-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 44 - الأربعاء 10/6/2026

الأربعاء, يونيو 10, 2026

تاريخ النشر: 10-6-2026



قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الرابع والأربعون

تم النشر الأربعاء

10/6/2026


الفصل السابق


بعد أن استقر الجميع في السيارة، حاول تامر كسر حاجز الصمت الذي خيّم على الرحلة، فالتفت إلى جيهان وبقية الجالسين في الخلف وقال بنبرة ودودة:
ـ بقولكم إيه، الجو النهاردة جميل ومايتفوتش.. إيه رأيكم نتعشى كلنا في مطعم كويس قبل ما نرجع؟ أنا عازمكم النهاردة.
وافقت ندى بحماس، بينما لم تبدِ سميرة اعتراضاً، وأومأت جيهان برأسها بالموافقة وهي تشعر بالامتنان لمحاولة تامر تلطيف الأجواء وقضاء وقت هادئ بعيداً عن ضغط اليوم.
بمجرد وصولهم إلى المطعم وانشغالهم باختيار الطاولة، استلّ تامر هاتفه وبسرعة أرسل رسالة نصية إلى يوسف ليطلعه على المستجدات ويجعله يطمئن:
ـ إحنا وصلنا المطعم وهنتعشى بره دلوقتي.. خليك هادي وفي مكانك، أنا معاهم وهبلغك أول ما نخلص علشان تكون عارف.
جلس الجميع حول الطاولة في أجواء عائلية، وبدأ تامر يوزع اهتمامه عليهم ليجعل الجلسة تبدو طبيعية تماماً، بينما كانت جيهان تراقبه بهدوء وهي تشعر بالراحة لوجوده الذي أضفى نوعاً من الاستقرار على هذا اليوم الطويل.
بعد أن ركبت جيهان في المقعد الأمامي واستقرت سميرة وندى وكاميليا في الخلف، ابتعد تامر خطوتين عن السيارة بحجة إجراء مكالمة سريعة، واتصل بـ يوسف ليهمس له بحذر:
ـ يا يوسف، إحنا اتحركنا خلاص. خلي بالك سميرة معايا في العربية، يعني مش عاوزين أي حركة تلفت النظر. أنا هوصل جيهان وكاميليا الأول وبعدين هرجع بـ ندى وسميرة.. فاعمل حسابك.
رد يوسف بصوت يملؤه التصميم:
ـ تمام يا تامر أنا عامل حسابي.. أنا هتحرك دلوقتي عند بابا هاخد البنات منه وأطلع بيهم على بيت جيهان. لما توصلوا هتلاقوني هناك معاهم، وبكدة وجودي يبان طبيعي جداً قدام سميرة والكل، إني مجرد أب جايب بناته لبيت أمهم بعد ما قضوا اليوم عند جدهم.
أدرك تامر أن خطة يوسف ذكية، فهي تضمن له رؤية جيهان وفي نفس الوقت توفر له غطاءً مقنعاً أمام سميرة، فقال له:
ـ ماشي يا يوسف، فكرة معقولة.. بس بالله عليك خليك هادي وما تبينش أي حاجة لجيهان تخليها تشك إني بلغتك باللي حصل في الكافيه. يلا سلام.
ركب تامر السيارة وهو يحاول ضبط ملامحه، وقال بابتسامة عادية:
ـ معلش يا جماعة اتأخرت عليكم، يلا بينا.
انطلقت السيارة، وجيهان شاردة في طريق العودة، تفكر في هدوء بيتها الذي تفتقده، بينما كانت سميرة تراقب الطريق بملل، ولا واحدة منهن تتوقع أن يوسف يسبقهن الآن ومعه البنات ليقطع عليهن طريق العودة بمفاجأة مرتبة جداً.
وصل تامر بالسيارة إلى أمام منزل جيهان، وبمجرد أن لمح سيارة يوسف، تنفس الصعداء وحاول أن يبدو طبيعيًا تمامًا أمام سميرة وندى. توقفت السيارة، وما إن فتحت جيهان الباب حتى ركضت الفتيات الصغيرات نحو أمهن بلهفة وفرحة عارمة، وهن يهتفن باسمها.
ترجل يوسف من سيارته بوقار، وحاول رسم الجدية على وجهه وهو ينظر تجاه تامر وسميرة، وقال بصوت مسموع ورزين:
ـ قلت أجيب البنات بنفسي وأستناكم هنا، لأن تامر طول اليوم بره ووراه مشاوير تانية، فقلت أخفف عنه شوية وأطمن إن البنات وصلوا لمامتهم.
حاولت جيهان جاهدة أن ترسم الجمود على ملامحها وتخفي أي أثر للين، ونظرت إليه برسمية شديدة وقالت باختصار:
ـ شكراً يا يوسف، تعبناك.
فتحت جيهان باب المنزل، فتقدم تامر بسرعة وحمل حقائب كاميليا والمشتريات التي كانت في السيارة ووضعها بالداخل. التفتت جيهان للجميع وعرضت عليهم الدخول بذوق وبأقل قدر من الكلمات:
ـ اتفضلوا.. ادخلوا ارتاحوا شوية واشربوا حاجة.
ضحك تامر بمرح وهو يحاول تلطيف الجو المشحون بين يوسف وجيهان أمام أعين سميرة، وقال:
ـ لا يا جيهان، تسلمي.. أنا لو دخلت دلوقتي مش هخرج غير الصبح، واليوم كان طويل ومحتاجين نريح.
هنا تدخل يوسف بهدوء، وهو ينظر إلى تامر ثم يوجه نظره بطرف عينيه نحو جيهان، وسأل:
ـ صحيح.. انتم ناويين تخرجوا بكرة تكملوا باقي الحاجات؟ لو كدة أنا هكون معاكم بكرة إن شاء الله، علشان تامر مايرهقش نفسه أكتر من كدة معاكم، وكفاية عليه تعب النهاردة.
ساد صمت مؤقت، حيث كانت سميرة تراقب رد فعل جيهان على عرض يوسف، بينما كان تامر ينتظر ليرى إن كانت جيهان ستقبل بوجود يوسف معهم غداً بصفته يوسف وليس السائق.
تدخلت كاميليا بسرعة بديهة ملحوظة، فقد شعرت بالتوتر الصامت بين شقيقتها ويوسف، وأرادت أن تقطع الطريق على أي صدام قد يحدث أمام سميرة. قالت بنبرة هادئة ومقنعة:
ـ بصراحة يا يوسف، أنا لسه فيه حاجات ناقصاني فعلاً.. بس خلونا نرتاح بكرة أحسن، علشان جيهان رجلها تعبتها النهاردة ومش عوزاها ترهق نفسها معايا أكتر من كدة.
تنفست جيهان الصعداء في سرها، وشعرت بالامتنان لشقيقتها التي أنقذتها من موقف محرج ومن ضرورة الرد السريع على يوسف.
أومأ يوسف برأسه، وكأنه وجد في كلام كاميليا فرصة ليرتب أوراقه أكثر، فقال بحسم وهو يتراجع نحو سيارته:
ـ تمام، مفيش مشكلة.. ارتاحوا بكرة خالص، وبعد بكرة إن شاء الله همر عليكم ونروح نجيب كل اللي ناقصكم، عشان نخلص المشاوير دي مرة واحدة.
وقبل أن تفتح جيهان فمها بأي اعتراض أو تعليق، غادر يوسف مكانه بسرعة واتجه لسيارته، وكأنه يهرب بـ الموافقة الضمنية التي حصل عليها قبل أن يتبدل رأيها.
ركب تامر سيارته مع سميرة وندى، ولوح بيده للجميع مودعاً، وانطلقت السيارتان. بقيت جيهان وكاميليا والبنات أمام المنزل، وبينما كانت جيهان تتابع طيف سيارة يوسف وهي تبتعد، شعرت بغصة في حلقها؛ فهي تعلم أن يوسف بدأ يغير خطته من الخضوع الصامت إلى التواجد المفروض، وهو أمر يربك حساباتها تماماً.
دخلت جيهان المنزل والهدوء يغلف ملامحها، لكن عقلها كان يغلي بالتفكير. بدأت أولاً بروتينها المعتاد مع بناتها؛ ساعدتهن في تبديل ملابسهن، وتأكدت من غسل أسنانهن، وظلت بجانبهن تحكي لهن قصصاً قصيرة حتى غلبهن النوم تماماً. كانت هذه اللحظات هي الوحيدة التي تشعر فيها بالسكينة، لكن بمجرد أن أغلقت باب غرفتهن وتوجهت لغرفتها، عاد إليها طيف يوسف.
جلست على طرف سريرها، ونظرة يوسف الأخيرة لها قبل أن يغادر بسيارته لا تفارق خيالها؛ كانت نظرة مليئة باللهفة، والاعتذار، والأمل الذي أحياه فيها تامر دون أن تدري. كانت تشعر أن حصونها التي بنتها بدقة بدأت تتآكل أمام إصراره وهدوئه.
قطع حبل أفكارها طرقات هادئة على الباب، ثم دخلت كاميليا. كانت تعرف أختها جيداً وتفهم صمتها، فجلست بجانبها وقررت أن تضع النقاط على الحروف، فقالت بصراحة وهدوء:
ـ جيهان.. إحنا لوحدنا دلوقتي، ولازم نتكلم بجد. أنا عارفة إنك زعلتي مني لما حددت ميعاد مع يوسف لبعد بكرة، بس لغاية إمتى هنفضل في اللعبة دي؟
نظرت لها جيهان بصمت، فأكملت كاميليا:
ـ يوسف النهاردة مكنش بيتعامل كأنه السواق يا جيهان، كان بيتعامل كأنه راجل البيت اللي خايف عليكي وعلى بناته. ونظرته ليكي وهو ماشي كانت بتقول إنه مش هيستسلم. إنتي ناوية على إيه؟ هل الجرح لسه قافل قلبك تماماً، ولا محاولات يوسف وتدخل تامر بدأوا يغيروا حاجة جواكي؟
تنهدت جيهان بعمق، وظهرت أخيراً علامات التردد في عينيها، وقالت بصوت خافت:
ـ مش عارفة يا كاميليا.. الجرح كبير، بس كلام تامر النهاردة في الكافيه، ونظرة يوسف دلوقتي.. خلتني أحس إني تايهة بين كرامتي اللي اتهانت وبين عشرة السنين اللي مش قادرة أهونها عليا.
نظرت جيهان لشقيقتها بعينين ملأهما التعب والارتباك، وصمتت للحظات قبل أن تعترف بمرارة:
ـ صدقيني يا كاميليا، أنا كمان تايهة.. تايهة أكتر مما تتخيلي. جوايا صراع مش راضي يهدأ؛ جزء مني عاوز يفضل متمسك بكرامته ويرفض يوسف للأبد علشان الوجع اللي سببهولي بجوازه من سميرة ونور، وجزء تاني مش عارف ينسى إنه يوسف.. حبيب العمر وأبو بناتي.
ثم تابعت وهي تفرك يديها بتوتر:
ـ كلام تامر النهاردة في الكافيه هزني، حسسني إن يوسف فعلاً ندمان وبيحاول، ونظرته ليا قدام البيت كانت بتخترق كل الدروع اللي حاولت أبنيها. أنا خايفة يا كاميليا.. خايفة ألين فأرجع أتوجع تاني، وخايفة أقسى فأكون ضيعت فرصة أخيرة لبيت بناتي. أنا بجد مش عارفة أنا عاوزة إيه، ولا عارفة مشوار بعد بكرة ده هيوصلنا لفين.
ضمت كاميليا يد شقيقتها بحنان وقالت:
ـ التوهان ده طبيعي يا جيهان، لأن اللي حصل مش قليل. بس المهم إنك متضغطيش على نفسك.. مشوار بعد بكرة هيكون اختبار جديد ليوسف، خليه يثبت إنه يستاهل يرجع يوسف الزوج مش بس السواق أو الأب.
أومأت جيهان برأسها ببطء، وكأن كلمات كاميليا كانت هي المسكّن الذي تحتاجه عاصفة أفكارها. ربتت كاميليا على كتفها بحنان وقالت بنبرة مطمئنة:
ـ اهدي يا حبيبتي، ومفيش حاجة تستاهل إنك تضغطي على أعصابك بالشكل ده. إنتي صاحبة القرار في الآخر، ومحدش في الدنيا يقدر يجبرك على خطوة إنتي مش عاوزاها، لا يوسف ولا غيره. فكري على مهلك، واليومين دول فرصة ليكي علشان تشوفي الأمور من بعيد.
ثم وقفت كاميليا واتجهت نحو الباب وهي تضيف بابتسامة هادئة:
ـ أنا هسيبك دلوقتي ترتاحي شوية، حاولي تنامي وتصفي ذهنك، وبكرة يوم جديد وهنكون فيه مع بعض.
أغلقت كاميليا الباب خلفها بهدوء، لتجد جيهان نفسها وحيدة في غرفتها مع صدى كلمات الجميع. استلقت على سريرها، وأغمضت عينيها، لكن صورة يوسف وهو واقف أمام المنزل ممسكاً بأيدي بناته كانت ترفض الرحيل. كانت تشعر لأول مرة منذ زمن طويل، أن الدفة بدأت تتحرك، لكنها لم تكن تعرف إن كانت تتحرك نحو شاطئ الأمان أم نحو عاصفة جديدة.
❈-❈-❈
دخل يوسف المنزل بخطوات ثقيلة يظهر عليها الإرهاق، وخلفه تامر وندى وسميرة وهم يتبادلون أطراف الحديث عن أحداث اليوم. كانت نور تقف في زاوية بعيدة، تراقب المشهد بعيون تملؤها المرارة والتحسر؛ شعرت وكأنها غريبة في هذا البيت، منبوذة لا يعيرها أحد اهتماماً، وكأن الجميع اتفق على تهميشها.
لم يلتفت يوسف إليها، بل صعد مباشرة إلى غرفته وهو غارق في تفكيره بـ جيهان وما سمعه في الكافيه، تاركاً خلفه أجواءً مشحونة. أما سميرة، فكانت تضحك مع ندى بصوت مسموع وهي تريها بعض المشتريات، وكأنهما في عالم آخر تماماً.
هذا المشهد زاد من غيظ نور؛ فسميرة التي كانت تعتبرها عدوة بالأمس، أصبحت الآن صديقة ندى المقربة وتشاركهما الضحك، بينما بقيت هي وحيدة. ضغطت نور على أسنانها وقالت في سرها بحسم:
ـ اضحكوا.. اضحكوا دلوقتي. أنا مش هعمل أي مشكلة لغاية ما ندى تتجوز وتطلع من البيت ده، وساعتها هيكون ليا كلام تاني مع يوسف. النهاية قربت، والوضع ده مش هيستمر.
صعدت نور إلى غرفتها وهي تشعر باختناق، وقررت أن تلتزم الصمت التام وتراقب من بعيد حتى يأتي الوقت المناسب لتنهي علاقتها بيوسف الذي لم يعد يراها منذ أن قرر العودة لجيهان.
مرَّ يوم الراحة ثقيلاً وهادئاً في آنٍ واحد، سكونٌ يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة. في منزل جيهان، كانت تحاول استعادة توازنها النفسي والبدني، تقضي وقتها مع بناتها وكاميليا، لكن عقلها لم يتوقف عن رسم سيناريوهات لمواجهة الغد.
أما في منزل عدنان، فقد كان التوتر خفيًا تحت السطح نور التزمت غرفتها وصمتها القاتل، تراقب الجميع ببرود وتعد الأيام المتبقية لزفاف ندى.
سميرة كانت منشغلة مع ندى في ترتيب المشتريات، لكن عينها كانت على يوسف الذي بدا شارداً بشكل غير معتاد.
تامر كان يراقب الموقف من بعيد، داعياً الله أن يمر مشوار الغد دون كوارث تكشف الخطة.
أما يوسف، فقد قضى يومه في صراع داخلي مريب. لأول مرة منذ سنوات، يشعر بالتردد وهو الذي اعتاد فرض رأيه. كان يجلس في مكتبه بالمنزل، يمسك بهاتفه ثم يضعه، يفكر في كل كلمة سيقولها لجيهان. قرر في النهاية أن الحذر هو مفتاح الغد؛ فلا يجب أن يندفع فيظهر بمظهر المستعطف، ولا يقسو فيخسر اللين الذي لمسه في كلامها مع تامر.
قال في نفسه وهو يتطلع إلى الأفق:
ـ بكرة مش مجرد مشوار شراء حاجات ناقصة.. بكرة يا إما هثبت لجيهان إني لسه يوسف اللي حبت زمان، يا إما هأكد لها إن البعد كان أصح قرار. لازم أتعامل بحذر، شعرة معاوية بيني وبينها دلوقتي في إيدي أنا.

أشرقت شمس يوم جديد يحمل معه الكثير من الترقب. انطلق يوسف بسيارته، وخلفه سميرة وندى اللتان كانتا تتحدثان بحماس عن النواقص التي يجب إحضارها، بينما كان يوسف في عالم آخر؛ يراقب الطريق في مرآة السيارة وعقله مشغول بكيفية التصرف أمام جيهان في وجود ضرتها.
وصلوا إلى منزل جيهان، وكان يوسف يشعر بضغط شديد؛ فهو الآن يوسف الزوج والأب أمام الجميع، لكنه في نظر جيهان لا يزال تحت الاختبار.
في الداخل، كانت جيهان واقفة خلف نافذة غرفتها، تراقب وصول السيارة. نبضات قلبها كانت تتسارع بشكل لم تعهده، وشعرت بتوتر شديد يكاد يخنـ.قها. لم يكن توترها من تعب التسوق، بل من فكرة قضاء يوم كامل تحت مراقبة يوسف، وبحضور سميرة التي تجعل الموقف أكثر تعقيداً.
حاولت جيهان استجماع شتاتها، وأخذت نفساً عميقاً وهي تمسك بعكازها، وقالت لنفسها بصرامة:
ـ لازم أكون قوية.. مش هسمح لنظراته ولا لوجوده إنه يهزني. النهاردة مشوار عادي علشان كاميليا، وهينتهي ويرجع كل واحد لمكانه.
خرجت جيهان ومعها كاميليا من باب المنزل، ليجدوا يوسف قد نزل من السيارة وفتح لهم الأبواب بتقدير وهدوء. التقت عيناه بعيني جيهان للحظة واحدة، كانت كفيلة بإعادة كل الذكريات، لكنها سرعان ما أشاحت بنظرها عنه واتجهت للركوب في المقعد الأمامي برسمية، بينما ركبت كاميليا في الخلف بجانب سميرة وندى.
تحركت السيارة، وساد صمت حذر في البداية، كسرته ندى بمحاولة لفتح حوار، بينما كان يوسف يختلس النظر لجيهان من حين لآخر، محاولاً قراءة ما وراء جمود وجهها.
بمجرد وصولهم إلى المول، ركن يوسف السيارة والتفتت إليه ندى قائلة: 
ـ خليك إنت يا يوسف ارتاح في أي كافيه هنا، إحنا مش هنتأخر، هنخلص شوية حاجات ونرجعلك على طول.
لم تمنح جيهان ليوسف فرصة للرد، بل ترجلت من السيارة بسرعة وكأنها تهرب من حصار نظراته، متمسكة بعكازها لتتحرك بهدوء وسط الزحام. بدأوا جولتهم، وانشغلت الفتيات بشراء الأغراض؛ جيهان اختارت فساتين رقيقة جداً لبناتها، بينما اختارت سميرة ثياباً جديدة لأولادها، وظلت كاميليا تبحث عن بقية نواقصها.
في هذه الأثناء، كان يوسف يخطط لأمر آخر. استغل غيابهم وابتعد عن منطقة الكافيهات، متوجهاً إلى أحد أرقى محلات فساتين المحجبات. وقعت عيناه على فستان في غاية الأناقة، لونه وتصميمه يليقان تماماً بوقار جيهان وجمالها الهادئ. اشتراه مع كل مستلزماته الطرحة والإكسسوار، وكان يدور في ذهنه سؤال واحد: 
ـ يا ترى يا جيهان هتقبلي هديتي وتحضري بيها فرح ندى، ولا هتكسري خاطري وترجعيها؟
عاد يوسف بسرعة ووضع الهدية في حقيبة السيارة بعيداً عن أعين ندى وسميرة، ثم جلس في الكافيه يراقب الممر الذي سيأتون منه. بعد حوالي ثلاث ساعات، ظهروا وهم يحملون الأكياس والتعب يبدو على وجوههم.
اقتربت ندى وهي تتنفس بصعوبة وجلست على أول كرسي قائلة: 
ـ آه يا رجلي.. مش قادرة، حاسة إني لفيت المول كله خمس مرات!
أشار يوسف للنادل ليحضر لهم العصائر الباردة ليرطبوا على أنفسهم، ونظر لجيهان التي كانت تجلس بهدوء وتحاول إخفاء إرهاق قدمها المصابة. وضع العصير أمامهم وقال بنبرة هادئة:
ـ اشربوا وارتاحوا على مهلكم، مفيش استعجال.. المهم تكونوا جبتوا كل اللي محتاجينه.
كان يوسف يراقب جيهان بصمت، وقلبه يدق مع كل لحظة تمر، منتظراً الوقت المناسب الذي ستكتشف فيه ما وضعه في السيارة، وكيف سيكون رد فعلها أمام الجميع.
تنحنح يوسف بهدوء، وقام من مقعده بحركة طبيعية جداً وهو يقول:
ـ هاتوا الأكياس والشنط دي أوديها العربية، بدل ما هي زحمة المكان كدة ومضايقاكم.. كملوا أنتم العصير وارتاحوا براحتكم لغاية ما أخلص.
أخذ يوسف الحقائب، ومن بينها حقائب جيهان وسميرة، واتجه للسيارة. هناك، وبمنتهى الحذر والسرعة، وضع الفستان الذي اشتراه لجيهان وسط أغراضها الخاصة التي اشترتها لبناتها ولنفسها، بحيث لا يظهر لسميرة أو ندى إذا فتحوا الحقيبة، لكن جيهان ستجده حتماً عندما تفرغ أكياسها في المنزل.
عاد يوسف وجلس معهم لعدة دقائق حتى استعادوا نشاطهم، ثم تحركوا جميعاً نحو السيارة. ساد الهدوء الطريق أثناء العودة، وكان يوسف يختلس النظر لجيهان عبر المرآة، يشعر بمزيج من القلق والترقب؛ فالفستان ليس مجرد قطعة قماش، بل هو رسالة صلح صريحة.
وصلوا أخيراً أمام منزل جيهان. نزل يوسف وبدأ في إخراج الحقائب، وحرص على حمل حقائب جيهان وكاميليا بنفسه حتى باب المنزل ليضعها بالداخل. ودعتهم كاميليا بابتسامة شاكرة، بينما اكتفت جيهان بهز رأسها برسمية، وغادر يوسف سريعاً برفقة ندى وسميرة قبل أن تفتح جيهان الحقائب وتكتشف المفاجأة.
فتحت جيهان الحقيبة بفضول تملؤه الحيرة، فكاميليا لم تكن ترتدي هذا النوع من الموديلات عادةً. وما إن أزاحت الورق الرقيق الذي يغلف ما بداخلها، حتى وقعت عيناها على رسالة صغيرة موضوعة بعناية فوق القماش.
سحبت الورقة بيد ترتجف قليلاً، وبدأت تقرأ الكلمات المكتوبة بخط يوسف الذي تعرفه جيداً:
ـ عارف إن الكلمات مابتصلحش اللي انكسر، وعارف إن الاعتذار اتأخر كتير.. بس الفستان ده شوفته وحسيت إنه اتصمم ليكي إنتي وبس. بتمنى تقبليه مني وتكوني منورة بيه في فرح ندى.. وجودك بالفستان ده هيكون أكبر علامة ليا إن فيه أمل ولو بسيط. أنا أسف على كل لحظة وجع سببتها ليكي.
أنزلت جيهان الورقة وصمتت تماماً، ثم سحبت الفستان ببطء من الحقيبة. كان قطعة فنية في غاية الرقي، بلون هادئ وتصميم محتشم يعبر عن فهم يوسف العميق لذوقها الخاص الذي لم ينساه رغم كل هذه السنين والبعد.
ظلت تتأمل الفستان وهي جالسة على طرف سريرها، والاعتذار يتردد صداه في عقلها. لم تكن تشعر بالغضب هذه المرة، بل شعرت بغصة في حلقها؛ فيوسف لم يحضر لها هدية فحسب، بل وضعها أمام اختيار صعب جداً.. قبولها للفستان يعني قبولها للصلح التدريجي، ورفضها له يعني إغلاق الباب تماماً.
دخلت كاميليا الغرفة فجأة لتجد جيهان على هذه الحالة، والفستان بين يديها والرسالة بجانبها، فقالت بدهشة:
ـ إيه ده يا جيهان؟ ده مش من ضمن الحاجات اللي جبناها.. ده يوسف اللي جابه صح؟

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏