-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 43 - الأحد 7/6/2026

الأحد, يونيو 07, 2026

تاريخ النشر: 7-6-2026



قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الثالث والأربعون

تم النشر الأحد 

7/6/2026


الفصل السابق


في اليوم التالي جلس يوسف خلف مكتبه، لكن عقله لم يكن في أوراق الشركة ولا صفقاتها. كان هاتفه موضوعاً أمامه على المكتب، يراقب شاشته بتركيز وهدوء مريب، ينتظر تلك الرنة التي ستعلن حاجتها إليه، حتى لو كانت بصيغة أمر لسائق.
دخل تامر المكتب، وكان واضحاً على وجهه أنه لن يخرج قبل أن يفهم ما حدث بالأمس. جلس أمام يوسف وسأله بنبرة مباشرة:
ـ يوسف، إحنا أخوات.. إيه اللي حصل امبارح؟ اختفيت فين باللبس ده؟ وليه قفلت على نفسك من ساعة ما رجعت؟
تردد يوسف للحظة، صراعه الداخلي بين كبريائه كرجل وبين رغبته في الفضفضة لأخيه كان عنيفاً، لكنه في النهاية زفر بعمق وحسم أمره وقرر أن يخبر تامر بكل شيء؛ عن دور السائق، وعن وقوفه أمام المول، وعن كلمات جيهان القاسية.
كان تامر يستمع وعلامات الذهول ترتسم على وجهه شيئاً فشيئاً. يوسف، الأخ الأكبر المتسلط الذي لا يقبل أن يملي عليه أحد إرادته، يقبل أن يكون سائقاً ويُعامل بجفاء وندية!
قال تامر بنبرة يملؤها العجب والشفقة:
ـ أنت يا يوسف؟ أنت تعمل كل ده؟ تذل نفسك بالطريقة دي علشان ترضيها؟ يوسف، اللي بتعمله ده فوق طاقة أي راجل.. جيهان غضبها عميها، وممكن تتمادى أكتر لو شافت استسلامك ده.
اعتدل تامر في جلسته وأكمل بجدية:
ـ أنا مش هسمح بده يكمل.. أنا هدور على سواق فوراً النهاردة، ومحدش هيعرف إنك كنت أنت اللي بتسوق، وهننهي المهزلة دي.
لكن يوسف رفع عينه ونظر لأخيه بنظرة قاطعة، نظرة أعادت لتامر هيبة يوسف القديمة، وقال بهدوء:
ـ الموضوع انتهى يا تامر.. أنا اللي بدأت المشوار ده وأنا اللي هكمله. مش هسيب جيهان لغريب، ولا هسيبها تروح وتيجي وهي في الحالة دي بعيد عن عيني. لو هي شايفة إني سواق، فأنا راضي.. المهم أكون جنبها.
خرج تامر من المكتب وهو يشعر بضيق شديد وحزن يعتصر قلبه. كان يشعر بالشفقة على أخيه؛ فرغم كل أخطاء يوسف السابقة، إلا أن تامر لم يكن يحتمل أن يرى أخاه يُهان أو يُقلل من شأنه بهذا الشكل، حتى لو كان ذلك من زوجته.
كانت جيهان تجلس في غرفتها، والصرّاع داخلها لا يهدأ؛ جزء منها يريد الاستمرار في تأديب كبرياء يوسف، وجزء آخر يهمس لها بأن البنات بحاجة لاستقرار، وأن ما يفعله يوسف هو محاولة يائسة منه للاعتذار بطريقته الخاصة.
قطع حبل أفكارها صوت طرقات على الباب. انقبض قلبها للحظة ظنت فيها أن يوسف قد جاء بنفسه، لكن سرعان ما تبدد هذا الشعور حين سمعت صوت ندى وسميرة في الصالة. استقبلتهما كاميليا بترحاب، ودخل الجميع لغرفة المعيشة حيث كانت الأكياس والتحضيرات تملأ المكان.
بدأت سميرة تتحدث بحنان عن ترتيبات الفرح وتدعو لكاميليا بالتوفيق، بينما كانت ندى تدور حول الأغراض بإعجاب، ثم قالت بعفوية وحماس:
ـ بقولك إيه يا جيهان.. أنا عرفت من تامر إن يوسف جاب لك سواق مخصوص وعربية جديدة علشان راحتك. ده خبر يجنن! بما إن السواق موجود وتحت أمرك، إيه رأيكم ننزل كلنا سوا دلوقت؟ في شوية حاجات ناقصاني أنا وسميرة للفرح، ونكمل بالمرة بقية حاجات كاميليا، ونلف بالعربية الجديدة وننبسط!
تسمرت جيهان في مكانها، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها. لم تكن ندى تعلم أن هذا السائق هو أخوها يوسف! فكرة أن يرى الجميع يوسف في هذا الوضع، أو أن تضطر ندى وسميرة للركوب معه وهو يمثل دور السائق، كانت كابوساً لم تتوقعه جيهان.
نظرت جيهان إلى كاميليا بقلق شديد، وكأنها تستنجد بها لتجد مخرجاً من هذا المأزق. كاميليا هي الأخرى ارتبكت؛ فهي تعلم أن يوسف في مكتبه الآن ينتظر أمر جيهان، ولو اتصلت به جيهان أمامهم، ستنكشف الخطة فوراً أمام ندى وسميرة.
ساد صمت مفاجئ في الصالة، وتبادلت جيهان وكاميليا نظرة سريعة مليئة بالرعب والقلق؛ ففكرة أن السواق الذي تتحدث عنه ندى بحماس هو نفسه يوسف، كانت كفيلة بقلب الأمور رأساً على عقب.
تنحنحت كاميليا محاولةً استعادة ثباتها الانفعالي، وقالت بصوت هادئ جداً لكي لا يظهر ارتباكها:
ـ بقولك إيه يا ندى.. بلاش السواق والعربية الجديدة النهاردة، العربية لسه أوراقها مخلصتش في المعرض وفي إجراءات ناقصة، ومينفعش نتحرك بيها في الشارع علشان ميتعملش لجيهان مشاكل مع المرور وتتحجز العربية.
نظرت لها ندى بدهشة وقالت: 
ـ بجد؟ دي جيهان كانت راكبة فيها امبارح!
ردت كاميليا بسرعة: 
ـ ما هو علشان كدة يوسف قال بلاش النهاردة لغاية ما الورق يكمل، مش عاوزين نلفت النظر.
اقتنعت ندى قليلاً وقالت بعفوية: 
ـ طيب بسيطة.. أنا هكلم تامر يجي ياخدنا كلنا بعربيته، أهو منها نكون مع بعض ومنها تامر يسلينا في المشوار.
في هذه اللحظة، شعرت جيهان وكأن جبلًا من الهم قد انزاح عن صدرها، لكنه استُبدل بقلق جديد من حضور يوسف المفاجئ في أي لحظة. وتحت ضغط وجود سميرة وندى بجانبها، سحبت هاتفها بسرعة من تحت الوسادة، وبأصابع ترتجف كتبت رسالة لـ يوسف:
ـ ماتجيش النهاردة.. مش محتاجة السواق في حاجة، خليك مكانك.
في مكتب الشركة، اهتز هاتف يوسف. التقطه بلهفة ظناً منه أن جيهان تطلب منه الحضور، لكن ملامحه تجمدت وهو يقرأ الكلمات. شعر بطعـ.نة في كبريائه؛ هل هي ترفض وجوده لهذه الدرجة؟ أم أن هناك خطراً يهدد سرهما؟
حاول الاتصال بها فوراً ليفهم ماذا يحدث، لكن جيهان كانت ترى شاشته تضيء باسمه فترتبك أكثر وتتجاهل الرد أمام سميرة وندى.
في هذه الأثناء، دلف تامر إلى مكتب يوسف وعلى وجهه علامات التعجب، وقال وهو يمسك هاتفه:
ـ يوسف.. ندى لسه مكلماني، بتقول إن عربية جيهان فيها مشكلة في الورق وعاوزيني أروح أوديهم مشوارهم. أنا هتحرك دلوقتي أروحلهم، إنت كنت عارف موضوع الورق ده؟
تغيرت ملامح يوسف في ثانية واحدة؛ فبعد أن كان التجهم يكسو وجهه والضيق ينهش صدره من رسالة جيهان، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ابتسامة ارتياح وفهم. أدرك الآن أن جيهان لم ترفضه هو، بل كانت تحميه وتحمي كبرياءه من الانكشاف أمام أخته وضرتها.
استند يوسف بظهره إلى مقعده، وارتسمت على ثغره ابتسامة هادئة حملت الكثير من الارتياح بعدما فهم المقصد من رسالة جيهان؛ فهي لم تكن تطرده، بل كانت تستر عليه وتحميه من نظرات سميرة وندى. لقد أدركت جيهان أن وقوف زوجها أمام ضرتها بزي السائق سيجرح كبرياءه ويقلل من شأنه، فاختارت أن تداري عليه بتلك الحجة.
كان تامر يراقب تبدل ملامح أخيه بحذر شديد، فجلس أمامه وقطب حاجبيه قائلاً بنبرة يملؤها القلق والغضب المكتوم:
ـ إيه يا يوسف؟ بتضحك على إيه؟ أنا بقولك ندى لسه مكلماني وبتقول إن ورق العربية فيه مشكلة وعاوزيني أروح أوصلهم.. ده معناه إن جيهان منعتك تروح النهاردة، إيه اللي يخليك تبتسم كدة وأنت شايف الدنيا بتتعقد؟
هز يوسف رأسه ببطء وهو لا يزال محتفظاً بابتسامته، وقال بصوت منخفض:
ـ بضحك عشان جيهان يا تامر.. هي اللي اخترعت حكاية ورق العربية دي علشان تداري عليا قدام ندى وسميرة. خافت منظري يبقى وحش قدام ضرتها وأنا لابس لبس السواق وبفتح لها الباب.. جيهان رغم كل اللي بينا، لسه باقية على كرامتي ومش عاوزة سميرة تشوفني في الوضع ده.
لم تلطف هذه الكلمات من حدة تامر، بل ازداد حذره وضرب بقبضته خفيفاً على المكتب قائلاً:
ـ يوسف فوق بقى! إنت فرحان إنها دارت عليك؟ جيهان بتعمل كدة علشان هي نفسها محرجة من اللي بتعمله فيك، ومقدرة إن الفضيحة هطولها هي كمان لو سميرة عرفت! إنت فاهم إحنا بنلعب بالنار قد إيه؟ لو سميرة شمت خبر أو ندى لاحظت ارتباككم، البيت كله هيــ.ـتهد فوق دماغنا.
نظر تامر ليوسف بنظرة حازمة وأكمل:
ـ أنا هروح لهم دلوقتي علشان ألم الموضوع وأمنع الكارثة دي إنها تكبر، بس لازم تعرف إن الوضع ده مش هينفع يستمر. إنت بتهين نفسك وهي بتداري الإهانة دي بحجج واهية. أنا هقوم بالدور ده مكانك النهاردة علشان مصلحة البنات وعلشان نلم الشمل، بس لازم تلاقي حل غير تمثيلية السواق دي يا يوسف قبل ما الكل يعرف ونبقى سيرة على كل لسان.
تنهد يوسف بعمق، وأدرك أن خوف تامر في محله، فرد بجدية:
ـ عندك حق يا تامر.. روح إنت دلوقتي، وخليك جنبها، وطمن ندى وسميرة إن موضوع الورق ده بسيط وأنا هخلصه. أنا مقدر خوفك، بس صدقني.. دي أول مرة أحس إن جيهان لسه بتفكر في شكلي قدام الناس.
قام تامر من مكانه وهو يرتدي سترته بوجه عابس، وقال وهو يهم بالخروج بحذر:
ـ أتمنى يكون إحساسك صح يا يوسف، وماتكونش مجرد محاولة منها علشان تهرب من المواجهة. أنا هتحرك دلوقتي، وربنا يستر من اللي جاي.
وصل تامر إلى أسفل منزل جيهان والضيق ينهش صدره، ليس فقط من الموقف، بل من الحذر الذي يجب أن يغلف كل نظرة وكل كلمة. رفض الصعود تماماً؛ فهو يعلم أن ملامح وجهه قد تفضح السر الذي يشاركه مع يوسف، وخشي أن يرى الجميع في عينيه نظرة شفقة أو ارتباك.
أخرج هاتفه واتصل بـ ندى قائلاً باختصار:
ـ يا ندى، أنا تحت البيت.. انزلوا يلا علشان نلحق نخلص المشاوير، مش عاوز أضيع وقت في الركنة والزحمة.
هبطت النسوة تباعاً؛ جيهان تستند على عكازها وبجانبها كاميليا، تتبعهما ندى وسميرة. وبسبب حالة قدمها، ركبت جيهان في المقعد الأمامي بجوار تامر، بينما استقرت ندى وسميرة وكاميليا في الخلف. كان تامر يقود السيارة بصمت غريب، يهرب من الأحاديث الجانبية بالتركيز في الطريق، بينما كانت جيهان تشعر بنظراته التي تلاحقها عبر المرآة أحياناً.
وصلوا إلى المول التجاري، وبمجرد الدخول، اتجه تامر مباشرة نحو أحد الكافيهات الداخلية وقال بنبرة مجهدة:
ـ بقولكم إيه.. أنا مش قادر ألف في المحلات، هقعد هنا في الكافيه ده، وخلصوا أنتوا براحتكم ولما تنتهوا كلموني.
فاجأتهم جيهان بقرارها حين قالت وهي تجلس على أول مقعد في الكافيه:
ـ روحوا أنتوا يا بنات مع كاميليا.. أنا رجلي تعبتني جداً من مشوار العربية ومش هقدر ألف دلوقتي، هقعد مع تامر أرتاح شوية وأحصلكم كمان شوية.
نظرت ندى وسميرة لها ببعض الدهشة لكنهما وافقتا، وانطلقتا مع كاميليا نحو منطقة المحلات. بقي تامر وجيهان وجهاً لوجه في الكافيه، ساد صمت ثقيل بينهما، تامر ينظر لقهوته وجيهان تنظر للفراغ، وكلاهما يعلم أن هناك الكثير ليُقال بعيداً عن أعين البقية.
❈-❈-❈
طلب تامر وجيهان القهوة، وجلسا في ركن بعيد عن صخب المتسوقين. ساد الصمت لحظات قبل أن يقطعه تامر بنبرة هادئة لكنها تحمل عتاباً مغلفاً بالوجع على شقيقه:
ـ ليه يا جيهان؟ ليه وافقتي إن يوسف يعمل في نفسه كدة؟ أنا عارف إنه غلط في حقك، بس يوسف في الآخر راجل، وإهانته بالشكل ده صعبة.. خصوصاً إنه بيلغي شخصيته تماماً قدامك.
نظرت جيهان إلى فنجان قهوتها بشرود، ثم رفعت عينيها نحو تامر وقالت بصدق:
ـ صدقني يا تامر، أنا عمري ما قصدت الإساءة ليوسف.. يوسف قبل ما يكون زوجي وأبو بناتي، هو ابن عمي. أنا مش ناسية ده أبداً.
صمتت قليلاً لتلتقط أنفاسها وتابعت:
ـ بس هو اللي صمم، هو اللي اختار يفرِض وجوده بالطريقة دي علشان يثبت ليا إنه ندمان. ولو كنت بتعمد إهانته فعلاً زي ما إنت فاكر، كنت وافقت إنه يجي معانا النهاردة قدام سميرة وندى، وكنت خليته يفتح لي الباب ويشيل الشنط قدامهم.. لكن أنا مش بالأنانية دي يا تامر، ولا يرضيني أبداً إن صورته تتهز قدام ضرتي أو أخته.
تنهدت بعمق وأكملت:
ـ أنا منعته يجي النهاردة علشان أحافظ على كرامته اللي هو نفسه استهان بيها علشان يرضيني.. أنا بس محتاجة وقت، والجرح اللي جوايا لسه بينزف.
نظر إليها تامر بتمعن، وشعر لأول مرة أن جيهان ليست جلادة كما ظن، بل هي امرأة ممزقة بين كرامتها المجروحة وبين حب قديم لابن عمها لا تستطيع اقتلاعه. انفتحت ملامحه قليلاً وقال:
ـ يعني إنتي لسه خايفة عليه يا جيهان؟ الرسالة اللي بعتيها له دي كانت علشان تحميه مش علشان تطرديه؟
نظرت إليه جيهان بنظرة حادة ملؤها الجدية والكبرياء، وقالت بصوت واثق رغم نبرة الحزن الكامنة فيه:
ـ أنا عمري ما فكرت ولا هفكر في يوم إني أهين زوجي قدام حد، يا تامر. كرامة يوسف من كرامتي، وهيبته قدام الناس هي هيبة بناتي.
صمتت للحظة وكأنها تستجمع شتات جرحها، ثم تابعت بمرارة:
ـ يوسف جرحني مرة واتنين وعشرة، وكسر قلبي بجد لما اتجوز عليا مرة والتانية، لكن الفرق بيني وبينه إني لسه عارفة الأصول. هو استهان بكرامتي كست وكزوجة، لكن أنا مش هرد له الإساءة بنفس الأسلوب ولا هسمح لسميرة أو غيرها إنها تشوفه في وضع قليل.. حتى لو كان هو اللي اختار الوضع ده لنفسه.
ارتشفت رشفة من قهوتها وأكملت وهي تنظر في عيني تامر مباشرة:
ـ أنا بس عاوزه يحس باللي أنا حسيته، يحس إنه بقى على الهامش زي ما خلاني سنين. لكن إهانة علنية؟ لا يا تامر، جيهان بنت عمك متعملش كدة أبداً.
شعر تامر بهيبة كلمات جيهان، وأدرك أن موقفها اليوم لم يكن قسوة، بل كان قمة الرقي في الخصومة. كانت تحميه من نفسه ومن شماتة الآخرين، وهو أمر لم يتوقعه تامر في ظل غضبها الشديد.
قال تامر بصوت هادئ وممتن:
ـ أنا دلوقتي فهمت يا جيهان.. ومقدر جداً اللي عملتيه النهاردة. يوسف لو عرف إنك عملتي كدة علشان تحافظي على صورته قدام سميرة، نظرتك عنده هتتغير تماماً.
ابتسمت جيهان لتامر بهدوء، وكأنها وجدت في حديثه المتزن مخرجاً لضيقها، وشعرت براحة لأنها تتحدث مع شخص يفهم أصول العائلة ويقدر صراعها الداخلي.
تامر، بذكائه المعهود ورغبته الصادقة في لم شمل العائلة، قرر أن يخطو خطوة جريئة. سألها بنبرة هادئة ومترقبة:
ـ يا جيهان، بعد كل اللي قولتيه ده.. وبعد ما شوفت إنك لسه بتخافي على كرامته قدام سميرة.. هل فيه أمل؟ هل فيه فرصة ولو واحد في المية إنك تسامحي يوسف وترجعي له؟
في تلك اللحظة، استغل تامر شرود جيهان وهي تفكر في الإجابة، وبحركة سريعة وغير ملحوظة تحت الطاولة، فتح هاتفه وضغط على رقم يوسف. لم يستغرق الأمر ثوانٍ حتى أجاب يوسف بلهفة وقلق:
ـ تامر! في حاجة حصلت؟ جيهان كويسة؟
لكن تامر لم يرد، بل ترك الهاتف مفتوحاً ليسمع يوسف كل كلمة. صمتت جيهان طويلاً، ثم تنهدت بعمق وقالت بصوت خافت غلب عليه الشجن:
ـ يوسف هو اللي كسر الأمل ده يا تامر.. بس لو سألتني عن قلبي، فأنا لسه مش قادرة أكرهه. ابن عمي وأبو بناتي وحبي الأول مستحيل يتمحي بكلمة. المسامحة محتاجة منه هو اللي يثبت إنه فعلاً اتغير، وإنه مستعد يضحي بجد عشان يرجع جيهان اللي كانت ملكه لوحده.
على الطرف الآخر من الهاتف، كان يوسف يستمع والدموع تحجر في عينيه. كلماتها لم تكن مجرد إجابة، بل كانت طوق نجاة أعاد له الحياة مجدداً. شعر أن كل ذل دور السائق وتعب اليومين الماضيين قد تلاشت أمام اعترافها الضمني بأنها لا تزال تحبه.
ابتسم لها تامر بامتنان، وشعر أن مهمته في تقريب المسافات قد بدأت تؤتي ثمارها، خاصة وهو يعلم أن يوسف لا يزال على الطرف الآخر من الهاتف، يمتص كل حرف نطقته.
أغلقت جيهان حقيبتها واستعدت للنهوض وهي تضغط على عكازها، وقالت بهدوء:
ـ أنا هقوم أشوفهم دلوقتي.. زمانهم تاهوا في المحلات، ومحتاجة أكون معاهم علشان أساعد كاميليا في الاختيارات، وندى وسميرة كمان ميزعلوش.
أومأ تامر برأسه، وبحركة سريعة أغلق الخط مع يوسف بعد أن اطمأن أن الرسالة وصلت كاملة، وقال لجيهان وهو ينهض معها:
ـ تمام يا جيهان.. روحي إنتي وأنا هستناكم تحت في العربية، علشان أول ما تخلصوا نتحرك علطول قبل الزحمة.
اتجهت جيهان نحو المصعد بخطواتها الوئيدة، وهي لا تدري أن الكلمات التي قالتها لتامر قد أحيت قلباً كان يظن أن العودة مستحيلة. بينما بقي تامر مكانه للحظات، ينظر في هاتفه ويبتسم، فقد نجح في إدارة الموقف بذكاء وحافظ على كرامة الجميع.
كان يوسف في مكتبه يطير من السعادة، فكلمات جيهان كانت بمثابة صك غفران مؤقت أعاد له الأمل الذي فقده. لم يتمالك نفسه، فأمسك بهاتفه واتصل بتامر فوراً، وبمجرد أن أجاب تامر، قال يوسف بصوت يرتجف من الحماس:
ـ تامر.. أنا جاي حالا! مش قادر أقعد في المكتب أكتر من كدة، أنا لازم أروح لهم المول وأكون معاهم.
شعر تامر بالارتباك وحاول كبح جماح أخيه المندفع، فرد عليه بنبرة هامسة وحازمة في آن واحد:
ـ إهدا يا يوسف! تروح فين؟ إنت لو ظهرت دلوقتي جيهان هتفهم إني قولت لك كل حاجة، وممكن تقلب الدنيا وتفتكر إننا بنخطط من وراها.. الصبر يا يوسف، بلاش تسرع يهد كل اللي عملناه في ثانية.
حاول يوسف الاعتراض، لكن تامر قاطعه قائلاً:
ـ اسمع كلامي.. جيهان لسه قايلة إنها بتخاف على كرامتك، وده معناه إنها بدأت تلين، بس هي لسه محتاجة وقت تحس فيه إنك فعلاً اتغيرت. خليك مكانك وأنا هساعدك، وهفضل معاك خطوة بخطوة لغاية ما ترجعوا لبعض.. بس النهاردة لازم اليوم يكمل هادي زي ما هي خططت.
سكت يوسف قليلاً وهو يحاول السيطرة على مشاعره، وأدرك أن نصيحة تامر هي الأصح لكي لا تشعر جيهان بأي ضغط أو تلاعب.
بذلت جيهان مجهوداً مضاعفاً وهي تصعد في المصعد لتستعيد قناع البرود والقوة؛ فهي لا تريد لأي علامة من علامات التأثر أو اللين أن تظهر على وجهها أمام سميرة. وبمجرد أن وصلت إليهن، رسمت ابتسامة هادئة وقالت بنبرة عادية:
ـ ها يا بنات.. عملتوا إيه؟ خلصتوا ولا لسه فيه محلات تانية؟
التفتت إليها ندى ببهجة قائلة: 
ـ إيه ده يا جيهان؟ وشك نور فجأة، شكل القعدة مع تامر ريحتك!
رمقتها جيهان بنظرة سريعة محذرة وقالت: 
ـ أبداً يا ندى، بس ارتحت من المشي شوية. وروني اختياراتكم.
ظلت جيهان تتنقل معهن ببطء، تبدي رأيها في الأقمشة والمشتريات باهتمام مصطنع، بينما كانت سميرة تراقبها بصمت وحذر، وكأنها تبحث عن أي ثغرة تفهم من خلالها ما يدور في عقل ضرتها. كاميليا، التي كانت تفهم شقيقتها جيداً، حاولت تخفيف العبء عنها بالإسراع في إنهاء الشراء.
بعد فترة، أعلنت جيهان بحسم:
ـ يالا بينا يا جماعة، تامر مستنينا تحت من بدري ومش عاوزه يزهق، كفاية كدة النهاردة.
هبطت النسوة جميعاً في المصعد، وكانت جيهان تشعر بثقل الحقائب والتوتر، لكنها ظلت متماسكة. وبمجرد خروجهن من باب المول، وجدن تامر يقف بجوار السيارة بملامح هادئة، لكن عينيه كانت تبحث في وجه جيهان عن أي أثر للحديث الذي دار بينهما.
فتح تامر أبواب السيارة لهن، وبمجرد أن استقرت جيهان في المقعد الأمامي وسميرة وندى وكاميليا في الخلف، تحرك بالسيارة في هدوء. كان الصمت هذه المرة مختلفاً، فجيهان شاردة في كلمات اعترافها، وتامر يشعر بانتصار صغير، بينما يوسف في مكتبه يعد الثواني بانتظار مكالمة من أخيه تخبره أنهم وصلوا بسلام.

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏