزال ينتفض.
في لحظة تحولت تاليا من الأخت الصغيرة إلى الطبيبة المسؤولة اقتربت بسرعة وبدأت تفحص نبضها وعينيها، وتصدر تعليمات سريعة
بينما جلست نغم على الجانب الآخر من السرير وبدون تفكير أمسكت بيد روزالين الباردة المرتعشة بين يديها الدافئتين.
نظرت نغم إلى وجه روزالين المعذب وتحدثت بصوت أمومي حنون صوت يقطر أمانًا وطمأنينة
_متخافيش يا حبيبتي إنتي معانا إنتي في أمان محدش هيأذيكي.
وكأن صوت نغم كان هو المفتاح
وكأن روح روزالين الضائعة كانت تحتاج فقط لسماع هذه الكلمات لتصديقها
بدأت الرعشة العنيفة تهدأ تدريجيًا وخفت حدتها وتحولت إلى مجرد ارتجافات خفيفة، ثم توقفت تمامًا
استرخى جسدها أخيرًا وغطت في نوم عميق، لكن ملامح الألم لم تفارق وجهها.
كانت ليال تقف عند الباب تبكي بصمت وهي ترى صديقتها في هذه الحالة
في تلك اللحظة التقت عينا جاسر بعيني تميم كانت نظرة جاسر حادة، تحمل اتهامًا صامتًا وقاسياً
"لقد حذرتك لقد تسرعت."
تنفست تاليا الصعداء
_الحمد لله... عدت على خير دي نوبة هلع شديدة جدًا جسمها دخل في صدمة عصبية.
تحدث جاسر بصوت حازم قاطعًا الصمت
_نغم خليكي إنتي والبنات معاها لو فاقت طمنوها.
ثم وجه نظرة آمرة إلى تميم الذي كان يقف كالصنم يحدق في روزالين بوجه شاحب يملؤه الذنب
_وإنت تعالى ورايا على المكتب.
..…..
جلست حنين على أحد الكراسي متيبسة عيناها مثبتتان على الباب الزجاجي المغلق للعناية المركزة، كأنها بقوة نظرها تستطيع أن تحمي والدتها
ووقف يامن على بعد خطوات قليلة لا يجلس بل يظل واقفًا كحارس يراقبها بصمت ويمنحها مساحتها لكن وجوده كان في حد ذاته رسالة واضحة:
"أنا هنا لستِ وحدك"
هاتفه الذي بدأ الآن يهتز ويرن بإصرار لا ينقطع
كان يتجاهله في كل مرة يخرجه من جيبه يلقي نظرة سريعة على اسم المتصل، ثم يعيده إلى جيبه مرة أخرى.
لاحظت حنين هذا الإصرار التفتت إليه للمرة الأولى منذ وصولهما وصوتها كان ضعيفًا ومبحوحًا من القلق والبكاء
_تليفونك... شغلك مهم تقدر ترجع مكتبك لو عايز أنا... أنا هبقى كويسة.
اقترب منها خطوة ونبرته كانت هادئة وحاسمة لا تحمل أي مجال للجدال
_شغلي يقدر يستنى أنا مش همشي من هنا قبل ما أطمن على والدتك بنفسي.
لم تكن لديها الطاقة لتناقشه أومأت برأسها بصمت وعادت لتثبت نظرها على الباب، لكنها شعرت بموجة خفية من الامتنان لوجوده لقد كان هو الثابت الوحيد في يومها الذي انهار بالكامل.
مر الوقت بطيئًا وثقيلًا كل دقيقة كانت كدهر وأخيرًا فُتح الباب وخرج الطبيب المناوب
نهضت حنين بسرعة وجرت نحوه وتبعها يامن
_ طمني يا دكتور... ماما عاملة إيه؟
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة
_الحمد لله الحالة استقرت قدرنا نسيطر على الضغط هي فاقت دلوقتي وتقدروا تدخلوا تشوفوها بس دقيقة واحدة بس عشان متتعبش.
شعرت حنين وكأن جبلًا قد أزيح عن صدرها تنفست بعمق لأول مرة منذ ساعات ودموع الفرح والراحة لمعت في عينيها
_شكرًا يا دكتور... ألف شكر.
لم تنتظر أكثر دخلت بسرعة إلى الغرفة، تاركة يامن واقفًا في الخارج مع أفكاره
لقد رأى لمحة من عالمها اليوم:
الفقر الكبرياء الأعداء المتربصون، والوحدة القاتلة وشعر بمسؤولية تجاهها، مسؤولية تتجاوز كونه محاميها
لم يعد الأمر يتعلق بقضية وكسبها، بل أصبح يتعلق بحماية إنسانة تستحق الأمان.
الحل الذي فكر فيه سابقًا والذي بدا جريئًا ومجنونًا أصبح الآن يبدو منطقيًا وضروريًا يجب أن يفاتحها فيه ليس الآن ليس وهي في هذه الحالة من الضعف والقلق ولكن قريبًا في أقرب فرصة ممكنة قبل أن تضربها أزمة أخرى قد لا تكون موجودًا لصدها.
رن هاتفه مرة أخرى هذه المرة كان اسم جاسر التهامي
لم يكن يستطيع تجاهل هذا الاتصال.
خرجت حنين في تلك اللحظة وعلى وجهها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية
_فاقت... وبتتكلم الحمد لله.
ابتسم لها يامن بصدق
_الحمد لله أنا فرحتلك بجد.
نظر إلى هاتفه الذي لا يزال يرن في يده
_معلش لازم أرد على المكالمة دي هخلص شوية شغل ضروري وهرجعلك تاني على طول متتحركيش من هنا.
أومأت برأسها، وهي تشعر بالامتنان الذي يفوق قدرتها على التعبير
_أنا مش عارفة أقولك إيه لولاك...
قاطعها بهدوء
_متقوليش أي حاجة المهم والدتك تكون بخير.
استدار وغادر لكنه ترك خلفه وعدًا صامتًا بالعودة وترك لديها شعورًا غريبًا بالأمان لم تشعر به منذ وفاة والدها
❈-❈-❈
لم تفق روزالين على ضوء أو صوت في العالم الحقيقي بل فاقت داخل ظلمة عقلها على صدى صوت واحد يتردد بوضوح مؤلم... صوت تميم
كان صوته ينسج حقيقة جديدة لكن ذاكرتها كانت تمزق هذا النسيج بخيوط من الماضي القاسي
صوت تميم يتردد في رأسها بوضوح
"أبويا حافظ على كل أملاكه نصيبه في البيت والأرض والشركة..."
صوت آخر صوت مدير المطعم خشن ومهين
"انتِ مدينة لي بثمن علاج والدك، يجب ان تسددي ما عليكِ"
صوت تميم
"نصيبه في الشركة بيزيد كل يوم..."
صوت والدها فايز ضعيف ومتقطع من الألم
"آسف يا نادين مش قادر أجيب تمن الدوا النهاردة..."
صوت تميم
"السرايا دي كلها ملك أبوكي فايز التهامي...
صوت آخر صوت صاحب البيت، قاسي وبلا رحمة
"أمامك للآخر اليوم ايتها المثيرة عليكِ أن تخلي المكان "
صوت تميم
"...السرايا دي مقفولة من يوم موت جدي..."
صوت آدم دافئ وحنون يهمس لها أمام باب غرفة صغيرة متهالكة
"ابقي في غرفتي الليلة يا نادي لا تقلقي سأنام أنا في الخارج على الدرج"
صوت تميم
"أبويا رفض إن أي حد فينا يلمس فيها طوبة واحدة..."
صوت آخر صوت أحد المتنمرين في الشارع ساخر ولاذ
"انظروا إنها تعيش في خرابة آدم…. الفأرة وجدت جحرًا جديدًا"
كانت المعركة تدور في رأسها بلا هوادة
كل كلمة أمل من تميم كانت تقابلها صرخة يأس من ذاكرتها
كل صورة للثراء كانت تمحوها ذكرى للفقر المدقع كل وعد بالحقوق كان يدهسه واقع الحرمان.
بدأ رأسها يؤلمها بشدة وشعرت بأنها تغرق أيهما الحقيقة؟ هل حياتها كلها كانت كذبة؟ أم أن هذه هي الكذبة الجديدة المتقنة؟
صوت تميم
"...إنتي في أمان هنا..."
صوت الرصاص يدوي في أذنيها حاد ومفزع ثم صوت آدم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة
"...اهربي... نادين... اهربي..."
آدم….
صرخت بالاسم في عقلها وبدأت ترتعش مرة أخرى وهي لا تزال في غيبوبتها شعرت بالبرد بالوحدة بالضياع التام في هذا الصراع الذي لا ينتهي
كانت تغرق في بئر مظلم من الذكريات المؤلمة ولا يوجد من يلقي لها حبل النجاة.
وفجأة...
وسط كل هذه الفوضى شعرت بشيء حقيقي شيء دافئ يلمس يدها الباردة لم تكن لمسة مخيفة أو مهددة كانت لمسة ناعمة حنونة تحمل طمأنينة غريبة.
ثم جاء صوت آخر صوت حقيقي هذه المرة ليس من الذاكرة صوت امرأة، هادئ كهمس النهر
_شششش... اهدي يا حبيبتي إنتي في أمان.
شعرت باليدين الدافئتين تمسكان بيدها بقوة أكبر كأنهما مرساة تثبتها في الواقع وتمنعها من الغرق
_ متخافيش إحنا كلنا جنبك محدش هيأذيكي تاني.
بدأت أصوات الماضي تخفت تدريجيًا صوت المدير صوت صاحب البيت حتى صوت الرصاص... كلها بدأت تتلاشى أمام هذا الصوت الحقيقي الدافئ.
فتحت روزالين عينيها ببطء كانت الرؤية مشوشة في البداية مجرد أضواء وألوان باهتة رمشت عدة مرات وبدأت الصورة تتضح، لم تكن في الظلام بل كانت في غرفة واسعة مضاءة بنور خافت.
وأول ما رأته بوضوح كان وجهًا ملائكيًا يبتسم لها بحنان وجه امرأة جميلة، عيناها تلمعان بالدفء والقلق، كانت هي صاحبة اليدين اللتين لا تزالان تمسكان بيدها.
عرفتها... إنها نغم
نظرت إليها نغم وعندما رأت عيني روزالين مفتوحتين، اتسعت ابتسامتها.
_حمد الله على السلامة يا قلبي.
……….
أغلق جاسر باب مكتبه خلفه وتحول الهدوء الذي كان يسود المكان إلى صمت مشحون بالكهرباء وقف تميم في منتصف الغرفة رأسه منكس وكتفاه مثقلان بالذنب ينتظر حكم والده الذي يعرف أنه يستحقه
لم يصرخ جاسر لم يرفع صوته وهذا كان أسوأ
تحدث بنبرة جليدية كل كلمة فيها كانت كضربة سوط
_احكيلي…. قوللي عملت إيه بالظبط عشان توصلها للحالة دي.
رفع تميم عينيه المنهكتين إلى والده وتحدث بصوت خفيض صوت رجل يعترف بخطيئته
_أنا... أنا خدتها عند السرايا القديمة.
اتسعت عينا جاسر قليلاً وبدأ الغضب يتجمع في ملامحه
_وبعدين؟
_حكيتلها... حكيتلها إن السرايا دي ملك أبوها فايز وإنك حافظت على كل أملاكه وكنت بتدور عليه.
هنا لم يستطع جاسر أن يسيطر على انفعاله تقدم خطوة وصوته ارتفع لأول مرة حادًا وقاطعًا
_إنت مجنون؟! إنت عارف كويس إنها مش متزنة نفسيًا عارف إنها عاشت صدمات تدمر جبال تقوم تفاجئها بكل الحقايق دي مرة واحدة؟! إنت كنت متوقع إيه؟ إنها هتحضنك وتشكرك؟!
وضع تميم عينيه في الأرض ولم يرد لم يكن هناك ما يمكن قوله
لقد كان والده على حق في كل كلمة لقد كان غبيًا ومتهورًا
صمت جاسر وأخذ نفسًا عميقًا يحاول أن يسيطر على غضبه رأى ابنه واقفًا أمامه محطمًا ومنكسرًا وأدرك أنه قد زاد من العبء عليه
لقد كان تميم يعاني بالفعل من إحساسه بالذنب، ولم يكن بحاجة إلى المزيد.
تنهد جاسر وتغيرت نبرته أصبحت أكثر هدوءًا تحمل لمسة من الاعتذار
_أنا آسف زودتها معاك.
اقترب من ابنه ووضع يده على كتفه
_بس كان لازم تفهم يا تميم اللي عملته ده كان ممكن يقتلها، عقلها مش هيستحمل كل الصدمات دي مرة واحدة إحنا اتفقنا على خطة، خطة بتمشي خطوة خطوة، بالراحة إنت نطيت للنهاية على طول.
تحدث تميم أخيرًا وصوته لا يزال يملؤه الندم
_أنا... أنا كنت عايز أطمنها كنت عايزها تعرف إنها مش عدوتنا كنت عايز أمسح نظرة الخوف اللي في عينيها لما بتبصلي كنت عايزها تعرف إن حقها محفوظ، وإنها في أمان.
كانت طريقة كلامه الشغف اليائس في صوته وهو يدافع عن دافعه وليس عن فعله...
ظل جاسر يحدق في ابنه لثواني طويلة يقرأ ما بين سطور كلماته ويرى ما تخفيه عيناه المنكسرتان
ثم اقترب منه أكثر وسأله بهدوء سؤال مباشر يخترق كل الدفاعات
_تميم... إنت حبيتها؟
لم يرفع تميم عينيه
لم يهز رأسه لم يقل كلمة واحدة لكن صمته كان أعلى من أي اعتراف
كتفاه اللذان انحنيا أكثر قبضته التي اشتدت حتى ابيضت مفاصلها أنفاسه التي حبسها... كلها كانت إجابة واضحة
فهم جاسر تنهد مرة أخرى
_الحب مش كفاية يا تميم وساعات بيكون هو أكبر مشكلة البنت دي مش زي أي بنت عادية دي روح متكسرة متخربشة من كل حتة كل لمسة ممكن توجعها، وكل كلمة ممكن تكسرها محتاجة صبر أيوب عشان تعرف تتعامل معاها.
أمسك بوجه تميم ورفع وجهه ليجبره على النظر إليه
_لو هتقدر... لو هتقدر تصبر على تقلباتها وتستحمل خوفها وتتعامل مع كوابيسها وتكون ليها الأمان اللي عمرها ما عرفته من غير ما تزهق أو تمل... يبقى كمل ولو حسيت للحظة واحدة إنك مش هتقدر وإن الموضوع أكبر منك... يبقى لازم تبعد، لازم تبعد عنها فورًا عشان متزودش جراحها جرح جديد هيكون سببه إنت.
كانت عينا تميم تلمعان بإصرار وتصميم لم يرهما جاسر من قبل لم يكن إصرار الشاب المتهور بل كان تصميم رجل اتخذ قراره
_أنا مش هسيبها مش هبعد وهفضل جنبها وهصبر عليها لو حتى هصبر عليها عمري كله أنا اللي سببتلها آخر جرح... وأنا اللي هداوي كل جروحها القديمة والجديدة دي مهمتي دلوقتي يا أبويا ومستحيل أتخلى عنها.
❈-❈-❈
كانت نغم وتاليا وليال يحيطون بسرير روزالين كانت نغم تمسح على شعرها بحنان الأم وتاليا تتابع نبضها وليال تعرض عليها الشوكولاتة كانوا يحاولون جاهدين بقلوبهن الطيبة أن يخففن عنها أن يرين ابتسامتها الهشة مرة أخرى
لكنهم لم يستطعوا
كانت روزالين هناك بجسدها فقط عيناها فارغتان تنظران عبرهن إلى عالم آخر عالم.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

❤️❤️❤️