بيت الضراير - الفصل 42 | فاطمة الزهراء

تاريخ النشر: 3-6-2026



قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الثاني والأربعون

تم النشر الأربعاء 

3/6/2026


الفصل السابق


أمسكت كاميليا بهاتفها وهي تشعر بنوع من الارتياح، واتجهت فوراً لغرفة جيهان. طرقت الباب ودخلت لتجدها جالسة بهدوئها المعتاد، فقالت لها بابتسامة مشجعة:
ـ جيهان.. تامر لسه باعت لي رقم السواق اللي يوسف اختاره، وبيقول إنه خلاص زمانه على وصول بالعربية الجديدة.
نظرت إليها جيهان، ورغم ملامح التعب، إلا أن بريقاً من الإصرار ظهر في عينيها وقالت بنبرة حانية:
ـ تمام يا كاميليا.. اجهزي إنتي عشان هننزل دلوقت. الوقت بيجري والوقت مش في صالحنا، وعاوزة أنزل معاكي نشتري بقية حاجتك علشان فرحك.. لازم نكون جاهزين قبل المعاد ومانزنقش نفسنا في الآخر.
دمعت عينا كاميليا من التأثر؛ فرغم كل ما تمر به جيهان من آلام نفسية وجسدية، لم تنسَ شقيقتها وفرحتها. اقتربت منها وضمتها بحب شديد وهي تهمس:
ـ ربنا يخليكي ليا يا جيهان.. أنا مش عاوزة أتعبك، بس وجودك معايا في ذوقك وحاجتي هو اللي هيخليني فرحانة بجد.
في هذه الأثناء، كان يوسف قد وصل إلى منزله الخاص. لم يكن يريد أن يظهر أمامها ببدلة العمل الرسمية التي تذكره بـ يوسف المتسلط؛ بل أراد أن يتقمص الدور الذي اختاره لنفسه بصدق. دخل غرفته وبدل ثيابه سريعاً، فارتدى قميصاً بسيطاً وبنطالاً مريحاً يسهل حركته خلف المقود، ونظر لنفسه في المرآة نظرة أخيرة.. كانت نظرة رجل قرر أن يحني رأسه للعاصفة كي يحمي من يحب.
خرج يوسف، وركب السيارة الجديدة التي استلمها من المعرض، وانطلق بها نحو منزل جيهان. كان قلبه يخفق بشدة كلما اقترب من الشارع؛ فهي المرة الأولى التي سيواجهها فيها وهو في مركز الضعف أو بمهنة اختارها ليكون قريباً منها فحسب.
بذل يوسف مجهوداً خرافياً ليحافظ على ثبات يده فوق عجلة القيادة بينما تقترب السيارة من منزل جيهان. كان القلق ينهش صدره، لكنه اتخذ قراره ولن يتراجع عنه مهما كلفه الأمر؛ فأن يكون سائقاً تحت نظرها، أهون عليه مئات المرات من أن يتركها لغريبٍ لا يأتمنه عليها.
توقف أمام مدخل البناء، وضغط على كلاكس السيارة بلمسة خفيفة متقطعة، كإشارة لوصول السائق المنتظر. في الداخل، كانت جيهان تتكئ على كاميليا وهما تهمان بالخروج، وعند سماع الصوت، تبادلتا نظرة سريعة، وقالت كاميليا بابتسابحة باهتة:
ـ أهو السواق وصل يا جيهان.. يلا بينا يا حبيبتي.
خرجتا من باب العمارة، وكانت جيهان تمشي بخطواتها المترددة مستندةً على عكازها، وعيناها تبحثان عن السائق الغريب الذي أرسل تامر رقمه. لكن، وما إن اقتربتا من السيارة، حتى انفتح باب السائق وخرج منه يوسف بثيابه البسيطة المريحة.
تسمرت جيهان في مكانها، واتسعت عيناها بذهول جمد الدماء في عروقها، بينما شهقت كاميليا بصوت مسموع وهي تهمس:
ـ يوسف؟! إيه اللي جابك هنا؟
لم ينطق يوسف بكلمة، بل اتجه بهدوء وثبات نحو الباب الخلفي للسيارة وفتحه على مصراعيه، ثم وقف بجانبه بظهر مفرود ورأس منحنٍ قليلاً في وضعية السائق الرسمي، ونظر إلى الأرض متجنباً الصدام المباشر مع عيني جيهان.
قطعت جيهان الصمت بصوت يرتجف من الصدمة والغضب المكتوم:
ـ إنت بتعمل إيه هنا يا يوسف؟ وفين السواق اللي تامر بعت لنا رقمه؟
رفع يوسف نظره إليها ببطء، وكانت عيناه تحملان مزيجاً من الانكسار والإصرار، وقال بنبرة هادئة ورخيمة:
ـ أنا السواق يا جيهان.. الرقم اللي معاكي ده رقم تليفوني التاني اللي خصصته للمهمة دي. أنا اللي هسوق بيكي، وأنا اللي هوديكي في كل مشاويرك.. اتفضلي اركبي عشان ما نتأخرش على مشوارك إنتي وكاميليا.
كانت الدقائق تمر ثقيلة كأنها ساعات، جيهان واقفة في مكانها، يدها تضغط على العكاز بقوة حتى ابيضت مفصل أصابعها، وعيناها تدوران بين يوسف الواقف بجمود وبين السيارة الجديدة التي أصبحت فجأة ساحة معر.كة جديدة. كاميليا من خلفها كانت تراقب المشهد بنظرات غامضة، صامتة، وكأنها تزن الأمور بميزان العقل؛ هل هذا جنون أم ذروة الحب؟
كسرت جيهان الصمت، وقالت بنبرة حادة يغلفها العناد:
ـ أنا طلبت سواق يا يوسف.. سواق غريب، مش جوزي اللي وراه ميت مصلحة وشركة وموظفين. أنا مش عاوزة حد يتفضل عليا بوقت.
رد يوسف بهدوء لم تعهده فيه من قبل، وكأنه امتص كل غضبها مسبقاً:
ـ وأنا قولت لك إني أنا السواق.. مفيش حد غريب هيخاف عليكي زيي، ولا حد هيستحمل مشاويرك وتعبك قدي.
ضاقت عينا جيهان وقالت بسخرية:
ـ والشغل؟ والشركة؟ أنا محتاجة حد متفرغ، حد لما أعوز أخرج في أي وقت ألاقيه موجود، مش حد استنى لما يخلص اجتماعاته علشان يتكرم ويوصلني!
خطا يوسف خطوة صغيرة نحوها وقال بصوت واثق:
متقلقيش.. الشركة ليها اللي يديرها، وتامر موجود، وأنا من النهاردة مشاويرك هي شغلي الأول والأخير. لو احتاجتيني في نص الليل، هتلاقيني واقف قدام الباب قبل ما تلبسي طرحتك.
احتدت نظرات العناد بينهما، شرارة التحدي كانت واضحة؛ جيهان تريد استقلالاً كاملاً، ويوسف يريد احتواءً كاملاً. وفي لحظة مفاجئة، وبدلاً من أن تستمر في الجدال، تحركت جيهان بآلية نحو الباب المفتوح، ركبت في المقعد الخلفي وهبدت الباب بقوة زلزلت أركان السيارة، تعبيراً عن غضبها الذي لم ينطفئ بعد.
تبادلت كاميليا ويوسف نظرة سريعة؛ نظرة كانت تحمل الكثير من المعاني، ثم التفتت كاميليا وركبت بجوار شقيقتها من الناحية الأخرى. أغلق يوسف الباب خلفه، واتجه لمقعد القيادة بوقار غريب، عدل المرآة الداخلية ليلمح وجه جيهان الذي كان يشيح بالنظر نحو النافذة، ثم أدار المحرك وانطلق بالسيارة بهدوء شديد، وكأنه يخشى أن تؤذي حركة السيارة تلك الجروح غير المرئية التي تسكن جسد زوجته.
كانت كاميليا تجلس في المقعد الخلفي بجوار شقيقتها، تشعر وكأنها تجلس فوق فوهة بر.كان؛ فالهواء داخل السيارة كان ثقيلاً لدرجة الاختـ.ناق. كانت تنظر لـ جيهان التي تيبست ملامحها وهي تحدق في الفراغ خارج النافذة، ثم تنقل بصرها إلى يوسف الذي كان يقبض على عجلة القيادة بهدوء مريب، وكأنه يروض غضبه وكبرياءه مع كل دورة للمحرك.
كسر يوسف الصمت بصوت هادئ ومنضبط، موجهاً كلامه للمرآة الأمامية حيث تظهر كاميليا:
ـ تحبوا تروحوا فين الأول؟ العنوان فين بالظبط؟
ردت كاميليا بصوت خفيض وهي تملي عليه اسم المول التجاري والعنوان، محاولةً أن تبدو طبيعية لتخفيف حدة التوتر. أومأ يوسف برأسه دون تعليق، وانطلق بهدوء شديد، حريصاً على تجنب أي مطبات أو حركات مفاجئة قد تزعج جيهان.
وصلوا أخيراً إلى وجهتهم، وتوقف يوسف أمام المدخل الرئيسي. وقبل أن تتحرك جيهان، نزل يوسف من خلف المقود بسرعة ودار حول السيارة ليفتح لها الباب، ومَدّ يده ليساعدها على الإمساك بعكازها والترجل.
نظرت جيهان ليده الممدودة بجفاء، وتجاهلتها تماماً وهي تستند على كاميليا لتنزل بصعوبة. وقفت جيهان لثوانٍ تستجمع قوتها، ثم قالت بنبرة جافة وآمرة وهي لا تنظر إليه:
ـ استنانا هنا.. مش عاوزه لما ننزل نفضل ندور عليك. خليك في العربية لغاية ما نخلص ونكلمك.
لم يبدُ على يوسف أي ضيق من لهجتها، بل انحنى برأسه قليلاً كأي سائق محترف وقال برسمية:
ـ أنا موجود يا مدام.. مش هتحرك من مكاني. خدي وقتك خالص، ولو الحاجة كانت تقيلة عليكي كلميني أطلع أشيلها.
لم ترد جيهان، بل استدارت وتحركت مع كاميليا نحو المصعد بخطواتها الثقيلة والمؤلمة، تاركةً يوسف يقف بجوار السيارة الجديدة. تنهد يوسف بعمق وهو يراقبهما حتى اختفتا داخل المول، ثم عاد وجلس في مقعد السائق، يسند رأسه على عجلة القيادة. كانت هذه المرة الأولى التي يوضع فيها في هذا الموقف؛ زوجته تعامله كأجير، والناس تمر من حوله تظنه سائقاً خاصاً، لكنه في قرارة نفسه كان يشعر بنوع من الراحة الغريبة.. فهو على الأقل الآن يعلم أين هي، ومع من تتحدث، ويحميها بوجوده القريب.
❈-❈-❈
بدأت جيهان تتنقل بين أروقة المحلات الكبرى، ورغم الألم الذي كان ينهش جسدها مع كل خطوة، إلا أنها كانت ترفض الاستراحة، وكأنها تستمد قوتها من العناد الذي سكن قلبها منذ الصباح. كانت تنتقي أرقى الأقمشة ومستلزمات العروس بعناية فائقة، بينما كانت كاميليا تتبعها بقلق، تحاول موازنة فرحتها بأغراض زفافها وبين خوفها على شقيقتها من الإجهاد.
كلما انتهت جيهان من شراء مجموعة من الأغراض، كانت تمسك هاتفها ببرود وتتصل بـ يوسف:
ـ إحنا خلصنا، اطلع استلم الأكياس ونزلها العربية.. وإياك تتأخر.
كان يوسف يصعد فوراً، يظهر أمامها في ثوانٍ بملامحه الهادئة، يأخذ الأكياس الثقيلة من يد كاميليا أو من موظفي المحل دون أن ينطق بكلمة اعتراض واحدة. كان يراقب وجه جيهان الشاحب، ويرى قطرات العرق البسيطة على جبينها من التعب، فيحـ.ـترق من الداخل شوقاً ليقول لها "كفاية يا جيهان وارتاحي"، لكنه كان يكتفي بهز رأسه وتنفيذ الأوامر، مدركاً أن أي كلمة شفقة منه الآن ستقابل بانفجار.
في أحد المحلات الكبيرة، جلست جيهان على مقعد وثير لتستريح قليلاً بينما كانت كاميليا تعاين بعض الفساتين. دخل يوسف ليأخذ دفعة جديدة من الحقائب، فوقعت عيناه على جيهان وهي تدلك ساقها المصابة بتعب شديد. اقترب منها خطوة، وبصوت خفيض لا يسمعه غيرها قال:
ـ جيهان.. إنتي تعبتي أوي النهاردة. ممكن نأجل الباقي لبكرة وأنا هجيلك في أي وقت تحبيه.
رفعت جيهان نظرها إليه بحدة، وقالت بنبرة جافة:
ـ إنت مجرد سواق يا يوسف.. والسواق وظيفته ينفذ مش يقرر. لما أتعب وأعوز أروح هقولك.. خد الحاجة وانزل استنانا تحت.
تراجع يوسف والوجع يملأ عينيه، لم تكن الكلمة جارحة بقدر ما كانت النظرة التي ترافقت معها؛ نظرة خالية من أي مودة قديمة. حمل الأكياس وغادر بصمت، عائداً لانتظاره المرير في السيارة.
استمرت جيهان في التسوق لساعتين إضافيتين، تشتري وتأمر ويوسف ينفذ، حتى امتلأت شنطة السيارة عن آخرها بأغراض الزفاف. كانت تشعر بنوع من الانتصار القاسي وهي تراه يتحول لسائق لطلباتها، لكنها في أعماقها كانت تشعر بمرارة لا تقل عن مرارته.
كانت جيهان قد وصلت إلى أقصى درجات الإجهاد، فارتسم الشحوب على وجهها، وأدرك يوسف من نظرة عينيها أنها لم تعد تقوى على الوقوف. ومع ذلك، حين عرض عليها المساعدة، أبت أن تمنحه لذة الانصياع لرغبته، وقالت بلهجة جامدة:
ـ رجعنا البيت يا يوسف.. وبكرة هنبقى نكلمك لما نحتاج نخرج تاني.
أومأ يوسف برأسه دون جدال، وانطلق بالسيارة في هدوء تام. وفي طريق العودة، توقف أمام أحد المطاعم الشهيرة، ونزل سريعاً ليحضر حقائب من الأطعمة الجاهزة المغلفة بعناية، مدركاً أن كاميليا لن تجد وقتاً للطبخ بعد هذا الماراثون الشاق، وأن جيهان بحاجة لغذاء يقويها.
عند وصولهم إلى باب المنزل، ترجلت جيهان من السيارة بآلية، وسحبت عكازها وتحركت نحو الداخل دون أن تلتفت خلفها أو تنطق بكلمة شكر واحدة، وكأن السائق الذي أوصلها ليس سوى آلة. بقيت كاميليا تقف بجانب السيارة، تنظر بأسى إلى يوسف الذي كان يفرغ الأكياس الثقيلة من الحقيبة الخلفية.
قالت كاميليا وهي تحاول حمل بعض الأكياس:
ـ هات يا يوسف، أنا هدخل الأكياس دي بالراحة.. تعبناك معانا النهاردة.
ساعدها يوسف في نقل الأكياس حتى مدخل الشقة، ثم مد يده إليها بحقائب الطعام وقال بنبرة يغلب عليها التعب والوهن:
ـ خدي الأكل ده يا كاميليا.. خلي جيهان تاكل كويس هي والبنات. وأنا هكلم تامر يجيب البنات من عند بابا هو، أنا فعلاً مش قادر.. حاسس بإرهاق وتعب مش طبيعي.
نظرت إليه كاميليا بشفقة حقيقية؛ فيوسف الذي كانت تعرفه بصلابته وقوته، بدا أمامها الآن رجلاً محطماً، يحاول لملمة شتات نفسه لمجرد البقاء قريباً من زوجته. لم تنطق بكلمة، بل أخذت منه الطعام وأومأت برأسها، وبمجرد أن استدار ليغادر بخطوات ثقيلة، أغلقت الباب بهدوء، تاركةً خلفها تساؤلات كثيرة عما سيحمله الغد لهذا البيت المتصدع.
دخل يوسف إلى منزل والده بخطوات متثاقلة، يحمل في يده كيسًا صغيرًا يحتوي على نفس نوع الطعام الذي اشتراه لـ جيهان؛ وكأنه بهذا الفعل البسيط يحاول مشاركتها أي شيء، حتى ولو كان مذاق وجبة في مكانين متباعدين.
كان تامر ينتظره في الصالة على أحر من الجمر، وبمجرد أن رآه نهض مسرعًا وسأله بقلق:
ـ كل ده تأخير يا يوسف؟ قلقتني عليكم.. إيه اللي حصل؟ وليه جيهان ماردتش عليا؟
رد يوسف بصوت خافت ومنهك، متجنبًا النظر في عين أخيه:
ـ مفيش.. المشوار كان طويل شوية. خد البنات وديهم لجيهان دلوقت يا تامر، هي محتاجاهم جنبها.
في تلك اللحظة، اقتربت سميرة ونظرت إلى يوسف بتمعن، ثم قطبت حاجبيها باستغراب وقالت:
ـ إيه اللي أنت لابسه ده يا يوسف؟ وإيه الهدوم دي؟ أنت مش خرجت الصبح ببدلة الشغل؟
انتبه تامر هو الآخر لملابس يوسف الكاجوال البسيطة التي لا تتناسب مع وقار صاحب شركة، وسأله بدهشة:
ـ صحيح يا يوسف.. أنت غيرت هدومك فين؟ ورحت فين باللبس ده؟
شعر يوسف أن أسوار السرية التي بناها بدأت تضيق عليه، ولم يكن يملك الطاقة لشرح مرارة دور السائق الذي لعبه طوال اليوم، أو كيف أهانته جيهان بكلماتها. زفر بضيق وقال بنبرة قاطعة:
ـ أنا تعبان.. مش قادر أتكلم ولا أناقش أي حاجة دلوقت. أنا طالع أوضتي أرتاح، وتامر.. من فضلك ودي البنات فورًا.
صعد يوسف الدرج دون أن ينتظر ردًا، تاركًا سميرة وتامر في حيرة من أمرهما. دخل غرفته وأغلق الباب، ثم جلس على الفراش ينظر إلى كيس الطعام بجمود، بينما كان تامر يلملم حقائب الصغيرات ويخرجهن من المنزل متوجهًا بهن إلى شقة جيهان، وهو يشعر أن خلف هدوء يوسف هذا عاصفة لم تهدأ بعد.
دخل تامر الشقة بصحبة البنات اللواتي ركضن فوراً نحو غرفتهن، والتفت نحو كاميليا التي بدت عليها علامات الإجهاد والشرود. سألها بفضول وهو ينظر حوله:
ـ ها يا كاميليا.. قولي لي، السواق اللي يوسف جابه ده طلع عامل إيه؟ مريح في التعامل؟ وجيهان تقبلت وجوده ولا قلبت الدنيا؟
حاولت كاميليا أن تكون متزنة في ردها، وتذكرت نظرة يوسف المنكسرة وهي تغلق الباب، فقررت أن تحفظ سره مؤقتاً وقالت بإيجاز:
ـ أهو سواق يا تامر.. نفذ اللي انطلب منه وساق بهدوء، واليوم عدى على خير الحمد لله. المهم إننا خلصنا جزء كبير من طلبات الفرح.
لم تطل الجلسة، فقد شعر تامر أن الأجواء مشحونة ولا تحتمل كثرة الأسئلة، فاستأذن وغادر متجهاً لمنزل والده، وعقله لا يزال يبحث عن تفسير لحالة يوسف الغريبة وملابسه التي رآها بها.
بمجرد رحيله، أخذت كاميليا أكياس الطعام الدافئة ودخلت بها إلى غرفة جيهان. وجدتها جالسة في سريرها، مسندة رأسها إلى الخلف وعيناها مغمضتان من فرط التعب. وضعت كاميليا الطعام أمامها وقالت بصوت ناعم:
ـ يوسف بعت لك الأكل ده.. بيقولك لازم تاكلي علشان تقدري تقومي بكرة.
فتحت جيهان عينيها ببطء، ونظرت إلى الطعام بتردد. مَدّت يدها وبدأت تأكل في صمت، لكن غصة في حلقها كانت تجعل البلع صعباً. في كل قضمة، كانت تتذكر ملامحه اليوم؛ كيف كان يفتح لها الباب بصمت، كيف تقبل كلماتها الجارحة دون رد، وكيف تحول يوسف الذي يهاب الجميع سطوته إلى مجرد ظل يتبع أوامرها وعنادها دون أن يشتكي.
كانت نظراته المنكسرة تلوح أمامها، ومع ذلك، كان كبرياؤها يمنعها من الاعتراف بأن ما يفعله ينم عن حب يفوق الوصف. نظرت لكاميليا وقالت بصوت مبحوح:
ـ هو مشي؟
أومأت كاميليا برأسها وقالت: 
ـ مشي وهو مش قادر يصلب طوله يا جيهان.. يوسف النهاردة كان بيحارب نفسه علشانك.
ساد سكون تام في الشقة بعد أن اصطحبت كاميليا الصغيرات إلى غرفتهن، وأغلقت الباب خلفهن بهدوء، تاركةً جيهان وحيدة مع أفكارها التي كانت أشد ضجيجاً من أي صوت.
كانت الإضاءة في الغرفة خافتة، وجيهان مازالت جالسة في مكانها، تنظر إلى الفراغ المحيط بها بذهول. لمست بيديها طرف الفراش، ثم نظرت إلى عكازها المركون بجانب السرير، ومرت أمام عينيها شريط أحداث اليوم كفيلم سينمائي طويل.
تذكرت وقفة يوسف عند باب السيارة، تذكرت انحناءة رأسه وهي تأمره بجفاء، وتذكرت رائحة الطعام الذي أحضره لها رغم إهانتها له. في تلك اللحظة، لم تجد في قلبها غضباً كافياً لتستمر في قسوتها، بل وجدت حيرة تمزق روحها.
همست لنفسها بصوت مكسور كأنه تنهيدة:
ـ يا ترى مين فينا اللي ظلم التاني يا يوسف؟ إنت اللي كسرتني بأنانيتك وتحكمك.. ولا أنا اللي بدبحك دلوقتي ببرودي وعنادي؟
كان السؤال معلقاً في الهواء دون إجابة. شعرت بمرارة لأنها تراه يتألم ومع ذلك لا تستطيع مسامحته، وشعرت بوجع أكبر لأنها تكتشف كل يوم أن يوسف حتى وهو في أسوأ حالاته، لا يمكنه التخلي عنها.
على الجانب الآخر، في غرفته، كان يوسف كان يوسف يحدق في سقف الغرفة، يشعر بكل كلمة قالتها جيهان كأنها طعـ.ـنة، لكنه كان يبتسم بوجع لأنه استطاع على الأقل أن يكون بجانبها طوال اليوم، يحميها من عثرات الطريق ويراقب أنفاسها عن قرب.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

2 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل