رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 23 - الأحد 31/5/2026

تم النشر في: 31 مايو 2026


قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ظلها في قلبه

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 


الفصل الثالث والعشرون

تم النشر الأحد 

31/5/2026


الفصل السابق


خرج الطبيب من الغرفة القابعة بها (سدرة) من الداخل، ليركض إليه كل من (رشاد) و(شهيرة)، والذعر والقلق مرسومان على ملامحهما ليسألوه عن حالة ابنتهم، تنهد الطبيب وقال بنبرة جادة
- الضغط مرتفع جدًا وده خطر عليها .. محتاجة راحة تامة وياريت محدش يتكلم معاها في أي حاجة تضايقها

شعرت (شهيرة) بمشاعر كثيرة بالخوف والعجز والقلق، وانهمرت دموعها بلا توقف، فهي على وشك أن تفقد ابنتها الوحيدة بسبب ذلك الوغد ليخبرها (رشاد) انه سيذهب للمنزل ليتحدث مع ذلك النذل وينهي كل شئ بينه وبين ابنته وعليها هي البقاء مع ابنتهم لكي تراعيها وتطمئن عليها، تفهمت (شهيرة) قراره، ومسحت دموعها بأناملها، ثم دلفت الغرفة لتجلس بجوار ابنتها التي بدت شاحبة وضعيفة للغاية ..

عندما وصل إلى المنزل، أمسك هاتفه، ثم ضغط على الرقم الخاص بذلك الحقير بعصبية، حتى أجاب (معتصم) على الطرف الآخر بصوته الهادئ مرحبًا به وبأتصاله، حتى فوجئ بلهجته الحادة كالسوط وهو يحدثه
- يعني إنت مكفكش كل اللي بنتي استحملته معاك .. رايح تتجوز وتبني حياتك هناك وهي حياتها واقفة هنا؟!

تجمد (معتصم)، وارتبك قلبه، كيف علم رشاد بزواجه؟ ليجيب متلعثمًا متوترًا
- ع.. عمي .. أرجوك اسمعني، حضرتك عرفت منين و ..

قاطعه (رشاد) بسخرية لاذعة
- ده اللى فارق معاك؟ عرفت منين؟ عرفت من اي داهية بس عرفت .. عارف يا (معتصم) إيه اللى كان مصبّرني عليك؟ حب بنتي ليك .. بس لما بنتي تنهار وأشوفها بتضيع من قدام عيني بسببك؟ لأ .. يبقى لأ

- (سدرة) حصلها إيه؟! هي فين؟ عرفت؟!

قالها (معتصم) بذعر حقيقي، وقلبه يكاد يسقط من بين ضلوعه، فهو لا يتحمل رؤية أي اذى بها، فصاح به (رشاد)
- مش من حقك تسأل! .. استحملت ظروفك استحملت إن سنها يتأخر في الجواز عشانك استحملت لما قلت هجوز أختي الأول استحملت لما سافرت وقعدت شهر كامل مش بتكلمها وبنتي كانت بتموت قدام عيني، ومش قادر اعملها حاجة ولما كلمتها الحياة ردّت فيها تاني

صمت لبعض الوقت لعله يهدئ من حدته وعصبيته لكنه لم يستطيع سوى أن ينهال عليه أكثر وأكثر فما رأه من ذلك الوضيع كثيرًا ولن يصمت بعد الآن فتابع 
- كانت بتروح تدفع قسط القرض بتاعك من ورانا عشان تحافظلك على شقتك 

لم يتحمل (معتصم) تلك التهمة انه كان يستغل نقود (سدرة) فى دفع أقساط الشقة، فقال بصوت مرتفع
- مسمحلكش يا عمي! أنا بعت ليها كل جنيه دفعته! مش أنا اللي أخلي واحدة ست تصرف عليا!

أجابه (رشاد) باشمئزاز
- هو ده اللي فارق معاك؟! ده ردك؟ إنت عارف أنا قولتلك الكلام ده ليه؟ عشان تشوف حجم المصيبة اللي عملتها عشان تحس بوجع بنتي بعد ما عملت كل ده ليك وانت بعتها بأرخص تمن

انهارت دموع (معتصم) وهو يقول بحرقة
- غصب عني .. والله بحبها .. ومقدرش أتخيل حياتي من غيرها

ثم بدأ يسرد كل ما حدث له، والظروف التي دفعته للزواج من (جوليا)، محاولًا تبرير موقفه، ظل (رشاد) يستمع، وقد بدا مشتتًا للحظات، لكن فى النهاية قال ببرود وبحسم
- يعني قعادك مع واحدة ست في شقة واحدة ده عادي؟ وجود ست تانية في حياتك وانت خاطب بنتي كان طبيعي؟

أجابه (معتصم) بانكسار
- عارف إنّي غلطان بس والله كنت بجمع فلوس بسرعة عشان أنزل ل (سدرة) مكنش قصدي أوصلها لكده .. فجأة فقدت صحابي واهلي وحبيبتي

قال (رشاد) وهو يقاطّعه بالكلمات الحادة
- وكان حد قالك سافر؟ كان حد قالك جوز أختك وأنتوا مش جاهزين؟ وياريتها جوازة عدلة دى جوازة الندامة إنت تعرف إيه عن (سدرة)؟ تعرف إن جوز أختك اللي حضرتك مستأمنه كان بيتحرش بخطيبتك؟ اللي مكنتش راضية تقولك ولا تقولي عشان متخربش على أختك؟ تعرف إيه عنها من يوم ما سافرت؟ إنت اخترت تبعد بإرادتك الكاملة ..

صمت قائلًا يلتقط أنفاسه ثم تابع
- الظروف عمرها ما كانت عيب ولا حتى الفقر عيب، إنك تعاند الفقر وتكسر قلبها بإيدك هو ده العيب .. كل حاجة جبتها ل (سدرة) هتتبعتلك وانساها خالص .. هي من حقها تعيش وتشوف حياتها اللي دفنتها من يوم ما عرفتك

كان (معتصم) في عالم آخر، يسمع الكلمات تتردد في أذنه كطلقات رصاص تخترق جسده، هل حقًا زوج شقيقته كان يضايق (سدرة)؟ هل عانت كل ذلك ولم تخبره؟
تذكّر ذلك اليوم الذي اتهمها فيه بالخيانة، فقط لأنها استقلت السيارة مع (مالك) تذكّر نبرة الخوف في نبرة صوتها كيف لم يكن بجانبها ولا يدعمها في اللحظات التي تحتاجه بجانبها ..

أجاب (معتصم) وهو يبكي بحرقة
- أرجوك لا يا عمي .. أرجوك اعمل أي حاجة إلا إنها تبعد عنى قولها .. قولها الأسباب اللي خلتني اتجوز (سدرة) بتحبني وهتسامح! أنا مستعد أعمل أي حاجة .. القضية تخلص واللي تطلبه يكون

أجابه (رشاد) بلهجة قاطعة لا مجال فيها للجدال
- الوقت فات يا (معتصم) .. حججك كلها هاوية ومش مقنعة

ثم أغلق الهاتف، انهار (معتصم)، وسقط على ركبتيه باكيًا بحرقة، كانت (چوليا) بجانبه على الرغم من أنها لا تفهم الحديث، لكنها شعرت به، فهو يتألم أمامها، اقتربت منه، احتضنته بحنان، فدفن وجهه في صدرها، يبكي كما لم يبكِ من قبل، نادم على كل شئ فعله جعل الظروف تصل إلى هذا الحد ولكن الأختيار لحظة لا يمكن إعادة الزمن لتصليح ما مضى ..
❈-❈-❈

في ظهيرة اليوم التالي ..
وصلت إلى المطعم وترجلت من السيارة، ظلت واقفة أمام سيارتها تشعر بتوتر كبير، فوالدها ينتظرها بالداخل لكنها لا تملك الجرأة على مواجهته بعد ..

تخشى أن تعتاد وجوده فى حياتها من ثم يبتعد مرة آخرى، ترددت لثوانٍ، ثم أخذت قرارها لن تدخل، مدّت يدها إلى باب السيارة مجددًا لتفتحه كي تعود لمنزلها، لكن قبل أن تستقر يدها على المقبض، باغتها صوتٌ من خلفها
- هو بقى لعب عيال؟ يلا يا (أوهيلا) .. أبوكِ مستنيكِ جوه

تجمدت مكانها، ثم استدارت نحوه ببطء، وعيناها تمتلئ بالقلق
- خايفة .. خايفة أوي يا (آسر)

صمت للحظات يتأملها، عيناه هبطتا رغماً عنه على ملابسها، بنطال جينز ضيق، وبادي ملاصق لجسدها، يبرز تفاصيلها أكثر مما يخفيها فشعر بالضيق، صحيح لم يكن هذا وقت الحديث عن مظهرها، ومع ذلك لم يستطع أن يتجاهل الأمر، خلع سترته سريعًا، وناولها إياها قائلاً بنبرة حادة
- البسيه يا (أوهيلا) .. هدومك ضيقة

نظرت له بدهشة، عاقدة حاجبيها بحدة
- (آسر) .. هو ده وقته؟! أنا مضايقة بجد!

لم يجيبها، بل رمقها بنظرة صارمة لأول مرة، وقال
- مش هتكلم معاكِ من غير ما تلبسي الجاكيت

زفرت بضيق واضح، ثم أخذت السترة منه وارتدتها ثم قامت بأغلاقها قائلة بسخرية
- حلو كده؟

ابتسم برضا وهو يجيب
- قمر كده

ابتسمت ابتسامة خفيفة زينت وجهها، وتابعت 
- على فكرة الجاكيت بتاع المرة اللي فاتت لسه معايا .. بنسى أدهولك كده بقى اتنين

ضحك بخفة وهو يقول
- دولابي هينقرض بسببك

سرعان ما عادت ملامح القلق لوجهها، وتراجعت الابتسامة شيئًا فشيئًا، قبل أن تهمس بصوت مرتجف
- أنا مش عاوزة أشوفه .. خايفة أوى يا (آسر)

أخذ هو نفسًا عميقًا، ثم قال بصوته الهادئ الذي يحفر الطمأنينة في قلبها
- من إمتى بتخافي وأنا معاكِ؟

نظرت لعينيه للحظة شعرت بشىء غريب، نبرته الحنونة تلك، كيف لها أن تشعر بكل تلك الطمأنينة من مجرد كلمات عابرة تخرج من فمه ليس هذا فقط بل أنها تنفذ ما يمليه عليها دون نقاش ربما لأنها تثق فيه أو لأن كل ما افتقدته في والدها وجدته معه، لو كان والدها حنون عليها مثلما يفعل (آسر) ولا يتركها ابدًا وحدها مثلما يفعل (آسر) لكانت نفّذت له كل ما يريد دون جدال حتى ..

طردت تلك الأفكار من رأسها، تشعر بغرابة من أفكارها الغريبة تلك، (آسر) صديقها فقط، ولن يكون أكثر من ذلك، شعر هو بتشتتها، فحسم الأمر
- يلا ادخلي بقى .. وأنا هقعد على ترابيزة جنبك قدامك على طول عشان متخافيش لو حسيتي بأي حاجة تعالي كلميني متتردديش .. أنا هعرف أتعامل مع أبوكِ

هزّت رأسها بتفهم، ثم اتجهت بخطى مترددة نحو داخل المطعم ..

بحثت بعيناها بين الطاولات، حتى وجدته يجلس في الزاوية، في الطاولة المقابلة، جلس (آسر) بالفعل، كما وعدها، يراقب، فقط ليطمئنها ..

اقتربت (أوهيلا) من والدها، وجلست حتى نظر لها (شاكر) بابتسامة واسعة لكنها لم تتحدث لم تقل كلمة واحدة فالقلق الذي بداخلها كبير، فقال ليقطع الصمت
- مش هتسلمي عليا؟ دخلتي وقعدتي كده من غير كلمة؟

ارتبكت لم تعرف ماذا تقول، فقط رفعت عينيها نحوه في صمت، ابتسم بحنان، ثم قال
- تحبي نتغدى الأول مع بعض؟

هزت رأسها نافية، وردّت بصوت خافت
- لأ .. مش جعانة

تنهد (شاكر) بعمق، ثم قال
- أي كلمة اعتذار هقولها مش هتوفيكِ حقك .. بس أنا بحبك يا (أوهيلا) .. عمري ما نسيتك .. كنت فاكر اللي بعمله صح لكن ..

توقف عن الحديث عندما رأى تعابير وجهها قد تجمدت، كم مرة سمعت تلك الجملة؟ في كل لقاء بينهم، نفس الأسطوانة، نفس الكلمات .. وكأن ذلك الاعتراف سيُصلح ما أفسده، شعر بجمودها، فقرر أن يتحدث فى شئ آخر
- بلاش نتكلم في اللي فات .. احكيلي عنك بقى يا (أوهيلا) .. أنا على فكرة بشوف فيديوهاتك .. أنا كنت بشوفها زمان وبضايق بس دلوقتي بقت الحاجة الوحيدة اللي بتخليني شايفك قدامي

نظرت له بثبات، لكنها لم تنطق، أكمل هو يحاول تخفيف التوتر
- ده مش معناه إنّي موافق عليها .. بس مؤقتًا لحد ما حد فينا يقنع التاني مين الصح

صمتت من جديد، هذا الصمت يضايقه، فقال بابتسامة مُترددة
- تحبي تيجي هنا على طول؟ ولا تحبي الأسبوع الجاي نطلع رحلة؟ الغردقة؟ أنا عرفت إنك بتحبيها شفتك كاتبة كده على الفيس قبل كده أوعدك .. أنا وإنتِ وبس (رغدة) والأولاد مالهمش دعوة

لمعت عيناها فجأة، كأنها طفلة يعدها والدها بالتنزه فقالت بصوت متردد وخافت
- م .. ماشي

تهلّل وجهه بالسعادة، ثم تابع بفرح
- أنا فاكر وإنتِ صغيرة كنتِ بتحبي آيس كريم الفراولة أووي .. أجبلك واحد؟

تجمدت ملامحها، شحب وجهها للحظة ثم قالت بهدوء
- بطلت آكله .. الفراولة بقت بتعملى حساسية .. بقالى ٧ سنين مش باكلها بس إنت طبيعي متعرفش حاجة زي دي

انكسر شيء ما في قلب (شاكر)، فحتى أبسط التفاصيل عن ابنته لا يعرفها، نظرت له (أوهيلا) وشعرت بما يدور فى عقله، فابتسمت بخفة، محاولة التخفيف من إحباطه
- بس على الأقل .. بتحاول تفتكر، مش كده؟

ابتسم ابتسامة باهتة فهو لا يستحق أن يُلقب حتى بوالدها، فمد يده الموضوعة على الطاولة نحو يدها، وربت عليها برقة، وقال
- أوعدك .. مش هنسى حاجة تخصك تاني

هزّت رأسها إيجابًا، لكنها شعرت برجفة في جسدها من لمسته، نعم هو والدها، لكن لم تعتد قربه بعد ..

في الجهة المقابلة، كان (آسر) يراقبها من بعيد، يشعر بسعادة لأجلها، وعندما لمحها تبتسم، اطمأن قلبه ..

رنّ هاتف (شاكر)، فانشغل به للحظات، نظرت (أوهيلا) نحو (آسر) من بعيد نظرة ممتنة، فابتسم لها وغمز لها بعينه اليسرى بمشاكسة، جعلتها تحدّق فيه بحدة وحمدت الله أن والدها ظهره لذلك الأبله ..
❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي ..
جلس خلف مكتبه يحاول أن يقوم بالتركيز في عمله، لكن ذهنه لم يكن حاضرًا، ف (سدرة) تغيبت بالأمس ولكن اليوم أيضًا، تسلّل القلق إلى صدره، فهي لا تتغيب بلا سبب، ولا تترك عملها هكذا ..
حاول تجاهل الشعور، لكن قلبه خذله ..

رفع الهاتف بتردد، ثم ضغط على رقمها لكن لا إجابة، انتظر قليلاً، ثم اتصل من جديد لا رد، فشعر بوخزًا عميقًا في صدره، فبالتأكيد بها شئ ما أو أصابها سوء فقرر الأتصال للمرة الثالثة، حتى أجابت عليه والداتها، أخبرته بأنها في المشفى، حالتها الصحية متدهورة، الضغط مرتفع بشكل خطير، لا تتناول الطعام، ترفض الحديث، لا تفعل شئ غير البكاء، تعيش على المحاليل، رغم أنها واعية، مدركة لكل ما حولها، لكنها لا ترغب بالحديث فسألها عن الأسباب فأخبرته بما فعله خطيبها السابق، شعر (مالك) حينها بالحزن عليها، والغضب من ذلك النذل الذي خذلها ..

كيف لأحد أن يُحطم قلبًا رقيقا كقلب (سدرة) بهذا الشكل؟
لم يتردد فى طلب عنوان المشفى ..
أخبر والدتها أنه سيأتي ليطمئن على صحتها ..
ثم أغلق الهاتف، تملّكه الأسى من أجلها، برغم يقينه أنها لا تستحق ما حلّ بها من حزن ..
❈-❈-❈

عاد إلى المنزل بعد يوم طويل، كان قلبه منشغلًا بحال (سدرة)، وذهنه لا يهدأ من التفكير في هشاشتها بعد ما مرت به، دخل إلى المطبخ ليجد شقيقه جالسًا، يتناول طعامه بكسل كما اعتاد، لم ينتبه في البداية إلى وجود (مالك)، حتى قال الأخير بصوت مبحوح
- (سدرة) في المستشفى

رفع (آسر) رأسه ببطء، ينظر إلى أخيه بدهشة لم يعلق، فقط ظل ينظر له في انتظار ما سيُقال، جلس (مالك) على المقعد المقابل له، وحدّق فى الطاولة قليلاً ثم تابع
- عرفت إن خطيبها اتجوز عليها وحصلها انهيار دلوقتي فى المستشفى وأنا بفكر أروح أزورها

ابتسم (آسر) ابتسامة جانبية خفيفة وقال ساخرًا
- يا ابن المحظوظة يا (مالك)، البنت بقت فاضية

ارتبك (مالك) من تعليقه، وقام بعدل موضع نظارته فوق عينه كعادته حين يتوتر، ثم نظر لأخيه بحدة وقال
- (آسر) .. ده مش وقته خالص .. إيه اللي بتفكر فيه ده؟! أنا كل اللي يهمني دلوقتي أطمن على صحتها عاوز أشوفها، قلقان عليها أوي

ثم خفض نظره للحظة وقال بصوت يملأه الوجع
- كانت بتحبه أوى يا (آسر) .. أكيد حالتها زي الزفت

شعر (آسر) بانقباضٍ داخلي عندما رأى ألم أخيه، فرد عليه بجديّة 
- طيب روحلها

ابتلع (مالك) ريقه بتوتر، ثم قال بنبرة خافتة
- بص بصراحة .. عاوزك تيجى معايا مكسوف أروح لوحدى .. اهو إحنا الاتنين زمايلها فى الشغل مبلوعة شوية لكن أروح لوحدى مش لطيفة

زفر (آسر) بضيق، ومال برأسه إلى الخلف وقال بتذمر
- وأنا مالي أنا يا (مالك)؟! ما تشيل شيلتك .. أنا جيت قولتلك قبل كده حل معايا مشاكل (أوهيلا) 

فنظر (مالك) له ببرود وكأنه لم يستمع لحديثه ذلك وهو يقول
- بقولك إيه .. أنا رايح أغير هدومي عشر دقايق والاقيك جاهز ونروح سوا مانا مش هينفع أروح لوحدى! .. منظري هيبقى ايه قدام ابوها وامها 

زفر (آسر) بضيق ونهض هو الأخر لغرفته .. وبعد برهة من الوقت، كان الشقيقان في طريقهما إلى المشفى، جلس (مالك) خلف المقود صامتًا، توقف لشراء باقة ورد ناعمة بألوان دافئة، وبعد دقائق، طلب (آسر) منه التوقف عند مكتبة صغيرة ..

وبعد لحظات خرج منها وهو يحمل بيده رواية بغلاف بسيط وأنيق، ثم عاد إلى السيارة، وقبل أن يجلس، سأله (مالك) بحدة
- إيه اللى انت جايبه ده؟

رد (آسر) وهو يغلق الباب خلفه
- يعني هدخل عليها بإيدي فاضية؟ مانت جبتلها ورد يا عم روميو قلت أجيب ليها حاجة تتسلى بيها شوية

شعر (مالك) بالضيق وهو يعاود القيادة، وخرج صوته غليظًا ممتعضًا
- وتجيب ليها رواية ليه؟! ما تجيب لخطيبتك يا أخويا

ضحك (آسر) بخفة وقال
- لا (جعفر) اللى معايا دي ما بتحبش الحاجات دي .. إنما (سدرة) شكلها بنت كيوت وهادية أكيد بتحب الحاجات دي

تشنج وجه (مالك)، وصر على أسنانه وهو يقول
- ما تركزش معاها يلا .. ولو عينك جت عليها .. هخزقها!

ضحك (آسر) بصوت خافت وقال
- آه مرات أخويا العزيز! دي هتتبهدل آخر بهدلة .. ابننا بيغير عليها من الهوا

زفر (مالك) بضيق، يعلم جيدًا أن شقيقه لن يصمت وسيظل يسخر منه طوال الطريق ..

عندما وصلا إلى المستشفى، توجها إلى غرفة (سدرة) بعد سؤالهم فى قاعة الأستقبال وقف (مالك) عند الباب، وأعطى باقة الورد لوالدتها (شهيرة) فقد شعر بالاحراج أن يقوم باعطائها لحبيبته، فابتسمت له يعرفها على شقيقه (آسر) وانه أيضًا زميل (سدرة) بالعمل، فرحبت بهم وادخلتهم داخل غرفة (سدرة) ..

دخل (مالك) أولًا، وما إن وقعت عيناه على (سدرة)، حتى شعر وكأن صدره ضاق، كانت ممددة على الفراش، شاحبة، ووجهها خالٍ من الحياة، عيناها حمراوان، كأن الدموع لم تجف منذ أن حزنت، حتى (آسر) شعر بالأسى فور رؤيتها بتلك الحالة فقد كانت تبدو كالأموات ..

اقترب (مالك) ببطء نحوها ، وقال بصوت يحمل نبرة حانية
- ألف سلامة عليكِ يا (سدرة) قلقتينا عليكِ أوي

رفعت (سدرة) عينيها إليه، وحين التقت نظراتهما، شعرت بخجلٍ مؤلم، كأنها تعرت أمامه، فالجميع سيشفق عليها لأن خطيبها تزوج، وأصبح الجميع يعرف الحقيقة المؤلمة، وها هو (مالك) يراها فى أكثر حالاتها انكسارًا، فجأة، انهارت فى البكاء، شهقاتها المتقطعة ملأت الغرفة، نظر (مالك) لأخيه بدهشة، بينما (آسر) وقف مذهولًا، اقتربت (شهيرة) بسرعة واحتضنت ابنتها، وهى تسألها بقلق
- حصل إيه يا (سدرة)؟ بتعيّطي ليه فجأة كده؟!

لكنها لم تجيب فقط ارتمت في حضن والدتها وظلت تبكي، تختبئ من الجميع في احضانها، اقترب (مالك)، وقال وهو يشعر بالعجز وهو يراها بذلك الضعف
- طب أنا عملت إيه ضايقك؟ طب وجودي مضايقك؟ أمشي؟

قالت (شهيرة) بهدوء
- معلش يا بني .. هي مش حاسة بنفسها أصلاً

حاول (آسر) تلطيف الأجواء فقال
- إيه يا (سدرة) أومال مين هيجي يرتب الشغل معانا من تاني؟ لا ده انتِ طلعتي بسكوتة خالصة .. لا انشفي كده أنا عاوزك زى القراقيش تتسقسقي في الشاي وماتدوبش!

فاجابت بصوت خافت
- لا .. أنا مش هنزل الشغل تاني .. مفيش شغل تاني خلاص

صُدم (مالك)، وسأل بقلق
- ليه يا (سدرة)؟ حصل إيه؟!

ابتلعت ريقها، وقالت بصوت مرتعش
- مش عاوزة نظرة شفقة من حد .. ولا عاوزة حد يقولي معلش .. مش هستحمل نظرات الشفقة منكوا انتوا كمان .. كل واحد يقول مسكينة خطيبها سابها واتجوز غيرها

شعر(مالك) بغصة فى قلبه، لم يجد ما يقوله، أما (آسر) فقال بنبرة هادئة 
- مين قال كده يا (سدرة)؟! أصلًا هو اللي خسران .. مش انتِ خالص، انتِ تستاهلي واحد يحبك بجد

ابتسمت (سدرة) بمرارة، فمن خانها كان من المفترض انه يعشقها لا يحبها فقط، فكيف تثق في الحب مرة أخرى؟

فقال (مالك) بهدوء
- القعدة في البيت هتتعبك يا (سدرة) .. نزول الشغل هينسيكِ وأنا جنبك

ثم تنحنح بعد أن شعر بالخجل مما تفوه به، فتابع
- و(آسر) كمان جنبك .. مش هنسيبك خالص

ثم أردف
- وبعدين محدش يعرف في الشغل اللي حصل أصلاً .. وأنا عن نفسي مش هقول

ثم نظر إلى (آسر) ليحثه على الحديث فقال (آسر) مسرعًا
- وأنا كمان مش هقول طبعًا

تابع (مالك)
- وتقدري تقولي في أي وقت إنك فسختي خطوبتك لأي سبب تاني .. محدش هيقدر يضايقك وإحنا جنبك

نظرت (شهيرة) إليهما بامتنان، بينما ابتعدت (سدرة) عن حضن والدتها، ومسحت دموعها وقالت
- مش قادرة أشتغل 

ابتسم (مالك) بهدوء
- أنا خدتلك إجازة من الشغل أسبوع .. تقدري تنزلي أول الأسبوع الجاي تكون نفسيتك هديت شوية

لم تجيب اقترب (آسر) منها، وناولها الرواية قائلاً
- قلت أجيبلك حاجة تسليكِ وإنتِ قاعدة

نظرت إليه بامتنان، وقالت
- شكراً يا (آسر)

تجهم وجه (مالك)، وعقد حاجبيه بغيظ فنظرة الامتنان ولمعة عيناها التي نظرت لها نحو شقيقه جعلته يستشيط غضبًا، يبدو أن هذا الأحمق محق، هي فعلًا تحب الروايات ..

ابتسم (آسر) وهو يقول
- هنستأذن إحنا يا طنط .. وهنبقى نطمن عليها بالتليفون

هزت (شهيرة) رأسها بتفهم أما (مالك)، فقد تردد في المغادرة، يريد البقاء معها وان يخفف عنها الأمر لكن عندما هم بالخروج، قال دون أن يشعر
- ابقي كلي كويس يا (سدرة) .. انتِ وزنك نزل خالص اليومين دول

رفعت (شهيرة) حاجبها بدهشة، بينما قال (آسر) بصوت خافت فى أذن شقيقه وهو يسحبه من يده
- يلا امشي .. هتفضحنا

ابتسم (مالك) وودّعها، وسار مع شقيقه نحو الباب، وقفت (شهيرة) تحدّق فيهما، ثم قالت وهي تهز رأسها بآسى
- هو انتِ يا بنتي كل اللي تعرفيهم سهتانين كده؟

زفرت (سدرة) بضيق، فلم تكن حالتها تسمح لها بمزاح والدتها، ثم أرخت رأسها على صدر أمها، علّها تنال قسطًا من الراحة، ولو قليلًا ..
التالي


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل