-->

رواية جديدة حارة الدخاخني جـ 2 لأسماء المصري - الفصل 2 - الخميس 4/6/2026

الخميس, يونيو 04, 2026
تم النشر في: 4 يونيو 2026

 قراءة رواية حارة الدخاخني الجزء الثاني كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية حارة الدخاخني

الجزء الثاني

للكاتبة أسماء المصري


قراءة رواية حارة الدخاخني

الجزء الثاني 

 رواية جديدة قيد النشر

من روايات وقصص 

الكاتبة أسماء المصري



الفصل الثاني 

تم النشر يوم الخميس

4/6/2025


الفصل السابق

الثقة بالنفس أحيانا ما تجعل المرء ينس مكانته الحقيقية حتى يأت من يذكره بها، فتذهب تلك الثقة ادراج الرياح ولا يبق للإنسان سوى الشعور بالخذلان والضعف.

وقف بمنتصف صالة منزله وجميع الأعين متجهة نحوه وهو غير قادر على استيعاب ما يحدث له وهو الذي ظن أنه اتخذ كل وسائل الحماية لنفسه ولنفوذه ولكنه ها هو يقف مكتوف الأيدي لا يجد حل لمعضلته.

تنفس بعمق واقترب من زوجته الأولى ورمقها بنظرة فاحصة وتمتم بضيق:
-بتبعيني يا أم محمد!

لم ترد بل أشاحت وجهها عنه، فردت عنها ناهد تلك التي لم تكن تتحدث بجملة واحدة بأي تجمع:
-أنت اللي في ايدك الإختيار يا معلم.

التفت لها يرمقها بنظرات غاضبة واستمع لزوج ابنته الكبرى:
-يا عمي دي أوامر جت للكل وإحنا ما علينا إلا التنفيذ.

التفت لحمزة وصرخ به:
-كلملي أبوك حالا.

ابتسم الأخير بسمة مقتضبة غير مريحة ورد بجمود:
-منا قولتلك يا حمايا العزيز إن الامر جاي من فوق.

صرخ بحدة وصوت غليظ:
-بقولك كلمه، انا عارف إن له دخل في الحوار ده.

هنا لم تستمر صفية بالسكوت بل عقبت عليه بحدة مماثلة لحدته:
-ايوه يا رشوان، هو جاتله الأوامر يعاقبك يا بينا يا بملك، وعشان أنا عارفه إننا لو حطناك في اختيار هتختار ملك، فخدناها من قاصرها أنا وناهد ووافقنا على اوامرهم بأنك تطلقنا.

ابتلع ريقه ورقق صوته يسألها:
-اختارتي بالنيابه عني؟

أومأت تؤكد:
-ايوه عشان مش معقول هتطلق ملك وتسيب اللي في بطنها.

هز رأسه رافضا استنتاجها:
-مين قالك إن في أي حد عندي أغلى منك؟

انتبه الجميع لحديثه وهي التي لم تصدق حديثه وهو يتابع:
-معقول يا أم محمد، يا عشرة العمر يا أم العيال، أنا ممكن اتخلى عنك واسيبك، ده يبقى بموتي.

انتبه للصوت القادم من الخلف ويعرفه حق المعرفة:
-يبقى موتك هو الخطوة الجاية يا رشوان، ومش هوسخ ايدي بدمك عشان بنتي متشلهاليش، الناس بره هم اللي هيخلصو وأنا بعيد خالص عن الصورة.

انتبهت لوجوده الغير مرغوب به وحمزة يقترب منه يصافحه:
-بابا.

ولكن لحظة واحدة، ماذا يفعل أخيها برفقته وكأنهما صديقين، ولما يبتسم وكأنه انتصر بمباراة لكأس العالم؟ فلم تع لنفسها إلا وهي تقترب منهما فابتسم والدها على الفور وحاول أن يصافحها ولكنها ابتعدت عنه ونظرت ﻷخيها وسألته بصوت مهزوز:
-يوسف!

ابتسم لها ولم ينبت ببنت شفة فابتلعت تسأله:
-أنت بتعمل ايه هنا مع...

صمتت عن تلقيبه وهي تنظر لعزام فهتف هو متضايقا:
-مع بابا، مستكبره تقولي عني بابا يا ملك؟

صرخت به رافضة:
-أنا قولتلك إنك مش أبويا، أنا معرفكش.

بعالم آخر لم تكن لتتوقع أبدا أن يجتمع أخيها بغريمه بمكان واحد بل ويقفان بجوار والدهما وكأنهما اخوان كبرا وترعرعا معا، ولكن بهذا العالم الذي لم تعد تشعر أنها تنتمي له وجدت حمزة يصافح أخيها بحرارة والآخر يبتسم له بشكل ودود وطبيعي، فابتعدت خطوتين لتستمع لحوار رشوان لزوجته الأولى الغير مكترث لوجود زوجاته الثلاث الأخريات ويستمعن له:
-صفية، عايزة تطلقي مني بعد العمر ده كله؟

صمتت ونظرت لملك التي لم تستطع كبح عبراتها تنظر للجميع بنظرة عداء وحنق، فاقترب يوسف منها وأمسك راحتها يسألها باهتمام وجدته منفر لها:
-ملك، أنتي كويسه؟

نفت بحركة من رأسها وسألته:
-أنت بتعمل ايه هنا يا يوسف ومع الراجل اللي رمانا وسابنا نتبهدل السنين دي كلها؟

رد وهو مطرق رأسه:
-مهما حصل منه فهو في النهاية بابا، وجودي معاه أفضل 100 مرة من بعدي عنه ولا أنتي عاجبك حالتنا؟ ده انا بقيت ملطشه لده وده...

قاطعته صارخة:
-مين اللي خلاك ملطشه؟ مش هو اللي اترميت في حضنه بعد كل اللي عملته عشانك.

بكت وجلست تفرك راحتيها فاقترب عزام منها وجلس أمامها على ركبتيه يهمس لها:
-لو بس تديني فرصة، هتفهمي وتعرفي ابوكي ضحى بإيه عشانكم، وزي ما حمزة ويوسف قبلوني بعد ما سمعو مني، انتي كمان هتفهمي وتعرفي.

لم توافق على حديثه ولكنها صمتت مرغمة فهي ليست بوضع تستطيع معه النقاش أو المجادلة، صمتها جعل عزام يدلف لنهاية الصالة موقع طاولة الطعام ويمزح بأريحية وكأنه ببيته:
-أيه يا أم محمد مش هتأكلينا ولا ايه؟ ده ريحة الأكل تجنن.

ظل رشوان واقف مكانه ينظر للجميع وهم يتحركون صوب الطاولة وصفية ترحب بهم:
-اتفضلو ع السفرة وثواني والأكل يتحط.

نظرت لناهد وحثتها:
-تعالى يا ناهد ساعديني أرص السفرة.

جلسوا جميعاً ما عدا رشوان الذي ظل واقفا وملك تجلس أمامه على الأريكة شاردة، وماهيتاب التي اقتربت منه تربت عليه فوضع راحته على بطنها المنتفخة وربت هو الآخر عليها ولم يقطع تلك اللحظة سوى صوت عزام:
-ما تيجي تقعد يا رشوان ولا محتاج عزومة؟ ده أنت في بيتك يا راجل.

وقف رشوان أمامه منتصبا بطوله وسأله بوجوم:
-أنت عايز ايه يا عزام؟

استنكر حديثه ووقف من مكانه يسأله متفحصا وجهه:
-عزام! عزام كده من غير ألقاب.

رد وهو يصر على أسنانه:
-والله أنت طول عمرك بالنسبة لي فتحي، فأنت عايزني أقولك ايه ايه؟

ضحك الأخير ورد بشكل هزلي:
-قولي يا زوزو.

ضحك عاليا ولكنه سريعا ما تحول من الضحك للجدية وخشن صوته:
-انا عزام دويدار، رئيسك ورئيس رئيسك فشوف ينفع تقولي ايه وانت عارف مكانك ومكانتك كويس أوي يا رشوان.

شعر رشوان أنه تم محاصرته بشكل لا يصدق فخفض صوته وتكلم بتردد:
-ايه الترضية المناسبة عشان مطلقشهومش؟

ربت بسبابته على ذقنه يفكر ورد أخيراً:
-مفيش قدامك غير حلين يا رشوان عشان تثبت ولائك والناس بره تتأكد منه.

صمت مترقبا لحديثه وهو يعلم أن الطلبين أصعب من أن بنفذ أي منهما:
-يا تطلق ناهد وصفية يا تطلق بنتي، اختار.

خفض رشوان صوته اكثر يتوسله:
-فتحي، أنا عشت طول عمري بحافظ ع الشغل وعلى عيلتك وحاولت محسسهومش بغيابك وغصب عني حبيت ملك.

لم يعقب عليه وانتظره ينهي حديثه:
-مقدرش أطلق صفية، مقدرش اطلق الست اللي استحملتني واستحملت طبعي وصانتني كل السنين دي.

صر على أسنانه يشعر بالضعف وقلة الحيلة:
-مقدرش اسيب حب عمري.

لف حول نفسه وسط صمت الجميع ودهشتهم من حديثه ولم تستطع صفية منع نفسها من الابتسام والشعور بالرضا عن مدحه ومشاعره التي يعترف بها على الملأ:
-شوف حل تاني يا فتحي وأنا سداد.

غمز له المعني وحرك رأسه رافضا فابتلع رشوان ريقه وعلق:
أي حاجه مهما كانت رقبتي سداده.

رد عزام بفروغ صبر:
-مفيش أي حل تاني، اختار.

لف رأسه ينظر لصفية التي تغيرت نظرتها له وأظهرت ملامحها تلك المشاعر التي وئدتها بداخلها من سنوات والناحية الأخرى لملك الشاردة بعالم آخر لم يرجعها عن شرودها سوى رده المقتضب:
-يبقى هطلق، بس مش صفية.

وقف عزام امامه ينتظر لحظة انتصاره ففهم رشوان وقفته وملامحه وعلق:
-تكسب يا عزام بيه، الجولة دي لصالحك.

ترقب استكماله لحديثه راسما جمود كاذب:
-هطلق ملك.
~~~~~

عاد لمنزله دالفا محني الرأس، كتفيه مكهلين بما عرفه من معلومات لم يكن يعرفها من قبل عن عمل والده وأملاكه التي تعجب من امتلاكه إياها، وعن سبب موته ولا يستطيع أن يخبر أحدا بما عرفه ولا حتى أن يتحدث مع نفسه.

وما زادها عليه هو ذلك الشعور الذي تملكه بالآونة الأخيرة أن يكون والده لا زال على قيد الحياة مثلما حدث مع جيرانه وظهر لهم والدهم بعد كل تلك المدة.

ارتمى على الأريكة بإجهاد فخرجت سهر تتذمر بحنق:
-حرام عليك يا حسن الكنبه باظت من هدومك، قوم خد دش الأول وغير هدومك.

لم يصدر منه آية رد فعل وظل كما هو شاردا، وهي كعادتها ظنت ما ظنته انه شاردا بغريمتها ولكنها نفذت نصيحة أختها الكبرى ولم تحاول فتح سيرتها معه مجددا فجلست بجواره تهمس برقة:
-مالك يا أبو على؟
انتبه لصوتها القريب فرد بحزن:
-تعبان أوي يا سهر.

رمى رأسه على صدرها واحتضنها يتمتم بحزن:
-تعبان ومحتار ومش لاقي حد اتكلم وأفضفض معاه وآخد رأيه.

ابعدت وجهه عن صدرها قليلا لترى ملامحه الحزينة وقالت مبتسمة:
-أنا أهو يا حبيبي، مراتك وسرك وراحتك معايا.

اعتدل بجلسته وتنفس عميقا محركا رأسه يؤكد كلامها وسألها:
-لو قولتلك هتعرفي تفيديني ولا هتسمعي وتواسي وتخافي وخلاص.

بالطبع هي لا تزال بقوقعة ملك وتظن أنه سيحدثها عنها كما فعل من قبل فشعرت بغصة حلقها تتسع ليصعب عليها بلع ريقها وأومأت والنيران تندلع بصدرها:
-هعمل اللي ربنا يقدرني عليه يا حسن.

التفت لها وبدأ يقص عليها تلك الأحداث التي شغلت باله بالآونة الأخيرة منذ أن تم اختطافة من قبل ذلك الرجل الذي ظنه الجميع بالبداية أنه شقيق فتحي، ليتضح الأمر بعدها أنه هو نفسه فتحي أو عزام أيهما أصح.

فلاش باك 
ظل يفرك يده متألما بسبب ربطهم لها بقوة فابتسم عزام معتذرا:
-حقك عليا يا حسن، الرجاله اتغاشمت شويه معاك، المهم مستعد تسمع وتعرف كل حاجه؟

أومأ وقد فقد صوته لبرهة والآخر يخبره:
-أنا وأبوك كنا أصحاب الروح بالروح ومن بلد واحدة واتربينا سوا وكبرنا سوا و...

قاطعه يسأله:
-أنت عم يوسف وملك؟

نفى برأسه واتسعت بسمته:
-انا فتحي يا حسن.

لمعت عينيه وصمت غير مصدق والآخر يشمر ساعده الأيمن ليظهر ذلك الجرح الغائر وترك أثره به بعد مرور تلك السنوات:
-فاكر الجرح ده؟ 

أومأ حسن والآخر يستطرد:
-كنا في تسليمه وهجم علينا البوليس واتصابت وأبوك جابني البيت عندكم وأنا غرقان في دمي، خاف يدخل بيا عند أم يوسف أحسن تتخض وهو اللي طلعلي الرصاصة وكواها.

أومأ وقد تذكر والده وهو يأمره بتسخين سكين على النار حتى يكوي به الجرح فتابع عزام قصه للماضي:
-من اليوم ده ومن قبله وأبوك صاحبي وحبيبي واللي آمنت على عيلتي معاه لحد الندل ما قتله عشان يستفرد هو بعيلتي.

لم يفهم تماما الحديث فسأله:
-هو أبويا إزاي جابك غرقان في دمك وأنت بتقول أنك كنت في تسليمه ممنوعات، أبويا ماله ومال الشغلانه دي.

بالطبع هو يتذكر أنه تأكد منذ أن كان بالخامسة عشر من عره أن والده يعمل بنفس ما يعمل به أهل حارته من تهريب للممنوعات، ولكنه أراد تصديق والده أنها كانت مرة واحدة حاول بها أن يرفع من قدر ومنزلة عائلته المالية، ولكن ها هو رفيق والدة يؤكد ما لا يريد أن يصدقه:
-أبوك كان شغال معانا يا حسن، احنا في البر وهو في البحر.

صمت فتابع الأول يكمل:
-مشكلته أنه عمل كام عمليه لحسابه وده وصل للناس بره.

سأله حسن:
ناس مين؟

رد الأخر موضحا:
-أصحاب الشغل وأصحاب الفلوس وأصحاب البضاعة، أصحاب الليلة يا حسن.

هز رأسه متفهما وإلى الآن لم يسأله من يقصد بالندل الذي قتل والده:
-وقتها جت أوامر أنه يتصفى عشان اشتغل لحاله بس انا اتوسطله عند الناس بره عشان يسامحوه، بس الندل الجبان انتهز الفرصة وخلص عليه قبل ما يوافقو أو يرفضو طلبي وطبعا محدش قدر يغلطه لأنه من وجهة نظرهم نفذ الأوامر.

ظل حسن صامتا ولم يسأله بأي أمر حتى هتف عزام:
-مش عايز تعرف مين اللي قتل أبوك؟

رد مفرجا عن نصف ابتسامة مقتضبة ارتفع بها جانب شفته اليمنى:
-مش محتاجه تفكير، أكيد قصدك المعلم رشوان.
~~~~
بلحظة غير متوقعة هتف بتلك الكلمات التي جعلت الجميع بحالة صدمة وأولهم ملك التي اقتربت منه ترفع بصرها لوجهه تستدر عطفه وتتوسله:
-هتطلقني يا رشوان؟ أنا؟ هونت عليك تطلقني؟

أطرق رأسه ليتحاشى منها تلك النظرات التي تقتله ولم يستطع أن يخبرها بما تمتمه بداخله:
-أنا كنت واخدك أمان ليا ولمكانتي بس حبيتك، حبيتك أكتر من نفسي بس أنتي عمرك ما هتقبلي بيا.

ظل صامتا والكلمات تنفجر برأسه:
-عيزاني إزاي اضحي بفلوسي وأملاكي وبصفية كمان وأنتي حتى مش قابله بيا بأي شكل؟ لو بس ادتيني أمل إننا ممكن في يوم من الأيام نبقى حاجه! لو بس حسيت بتجاوب منك زي ما حسيته من ماهي مكنتش اختارت إني اسيبك، بس كنت مستحيل أطلق صفية برده، كان عندي استعداد استغنى عن العالم كله إلا أنتي وصفية بس انتي اللي اختارتي فراقنا.

صمته وشروده بها جعلها تثور بحدة:
-رد عليا، هتضحي بيا أنا يا رشوان؟

من يراها يظن أنها واقعة بالعشق حد الثمالة ولا يعلم أي من الواقفين أنها فقط تريده ليساعدها بثأرها من والدها البغيض وأخيها الخبيث، وها ذا ينضم لهما شقيقها الذي ضحت بالغالي والنفيث ﻷجله:
-طيب وابنك اللي في بطني ده هروح بيه فين؟

رد عزام بالتو:
-أنتي أصغر من انك تبقى ام يا ملك، اللي في بطنك ده لازم ينزل عشان تخرجي من الجوازه دي بأقل الخساير.

التفتت له تصر على أسنانها بغل:
-أقل الخساير؟ أنت شايف إن اللي حصلي ده أقل الخساير؟

وقبل أن تكمل حديثها رن جرس الباب لتجده صفوت واللواء هاشم ومعهما المأذون، فاختنق تنفسها وهي تفكر بداخلها:
-انتقامي منكم كلكم جاي بس بالدور وكنت عايزه ابدأ بعزام بيه عشان هو أقوى واحد فيهم وهحتاج مساعدة رشوان، بس دلوقت خلاص كل حاجه باظت ورجعت لنقطة الصفر.

جلس المأذون يفتح دفتره ليبدأ إجراءات الطلاق:
-هاتو بطايقكم عشان أكتب البيانات.

غمز رشوان لصفوت يخبره:
-ابعت ايميل للناس بره إن رشوان رجع لعقله وهينفذ الأوامر من غير نقاش.

فهم المستمع أنه رضخ للتهديد وسيطلق تلك الصغيرة، ففرح لابنته تلك العاشقة بجنون:
-حالا يا عزام بيه.

انفرد بنفسه ليرسل هذا البريد الإلكتروني وعزام يقترب منه مادا راحته:
-بطاقتك يا رشوان.

اخرج هويته من جيب بدلته وناوله إياها وبدأ المأذون بتدوين البيانات وبعدها طلب:
-بطاقة الزوجة؟

التفت عزام لابنته يطلب بدون أن يتحدث فتلعثمت وهي ترد:
-مش معايا.

ابتسم والدها بسمة واسعة وأخرج هاتفه وفتح معرض الصور مخرجا صورة من هويتها وناولها للمأذون:
-بطاقتها اهي.

وجدت نفسها قد حُشرت بذلك الركن ففكرت وفكرت حتى هداها عقلها أن تفقد الوعي، فألقت بجسدها عمداً وبقوة تتسطح على الأرض فاقدة للوعي أو هكذا هيئ للجميع، فهرع كل من رشوان وحمزة الأقرب لها بإسنادها وتبعهما عزام ويوسف يحاولوا إيفاقتها وعندما وجدوا أنها لا تزال فاقدة للوعي حملها حمزة على الفور وهتف لوالده بخضة:
-بابا، لازم نروح المستشفى حالا.

نزل الدرج بسرعة كبيرة ولحق به والده وأخاه وقاد للمشفى القريب وتبعهم رشوان وصفية وانتظر البقية داخل منزل رشوان.

وصل المشفى وحملها هارعا للداخل يستدع الطبيب:
-عايز دكتر بسرعة.

أحضر الممرض سرير متحرك فتركها حمزة وابتعد عندما دلف الممرض لمكان الطوارئ.

ظلوا بالخارج مدة لا بأس بها وكانت صفية قد هاتفت والدة ملك لتخبرها بما حدث فجاءت مسرعة ومتلهفة لترى فلذة كبدها.

لحظات كالدهر مرت عليهم جميعا حتى خرج الطبيب يحدثهم بجدية وعيونه مرتكزة على كل من يوسف وحمزة:
-مين فيكم جوزها؟

اقترب رشوان ووقف أمامه هاتفا:
-انا يا دكتور.

ملامح التعجب التي ارتسمت على محياه لم تكن خفية بل جعلت عزام يخرج بسمة سخرية فبالطبع ظن الطبيب أنها زوجة أي من الشابين الواقفين وليس ذلك الكهل الخمسيني، حتى وإن كان شكله لم يتأثر بالعمر كثيراً:
-الحقيقة المدام عندها صدمة نفسية شديدة وده أثر عليها و...

قاطعه عزام بسؤاله المُلح:
-البنت حامل يا دكتور، طمني الحمل نزل؟

هز رأسه متسائلا:
-حضرتك تقرب لها ايه؟

رد الأخير بقوة وصوت خشن:
-انا أبوها.

أومأ نافيا عندما كرر عزام سؤاله عن حالة الجنين:
-الحمد لله الحمل سليم ومستقر إلى حد ما بس لازم تشوفو إيه سبب لها الحالة دي عشان ميحصلش أجهاض لا سمح الله و...

قاطعه عزام من جديد:
-أيوه يعني الحمل سليم ولا في خطر أنه ممن ينزل؟

رد الطبيب بعملية:
-الحمل سليم وقوي كمان ولو حصل واتعرضت لنفس الحالة دي مرة تانية فاحتمال نزوله مش هيكون هو المشكلة يا فندم لأن نزوله هيبقى خطر على حياة الأم نفسها.

تدخل رشوان يسأله وقد تغيرت ملامحه لملامح غير مفهومة:
-أقدر أشوفها يا دكتور؟

صرخت والدتها على الفور:
-وأنا، أنا أمها.

هز الطبيب رأسه:
-مفيش مشاكل تقدروا تدخلوا كل اتنين بس متطولوش اكتر من 5 دقايق.

دلفت والدتها ووالدها معا بعد أن تخطى رشوان بتحد جعل الأخير يتراجع للخلف حتى لا يثير حنقه، وجلست والدتها على حافة الفراش تقبل يدها ورأسها:
-ألف سلامه عليكي يا ملوكه، ألف بعد الشر عليكي يا حبيبتي.

لم تعلق وظلت صامته فربت عزام على ذراعها ماسحا إياه صعودا وهبوطا بصوت حنون:
-الحمد لله إنك بخير يا بنتي.

ظل صمتها هو حديث الغرفة فرمقها بنظرة جادة:
-مش عايزة تردي على بابا؟

صرت على أسنانها فهو لا يعلم كم تؤرقها تلك الكلمة وتؤلمها:
-طيب مش عايزة تطمني ماما عليكي؟

نفد صبرها فهتفت:
-فين رشوان؟ أنا عايزه جوزي لو سمحتم.

وقف مكانه ورمق والدتها بمعنى هيا لنخرج ففعلت ودلف رشوان الذي ظل واقفا بالقرب من الباب ينظر لها واجما غاضبا وقد ظن بها السوء، ولكنه لا يستطيع التحدث وكل أعداؤه بالخارج ينتظرن غلطة واحدة منه.

فهمت هي نظرته فضحكت ساخرة من نفسها فاقترب منها يسألها بغل وقد استفزه ضحكها:
-شكلي بيضحك أوي كده؟ طبعا ما أنا الحمار اللي عايش معاكي زي أبوكي وأنتي حامل من غيري.

صفعته صفعة مؤلمة على وجهه ارتد هو على إثرها متفاجئا وصرخت به بصوت حرصت أن لا يُسمع لمن بالخارج:
-أخرس قطع لسانك، مش قبل ما تتهمني إتهام زي ده تقدر الأول اللي عملته عشان أخرج من الحصار اللي كنت فيه من شوية! هي دي جزاتي؟

جلس بجوارها محاولا كتم غضبه فهي الأولى بحياته التي تجرأت بصفعه بتلك الطريقة الهادرة للكرامة ناهيك عن فرق العمر بينهما الذي جعل الصفعة أكثر إهدارا للكرامة:
-الدكتور بيقول إنك حامل، فإيه يا ترى اتفقتي معاه ولا ايه؟

أومأت صارة على أسنانها تقص له ما حدث منذ لحظات بسيطة عندما دلفت غرفة الطوارئ مع الطبيب وفريق التمريض

فلاش باك
بداخل غرفة الطوارئ جلست ملك فور أن أيقنت أنها بمفردها مع الأطباء فتعجب الطبيب وابتسم:
-عامله نفسك مغمي عليكي ليه يا قمر؟ عندك امتحانات ولا ايه؟

بالطبع ملامحها تخبر الجميع عن عمرها الحقيقي ولكنها صححت له الأمر:
-بصراحه انا محتاجه مساعدتك أرجوك.

توسلها له بالوجه الملائكي هذا جعله يوافق ولكن ليس قبل أن يسألها:
-تسمك ايه طيب عشان نعرف نتكلم؟

ردت بصوت مهزوز وقلق:
-ملك.

ابتسم الطبيب على الفور وقال:
اسم على مسمى يا ملك.

وافق أن يستمع لها فاخبرته:
-بابا وأخواتي عايزين جوزي يطلقني وانا مش عايزة اتطلق فأرجوك قول لهم أي حاجه تخليهم يخافوا يزعلوني.

انتبه لحظة لما تفوهت به وسألها:
-انتي متجوزة؟

أومأت تخبره كذبا:
-وحامل، وهم عازينه يطلقني أرجوك ساعدني.

أومأ لها وسألها:
-حامل في أد ايه؟

أجابت كذبا:
-شهرين وشويه.

هز رأسه متفهما وسألها:
٠-هم عارفين إنك حامل؟

أومأت فهتف:
-مع إن اللي بتطلبيه ده خارج أمانتي المهنية وبره تخصصي ﻷن دي مشاكل عائلية أنا مليش دخل بيها، بس مفيش مشكلة لو كدبه بيضة ممكن تحل مشكلتلك مع جوزك وأهلك لحد ما تلاقي حل بالهدوء والتفاهم.

أومأت وهي غير مهتمة لسماع حديثه لا عن شرف مهنته ولا عن أسس العلاقات الأسرية، فسألته بفروغ صبر:
-طيب هتقولهم ايه؟

رد فوراً:
-هقولهم صدمة نفسية وعملت اجهاض منذر ولازم ناخد بالنا ومحدش يضغط على أعصابها عشان الجنين.

كادت أن توافق، ولكنها متاكدة أن خبر إجهاضها سيكون أكثر من مفرح لوالدها لذا أوضحت:
-معلش يا دكتور مش هينفع تقول كده ﻷن أهلي ما هيصدقوا عشان الحمل ينزل لازم حاجه تكون فيها خطر عليا أنا شخصيا عشان يشيلو فكرة الطلاق دي من دماغهم خالص.

تفهم الأمر وقال أخيراً:
-تمام يبقى مش هنغير كتير في الكلام، كل الحكاية هزود إن لو حصل إجهاض هيكون فيه خطر على حياتك يمكن ساعتها يخافو عليكي ويفكرو قبل ما يضغطو عليكي بحاجه.

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة أسماء عادل المصري، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏