بيت الضراير - الفصل 40 | فاطمة الزهراء

تاريخ النشر: 27-5-2026



قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الأربعون

تم النشر الأربعاء 

27/5/2026


الفصل السابق


دخلت جيهان غرفتها وارتمت على فراشها، وانفـ.ـجرت في بكاء مرير هزّ كيانها، وكأن كل الوجع الذي كتمته طوال الشهور الماضية خرج في هذه اللحظة. كانت تشهق بحرقة وهي تمسك بساقها المصابة، وصوت صراخها في وجه يوسف لا يزال يتردد في أذنيها.
حاولت كاميليا بكل الطرق أن تهدئها؛ جلست بجانبها، ضمتها إلى صدرها، وقبلت يديها وهي تهمس لها بكلمات حنونة:
ـ خلاص يا جيهان.. اهدي يا حبيبتي، أنا جنبك، مفيش حاجة هتحصل غصب عنك.. اهدي علشان خاطري وعلشان خاطر البنات.
لكن جيهان كانت في عالم آخر، كابوس الحادثة سيطر على تفكيرها تماماً، ولم تجد كلمات كاميليا صدىً عندها. استمرت في الانهيار، وبدأ جسدها يرتجف بشدة، مما أصاب كاميليا بالرعب.
أدركت كاميليا أن حالة أختها النفسية ساءت لدرجة لا تستطيع التعامل معها وحدها، وأن الفوبيا قد تمكنت منها تماماً. لم تجد حلاً أمامها سوى الاستعانة بمن تسبب في هذا الانهيار ليصحح خطأه.
أمسكت كاميليا هاتفها بيد ترتعش، وأرسلت رسالة نصية سريعة إلى يوسف:
ـ الحقنا يا يوسف.. جيهان منهارة تماماً ومش قادرة أهديها، كلم الدكتورة النفسية بتاعتها خليها تيجي حالاً، الموقف بيبوظ مننا خالص.
كان يوسف في طريقه للمنزل، والضيق يكاد يخنقه، وعندما رن هاتفه وشاهد اسم كاميليا على الشاشة، انقبض قلبه. فتح الرسالة بسرعة، وما إن قرأ محتواها حتى شعر بحزن شديد وندم ينهش روحه؛ فقد تيقن الآن أن خوفه المبالغ فيه وحديثه الفجّ كانا القشة التي قصمت ظهر ثبات جيهان الهش.
لم يتردد يوسف، ولم يكتفِ بمكالمة هاتفية، بل غير وجهته فوراً واتجه صوب عيادة الطبيبة النفسية. دخل العيادة وملامحه المجهدة تحكي الكثير، استقبلته الطبيبة بهدوء وثبات، فأخبرها بإيجاز عمّا حدث وكيف انهارت جيهان بمجرد ذكر أمر السيارة والقيادة.
طلب يوسف منها بلهفة أن تذهب معه حالاً لرؤية جيهان في المنزل. في تلك اللحظة، ترددت الطبيبة قليلاً؛ فداخلها كانت تخشى أن تلتقي بـ نور هناك وتحدث بينهما مواجهة جديدة قد تزيد الموقف تعقيداً، لكن ضميرها المهني وحرصها على حالة جيهان التي بذلت فيها مجهوداً كبيراً طوال الشهور الماضية جعلاها تتراجع عن ترددها. نظرت ليوسف وقالت بحسم:
ـ تمام يا أستاذ يوسف، يالا بينا.. جيهان في الحالة دي مش لازم تفضل لوحدها لحظة واحدة.
خرجت معه وتوجها سريعاً إلى المنزل، ويوسف طوال الطريق يدعو الله ألا يكون قد تسبب في شرخ لا يمكن مداواته في نفس زوجته.
وصلوا للمنزل، وكان القلق يرتسم على ملامح يوسف الذي ظل واقفاً بالخارج، بينما استقبلت كاميليا الطبيبة بهدوء وترحاب، وظهر على وجهها ملامح الارتياح لوصولها. قادتها كاميليا مباشرة إلى غرفة جيهان، وبمجرد فتح الباب، وجدتها لا تزال في حالة انهيار، غارقة في بكائها ومنعزلة عن كل ما يحيط بها.
اقتربت الطبيبة من الفراش بخطوات واثقة وهادئة، وجلست أمام جيهان مباشرة، وبدأت تنظر إليها بنظرات مطمئنة دون أن تتحدث في البداية، لتمتص حالة التوتر السائدة. فهمت كاميليا بذكائها أن وجودها قد يمنع جيهان من الحديث بحرية، فانسحبت من الغرفة بهدوء وأغلقت الباب خلفها، لتترك لشقيقتها المساحة والخصوصية للبوح بما يؤلمها مع المختصة..
هدأت شهقات جيهان قليلاً عندما شعرت بلمسة الطبيبة الحانية على يدها، لكن جسدها كان لا يزال يرتجف. نظرت الطبيبة إليها بهدوء وقالت بصوت منخفض:
ـ اهدي يا جيهان.. خدي نفسك وبالراحة، أنا جيت علشانك.. قولي لي إيه اللي وصلك للحالة دي؟ إيه اللي حصل فجأة قلب حالك كدة؟
أغمضت جيهان عينيها بقوة وكأنها تحاول طرد صورة بشعة من خيالها، وقالت بصوت مكسور:
ـ رجعت للمربع الأول يا دكتورة.. كنت فاكرة إني بدأت أقوى، بس اكتشفت إني لسه ضعيفة أوي. يوسف جه النهاردة يهد كل اللي بنيته.. جاي يمنعني أجيب عربية، جاي يقولي مش هتعرفي تسوقي علشان رجلك..
سكتت لحظة ودموعها نزلت من جديد وبدأت تنفعل:
ـ كلامه كان زي السكا.كين.. محسسني إني عاجزة، ومحكوم عليا أفضل محتاجة له العمر كله. والوجع الأكبر إنه بيتكلم وكأنه خايف عليا من الطريق، وهو ناسي إنه هو اللي د.مر حياتي في الطريق ده! هو اللي كان سايق يا دكتورة.. هو اللي كسرني، ودلوقتي جاي يمنعني أحاول أقف من تاني بحجة الخوف.
كانت الطبيبة تستمع لها بتركيز وتدون ملاحظاتها بهدوء، وسألتها:
ـ يعني إنتي شايفة إن رفضه للعربية ده محاولة منه علشان يفضل مسيطر على حركتك؟ ولا إنتي اللي خايفة من المواجهة مع السواقة وكلامه كان مجرد شرارة؟
ردت جيهان بقهر:
ـ أنا كنت مرعوبة فعلاً.. بس كنت بحاول أواجه رعبي ده. لكن هو بدل ما يسندني، فكرني بضعفي وفكرني باليوم اللي شفت فيه الموت بسببه. أنا مش قادرة أنسى يا دكتورة، كل ما ببص في وشه بشوف الحادثة.. وكل ما بيتكلم عن خوفي، بحس إنه بيخنـ.قني أكتر.
استمعت الطبيبة لـ جيهان بإنصات تام، وبعدما فرغت الأخيرة من إخراج كل ما في جعبتها من قهر، بدأت الطبيبة تتحدث بنبرة هادئة ولكنها تحمل قدراً كبيراً من الحزم والواقعية الطبية:
ـ بصي يا جيهان.. أنا مقدرة جداً وجعك، ومقدرة إن كلام يوسف ضغط على جرح قديم عندك، بس لازم نكون صرحا مع نفسنا علشان نقدر نعدي المرحلة دي. الحقيقة إن يوسف كان عنده حق في اللي قاله، بس هو غلط جداً في الطريقة.. اتكلم باندفاع، وبدل ما يحسسك بخوفه عليكي، حسسك بضعفك.
صمتت الطبيبة قليلاً لتراقب رد فعل جيهان التي بدأت ملامحها تتبدل للذهول، ثم أكملت الطبيبة بصدق:
ـ يا حبيبتي، إنتي لسه في مرحلة تعافي، ورجلك لسه محتاجة وقت ومجهود علشان ترجع لحركتها الطبيعية زي الأول، والسواقة محتاجة تحكم كامل وسريع بالرجل، ومخاطرتك دلوقتي ممكن تضرك فعلاً وتأذي رجلك أكتر. يوسف كان صح في المعلومة، بس خانته الطريقة.
بمجرد سماع جيهان لهذا التأكيد الطبي، انكسـ.رت ملامحها وشعرت بخيبة أمل مريرة، وعاد الحزن ليغيم على وجهها وكأنها سُجنت داخل عجزها من جديد. لاحظت الطبيبة هذا الانكسار، فاقتربت منها وأمسكت يدها بحنان وقالت بلهجة مشجعة:
ـ متزعليش من الحقيقة، بالعكس، دي خطوة للقدام.. إحنا مش هنلغي فكرة العربية خالص، بس هنعدل الخطة شوية. إيه رأيك نجيب العربية وتكون ملكك فعلاً علشان تحسي بخصوصيتك، بس يكون معاكي سواق خاص؟ السواق ده هيكون تحت أمرك إنتي وبناتك، تروحي وتيجي وقت ما تحبي من غير ما تطلبي من يوسف أو تامر أي حاجة.. كدة هتكوني حققتي استقلاليتك وحافظتي على سلامتك في نفس الوقت.
هدأت جيهان قليلاً وبدأت تستوعب الفكرة، ورغم أن غصة العجز عن القيادة لا تزال تؤلمها، إلا أن كلمات الطبيبة الحانية بدأت تمتص حدة الانهيار بداخلها.
بعدما أتمت الطبيبة حديثها مع جيهان، بدأت ملامح الأخيرة تتغير تدريجياً؛ حيث نجحت كلمات الطبيبة في امتصاص غضبها وتحويل شعورها بالعجز إلى عزيمة جديدة، ففكرة الاستقلال بوجود سائق خاص منحتها أملاً في استعادة حياتها دون الحاجة للجوء إلى يوسف.
أما في الخارج، فقد كان يوسف يقف أمام المنزل والضيق يكاد يفتك به، كان يروح ويجيء بقلق، ورفض الدخول إلى الشقة تماماً رغم أن الباب كان مفتوحاً؛ فقد أدرك أن وجوده في هذه اللحظة قد يشـ.عل الموقف ويزيد من انهيار جيهان.
وقفت كاميليا عند مدخل الباب، وعندما رأت وقفته تلك، لم تستطع كتمان غضبها أكثر من ذلك، فاقتربت منه وقالت بضيق وعتاب لاذع:
ـ إنت لسه واقف هنا يا يوسف؟ بجد مش عارفة أقولك إيه.. إنت معندكش وسط خالص؟ يعني يا تطلق وتسيبها وتمشي، يا لما تقرر ترجع تدمر اللي هي بتحاول تبنيه في شهور بكلمتين؟ إنت عارف جيهان تعبت قد إيه علشان بس تقدر تقف على رجلها؟ تقوم إنت في ثانية تفكرها بالحادثة وتكسر مجاديفها بالشكل ده؟
نظر يوسف للأرض بكسرة، ورد بنبرة مخنوقة:
ـ يا كاميليا مكنت أقصد أكسرها.. أنا بس خفت عليها، خفت تكرر اللي حصل زمان وتأذي نفسها وتأذي البنات.. أنا مش مستعد أخسرها تاني.
ردت كاميليا بحدة وهي تشيح بوجهها عنه:
ـ الخوف مش كدة يا يوسف.. الخوف إنك تسندها مش تقـ.ـطم وسطها بكلامك. جيهان دلوقتي جوه مع الدكتورة بسبب خوفك ده، ويا عالم هتطلع منه عاملة إزاي!
رغم أن كاميليا انتبهت للحزن الصادق في عيني يوسف، إلا أنها لم تضعف؛ فهي تعلم يقيناً أنه يخطئ في كل مرة، وفي كل مرة يفسد محاولات جيهان للتعافي باندفاعه وعدم تقديره لحالتها النفسية. تركت يوسف واقفاً في حزنه واتجهت إلى الداخل، وجلست في الصالة تراقب باب الغرفة بقلق وانتظار.
بعد وقت مرّ كأنه ساعات، انفتح الباب وخرجت الطبيبة بهدوء. وقفت كاميليا فوراً واتجهت نحوها، وسألتها بلهفة وقلق:
ـ طمنيني يا دكتورة.. جيهان عاملة إيه دلوقتي؟ لسه بتعيط؟
هزت الطبيبة رأسها بعلامة مطمئنة وقالت بصوت هادئ:
ـ هي أحسن بكتير دلوقتي.. قدرت أهديها، واتكلمنا في كل اللي واجعها. جيهان كانت محتاجة بس حد يسمعها من غير ما يهاجمها أو يحسسها بالعجز.
تابعت كاميليا بسؤال آخر:
ـ يعني خلاص هديت؟ ويوسف.. تحبي يكلمها ولا بلاش دلوقتي؟
ردت الطبيبة بجدية وهي تلملم حقيبتها:
ـ ياريت أستاذ يوسف يبعد تماماً النهاردة، لأن الكلام معاه لسه بيمثل ليها ضغط كبير. أنا اقترحت عليها حل وسط لموضوع العربية والسواقة، وهي بدأت تقتنع بيه، وده اللي رجع لها روحها شوية.
سألت كاميليا الطبيبة بلهفة:
ـ وإيه هو الحل ده يا دكتورة؟ المهم جيهان تكون مرتاحة.
ردت الطبيبة وهي تنظر باتجاه الباب:
ـ هو يوسف لسه بره؟
أجابتها كاميليا باختصار: 
ـ أيوة، مرضيش يدخل علشان ميزودش المشاكل.
فقالت الطبيبة بحزم: 
ـ تمام، يبقى نخرج نتكلم إحنا التلاتة بره، عشان الموضوع ده لازم يخلص النهاردة.
خرجت كاميليا مع الطبيبة إلى مدخل المنزل، وحين رآهما يوسف تخرجان معاً، اتجه نحوهما بسرعة والتمس في وجه الطبيبة أي بادرة طمأنينة. وبإشارة من الطبيبة، توجهوا جميعاً إلى حديقة المنزل ليتمكنوا من الحديث بخصوصية بعيداً عن مسمع جيهان.
وقف يوسف أمام الطبيبة وسألها بصوت متهدج:
ـ طمنيني يا دكتورة، جيهان هديت؟ أنا والله ما كان قصدي أزعلها، أنا بس خايف عليها.
نظرت إليه الطبيبة بجدية وقالت:
ـ جيهان هديت فعلاً، بس لازم تفهم إن طريقتك كانت غلط جداً. إنت ضغطت على جرح لسه ما لمش. أنا قعدت معاها ووصلنا لحل يرضي كل الأطراف، ويحمي جيهان وفي نفس الوقت يحسسها بكيانها.
سأل يوسف باهتمام: 
ـ حل إيه؟ أنا موافق على أي حاجة بس ترتاح.
قالت الطبيبة بهدوء:
ـ جيهان هتشتري العربية اللي هي عاوزاها، وده حقها علشان تحس إنها مش محتاجة مساعدة من حد.. بس في المقابل، إحنا اتفقنا إنها مش هتسوق بنفسها دلوقتي خالص، وهيكون فيه سواق خاص معاها، يوديها هي والبنات في كل مشاويرهم. كدة إنت هتكون مطمن عليها، وهي هتحس باستقلاليتها وبخصوصيتها في بيتها وعربيتها.
صمت يوسف لفترة، وبدا على وجهه الصراع بين غيرته الشديدة وبين رغبته في إرضاء جيهان وتجنب انهيارها مجدداً. كان يرفض في داخله فكرة وجود شخص غريب مع زوجته وبناته، لكنه أقنع نفسه بأن هذا السائق لن يظل طويلاً؛ فهو مجرد مرحلة مؤقتة حتى تستعيد جيهان عافيتها وتعود إليه في النهاية.
نظر يوسف إلى كاميليا وقال بنبرة هادئة يحاول فيها استعادة زمام الأمور:
ـ خلاص يا كاميليا، أنا موافق.. المهم جيهان ترتاح وما تنهارش تاني. أنا هعدي عليكم بكرة الصبح بإذن الله، ونروح المعرض سوا وننقي العربية اللي هي عاوزاها، ونشوف موضوع السواق ده كمان.
نظرت كاميليا إليه بقلق، وكانت تهمّ بالاعتراض خوفاً من أن يسبب وجوده غداً توتراً جديداً لجيهان، لكنها لمحت إشارة سريعة من الطبيبة تطالبها فيها بالموافقة لتجاوز هذه الأزمة وكسر حدة الجفاء. تنهدت كاميليا وقالت باختصار:
ـ ماشي يا يوسف، هستناك بكرة.. بس أرجوك، بلاش أي كلام يضايقها، خلي اليوم يعدي على خير.
ودعت الطبيبة كاميليا، ثم غادرت الحديقة برفقة يوسف الذي أصر على إيصالها تقديراً لموقفها. ركبا السيارة وتحركا، بينما عادت كاميليا إلى داخل المنزل وهي تشعر بحمل ثقيل فوق كتفيها، وتتساءل كيف سيكون لقاء الغد بين يوسف وجيهان في المعرض.
دخلت كاميليا الغرفة بخطوات مترددة، ووجدت جيهان مستلقية في فراشها بعينين تائهتين. اقتربت منها وقالت بصوت هادئ:
ـ يوسف كلمني، وقال إنه هيعدي علينا بكرة الصبح عشان نروح المعرض ونشتري العربية اللي اختارتيها.. والدكتورة شايفة إن ده أحسن حل دلوقتي.
لم تبدِ جيهان أي رد فعل؛ لم تغضب، لم ترفض، ولم تبتسم. ظلت ملامحها ساكنة كأنها لم تسمع شيئاً، أو كأن الأمر لم يعد يعنيها. نظرت إليها كاميليا بحزن شديد، وشعرت أن شقيقتها لم تنطفئ فحسب، بل انسحبت من الواقع تماماً. تركتها كاميليا واتجهت لغرفتها وهي تدعو الله أن يمر الغد بسلام.
بمجرد أن أُغلق الباب، أخرجت جيهان هاتفها بيد ترتجف، وبحثت عن تلك الألحان التي تلمس جرحها النازف. ملأت كلمات أم كلثوم أركان الغرفة، وكأنها مرثية لعلاقتها بيوسف:
فات الميعاد.. وبقينا بعاد بعاد.. والنار بقت دخان ورماد.. فات الميعاد.
تفيد بإيه يا ندم يا ندم.. وتعمل إيه يا عتاب؟
طالت ليالي ليالي الألم.. واتفرقوا الأحباب.
كانت جيهان تردد الكلمات بقلبها وهي تنظر إلى الفراغ. شعرت أن كل محاولات يوسف الآن ليست سوى رماد لنار أحرقت كل شيء جميل بينهما. صوته وهو يحذرها، ويده التي كانت تقود السيارة يوم الحادثة، كلها صور تجمعت لتؤكد لها حقيقة واحدة: أن العتاب لم يعد له مكان، وأن ما كُسر بينهما تجاوز قدرة قدرة أي معرض سيارات على إصلاحه.
سقطت دمعة وحيدة على شاشة الهاتف وهي تسمع: 
تعتب عليا ليه.. أنا بإديا إيه.. فات الميعاد.
استسلمت جيهان لثقل عينيها، بينما كانت الكلمات لا تزال تتردد في أرجاء الغرفة المظلمة، تنساب في أذنيها كأنها تحكي قصة انكسـ.ـارها هي:
ـ أنا وبس اللي اتحملت.. أنا وبس اللي اتألمت.. وأنت ماكنتش داري بحالي.
غفت جيهان والدموع لم تجف بعد على وسادتها، وصوت أم كلثوم يتهادى في خلفية أحلامها المزعجة، مؤكداً أن المسافات التي تفصلها عن يوسف أصبحت الآن أبعد من مجرد جدران وأبواب؛ لقد أصبحت مسافات من الرماد الذي خلفته نيران الخذلان والندم.
نامت وهي لا تدري كيف ستواجه وجهه في الصباح، ولا كيف ستتحمل الجلوس بجانبه في تلك السيارة التي تذكرها بكل ما فقدته.
❈-❈-❈
أشرقت شمس يوم جديد، لكنها لم تحمل معها الدفء لقلب جيهان. استيقظت بصمت، وارتدت ملابسها بآلية وكأنها مجرد جسد بلا روح. كانت كاميليا قد أعدت كل شيء، والتوتر يبدو واضحاً في حركتها السريعة داخل الشقة.
قطع الصمت صوت جرس الباب، لتنظر كاميليا إلى جيهان وتقول بنبرة محايدة:
ـ ده أكيد يوسف.. جاهزة يا جيهان؟
لم تجبها جيهان، بل اكتفت بهزة رأس خفيفة، وأخذت حقيبتها وتوجهت نحو الباب بخطوات بطيئة، مستعدة لمواجهة الميعاد الذي تمنت في سرها لو أنه فات للأبد.
نزلت جيهان بخطوات ثقيلة يرافقها صمت مطبق، تساندها كاميليا التي كانت تحاول جاهدة أن تبدو متماسكة رغم القلق الذي ينهش صدرها. كان يوسف يقف بجوار سيارته، وعيناه معلقتان بباب العمارة؛ وعندما ظهرت جيهان، تحرك لا إرادياً خطوة نحوها، لكنه لجم نفسه تذكراً لنصيحة الطبيبة.
ركبت جيهان في المقعد الخلفي بجوار شقيقتها، وتعمدت أن تشيح بوجهها نحو النافذة منذ اللحظة الأولى، غاضةً بصرها عنه تماماً، وكأنها تمحي وجوده من محيطها. انطلق يوسف بالسيارة، وكان الجو داخلها مشحوناً بتوتر يكاد يُسمع له صوت؛ صمتٌ ثقيل لا يقطعه إلا صوت أنفاسهم المكتومة. 
كان يوسف يختلس النظر إليها عبر المرآة بين الحين والآخر، يراقب شحوب وجهها وشرودها في الطريق، وكأنه يبحث عن ثغرة يعتذر منها، لكنه لم يجد سوى جدار من الجليد.
قطع يوسف الصمت بصوت منخفض متردد:
ـ أنا سألت وعرفت إن المعرض اللي رايحينه ده عنده تشكيلة كويسة أوي، وكلها موديلات السنة.. إن شاء الله تلاقي الحاجة اللي تريحك يا جيهان.
لم ترد جيهان، ولم تلتفت حتى، بل ظلت نظراتها معلقة بالخارج، تراقب الأشجار والسيارات المارة بآلية. شعرت كاميليا بضيق الموقف، فردت هي بدلاً عنها لكسر حدة الصمت:
ـ يا مسهل يا يوسف.. المهم بس يكون المكان مش زحمة علشان جيهان ما تتعبش من الوقفة.
رد يوسف وعيناه لا تزال تلاحق طيف جيهان في المرآة:
ـ متخافيش، أنا كلمت صاحب المعرض وحجز لنا ميعاد مخصوص، وهنقعد في المكتب وهما هيعرضوا علينا كل الموديلات المتاحة.
وصلوا إلى المعرض، وتوقف يوسف أمام الواجهة الزجاجية الضخمة التي تعكس أشعة الشمس. ترجل من السيارة وسارع لفتح الباب لجيهان، ماداً يده لمساعدتها، لكنها تجاهلت يده تماماً واتكأت على عكازها وعلى كتف كاميليا، ونزلت ببطء وهي تنظر للمكان بوجل، فالمعرض وزجاج السيارات اللامع أعاد لذهنها شريط الحادثة في لمح البصر.
وقفوا جميعاً أمام المدخل، فقال يوسف محاولاً التشجيع:
ـ إحنا وصلنا.. اتفضلي يا جيهان، ادخلي وشوفي اللي يعجبك، وأنا معاكي في أي قرار تاخديه.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (اسم الكاتبة)، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

2 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل