بيت الضراير - الفصل 41 | فاطمة الزهراء

تاريخ النشر: 31-5-2026



قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الواحد والأربعون

تم النشر الأحد 

31/5/2026


الفصل السابق

 
دخلت جيهان المعرض بخطوات مترددة، وعيناها تتجولان بين هياكل السيارات اللامعة التي كانت تعكس الضوء بحدة أزعجت بصرها. لم يخطر ببالها يوماً أن تعود لشراء سيارة في هذه الظروف، وهي التي كانت بالأمس القريب تقود حياتها بكل انطلاق. شعرت بغصة في حلقها، وتمنت في سرها لو كان تامر معهم؛ فهي تثق في رأيه وتستطيع الحديث معه باريحية ودون حسابات، بعيداً عن التوتر الذي يفرضه وجود يوسف.
استقبلهم صاحب المعرض بترحاب حار، وقادهم إلى مكتبه الفاخر ليوفر لجيهان الراحة. جلسوا جميعاً، فوضع صاحب المعرض كتالوجات الموديلات الحديثة أمامهم على الطاولة وقال بابتسامة:
ـ نورتونا يا جماعة.. دي أحدث الموديلات اللي نزلت، وكلها فيها أعلى سبل الأمان والرفاهية. اتفضلي يا مدام جيهان، اتفرجي براحتك.
كانت جيهان تنظر إلى الصور بذهن مشتت، فهي لا تفقه الكثير عن الموديلات والمواصفات الفنية، مما زاد من شعورها بالارتباك. لاحظ يوسف حيرتها، فتنحنح بهدوء وقال بصوت يحمل نبرة اعتذار مكتومة:
ـ بصي يا جيهان.. أنا عارف إن تامر كان نفسه يجي، بس هو انشغل فجأة. أنا ممكن أشرح لك الفروق بين العربيات دي، أو لو تحبي نركز على الموديلات اللي السواقة فيها مريحة ومناسبة لمشاويرك إنتي والبنات.
لم تنظر جيهان إليه، بل سحبت أحد الكتالوجات وقالت بصوت منخفض وهي توجه كلامها لكاميليا:
ـ أنا مش فاهمة الفرق بين الموديلات دي يا كاميليا.. أنا كنت عاوزة حاجة سهلة، ومش فارق معايا الإمكانيات المعقدة دي، المهم تكون مريحة وخلاص.
تدخلت كاميليا محاولة تلطيف الأجواء وهي تمسد على كتف شقيقتها:
ـ ولا يهمك يا حبيبتي، إحنا معاكي وهنفهم كل حاجة. إيه رأيك نشوف العربيات العالية شوية عن الأرض عشان تكون مريحة في الركوب والنزول ليكي؟
يوسف كان يراقبها بلهفة، يتمنى لو تطلب رأيه أو تنظر إليه، لكنه قرر أن يظل هادئاً كما وعد الطبيبة، وقال لصاحب المعرض:
ـ يا ريت تورينا الموديلات اللي فيها أنظمة أمان متطورة، وكمان اللي مساحتها واسعة من جوه.
نظرت جيهان إلى الصور الملونة في الكتالوج بنظرة باهتة، ثم دفعته بعيداً عنها قليلاً وهي تتنفس بضيق، وكأن الورق نفسه يذكرها بقلة حيلتها. التفتت إلى كاميليا وقالت بنبرة حاولت أن تبدو متماسكة لكنها كانت محملة بمرارة واضحة:
ـ بصي يا كاميليا.. أنا مش فارق معايا الموديل ولا السرعة ولا كل التفاصيل دي. اختاري إنتي مع صاحب المعرض أي حاجة تكون مريحة وواسعة من جوه وخلاص.. أنا في الآخر مش هعرف أسوقها، وهيكون معايا سواق خاص هو اللي هيتحمل مسؤولية الطريق.
وقع كلمات جيهان على يوسف كان كالصاعقة؛ فجملة "مش هعرف أسوقها" التي نطقت بها ببرود، كانت تذكره في كل ثانية بجرمه في حقها. خفض يوسف رأسه، وشعر بطـ.عنة في كبريائه، لكنه لم ينطق بكلمة، بل ظل يفرك يديه بتوتر وهو يستمع لصوتها الذي خلا من أي شغف.
أكملت جيهان وهي تشيح بنظرها عن الجميع:
ـ المهم عندي إنها تكون عربية بتتحرك وبتقضي الغرض، علشان مشاوير البنات وعلشان أحس إني مش محبوسة.. أكتر من كدة مش عاوزة.
ساد الصمت في المكتب للحظات، حتى قطعه صاحب المعرض الذي حاول تدارك الموقف المهني قائلاً:
ـ طبعاً يا فندم، حقك.. إحنا عندنا موديلات ممتازة بتركيز كامل على رفاهية الكنب الخلفي والمساحة، عشان اللي هيركب ورا يحس بقمة الراحة، وده فعلاً أنسب اختيار لحضرتك.
نظرت كاميليا ليوسف بطرف عينها، فوجدته غارقاً في صمته، فقررت هي تولي زمام الأمور وقالت لصاحب المعرض:
ـ خلاص، ورينا الموديلات اللي بتوفر الراحة دي، وتكون سهلة في الدخول والخروج عشان رجل جيهان.
بدأت كاميليا تتبادل أطراف الحديث مع يوسف وصاحب المعرض بصوت منخفض، محاولةً موازنة الأمور بين ما يراه يوسف مناسباً كأمان وقوة، وبين ما تحتاجه جيهان كراحة وهدوء. وبعد مشاورات فنية لم تشارك فيها جيهان سوى بالصمت، وقع اختيارهم على سيارة دفع رباعي فارهة، تتميز باتساعها الاستثنائي من الداخل وسهولة الولوج إلى مقاعدها.
نهض الجميع واتجهوا نحو بهو المعرض الفسيح حيث كانت السيارة تقف في المنتصف، تلمع تحت الأضواء المسلطة عليها كأنها قطعة من الألماس. وقفت جيهان أمامها، وسندت بيدها على عكازها، ونظرت إلى هيكلها الضخم بهدوء غريب؛ لم تكن نظرة انبهار، بل كانت نظرة استسلام لواقع جديد، واقع ستكون فيه مجرد راكبة في المقعد الخلفي.
مررت جيهان يدها على باب السيارة ببطء، ثم التفتت إلى صاحب المعرض وسألت بنبرة محايدة جافة:
ـ هي دي سعرها كام؟
قبل أن ينطق صاحب المعرض، سارع يوسف بالرد وهو يقترب منها خطوة، محاولاً استعادة دوره كزوج مسؤول:
ـ السعر مش مهم يا جيهان.. المهم إنها مريحة ليكي وتكوني راضية عنها. أنا هخلص كل الإجراءات دلوقتي، والفلوس جاهزة.
لم تلتفت جيهان إليه، بل ظلت نظراتها معلقة بصاحب المعرض وكأنها لم تسمع صوت يوسف، وقالت بتصميم:
ـ أنا سألت حضرتك هي سعرها كام؟ علشان أكتب الشيك دلوقتي.. أنا اللي هشتري العربية دي من مالي الخاص.
ساد ارتباك واضح على وجه صاحب المعرض، وتجمدت ملامح يوسف الذي شعر بإهانة بالغة أمام الغريب؛ فإصرار جيهان على الدفع بنفسها هو إعلان رسمي عن استقلالها التام عنه، ورسالة واضحة بأنها لا تريد منه جميلاً في تعافيها.
نظرت كاميليا إلى يوسف بحزن، فهي تعلم أن جيهان بداخلها بر.كان لن يطفئه سوى هذا الشعور بالاستقلال، فقالت محاولة تهدئة الموقف:
ـ يا جيهان، مش فارقة مين يدفع، المهم إننا استقرينا على الموديل..
قطعتها جيهان بحزم وهي تخرج دفتر شيكاتها من حقيبتها:
ـ لا فارقة يا كاميليا.. العربية دي هي اللي هترجع لي حريتي، ولازم تكون بفلوسي أنا.
كتم يوسف غيظه بصعوبة، وشعر بمرارة تفوق الوصف وهي ترفض ماله، لكن صورة الطبيبة وحديثها عن ضرورة استعادة جيهان لنفسها لاحا أمام عينيه ككابح لجماحه. تراجع خطوة للخلف وأومأ برأسه لصاحب المعرض الذي تنفس الصعداء وأخبرهم بالسعر.
أخرجت جيهان قلمها، وبيدٍ لم تهتز، وقعت الشيك وسلمته له، ثم دخلوا جميعاً المكتب لإنهاء الأوراق الرسمية. أخبرهم صاحب المعرض بابتسامة عملية:
ـ ألف مبروك يا مدام، الإجراءات هتخلص النهاردة والعربية هتكون قدام البيت بالليل إن شاء الله.
خرجوا من المعرض كما دخلوا، صمت يغلفه الثبات من جهة جيهان، والكسرة من جهة يوسف. ركبوا سيارته، ولكن قبل أن يتحرك، التفت إليهم وقال باختصار:
ـ ثانية واحدة، نسيت حاجة في المكتب وراجع.
نزل يوسف واتجه مسرعاً للداخل، طلب مقابلة صاحب المعرض على انفراد، وبنبرة لا تقبل الجدل قال له:
ـ الشيك ده يفضل معاك وما يتصرفش.. أنا هحول لك المبلغ كامل دلوقتي حالا من حسابي، والشيك ده يرجع ليا.
تعجب صاحب المعرض لكنه وافق أمام إصرار يوسف ودفع المبلغ الفوري. وضع يوسف الشيك في جيبه، وشعر براحة طفيفة؛ فهو لن يسمح بأن تشتري جيهان حريتها بمالها وهو موجود، حتى وإن لم تعرف هي ذلك الآن. عاد للسيارة وركب خلف المقود، وانطلق بهم نحو المنزل دون أن ينطق بكلمة، مكتفياً بالنظر للطريق بينما كانت جيهان لا تزال تنظر من النافذة، غير مدركة أن شيك استقلالها بات في جيب زوجها.
وصلوا إلى المنزل، وترجلت جيهان وساندتها كاميليا، وقبل أن تغلق كاميليا باب السيارة، قال يوسف بنبرة هادئة:
ـ العربية هتوصل بكرة الصبح يا كاميليا.. وطمني جيهان إن كل حاجة تمام.
أغلقت جيهان باب غرفتها عليها، وكأنها تغلق الباب على العالم أجمع. جلست على طرف فراشها، تنظر إلى يدها التي وقعت بها الشيك منذ قليل، شعرت بنصر زائف وقوة هشة، لكن بداخلها كان هناك صوت يئن من التعب. أخرجت هاتفها، وكأنها تبحث عن مواساة في كلمات أم كلثوم، لتنساب ألحان أغنية "إسأل روحك" وتعبر عن كل ما عجز لسانها عن قوله ليوسف في المعرض:
إسأل روحك.. إسأل قلبك.. قبل ما تسأل إيه غيرني؟
أنا غيرني عذابي في حبك.. بعد ما كان أملي مصبرني..
غدرك بيا أثر فيا.. واتغيرت شوية شوية..
كانت الكلمات تلمس تلك الفجوة التي كبرت بينهما؛ فلم يعد الأمر يتعلق بحادثة أو سيارة، بل بتراكم الخذلان الذي غير طبيعتها الرقيقة وجعلها بهذا الجمود.
على الجانب الآخر، كانت كاميليا في غرفتها تبدل ثيابها، والارتباك لا يزال يسيطر عليها. كانت تفكر في نظرات يوسف وفي إصرار جيهان، وشعرت أن هذه السيارة ليست مجرد وسيلة مواصلات، بل هي بداية فصل جديد غامض في حياة شقيقتها. تنهدت كاميليا وهي تربط شعرها، ثم اتجهت للمطبخ لتبدأ في تحضير الطعام؛ فبنات جيهان سيعودن قريباً من منزل جدهن عدنان بعد انتهاء يومهن الدراسي، وهي تعلم أن وجود الصغيرات هو الوحيد الكفيل بكسر هذا الصمت الجنائزي الذي يخيم على الشقة.
بينما كانت رائحة الطعام تبدأ في الانتشار، كانت كاميليا تراجع في ذهنها: 
ـ يا ترى يوسف ناوي على إيه؟ وهل جيهان فعلاً هتقدر تتعايش مع فكرة السواق ده؟
كانت كاميليا تقف في المطبخ، غارقة في أفكارها وهي تقلب الطعام بآلية، حين اخترق هدوء الشقة صوت طرقات مألوفة على الباب. جففت يدها بسرعة واتجهت نحو الباب، وما إن فتحته حتى وجدت تامر يقف بابتسامته الهادئة، ومن خلفه قفزت بنات جيهان بلهفة وهن ينادين "ماما.. ماما!".
دخلت البنات ركضاً نحو غرفة والدتهن، فالتفتت كاميليا لتامر وقالت بصوت منخفض:
ـ ادخل يا تامر، لسه راجعين من المعرض حالا.
دخل تامر وجلس في الصالة، وبدت عليه علامات الفضول وهو يسأل:
ـ ها.. طمنيني، إيه اللي حصل؟ يوسف قالي إنكم رحتوا تشتروا العربية.. جيهان وافقت؟
تنهدت كاميليا وجلست أمامه، وقالت بنبرة يملؤها التعجب:
ـ حصلت حاجات غريبة يا تامر.. جيهان كانت زي اللي ماشية في نومها، باردة تماماً ورافضة حتى تبص ليوسف. والمفاجأة إنها أصرت تدفع تمن العربية من مالها الخاص، وطلعت دفتر الشيكات ومضت شيك قدام صاحب المعرض.. كانت عاوزة تثبت ليوسف إنها مش محتاجة منه حاجة.
اتسعت عينا تامر من الدهشة، وسأل بسرعة:
ـ ويوسف؟ عمل إيه؟ أكيد قلب الدنيا، ده يوسف ومستحيل يقبل حركة زي دي!
هزت كاميليا رأسها بحيرة وقالت:
ـ ده اللي جنني.. يوسف سكت خالص، وما نطقش ولا كلمة اعتراض! بس قبل ما نتحرك من المعرض، سابنا في العربية ورجع دخل المكتب تاني بحجة إنه نسي حاجة.. وخرج ملامحه متغيرة بس هادي زيادة عن اللزوم.
صمت تامر لثوانٍ، وبدأ يفرك ذقنه بتفكير عميق، ثم قال بنبرة واثقة:
ـ سكوت يوسف ده وراه سر يا كاميليا.. أنا عارف أخويا كويس، يوسف مبيسلمش بالساهل، وخصوصاً في موضوع الكرامة والمصاريف ده. أكيد مرتب لشيء أو عمل حاجة من وراها جوه المكتب.. أنا هروح له دلوقتي البيت وأعرف منه الحكاية بالظبط.
غادر تامر الشقة وفي عقله ألف سؤال وسؤال، بينما أغلقت كاميليا الباب خلفه وتنهدت بعمق، محاولةً استجماع شتات نفسها من أجل الصغيرات. وضعت العشاء على الطاولة، ونادت جيهان والبنات؛ ساد هدوء شديد على مائدة الطعام، لم يقطعه سوى ثرثرة البنات البريئة عن يومهن الدراسي، بينما كانت جيهان تأكل بآلية، وعيناها غارقتان في شرود بعيد، وكأنها جسد بلا روح يجلس وسطهم.
❈-❈-❈
على الجانب الآخر، وصل تامر إلى منزل والده عدنان، وبمجرد دخوله سأل بصوت يحمل نبرة استعجال:
ـ يوسف فين يا جماعة؟ رجع ولا لسه؟
خرجت سميرة من الصالة وقالت بنبرة هادئة:
ـ أهلاً يا تامر.. يوسف موجود جوه في المكتب، ومن ساعة ما جه وهو قفل على نفسه ومحبوس هناك، حتى مرضيش يخرج يتغدى معانا.
أومأ تامر برأسه في صمت، واتجه مباشرةً نحو غرفة المكتب. وقف أمام الباب لثانية، يستنشق نفساً عميقاً قبل المواجهة، ثم طرق الباب مرتين ودخل دون أن ينتظر الرد.
وجد يوسف جالساً خلف المكتب، الإضاءة خافتة، وأمامه بعض الأوراق، لكن نظراته كانت تائهة في الفراغ. رفع يوسف رأسه ببطء حين رأى أخاه، ولم ينطق بكلمة.
أغلق تامر الباب خلفه وجلس على المقعد المقابل ليوسف، وقال بلهجة مباشرة:
ـ أنا لسه جاي من عند جيهان.. وكاميليا حكت لي كل اللي حصل في المعرض يا يوسف. ممكن تفهمني إيه اللي حصل بالظبط؟ وإزاي وافقت إن جيهان تدفع تمن العربية من جيبها؟
تحرك يوسف في مقعده، وظهرت على وجهه ابتسامة مريرة، ثم أخرج من جيب جاكيته الشيك الذي وقعته جيهان ورماه على المكتب أمام تامر وقال بصوت مخنوق:
ـ إنت فاكرني هسمح لمراتي تشتري حريتها مني بفلوسها وأنا حي أرزق يا تامر؟ الشيك اهو.. أنا سددت تمن العربية بالكامل من حسابي، وصاحب المعرض رجع ليا الشيك ده.
نظر تامر إلى الشيك الملقى على المكتب، ثم رفع بصره إلى أخيه وقال بتعجب:
ـ طيب وليه يا يوسف سبتها تعيش الوهم ده؟ ليه ماوقفتش الموضوع من أوله في المعرض وقولت لها دي هديتي ليكي؟ ليه خليتها تمضي الشيك وتمشي وهي فاكرة إنها استقلت بقرارها؟
تنهد يوسف بضيق، وفرك وجهه بيديه المتعبتين وهو يرد بنبرة يملؤها الإنكسار:
ـ لو كنت اعترضت في المعرض يا تامر، كانت الدنيا هتتهـ.ـد فوق دماغي ودماغها. جيهان كانت رايحة وهي مستنية مني كلمة غلط علشان ترفض العربية وتمشي.. كانت عاوزة تثبت ليا إن ماليش حكم عليها. لو منعتها تدفع، ماكانتش هتاخد العربية أصلاً، وكنا هنرجع لنقطة الصفر ومواجهة جديدة الدكتورة حذرتني منها.
سكت يوسف للحظة وكأنه يسترجع ملامحها القاسية في المعرض، ثم أكمل:
ـ أنا نهيت الموضوع بهدوء علشان المركب تمشي.. الشيك ده هيفضل معايا، هي فاكرة إنها دفعت، وأنا عارف إن كرامتي لسه صاينة بيتي. المهم دلوقتي مش الفلوس.. المهم السواق يا تامر.
اعتدل يوسف في جلسته وتابع بقلق:
ـ أنا مش هقدر آمن على جيهان والبنات مع أي حد من الشارع. لازم سواق يكون أمين، وهادي، ويتحمل حالة جيهان النفسية وتوترها في الطريق.. أنا شاغلني الموضوع ده أكتر من تمن العربية.
رد تامر وهو يحاول استيعاب منطق أخيه:
ـ والله يا يوسف إنت بتصعبها على نفسك.. بس يمكن فعلاً ده كان الحل الوحيد علشان اليوم يعدي. بخصوص السواق، أنا ممكن أسأل لك في الشركة، أو أشوف حد من طرف معرفة نثق فيه، بس لازم جيهان ترتاح له الأول.
هز يوسف رأسه وقال بوجوم:
ـ مش مهم ترتاح له ولا لأ، المهم يكون تحت عيني.. أنا اللي هختاره، وأنا اللي هحاسبه، وهي لازم تقتنع إن ده سواق الشركة أو أي حاجة علشان متحسش إني بفرض سيطرتي.
أطرق يوسف برأسه، وبدا وكأنه استسلم لحديث أخيه، لكن خلف ملامحه الهادئة كانت الأفكار تتصارع كأمواج هائجة. لم يعلق على اقتراح تامر بالبحث عن سائق من الشركة، بل اكتفى بإيماءة غامضة، وكأن عقله قد غادر الغرفة بالفعل ليرسم خطة لا يعلم عنها أحد سواه.
قال يوسف بصوت منخفض ومرهق:
ـ معاك حق يا تامر.. السواق هو أهم حاجة دلوقتي. سيبني بس أرتاح شوية، والصباح رباح.
نهض الأخوان، واتجه كل منهما إلى غرفته. دخل تامر غرفته وهو يشعر بعبء المسؤولية، أخرج هاتفه وبدأ يراجع قائمة أسمائه، يفكر في شخص أمين يصلح لهذه المهمة الصعبة، شخص يستطيع تحمل تقلبات جيهان وصمت يوسف القاتل، كان يشعر أن استقرار هذا البيت معلق بخيط رفيع يسمى الأمان.
أما في الغرفة المجاورة، فقد كان يوسف يعيش عالماً آخر. خلع جاكيته وألقى به بإهمال، وجلس على طرف فراشه يحدق في الفراغ. لم يكن يفكر في سائق غريب، بل كانت صورة جيهان وهي تشيح بوجهها عنه في المعرض تطارده. شعر بغصة في حلقه؛ فكرة أن يتركها مع رجل غريب، يراقب تعابير وجهها في المرآة، أو يسمع أنين وجعها، كانت تنهش روحه نهشاً.
حدث يوسف نفسه بمرارة:
ـ أنا اللي كسـ.ـرتها.. وأنا اللي لازم أسندها، حتى لو مكنتش عاوزة تشوف وشي. مش هسلمك لحد غيري يا جيهان.. حتى لو هبقى في نظرك مجرد سواق بيفتح لك الباب ويقفله.
استلقى يوسف على سريره، لكن النوم لم يعرف لطريقه سبيلاً. كان يتخيل مواجهة الغد؛ كيف سينظر في عينيها؟ وكيف سيقنعها بوجوده خلف المقود؟ كان يدرك أن المعركة القادمة لن تكون بالكلمات، بل بالصبر والقدرة على تحمل نظرات الاحتقار التي قد ترمقه بها.
على الصعيد الآخر، كانت جيهان في غرفتها، تحتضن وسادتها وهي تستمع لصوت سكون الليل، غير مدركة أن الصباح يحمل لها مفاجأة ستزلزل كل جدران العزلة التي حاولت بناءها.
استيقظ يوسف والقرار يلمع في عينيه كشرارة لا تنطفئ. ذهب إلى الشركة في وقت مبكر جداً، وكأنه يحاول التخلص من كل أعبائه المهنية ليفرغ نفسه لمواجهة القدر. اتصل بصاحب المعرض وأخبره بلهجة حازمة:
ـ أنا هعدي عليك آخد العربية بنفسي دلوقت.. مش عايزها تروح البيت مع حد، أنا اللي هستلمها.
بينما هو يستعد للمغادرة، دخل عليه تامر المكتب، وعلامات التساؤل ترتسم على وجهه من هذا النشاط المفاجئ والتبكير في العمل. نظر يوسف لأخيه وبكل ثبات أخرج ورقة من جيبه ومدها له قائلاً:
ـ ده رقم السواق اللي اتفقت معاه يا تامر.. خليه معاك، واديه لكاميليا علشان جيهان تكون عارفة مين اللي هيكلمها.
أخذ تامر الورقة وهو في حالة من الذهول والتعجب، تمتم بكلمات غير مفهومة:
ـ بالسرعة دي يا يوسف؟ ده أنا لسه كنت هدور لك الصبح.. إنت لحقت تقابل حد وتتفق معاه؟
رد يوسف ببرود وهو يلملم أوراقه ويتحرك نحو الباب:
ـ الموضوع مكنش محتاج تأخير.. المهم عندي إن جيهان ترتاح. أنا هقوم أمشي دلوقت علشان حاسس إني مرهق وعاوز أرتاح شوية، كمل إنت اليوم ولو في حاجة ضروري كلمني.
خرج يوسف بخطوات سريعة، تاركاً خلفه تامر يضرب كفاً بكف، القلق ينهش صدره من هدوء أخيه المريب وسرعته في إنهاء الأمور. لم يضيع تامر وقتاً، فأخرج هاتفه وأرسل رقم السائق الذي أعطاه له يوسف في رسالة إلى كاميليا وكتب لها:
ـ يوسف جاب سواق خلاص وده رقمه، عرفي جيهان علشان تكون مستعدة لما يوصل.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

2 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل