رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 24 - الخميس 4/6/2026
تم النشر في: 4 يونيو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الرابع والعشرون
تم النشر الخميس
4/6/2026
جلس على فراشه في غرفته، فمنذ تلك المكالمة التي دارت بينه وبين والد (سدرة) منذ أيام قد غيّرت كل شيء في حياته، انطفأ بريق عينيه، وغرق في بحر من الأحزان لم يعد يأبه للطعام أو الشراب أو حتى الحياة فقد خسر حب عمره، ويبدو أنه دون رجعة حتى أنه لا يستطيع أن يحدثها ليشرح لها الأمر ..
دخلت (چوليا) بهدوء، كانت مترددة في البداية، لكنها اقتربت ببطء وجلست إلى جانبه على الفراش، وشعرت أنه لا يشعر حتى بوجودها أو دخولها الغرفة له، نظرت داخل عينيه وهي ترفع ذقنه لكي يراها ويشعر بوجودها، وقالت بصوتٍ رقيقٍ لكنه واضح
- لستُ غبية يا (معتصم)، أعلم جيدًا ما حدث بينك وبين خطيبتك .. لا أدري التفاصيل لكني أرى الحزن في عينيك والانفصال بينكما واضحٌ حتى للضرير، لا أستطيع أن أفهم .. كيف تحبني وتكاد تموت بسبب بعدك عنها؟!
اضطرب (معتصم) عند شعوره بقرب زوجته منه، وشعر بغضب يعتصر قلبه، غضبٌ لا يريد الإفصاح عنه، لكنه اجابها بصوت به بنبرةٍ حادةٍ وقال
- اطمئني (چوليا)، لقد تركتني لن تكوني الثانية في حياتي بل وحدك، وحدك فقط
تقطّع صدرها بشدة من لهجته القاسية، وأنه لا يهتم حتى بقلقها عليه لذا قالت
- وكيف تظل مكتئبًا بهذا الشكل؟ كيف تقول إنك تحبني وتموت قهراً لأجلها؟
أغلق (معتصم) عينيه، فقد استسلم للآسى الذي بداخل صدره، بعدها قال بنبرةٍ خافتة كاذبًا
- لم أرد الانفصال هكذا .. لم أرغب أن أكون نذلاً في حياتها .. هذا كل ما في الأمر، أرجوكِ دعيني أتعافى فقط حتى أكون مستعدًا لقضيتك وقضية الملجأ هذا ما يشغلني الآن
نظرت إليه (چوليا) بحزنٍ كبير، أومأت برأسها برفق
- حسنًا القضية التي تخصني ما زالت في طور التحقيقات والمحامي يبذل جهده لإثبات براءتي
لم يجيب لكنه أمسك يدها وربت عليها بحنان وأخبرها أنه سيكون دائمًا بجوارها حتى تنتهي تلك الغُمة وتنزاح عنهما ..
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوعين على التحقيقات الخاصة بقضية (چوليا)، أسفرت الفحوصات الطبية وتقرير الطب الشرعي عن نتائجٍها، فقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الطفل قد تعرض لاستغلال جنسي فعليًا، لكن الغريب أن توقيت الإصابات في جسده يثبت براءة (چوليا) بالفعل، فبعضها يعود إلى فترة وجودها في الملجأ، بينما كانت هناك إصابات أخرى حدثت بعد فصلها عن الملجأ، مما دلّ بوضوحٍ على وجود شخص آخر يعتدي على الطفل ..
وفي ضوء ذلك، طالبت النيابة العامة بعرض الطفل على فريق من الأخصائيين النفسيين لاستجوابه بحذرٍ، غير أن القاضي رفض طلب النيابة بحبس (چوليا) احتياطيًا، معللًا رفضه بعدم كفاية الأدلة لإدانتها، ومشددًا على ضرورة الاستمرار في التحقيق لجمع مزيدٍ من البراهين ..
وفي الوقت نفسه، كان المحامي يحاول استثمار هذه القضية التي اصبحت متشابكة مع قضية (معتصم) لصالح الدفاع عن (چوليا)، مستغلًًا أن اعترافات الطفل قد تكون نقطة حاسمة في تبديل القضيتين وإثبات تعرض الأطفال للاستغلال الجنسي في الملجأ، فالملجأ ليس فقط يتاجر بالأعضاء، بل أن هناك فظائعٍ أشد إيلامًا ..
أما (معتصم)، فقد واجه ضغوطًا حين اكتشف مدير الملجأ وجوده في القضية، وهو الذي كان يظن أن (چوليا) وحدها هي من كشفت أمره، ولحماية نفسه، لجأ إلى تشويه سمعة (چوليا)، محاولًا أن يُبطل شهادتها أمام المحكمة ويمنعها من إقامة أي دعوى ضده ..
عرض مدير الملجأ على (معتصم) مبلغًا من المال مقابل التنازل عن الدعوى، إلا أن (معتصم) رفض العرض، وبدلاً من ذلك، طلب من المحامي الخاص به أن يطلب دعم وحماية من الشرطة الإيطالية له ول(چوليا)، وطلب أيضًا توفير الحماية للطفل (فابيو) حتى يتمكن من الإدلاء بشهادته بحرية وأمان أمام المحكمة، فهو سيقنعه بأن يعترف بالحقيقة التي يعلمها أمام القاضي ..
في حين كانت (أوهيلا) قد سافرت مع والدها إلى الغردقة، وتمتعت بنهاية عطلة رائعة برفقته، بدأت تشعر أن اهتمامه بها صار أكثر صدقًا، كانت تتواصل مع (آسر) كثيرًا، وقد لاحظت مشاعره الحقيقية تجاهها، كانت تُكذب نفسها في البداية وأنه يعاملها كصديقة فقط لأنها اعتادت منه الحديث بمزاح كأنهم مرتبطين منذ أن تعرفا على بعضهم البعض، لكن شيئًا ما بدأ يتغير في نبرته وكلماته، وأخذت تشعر بصدق تلك المشاعر التي شعر بها قلبها ..
ومع ذلك، ظلّ قلبها متردّدًا، لا تفهم تمامًا ما الذي تشعر به تجاهه، فهي تحبه وتشعر معه بالأمان، لكنها لا تعرف إن كان هذا هو الحب الحقيقي، أم مجرد شعور شبيه بحبها ل (رأفت) و(هيثم)، ذلك الحب الذي اختفى مع مرور الوقت، لذا لم تخبره أنها تتفهم مشاعره، بل ظلت تحدثه كما لو أنهم مجرد اصدقاء، حتى تفهم مشاعرها تجاهه، خشت أن تخبره أن هناك مشاعر قليلة في قلبها تشعر بها نحوه ويكون مجرد احتياج للحب والأمان فقط ثم يتمزق قلبه لاحقًا ..
لم تستطع (سدرة) أن تعود لعملها بعد أن مضى عليها أسبوع من التغيب، فطلبت من (مالك) تمديد إجازتها لأسبوع آخر، معللة ذلك بظروف صحية لم تسمح لها بالمضي قدمًا، كان يتصل بها بين الحين والآخر ليطمئن على حالها، إلا أنها كانت تتهرب من الحديث، لا تمنحه فرصة للحديث، ولم تشأ أن تبوح بما يعتمل في صدرها حتى مع والديها، فقدت القدرة على التعبير عن مشاعرها منذ ما حدث أصبحت تُفضل الصمت والوحدة ..
أما (فريدة)، فقد علمت والدتها بما فعلت، فلم تلبث أن وبختها بقسوة، حينها شعرت (فريدة) بذنبها الكبير، إذ لم تكن ترغب قط في أن تفسد حياة شقيقها، لكن الغيرة التي تسللت إلى قلبها دفعتها لقول ذلك إلى (سدرة)، لم يفهم (معتصم) موقفها مطلقًا، بل شعر بالخذلان ووبخها بكلمات قاسية، أخبرها أنها ليست سوى أنانية مريضة، وأن عليها أن تتحرر من زوجها وإن تطلب الطلاق منه فهو ليس إلا وغدًا حقيرًا لا يستحق أن تُكمل باقي حياتها مع ذلك الأرعن، ولو لم تتطلق من ذلك الفاسد عند عودته سيطلقها هو عنوة حتى لو كان دون أرداتها، فلا أمان معه بعد الآن ..
❈-❈-❈
كان جالسًا في مكتبه منذ الصباح، ارتدى قميصًا باللون الزيتوني الداكن، وكانت أكمامه مطوية لتظهر ساعته الأنيقة، يرتدي بنطال بلون البيج الفاتح، شعره مصفف للخلف، ولحيته مشذّبة، لم يكن يرتدي نظارته الطبية، فهو لا يحتاجها في الواقع، لكنه اعتاد أن يرتديها فقط، أراد أن تراه بأبهى صورة له بعد عودتها التي طال غيابها ..
على مكتبها، وضع لها باقة ورد نضرة بلون البنفسج، بعد أن قام بترتيب مكتبها، دخلت هي المكتب، ملامحها شاحبة، و يوجد هالات سوداء تحت عينيها تعكس حزنها وعدم ضبط نومها، لم تكن تبدو مهتمة بمظهرها كعادتها، شعر (مالك) بوغزة في قلبه، فقد مر أسبوعان وهي على هذه الحال، لم تعد بعد إلى طبيعتها، بدا وكأنها لا تحب ذلك الوغد فقط، بل تعشقه، فلن تشعر به ولا بحبه حتى بعد ان انفصلت عن خطيبها ..
اقترب منها بصوت ملؤه الشوق، كانت عينيه تلتقطان كل تفاصيل وجهها فقد افتقد وجودها حاول أن لا ينظر إليها لكن قلبه آبى، وقال
- المكتب كان وحش من غيرك يا (سدرة) .. اتعودت على الشغل معاكِ
رفعت (سدرة) نظرها إليه، أومأت برأسها، ثم همست بهدوء
- شكرًا يا (مالك) .. شكرًا بجد على كل اللي عملته معايا البنات هنا في الشغل كلموني بس علاقتنا مش قوية قوي عشان يستمروا يكلموني يوميًا .. إنت الوحيد اللي كنت بتطمن عليا كل كم يوم وكمان كنت شايل هم إجازتي وبتظبط لي إجازات الشغل مش عارفة أشكرك إزاي بجد
كان صوتها ضعيفًا، ورغم شعوره بالحزن إلا أنه ابتسم ابتسامة جذابة وقال
- أنا كلي تحت أمرك يا (سدرة)
عقدت حاجبيها قليلاً، لكنها لم تهتم كثيرًا لحديثه، هزت رأسها بتفهم، حتى دخل العديد من زملائهم ليحيّوها بعد عودتها إلى العمل، كانت سعيدة بوجودهم، وشعرت بمحبتهن وفرحتهم بعودتها ..
نظر إليها (مالك) إلى بسمتها، رغم علمه بأنها ليست من القلب، لكن يكفيه أن يراها تبتسم أمامها ..
بعد خروج زملائهم، بقي هو وهي وزميل ثالث لهما في المكتب، فتوجهت (سدرة) نحو مكتبها، لتجد باقة الورود، فابتسمت ونظرت إلى (مالك) بامتنان ليرد هو بابتسامة هادئة مليئة بالود والحنان ..
❈-❈-❈
في ظهيرةٍ اليوم ..
جلست (أوهيلا) في مطعم صغير داخل متجر كبير، تحتسي عصيرها ببطء وهي تراقب الناس من حولها، تنتظر (آسر) الذي طلبت منه أن يأتي معها كي تشتري ملابس جديدة، بعد أن اتفقت مع والدها على تغيير طريقة لباسها لأن ملابسها ضيقة وغير مناسبة ..
لم يكن (آسر) يخفي سعادته، فقد فرح كثيرًا لأنها بدأت تخطو خطوات جيدة نحو التغيير، وأخبرها أنه يجب أن يقيم بنفسه الملابس التي ستختارها، وأنه لن يسمح لها بارتداء ملابس ضيقة مجددًا ..
بعد فترة، كان قد وصل ووقعت عيناه على (أوهيلا) جالسة تشرب قهوتها، ابتسم وقال لها
- معلش يا حبيبتي اتأخرت عليكِ بس الطريق كان زحمة جدًا واصلاً أنا عادة مش بصحى في الوقت ده أنا صاحي عشانك بس
استمعت لكلمة (حبيبتى) التى سار يقولها دائمًا لكنها لم تعلق عليها ابتسمت وقالت
- اطلبلك قهوة؟
هز رأسه بآسى ثم قال
- يا بنتي أنا مستحيل أبقى مع بنت وتعزمني! خديها قاعدة بقى لأنك بتعامِليني زي العيال اللي تعرفيهم
ابتسمت (أوهيلا) ففي نظره لا يوجد رجل غيره على الكرة الأرضية هزت رأسها بآسى ثم قالت
- متخافش أنا مش بصاحب عيال في سني أصلاً، أنا بحب المهكعين .. نسيت ولا إيه؟!
شعر (آسر) بغيظ وقال
- (أوهيلا) ممكن أطلب منك طلب بجد؟
أومأت برأسها إيجاباً، فقال
- ممكن يا (أوهيلا) متكلميش أي راجل غيري يعني يبقى في حدود بينك وبينهم لكن تليفونات وحد يديلك رأيه ونصايحه لأ .. أنا بس .. فاهمة؟
نظرت في عينيه فترة، وشعرت بغيرته الخفية بين ثنايا كلامه، فأومأت برأسها إيجاباً، وقالت بمرح
- مفيش حد عندي زيك يا كوكو، علاقتي بيهم طياري أصلاً
تنهد وقال
- أنا مش عايز يبقى فيه أي علاقة وأرقام تليفونهم تبقى عندك وكده
صمتت، فهي بالفعل لا تحدث غيره، علاقتها بالباقيين ليست قوية سوى تنزهات مع اصدقائها فقط وعندما تجد من أي شاب أنه معجب به تتلاشاه وتتلاشى الحديث معه لأنها لا تريد الأرتباط بعد وأن ارتبطت بأحد يجب أن يكون مصدر أمان لها، كما انها وعدت والدها في الفترة الأخيرة أنها ستغير طريقة ملابسها ولن تتحدث مع شباب دون حاجة، لكنها تشعر بضيق من نفسها لأنها لا تستطيع تنفيذ طلب والدها مع (آسر)، فهو ليس كأي شاب في حياتها، ولن تستطيع قطع علاقتها به، لا تستطيع فعل ذلك مع (آسر) كالبقية، فزفرت بضيق وقالت
- هو أنت ليه بتطلب مني حاجة زي كده؟ أنا عارفة إني مهمة عندك وأنت كمان مهم عندي بس ..
صمتت ولم تستطع إكمال الحديث، فقال (آسر)
- اسمعي كلامي يا أوهي في الوقت المناسب هقولك .. لما أحس إنك قادرة تسمعي مني، كل اللي يهمني دلوقتي إن علاقتك بأبوكِ تبقى أحسن حاجة
هزت رأسها إيجابًا، ثم ذهبت معه وابتاعا العديد من الملابس بعدما رأى أنها مناسبة وليست ضيقة، كان يعلم أن طريق التغيير يبدأ بخطوة، وها هي تخطو خطواتها الأولى لإصلاح نفسها ..
بعد أن انتهيا من التسوق، طلب (آسر) منها أن تنتظر قليلاً، ثم دخل إلى إحدى محلات المول المختصة بالشوكولا، وابتاع قالبين من الشوكولا الغالية، ثم خرج ..
ابتسمت (أوهيلا) عندما رأته يقترب منها وهو يعطيها قالبًا من الشوكولا، فأخذته بسعادة، ثم نظرت إلى القالب الآخر الذي في يده، وسألته
- ده ليك ده ولا إيه؟
هز رأسه نافيًا وقال
- لا أصل رايح الفندق ل (مالك) النهاردة في شغل، وفي زميلة لينا راجعة الشغل وكانت تعبانة جدًا وحالتها النفسية وحشة ف (مالك) أول ما ..
اتسعت عيناها عندما علمت أنه يشتري تلك الشوكولا من أجل أنثى أخرى، جعلها ذلك لا تستطيع سماع المزيد، فقد أخبر (مالك) أنه سيذهب إلى ذلك المول ليشتري مع (أوهيلا) ملابس فطلب منه أن يبتاع له تلك الشوكولا تحديدًا من أجل (سدرة)، لكنها قبل أن تستمع لبقية حديثه ألقت قالب الشوكولا في وجهه وهي تقول
- ابقى اديها دي كمان مش عاوزة منك حاجة أصلاً!
ظهرت على شفتي (آسر) ابتسامة جذابة، وقد فهم غيرتها، ولم يضيع فرصة كهذه، فود لو يلاعبها قليلاً فأجاب ببرود
- بس لا يا أوهى أنا جايب دي ليكِ ودي ليها .. وبعدين حرام هي حالتها النفسية وحشة جدًا .. تخيلي خطيبها اتجوز من وراها وهي اكتشفت ومنهارة وقعدت في المستشفى فترة ولسه نازلة الشغل النهاردة بعد غياب اسبوعين
عضت (أوهيلا) على شفتاها بغيظ، وقالت
- يا سلام! وأي بنت تعبانة أو عندها مشاكل بتساعدها كده وبتكلمها كده؟ ولعلمك أنا أصلاً مش بحب الشوكولاتة بكرهها وبيجيلي حساسية منها كنت هاخدها بس عشان هي من..
بترت حديثها ثم قالت بضيق واضح
- أنا عاوزة أروح وانت روح للبنت التانية دي حل مشاكلها أنا مشاكلي اتحلت خلاص ومش محتاجاك .. ابقى غير شغلك لمصلح اجتماعي
ثم تركته وتوجهت نحو الخارج، ابتسم هو عليها وعلى جنونها، وظل واقفاً وهو يشعر بسعادة كبيرة، فها هي معذبته، اذاقت طعم العذاب دون أن ينوي ذلك، بلا أي مجهود منه ..
استفاق من سعادته سريعًا، وأسرع نحو الخارج ليوقفها، لكنها كانت استقلت سيارتها وغادرت ..
هز رأسه بآسى، ثم أرسل لها رسالة عبر تطبيق الواتس آب
(البنت دي (مالك) أخويا بيحبها وهو اللي قالي أجيب الشوكولا ليها مش جايبها مخصوص عشانها يعني)
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
وصل (آسر) إلى مقر العمل في الفندق وهو يحمل كوبين من القهوة، كان أحدهما قهوته المعتادة، أما الآخر فكان يخفي داخله مشروبًا مختلفًا تمامًا، وضعه في كوب قهوة حتى لا يلفت الأنظار، كان يعلم جيدًا أن شقيقه لم يعترف أمام أحد بما يفضله حقًا، لذا تكفل هو بالمهمة كعادته، دلف إلى المكتب قائلًا بمرح وهو يرفع الكوبين
- جبتلك القهوة بتاعتك أهي عشان نعرف نشتغل على رواقة
رفعت (سدرة) رأسها إليه ببطء، وجدته يشرب من الكوب الخاص به، فقد كان الصداع يطرق رأسها بعنف منذ الصباح، حتى إن عينيها بدتا مرهقتين من فرط الألم، نظرت إلى الكوب الآخر الذي يحمله ثم قالت
- ممكن آخد كوباية القهوة دي؟ وهحاسبك عليها، وأنت ابقى هاتله كوباية تانية
تجمد (آسر) للحظة، أما (مالك) فشعر وكأن قلبه يكاد يقفز خارج صدره فجأة، ابتلع ريقه بصعوبة ونظر إلى شقيقه نظرة سريعة، قبل أن يحاول التظاهر بالهدوء ليتطوع شقيقه بقول
- خدي كوباية القهوة بتاعتي يا (سدرة)، ولا يهمك
هزت رأسها رافضة وقالت باستغراب
- هاخدها إزاي وأنت شربت منها؟ إنما بتاعت (مالك) محدش شرب منها
عض (مالك) على شفته السفلية في توتر بينما تنحنح (آسر) وهو ينظر بينهما، ثم هز كتفيه باستسلام، فقال (مالك) بضيق خافت موجَّهًا حديثه لشقيقه
- اديهالها .. اديهالها وأنا هروح أجيب غيرها
مد (آسر) الكوب نحوها بتردد، فالتقطته سدرة وهي تراقب نظراتهما المرتبكة لبعضهما البعض، شيء ما بدا غريبًا، خفضت بصرها إلى الكوب فقد كان باردًا، عقدت حاجبيها بدهشة، هل هي قهوة مثلجة؟
رفعت الكوب إلى شفتيها وارتشفت منه رشفة صغيرة،
وفي اللحظة التالية أغمضت عينيها تلقائيًا، لم تكن قهوة أصلًا بل لبن بالشوكولاتة، شعرت بابتسامة صغيرة تحاول التسلل إلى شفتيها رغمًا عنها، فحاولت كتمها، أما (مالك) فكان ينظر إلى سقف المكتب شاعرًا بالخجل، هاربًا من عينيها قبل أن تلتقي بهما، اقترب من (آسر) بسرعة وأمسك ذراعه
- تعالى نجيب كوباية تانية
ولم ينتظر ردًا، بل سحبه معه وفر هاربًا من المكان، سار (آسر) بجواره وهو يحدق فيه بعدم تصديق
- لا والله .. أصيلة (سدرة)، مفضحتكش وسط فريق العمل بتاعك
ازداد توتر (مالك) وهو يشيح بنظره بعيدًا
- ما هي عارفة أصلًا إني بحب اللبن بالشوكولاتة
توقف (آسر) في منتصف الطريق ونظر إليه بصدمة
- إخص! الله يخيبك .. أنت قولتلها؟!
تجاهل (مالك) السؤال تمامًا وأكمل سيره، بعد دقائق كان يقف أمام النادل وطلب منه كوب من القهوة، فرمقه (آسر) باستغراب
- إنت هتشرب قهوة بجد بعد السنين دي كلها؟
قاطعه (مالك) فورًا
- دي ليها مش ليا
ثم أضاف وهو يشيح بنظره
- عندها صداع .. أسيبها كده يعني؟
لم يستطع (آسر) منع ابتسامته، أما (مالك) فأعد لنفسه كوب من اللبن بالشوكولاتة المثلجة في أحد اكواب القهوة، ثم قال لشقيقه
- هات صحيح الشكولاتة اللي قولتلك جيبها ليها من المول
رفع (آسر) احدى حاجبيه وسأله
- وهتديهلها إزاي؟ ما هي هتقولك هحاسبك عليها هي كمان
ضحك (مالك) بخفة وهو يحك أرنبة أنفه
- متقلقش .. هتصرف
حصل على القهوة وكوب آخر من اللبن بالشوكولاتة أخفاه داخل كوب قهوة جديد، ثم عاد إلى المكتب، ما إن دخل حتى وجد (سدرة) ما تزال ترتشف من المشروب، تسللت عيناه إليها للحظة قصيرة قبل أن يتأكد أن بقية الموظفين منشغلون بأعمالهم، اقترب منها ووضع كوب القهوة أمامها وهو يقول
- جبتلك قهوة بجد عشان الصداع .. معلش، أصلّي مش بشربها
فهمت فورًا ما يحاول قوله، هزت رأسها بإيجاب وهي تخفي ابتسامة صغيرة، أخرج من جيب سترته قطعة شوكولاتة ووضعها أمامها
- والشوكولاتة دي .. هدية مع القهوة
ضيقت (سدرة) عينيها وهي تنظر إليه بشك، فتنحنح (مالك) سريعًا وقال
- نازلة أوفر النهاردة .. اللي ياخد كوباية قهوة ياخد شوكولاتة هدية
نظرت إليه نظرة طويلة جعلته يشعر بأنه مكشوف تمامًا أمامها، كانت تعلم أنه كاذب فهو لا يجيد الكذب، فخبط (مالك) كتف (آسر) الذي يقف بجواره وقال ليؤكد على حديثه
- مش دي هدية برده على كوباية القهوة؟
كاد (آسر) يختنق بالقهوة التي يشربها، التفت إليهما ثم قال وهو يحاول مجاراة تلك المسرحية
- من ناحية هدية فهي هدية فعلًا .. خديها ومتدقيش بقى
ضحكت (سدرة) أخيرًا، ليشعر هو بسعادة بالغة من تلك البسمة التي زينت ثغرها ثم أخرجت من حقيبتها ثمن كوب القهوة ومدته نحو (مالك) وهي تقول
- ماشي .. وأنا قبلت الأوفر والهدية .. شكرًا ليكوا بجد
ارتسمت ابتسامة على شفتي (مالك) تلقائيًا لكنها ما لبثت أن تلاشت قليلًا بعد كلمة (ليكوا) واو الجماعة تلك وما الذي فعله الأبله شقيقه كي تشكره عليه من الأساس ولما تقوم بشكر رجلًا آخر غيره من الأساس، ثم وبخ نفسه لكل تلك المشاعر الفائضة فهو أصبح متملك لأنها فسخت خطبتها وكأن رأيها ليس له قيمة، عليها أن تختاره بقلبها كما اختارها هو ..
❈-❈-❈
في نهاية الأسبوع ..
كانت (أوهيلا) قد اتخذت خطوة جادة في أن تُصلح علاقتها بوالدها أكثر وأكثر، طلبت منه أن تزور أشقائها، راغبة في فتح صفحة جديدة، وأن تشعر بسعادة فها هي لديها أشقاء مثل البقية عليها ان تتعرف عليهم، وتترك الماضى وتنساه ..
وصلت إلى منزل والدها، تجنبت الحديث مع زوجة أبيها (رغدة) التي قامت بتحيّتها تحية دبلوماسية، فهي لن تسامحها ابدًا فهي من كسرت وشوهت حبها لأبيها، لولا وجودها لكانت تنعم بحياة طبيعية مع والديها ..
تقدّمت نحو أشقائها الصغار (يوسف) الذى يبلغ من العمر ثماني سنوات و(مليكة) ذات الست سنوات، وجلست بجوارهما، تحتضنهما وتداعبهما، التقطت لهما بعض الصور، وسجلت مقاطع فيديو صغيرة وهي تضحك معهما، وقضوا معًا وقتًا لطيفًا لم تتخيل أن تكون بسعادة معهم إلى ذلك الحد ..
حتى استمعوا إلى صوت جرس الباب، قفز (يوسف) بحماس نحو الباب ليفتحه، وما إن مرّت لحظات، حتى دخل (مازن)، يقف عند العتبة متأملاً (أوهيلا) فقد كان يفتقدها حقًا ..
تأملته (أوهيلا) للحظات وهى ترى أنه لا يريد أن يرفع نظره عنها، عقدت حاجبيها محاولة تذكر ذلك الشخص، حتى تذكرت هذا هو العريس الذي كاد والدها يجبرها على الارتباط به، ما الذي أتى به الآن؟!
هي على يقين أن والدها لم يكن ليدعوه دون موافقتها، لقد تعاهدا على ذلك ..
نظرت في ساعتها لا يزال هناك ساعة كاملة على عودة والدها من العمل، هل يُعقل أن تتحمّل وجود هذا السمج كما اسميته في عقلها طوال تلك الساعة؟
اقترب (مازن) من الصغيرين وقال بابتسامة مصطنعة
- يلا يا (يوسف) ويا (مليكة) سبونا شوية لوحدنا عاوز أتكلم مع (أوهيلا) في حاجة
نظر الطفلان إليه ثم إلى (أوهيلا)، قبل أن يتحركا في صمت، بينما هي عضّت على شفتها بغيظ فهو سمج حتى لو كان وسيم سيظل سمج .. جلس بجوارها دون استئذان، وقال بنبرة حاول أن يجعلها نادمة
- (أوهيلا) .. أنا عارف إنّي المرة اللي فاتت كلمتك بشكل بايخ، بس كنت فاكر إنّك ممكن تعجبي بيا بالطريقة دي .. أنا فعلاً معجب بيكِ من زمان بس للأسف مش عارف أقرب منك دخلت من الباب وكلمت أونكل (شاكر) وكنت فاكر ده هيسهّل الأمور بس واضح إن العكس حصل
صمت للحظة ثم تابع
- بصراحة أنا مش عارف أعمل إيه تاني .. حتى بعتلك طلب صداقة ومقبلتهوش لحد دلوقتي
نظرت له (أوهيلا) ببلاهة، ثم قالت ببرود
- يعني إيه؟ أنت عاوز إيه بالظبط؟ مش فاهمة!
زفر (مازن) في ضيق، ثم قال بنبرة واثقة
- يعني فين المشكلة إننا نتجوز؟ تبعدي عن العك اللي في حياتك .. أنا بحبك زي ما إنتي رغم إن عندك عيوب كتير بس قلت بعد الجواز هتتغيري أو أغيّرك أنا ومش شايف أي مشكلة في اللي بقوله .. أنا شاب عندي ٣٠ سنة مهندس وجاهز من كل حاجة يعني أعتقد إني مناسب ليكي
بدأت (أوهيلا) تُحرّك قدمها بتوتر واضح، ثم قالت بلهجة قاطعة
- لو سمحت يا (مازن) .. أنا جاية أقعد مع إخواتي روح إنت اقعد مع خالتك .. أنا لا بفكر في جواز ولا ارتباط ولا أي حاجة شبه دي!
نظر لها بغيظ، وكتم غضبه وقال بنبرة قاطعة
- أنا جاي أصلاً مخصوص عشانك .. خالتي ممكن أشوفها في أي وقت، إنما أنا جاي أعرّفك على نفسي بجد!
زفرت (أوهيلا)، وقالت بصوت حاد
- هو بالعافية؟! أنا مش قادرة أفهمك .. بجد! أنا مش هدخل البيت ده تاني بسببك وبسبب خالتك .. كرهتوني في عيشتي!
نهضت لتأخذ حقيبتها مغادرة، لكنه تحرّك فجأة وأمسك يدها ليوقفها، هنا انفجرت لم تستطع تحمل الكثير من سخافته، صفعته بقسوة، ثم قالت بصوتٍ غاضب
- متمسكش إيدي تاني! قولت لأ يعنى لأا!
انصرفت من أمامه تركته جامدًا في مكانه، بينما تنفّست هي بعنف، وأسرعت نحو الباب قال وهو يكاد لا يتحكم في غيظه
- شايفة نفسك على إيه أصلاً؟! أنا هوريكي!
خرجت من المنزل بخطوات سريعة، ووجهها يشتعل غضبًا، هي لا تريد أن تخسر والدها وأشقائها، ولكن من الواضح أن زوجة أبيها لن تتوقف عن محاولاتها لأفساد فرحتها، بالتأكيد هي من أخبرت ذلك الوغد أنها ستكون في المنزل اليوم ..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
