بيت الضراير - الفصل 39 | فاطمة الزهراء

تاريخ النشر: 24-5-2026



قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل التاسع والثلاثون

تم النشر الأحد 

24/5/2026


الفصل السابق


أومأت كاميليا برأسها بالموافقة وهي تخفض عينيها بخجل، فقفزت السعادة إلى قلب تامر الذي شعر أن حلمه بالزواج من الإنسانة التي أحبها طوال سنوات بات قاب قوسين أو أدنى. عادت كاميليا إلى الداخل، ولحق بها تامر والابتسامة لا تفارق وجهه.
قضوا وقتاً قصيراً قبل أن يحين موعد الرحيل لترك جيهان ترتاح مع بناتها. استعدت سميرة للمغادرة وأخبرت جيهان بودّ:
ـ أنا هجيلك تاني يا جيهان، مش هقطع عنك أبداً.. البيت نور بيكي بجد.
وقبل أن يخرجوا من باب المنزل، التفتت سميرة نحو تامر وكاميليا وهنأتهما بحرارة على خطوتهما القادمة، وسط مباركات ودعوات من القلب.
انطلق تامر وسميرة عائدين إلى منزل العائلة. وبمجرد دخولهم، وجدوا عدنان يجلس في الصالة، وكان بجانبه فارس ويوسف الذي كان يجلس على جمر من نار يترقب وصولهم.
انضم تامر وسميرة إلى الجلسة، وساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه يوسف بنظرته المتسائلة لتامر، بينما كان الحاج عدنان يراقب الجميع بهدوء، وكأنه يستعد لفتح الملفات التي أُغلقت طويلاً.
أشارت ندى بهدوء لـ سميرة لتلحق بها إلى المطبخ وتساعدها في إعداد القهوة؛ فقد كانت ندى تشعر بخجل شديد يسيطر عليها، خاصة مع إدراكها أن موعد زفافها أصبح وشيكاً جداً، ولم تكن تقوى على مواجهة نظرات الرجال في الصالة.
في الصالة، ساد صمت قطعته نبرة فارس الواثقة حين وجه حديثه للحاج عدنان قائلاً:
ـ يا عمي أنا بيتي خلاص بقى جاهز من كل شيء، وكنت حابب إننا نحدد ميعاد الفرح في أقرب وقت.. إيه رأي حضرتك؟
ابتسم عدنان له برضا، وفي تلك اللحظة اقتربت ندى بخطوات مرتبكة لتقدم القهوة، فأشار لها والدها عدنان بحنان أن تجلس بجواره، بينما استقرت سميرة في مقعدها بجانب يوسف.
تحدث عدنان بوقار وهدوء بعد أن ارتشف من قهوته:
ـ خير البر عاجله يا ولاد.. الفرح هيكون بعد أسبوعين إن شاء الله، وفي نفس اليوم ده هنكتب كتاب تامر وكاميليا، عشان تبقى الفرحة فرحتين والبيت كله يتملي سعادة.
نظر تامر لوالده بصدمة ممزوجة بفرحة عارمة، قلبه كان يدق بعنـ.ـف، لكن الخوف من رد فعل جيهان كان لا يزال يراوده؛ خشي أن تشعر أن الأمور تجري بسرعة وهي لم تتعافَ كلياً بعد. لمحه والده، فهز عدنان رأسه ببطء وطمأنينة، وكأنه يخبره أن كل شيء مدروس وأن جيهان ستكون راضية.
أما يوسف، فكان يجلس بجوار سميرة، وعيناه مثبتتان على الأرض. أسبوعان فقط.. هذه هي المهلة المتبقية له لكي يجد طريقاً لقلب جيهان قبل أن تنشغل العائلة بالأفراح، أو ربما هي الفرصة الأخيرة ليثبت لها أنه تغير فعلاً.
بينما كانت ندى تجلس بجوار والدها، والخجل يكسو وجهها، كانت تشعر بغصة داخلية؛ فهي سعيدة لفرحها، لكنها لا تستطيع نسيان نظرة جيهان لها، وتتمنى من كل قلبها أن تمر هذه الأسبوعين على خير دون أي تقلبات.
تعالت أصوات المباركات في الصالة، ونهض يوسف وتامر لمصافحة فارس وتهنئته، بينما كانت ندى تجلس بخجل شديد. وفي هذه اللحظة، لم تتمالك سميرة نفسها من الفرحة، فأطلقت زغرودة قوية تردد صداها في أرجاء المنزل، ثم ارتمت في حضن ندى وهي تبارك لها بحرارة.
تحدث يوسف بصدق وهو يصافح فارس:
ـ مبروك يا فارس، ندى أختنا وتستاهل كل خير، وإن شاء الله تعيشوا في سعادة.
رد فارس بابتسامة:
ـ الله يبارك فيك يا يوسف، وعقبال ما نفرح بيك إنت وجيهان قريب والنفوس تصفى.
أما تامر، فكانت السعادة تلمع في عينيه، فنظر لوالده وقال بمزاح:
ـ يعني يا بابا أسبوعين بالظبط؟ ده أنا كنت فاكرك هتقول شهر ولا اتنين، بس شكلك عاوز تجوزني وتخلص مني بسرعة!
ضحك الحاج عدنان وقوراً ورد عليه:
ـ يا واد إنت ما صدقت جيهان قالت الكلمة، وبعدين أسبوعين حلوين قوي يخلصوا فيهم كل حاجة، والبيت محتاج فرحة تلمه.
أمسكت سميرة يد ندى وقالت لها بحب:
ـ مبروك يا عروسة، من بكرة الصبح هننزل نلف ونخلص كل اللي ناقصك، ومتقلقيش أنا وجيهان وكاميليا مش هنسيبك خالص.
في هذه الأثناء، اقتربت نور بملامح جامدة وقالت بصوت خافت وهي تنظر لندى وتامر:
ـ مبروك يا ندى، مبروك يا تامر.. ربنا يتمم لكم على خير.
التف الجميع حول مائدة العشاء، وساد جو من الود والسعادة الظاهرة، بينما كان يوسف يشاركهم الطعام وهو يفكر في صمت؛ كيف سيمر هذا الأسبوعان وهو بعيد عن قلبه النابض هناك في منزل جيهان.
بعد انتهاء العشاء، انفض الجمع وكل منهم يحمل في صدره شعوراً مختلفاً؛ بين ندى وتامر اللذين غمرهما الفرح، وسميرة التي شعرت بالرضا، وبين نور التي كانت تغلي غيظاً وهي تلملم الأطباق في صمت. أما يوسف، فكان يشعر بحمل ثقيل فوق صدره، فاستأذن وذهب إلى غرفته هرباً من النظرات.
لحق به تامر ووجد باب الغرفة موارباً، فدخل وجلس بجواره على طرف الفراش، ونظر إليه بجدية ممزوجة بالإشفاق.
قال تامر بنبرة هادئة:
ـ يا يوسف، أنا عارف إنك مخنوق، بس اللي حصل النهاردة ده خطوة كبيرة.. إن جيهان تتقبل سميرة والبنات، ده معناه إن قلبها لسه فيه مكان للسماح.
تنهد يوسف بضيق ورد عليه:
ـ مكان للسماح لمين يا تامر؟ هي سألت عن الكل إلا أنا، حتى ندى وجابت سيرتها وفرحتها، وأنا كأني مش موجود في حياتها خالص.
هز تامر رأسه وقال محذراً:
ـ إنت عاوز إيه؟ عاوزها تنسى اللي حصل في يوم وليلة؟ جيهان لسه بتعاني يا يوسف، والكسرة اللي في قلبها مش هتروح بكلمتين. لازم تتحرك بحذر، والوضع ده مش هيصلح في يوم واحد.. الصبر أهم حاجة دلوقتي.
أكمل تامر وهو يضع يده على كتف أخيه:
ـ لازم تتقبل حالتها، وتفهم إن رد فعلها ده طبيعي لواحدة حست إنها كانت لوحدها في وقت شدتها. ابدأ معاها واحدة واحدة، ومن غير ضغط.. هي دلوقتي في بيت أهلها، وده أمانها، سيبها ترتاح وبعدين فكر هتدخل لها منين.
سكت يوسف للحظات وكأنه يستوعب نصيحة أخيه، ثم سأل بصوت خافت:
ـ تفتكر أسبوعين كفاية علشان اخليها تبص في وشي يوم الفرح؟
رد تامر بابتسامة غامضة:
ـ الأسبوعين دول ممكن يغيروا حاجات كتير، المهم إنت هتعمل فيهم إيه.. وبلاش تتهور يا يوسف، جيهان دلوقتي مش زي زمان.
أومأ يوسف برأسه ببطء، وعلامات الإرهاق والهم بادية على وجهه. وقبل أن يخرج تامر من الغرفة، التفت لأخيه وقال له بنبرة تحذيرية أخيرة:
ـ يوسف.. نصيحة تانية، بلاش تفتح سيرة أي حاجة تخص جيهان أو خططك ليها قدام زوجاتك. إنت عارف إن الوضع مش مستقر، وغيرة الستات ممكن تخرب الدنيا وتزود العقدة، وإحنا مش ناقصين تعقيد أكتر ما هي متعقدة.
تنهد يوسف ورد بضيق:
ـ عندك حق يا تامر.. سميرة ونور لو حسوا بأي حاجة، الدنيا هتقوم مش هتقعد. أنا هحاول أداري على قد ما أقدر لحد ما أشوف جيهان هتعمل إيه.
هز تامر رأسه بالموافقة وقال:
ـ الصح.. خلي خطواتك في صمت. تصبح على خير.
غادر تامر الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركاً يوسف وحيداً يصارع أفكاره. استلقى يوسف على فراشه وهو يفكر في كلام أخيه؛ فالحمل أصبح ثقيلاً، والسرية الآن أصبحت جزءاً من معركته لاستعادة جيهان، خوفاً من أن تفسد غيرة سميرة أو كيد نور ما يحاول إصلاحه.
❈-❈-❈
في منزل جيهان، كان الهدوء يسيطر على الأرجاء، بينما كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل برفق من بين الستائر لتداعب وجوه الصغيرات النائمات في حضن والدتهن. استيقظت جيهان وظلت تتأمل ملامحهن بدموع محبوسة، تشعر وكأنها تستعيد روحها التي فُقدت في ممرات المركز الطبي.
دخلت كاميليا الغرفة بهدوء، وحاولت أن تحمل إحدى البنات لتنقلها إلى غرفتها المخصصة كي ترتاح جيهان، لكن جيهان تمسكت بيد ابنتها وهزت رأسها بالرفض وقالت بنبرة حانية:
ـ سيبيهم يا كاميليا.. خليهم في حضني. أنا عاوزة أعوض كل لحظة ضاعت مني بعيد عنهم، حاسة إني كنت ميتة وصحيت بيهم.
جلست كاميليا على طرف الفراش، ونظرت لشقيقتها بتمعن؛ كانت ترى القوة تعود لوجهها تدريجياً، لكنها كانت تخشى من الغموض الذي يحيط بموقف جيهان من يوسف. قررت كاميليا أن تجس النبض، لتعرف إن كان هناك أمل في الغفران أم أن الباب قد أُغلق تماماً.
قالت كاميليا بحذر وهي ترتب غطاء السرير:
ـ جيهان.. يوسف مكنش بيبطل سؤال عنك طول ما كنتِ في المستشفى، وكان بيكلم تامر ليل نهار علشان يطمن على كل خطوة في علاجك. أنا عارفة إن اللي حصل مش قليل، بس تامر بيحلف إنه ندمان بجد، ونفسه بس تديله فرصة يعتذر.
تغيرت ملامح جيهان وساد صمت ثقيل، ثم نظرت لكاميليا وقالت بجمود:
ـ يسأل أو ميسألش، مفرقش معايا كتير يا كاميليا. الندم ده سهل أوي يتقال باللسان، بس الوجع اللي عشته لوحدي مالوش علاج. يوسف بالنسبة لي دلوقتي هو أبو البنات اللي نايمين جنبي دول، غير كدة مالوش مكان في حساباتي.. مفيش داعي نفتح السيرة دي دلوقتي، أنا لسه بحاول أقف على رجلي.
أدركت كاميليا أن جيهان وضعت جداراً عازلاً حول قلبها، وأن محاولة إقناعها الآن قد تأتي بنتيجة عكسية.
وفي تلك اللحظة، قطع صمتهم صوت جرس الباب يعلن عن وصول زائر في وقت مبكر.
كان الطارق هو الحاج عدنان ومعه ابنه تامر، اللذان قررا الذهاب مبكراً لمنزل جيهان ليضعا النقاط على الحروف بخصوص الترتيبات القادمة. فتحت لهما كاميليا الباب بابتسامة ترحيب، ودعتهما للدخول إلى الصالة بينما خرجت جيهان من غرفتها بعدما تأكدت من نوم بناتها.
جلس الحاج عدنان بوقاره المعتاد، ونظر لجيهان وكاميليا بتقدير، ثم بدأ حديثه:
ـ يا بنتي، إحنا جينا النهاردة علشان نبلغكم بقراراتنا ونسمع رأيكم. البيت هنا محتاج فرحة تلمه من تاني، وعلشان كدة قررنا إن فرح ندى وفارس يكون بعد أسبوعين إن شاء الله.
التفت تامر نحو كاميليا وهو يشعر ببعض التوتر والترقب، ليكمل والده الحديث:
ـ وقلنا بالمرة يا كاميليا، نكتب كتابك إنتي وتامر في نفس الليلة.. إيه رأيكم في الميعاد ده؟ ولا عندكم رأي تاني؟
نظرت جيهان إلى كاميليا التي بدا عليها الخجل، ثم وجهت بصرها نحو الحاج عدنان وقالت بهدوء:
ـ ألف مبروك لندى، هي تستاهل كل خير وربنا يتمم لها على خير يا حاج.. وبالنسبة لكاميليا وتامر، الميعاد مناسب جداً، ومفيش داعي للتأجيل أكتر من كدة.. المهم يكونوا هما الاتنين مستعدين.
ابتسم تامر بارتياح كبير ونظر لكاميليا قائلاً:
ـ أنا عن نفسي مستعد من زمان يا جيهان، ومستني اللحظة دي بفارغ الصبر.. بس كان يهمني أوي إنك تكوني موجودة وسطينا وإنتي في أحسن حال علشان الفرحة تكمل بجد.
ردت كاميليا بصوت خافت وهي تنظر للأرض:
ـ اللي تشوفه يا عمي.. المهم جيهان تكون مرتاحة، وأنا موافقة على اللي تقرروه.
ساد جو من الهدوء الممزوج بالراحة، لكن عين الحاج عدنان كانت تراقب جيهان بدقة؛ فهو يعلم أن خلف هذا الهدوء جبالاً من الأسى، وأن يوسف الذي لم يأتِ معهما يترقب بالخارج أي إشارة خضراء منها.
نظرت جيهان بجدية للحاج عدنان وقالت:
ـ يا عمي ندى فرحها في ميعاده بعد أسبوعين ومبروك عليها، وممكن نكتب كتاب تامر وكاميليا في نفس اليوم.. لكن الفرح والجواز يكون بعد شهر، علشان كاميليا تلحق تخلص أغراضها وتجهز على مهلها.
رحب عدنان وتامر بالاقتراح فوراً، وقال تامر بابتسامة:
ـ ده أنسب حل يا جيهان، وكدة كدة البيت جاهز ومستني العروسة بس، والشهر ده هيعدي هوا في التجهيزات.
أصرت جيهان عليهم بتناول الإفطار، فوافق الحاج عدنان لكي لا يتركهم وحدهم في هذا الصباح، وبينما هم جالسون، وجه كلامه لكاميليا بحزم وكرم:
ـ يا كاميليا يا بنتي، أنا متكفل بكل شيء ناقصك في جهازك، أي حاجة تعوزيها بلغي تامر فوراً وماتشيليدش هم قرش واحد.
هنا شعرت جيهان بحرج شديد وساد الصمت للحظة، فنظرت للحاج عدنان وقالت بعزة نفس حاولت إخفاءها:
ـ تسلم يا عمي ده كرم منك وإحنا عارفين قيمتك.. بس إن شاء الله إحنا مرتبين أمورنا، وكاميليا هتدخل بيتها وهي مش ناقصها حاجة من خير أبوها الله يرحمه ومن اللي ربنا قدرنا عليه.
حاول تامر التدخل لتهدئة شعور جيهان بالحرج، فنظر إليها وقال:
ـ يا جيهان، بابا ميعتبرش غريب، ده في مقام والدكم، وبعدين إحنا عيلة واحدة دلوقتي.. بلاش الحساسية دي بينا.
شكرته جيهان بابتسامة باهتة، لكن بداخلها كانت تقرر ألا تأخذ من عائلة يوسف قرشاً واحداً في جهاز أختها، لكي لا يكون لأي منهم فضل عليها في ظل هذه الظروف المتوترة.
وافقت جيهان على مضض في موضوع الجهاز لكي لا تُفسد الجلسة، ثم قامت لتحضير الإفطار بمساعدة كاميليا. وبينما كانوا يتناولون الطعام في جو سادته المودة، قررت جيهان أن تأخذ خطوة تعزز بها استقلاليتها في الفترة القادمة.
نظرت جيهان إلى تامر وقالت بهدوء:
ـ بقولك يا تامر، بما إنك خبير في العربيات، كنت عاوزاك تساعدني أختار عربية كويسة أجيبها.. الفترة الجاية هبقى محتاجة أتحرك كتير علشان جهاز كاميليا وعلشان بناتي، ومش حابة أكون تقيلة على حد أو أشغل حد بمشاويري.
تفاجأ تامر بطلبها، لكنه شعر بتقدير شديد لرغبتها في الاعتماد على نفسها، فرد عليها بترحيب:
ـ من عينيا يا جيهان، دي أحسن فكرة قولتيها.. العربية هترحيكم جداً وتديكي حرية في الحركة. أنا هخلص شغلي النهاردة، وعلى المغرب كدة هعدي عليكي ونروح معرض كبير لواحد صاحبي، وننقي أحسن عربية تناسبك.
ابتسم عدنان وهو يرى قوة جيهان تعود إليها تدريجياً، وقال:
ًـ عين العقل يا بنتي، العربية دلوقتي بقت ضرورة مش رفاهية، وتامر هينقي لك حاجة تكون مريحة وأمان ليكي وللبنات.
جيهان شكرت تامر، وهي تشعر بداخلها براحة لأنها لن تضطر لانتظار يوسف أو طلب المساعدة منه في تحركاتها القادمة. لكنها كانت تعلم في نفس الوقت أن خبر شرائها لسيارة وذهابها مع تامر سيصل إلى يوسف بالتأكيد.

بعدما انتهى الجميع من تناول الإفطار في جوٍ هادئ شابهُ بعض التوتر، استأذن الحاج عدنان وابنه تامر للمغادرة. ودّعتهما جيهان بوقار، بينما كانت كاميليا تراقبهما بابتسامة خجولة حتى اختفيا عن الأنظار.
عاد عدنان وتامر إلى منزلهما، وبمجرد دخولهما، وجدا يوسف جالساً في الصالة، وعيناه تلمعان بقلقٍ لا يخفى على أحد. قام يوسف من مكانه بسرعة وسأل تامر بلهفة:
ـ ها يا تامر.. طمني، جيهان عاملة إيه؟ ووافقت على ميعاد الفرح؟
تنهد تامر وهو يلقي بمفاتيح سيارته على الطاولة وقال:
ـ الحمد لله يا يوسف، جيهان أحسن بكتير، ووافقت على ميعاد فرح ندى وكتب كتابي بعد أسبوعين.. بس هي اقترحت إن فرحي أنا وكاميليا يتأجل شهر علشان يلحقوا يجهزوا براحتهم، وبابا وافق.
صمت يوسف قليلاً، وشعر بغصة لأن الشهر يبدو دهراً بالنسبة له، لكن تامر أكمل بلهجة عفوية:
ـ آه، وكمان طلبت مني طلب غريب شوية.. قالت لي أعدي عليها المغرب أوديها معرض عربيات، عاوزة تشتري عربية عشان مشاويرها هي والبنات، وبتقول مش عاوزة تشغل حد بطلباتها.
هنا تجمدت ملامح يوسف، واحتقن وجهه بالدماء، وصاح بغضبٍ مكتوم:
ـ عربية إيه يا تامر؟ إنت اتجننت؟ إنت ناسي رجلها؟ جيهان لسه بتعاني في مشيتها، إزاي هتقدر تتحكم في دواسات ولا تسوق؟ دي مخاطرة بحياتها وحياة بناتي.. أنا مش موافق على الهبل ده!
حاول تامر تهدئته قائلاً:
ـ يا يوسف هي عاوزة تحس باستقلاليتها، وأنا وعدتها إني هوديها..
قاطعه يوسف بحدة:
ـ مفيش وعود! لا إنت هتروح ولا هي هتركب عربيات.. أنا اللي هروحلها دلوقتي، وأنا اللي هفهمها إن ده انتـ.ـحار مش استقلالية.
خرجت جيهان وهي ترتدي ملابس الخروج، تقف بانتظار تامر وهي تتوكأ على ساقها بحذر، لكنها فوجئت بسيارة يوسف هي التي تقف أمام الباب. ترجل يوسف من السيارة وعلامات الخوف والصرامة ترتسم على وجهه، واقترب منها قائلاً دون مقدمات:
ـ تامر حكالي على موضوع العربية.. يا جيهان إنتي لسه تعبانة، ورجلك مش هتحملك، وأنا مش هسمح ليكي تخاطري بنفسك وتضيعي كل اللي عملناه في شهور العلاج.. أي مشوار تعوزيه أنا موجود، وتحت أمرك، لكن سواقة مفيش.
نظرت جيهان إلى السيارة الواقفة خلفه، وفجأة، شعرت ببرودة تسري في جسدها. عاد شريط الحادثة يمر أمام عينيها ككابوس حي. صوت ارتطام المعدن، والرعب الذي شلّ حركتها في هذا اليوم المشؤوم.
بدأت أنفاسها تتسارع وارتجفت يداها بقوة، فلاحظ يوسف شحوب وجهها واقترب منها بذعر محاولاً إسنادها: 
ـ جيهان.. مالك؟ في إيه؟
انتفضت جيهان وكأن لمسته نار، وصرخت بانهيار هزّ أركان المكان:
ـ إنت جاي تخاف عليا من السواقة يا يوسف؟ إنت بالذات ملكش حق تنطق! إنت ناسي إن حياتي وقفت بسبب السواقة؟ ناسي إنك إنت اللي كنت سايق اليوم ده وإنت السبب في كل اللي جرى لي؟ إنت اللي كسـ.ـرتني وكسـ.ـرت فرحتي، ودلوقتي جاي تعمل خايف عليا؟ أنا مش عاوزة زفت، أنا عاوزة سنيني اللي ضاعت، وعاوزة رجلي اللي مبقتش عارفة أمشي بيها زيك! ابعد عني يا يوسف.. امشي مش عاوزة أشوف وشك!
سقطت جيهان على الأرض وهي تحتضن ساقها المصابة وتبكي بهستيريا، بينما وقف يوسف متسمراً في مكانه، ينهشه الندم وهو يرى أثر ذنب الماضي يتجسد أمامه في صرخة زوجته المقهورة.
كانت كاميليا تراقب المشهد من نافذة غرفتها بقلبٍ منبض، وما إن رأت شقيقتها تنهار وتسقط على الأرض حتى ركضت إلى الخارج بسرعة البرق.
اندفعت كاميليا نحو جيهان وضمتها إلى صدرها بقوة وهي تحاول تهدئة شهقاتها التي كانت تمزق الصمت، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى يوسف بغضبٍ شديد وعينين تشتعلان شرراً، وكأنها تحمله مسؤولية كل دمعة تذرفها أختها الآن. لم تنطق بكلمة واحدة معه، بل اكتفت بتلك النظرة التي كانت أقسى من أي عتاب، ثم أسندت جيهان بحنان وساعدتها على الوقوف، واتجهت بها إلى داخل المنزل وأغلقت الباب خلفهما بقوة.
وقف يوسف وحيداً في الشارع، يحدق في الباب المغلق والأرض التي كانت تبكي عليها جيهان قبل لحظات. ركب سيارته وهو يشعر بضيق شديد يكتم أنفاسه؛ فقد كان يظن أن خوفه عليها سيقربهما، لكنه أدرك الآن بمرارة أن كل كلمة قالها كانت تفتح جرح الماضي الذي لم يندمل بعد.
شعر يوسف بخيبة أمل قاتلة؛ فبدلاً من أن يبدأ الأسبوعين بمحاولات الصلح، زادت الفجوة بينه وبين جيهان من جديد، وأصبحت العودة تبدو أصعب وأبعد مما كانت عليه قبل دقائق.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

2 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل