-->

رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 25 - الثلاثاء 9/6/2026

الثلاثاء, يونيو 09, 2026
تم النشر في: 9 يونيو 2026


قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ظلها في قلبه

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 


الفصل الخامس والعشرون

تم النشر الثلاثاء

9/6/2026


الفصل السابق


في وقت الاستراحة، اتجهت إلى مكانها المعتاد في الفندق، لم تكن ترغب في أن تتحدث مع أحد، ولا في شيء، فقط تريد القليل من الهواء وبعض الصمت، علّه يُطفئ النيران التي تشتعل بها، كانت تجلس على المقعد الخشبي المطلّ على حديقة الفندق الداخلية، تستنشق الهواء وتحدّق في اللاشيء بعينين ذابلتين ..

عندما لاحظ (مالك) غيابها في المكتب، لم يحتاج للتفكير كثيرًا؛ هو يعرفها أكثر من أي شخص آخر، يعرف أنّها تهرب إلى هنا كلّما ضاقت بها الدنيا، وكلما أرادت أن تُخفى حزنها ويأسها تذهب لتلك الحديقة، تقدّم نحوها بخطوات بطيئة، يفكر فيما يجب عليه أن يُحدثها وحين رأى وجهها الشاحب ونظراتها الشاردة، شعر بانقباض في صدره، فهي لم تنسَ بعد ما زال الألم يسكن ملامحها، وما زال الحزن يحتلّ عينيها لم تنسى حبها له ولو قليلاً حتى، اقترب منها، وقال بصوت هادئ
- تحبي ندخل الفندق؟ ناكل في المكتب مع زميلانا ونتكلم شوية؟

انتبهت لصوته، فاستدارت نحوه ببطء، وقالت بخفوت
- مش جعانة

تنهد بضيق، ثم جلس على المقعد بجوارها تاركًا مسافة بينهم وقال وهو ينظر بعيدًا
- وبعدين؟! أنا سايبك براحتك من ساعة ما رجعتي الشغل لا ضغطتك في شغل ولا كلام بس بجد شايف أن اللي بتعمليه في نفسك ده حرام، انتِ شايفة ده صح؟!

نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يُتابع بصوت أكثر حدّة
- شايفة إن كده هتتحسني؟ يعني ناقص تروحي تدفني نفسك!

صمتت (سدرة)، وشعرت بوخزة في قلبها، تأنيب ضمير لأنها تحمله الكثير من العمل، ثم قالت بهدوء 
- أنا آسفة .. أنا عارفة إني مِقَصّرة في الشغل ومش بساعدك كويس .. أنا قولتلك من الأول إني مش قادرة أشتغل و ..

قاطعها وهو يرفع حاجبه ساخرًا هل هذا حقًا الذي فهمه ذهنها الصدئ ذاك 
- هو ده اللي فهمتيه من كلامي يا (سدرة)؟! بجد؟! مش مهم الشغل يا ماما .. المهم إنتِ! الشغل وسيلة إنك تلاقي نفسك من خلالها .. أنا شايف إنك لا عندك صحاب ولا حد قريب منك لا من سنك ولا من حياتك كل اللي جواكي محبوس مبتتكلميش

نظرت بعينين شاردتين بعيدًا، ثم هزّت رأسها نفيًا وقالت بتعب
- لأ .. ليا صحاب وجيران وقرايب .. مسابونيش الفترة اللي فاتت .. بس الكلام اللي بيتقال هو هو .. زعلانة ليه؟ بدل ما كنتِ اتجوزتيه واكتشفتي بعد كده .. هو أصلاً ظروفه كانت صعبة ..  انتِ تستاهلي حد أحسن ..استحملتي كتير وهو ما يستاهلش نفس الكلام زهقت .. مش عاوزة أسمعه تاني

ضاقت عيناه، ونظر إليها مطولًا يحاول أن يفك شفرتها الغير مفهومة، ثم قال بصوت خافت يحمل في طيّاته ألمًا كبيرًا فقد شك في شئ ما
- طب انتِ عاوزة تسمعي إيه يا (سدرة)؟ قوليلي .. عاوزة حد يقولك إنه كان مِعذور؟ عاوزة تسمعي إنه اضطَر يتجوز .. عاوزة حد يشجّعك ترجعي له ويقولك إنك ماغلطتيش وإن كرامتك ماتهانتش؟

طأطأت رأسها قليلًا، ثم رفعت بصرها نحوه كانت تتأمل عينيه العسليتين، تتساءل في صمت هل هذا حقًا ما تريده؟ هل كانت تنتظر مبرّرًا لتغفر له؟ أم أنها فقط لم تعد تعرف ما الذي تريده أصلًا؟

أشاح (مالك) بوجهه بعيدًا، يشعر بالغضب من ارتباكها، من تردّدها، من أنّ قلبها ما زال متعلقًا بغيره ..

قالت هي فجأة، بصوت منخفض، لكنه ملئ بالحيرة
- هو أنا .. معنديش كرامة أوي كده يا (مالك)؟

ارتجف صوتها حين أجابته، لم يكن يعرف ما يقول، فقال وهو يعود ببصره إليها
- أنا .. مش فاهمك بجد .. انتِ عاوزة إيه يا (سدرة)؟ حيرتيني

أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوت هادئ فقد كانت تريد أن تُشارك أحدهم الحديث 
- بابا .. حكالي قالّي إن (معتصم) اتجوز لأسباب إنسانية يعني حتى مش علشان وضعه القانوني .. اتجوز علشان حاجة تانية

اتسعت عينا (مالك)، وحبس أنفاسه، فأكملت هي بعدما رأت ردّ فعله وقصت له قضية الملجأ والأطفال التي قصها (معتصم) لوالدها، حينها شعر (مالك) أن الدماء انسحبت من وجهه، هل يُعقل أن تسامحه؟ أن تمنحه مبررًا لتصرفه النبيل مع الأطفال الحقير معها فتغفر له ما فعله؟ هل أحلامه الوردية في الأيام الماضية انه من الممكن أن تشعر بمشاعره وحبه قد تبخرت وسيعود لنقطة الصفر من جديد هي لم تنسَ، ولم ترى غير (معتصم) ابدًا ..

تابعت حديثها 
- عارف يا (مالك) لو كان صريح معايا .. لو خد رأيي .. لو مخباش عليّا .. كان ممكن أحاول أساعده أو ألاقي حل لكن هو .. كان بيكدب عليا كل يوم .. مش بس اتجوز من ورايا لأ .. ده كان بيخبّي عليا حاجات كتير .. بعدني عن حياته مع إنّي كنت جزء من يومه بس مش جزء من حياته .. حياته فيها كتير مكنتش اعرف عنها حاجة 

صمتت لتسترد أنفاسها بعدها تابعت
- أنا كمان خبيت عليه حاجات .. بس انا خبيت عليه عشان محسسهوش بعجزه لكن هو ملوش مبرر

أخفض (مالك) عينيه، شعر بأنها تزرع سكاكينها في قلبه دون أن تدري، إلى متى سيظل يستمع لحديثها عن ذلك الآخر؟ إلى متى سيحبها بهذا الشكل المؤلم؟
هي لا تراه .. لا تشعر به .. كل كيانها ما زال مرهونًا لخطيبها السابق لو كان هنا وطلب منها السماح لأرتمت في أحضانه وغفرت له، هو متأكد من ذلك ..

قالت فجأة، وقد بدا على ملامحها الارتباك
- جوايا حاجات كتير مش فاهمها

هزّ رأسه بإيجاب، وقال بصوت دافئ، لكنه خافت
- بُصي .. أنا موجود وقت ما تحبي تتكلمي أو تاخدي نصيحة هسمعك يمكن ترتاحي، ويمكن تتحرّري من الحب اللي أسرك ده

قالها وهو يعلم جيدًا أن ذلك لن يحدث يومًا ابدًا، قالها رغم انه لا يريد سماع حديثها عن ذلك الآخر ولكن لا يستطيع رؤيتها تحتاج مساعدة ولا يلقي بالاً لها، ابتسمت له ابتسامة ممتنة، لأول مرة منذ زمن، ابتسامة صادقة بلا مجاملة، ثم قالت
- متشكرة أوي يا (مالك) .. عارف؟ لما قلت لبابا وماما اللي حكيتهولك زعقولي وقالولي العلاقة دي انتهت ومينفعش .. وقالولي أركّز في اللي جاي بس انت أول واحد يسمعني من غير ما يلومني

ابتسم هو، لكن ابتسامته حملت حزنًا عميقًا، ثم قال
- ولا يهمك يا (سدرة) أنا موجود علشان أسمعك، في النهاية ده قرارك لازم تبقي مقتنعة بيه مينفعش حد يجبرك على حاجة خالص لأنه في النهاية مشاعرك مش بأيدك ده شعور بيحتل القلب ملناش عليه اي سيطرة ونصيحة مني ليكِ شوفي صاحبة بتثقي فيها تحميلها كل اللي تاعبك عشان متتعبيش

نظرت له نظرة امتنان خالص، ثم همست
- حاضر .. شكرًا بجد
❈-❈-❈

في المساء ..
كانت (أوهيلا) تغطى في نومٍ هادئ داخل غرفتها، ملفوفة في الغطاء، حتى قطع نومها ذاك صوت رنين هاتفها المحمول يهتز على الكومود بجوار فراشها ..

تقلّبت بتكاسل، ثم فركت عينيها وهي تفتح شاشة الهاتف بنصف وعي، وبمجرد أن قرأت الاسم الذي يضيء على الشاشة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة عفوية دافئة، ثم أجابت فورًا وهي تقول بنبرة ناعسة
- إيه يا كوكو؟ عامل إيه؟

في الجهة الأخرى، رفع (آسر) حاجبيه في ضيق، وهو يزفر بتنهيدة طويلة، لم يعد يعترض على هذا اللقب، لكنه كلّ مرة يشعر أنه عاد طفلًا في الروضة كلما سمعه منها، ومع ذلك لا ينكر أنه اعتاد عليه، ولكن عليه أن يذكرها أن ذلك اللقب لا يجب أن تتدلل به فتاة رجلًا اجنبيًا عنها، فقال بلهجة يشوبها بعض الضيق، لكن هادئة
- مينفعش تقوليلي يا كوكو دي يا (اوهيلا)، مينفعش تدلعي راجل غريب عنك حتى لو كان الحد ده أنا

اندهشت من حديثه ثم إجابته
- انت غريب جدًا يا (آسر) .. ساعات بحس انك متدين وساعات بشوفك بتكلمني عادي ففين التدين ده 

أخذ نفس عميق ثم قال
- هتفميني وهتفهمي كل حاجة في وقتها

ثم تابع بجدية
- إنتُ من إمبارح مكلّمتنيش ولا حكيتيلي عملتي إيه عند أبوكِ ولا خلاص من لاقى (شاكر) نسي (آسر)؟

صمتت لحظة، ثم تنهدت بضيق وهي تتذكّر ما حدث، قالت بصوت منخفض
- مكلّمتش بابا أصلاً ولا شُوفتُه حاول يكلّمني بليل بس مقدرتش أرد

شعر بالقلق ينهش قلبه، شعر بالخوف أن تكون الأمور توتّرت مجددًا بينها وبين ابيها،  فجاء صوته حادًا هذه المرة، فيه قلق 
- إيه اللي حصل يا (أوهيلا)؟ مش إحنا كنا ماشيين كويس؟ حتى كنتي فرحانة وعاوزة تصلحي علاقتك بأخواتك إيه اللي قلب الدنيا فجأة؟

عضّت شفتها بتوتر، لا تدري هل تحكي أم لا، كانت متأكدة أن الأمر لو وصل ل (آسر)، سيكون مثل الثور الهائج هي متأكدة من مشاعره تجاهها ولكنها ليست متأكدة بعد من مشاعرها أو تخاف أن تجرحه لذا عليها أن تطمئن لقلبها اولاً ..

همس لها ليحسها على الحديث
- يا بنتي انطقي! حصل ايه؟!

ابتلعت ريقها ثم قالت
- قعدت مع إخواتي وقضينا وقت لطيف بس مشيت قبل ما بابا يرجع

عقد (آسر) حاجبيه، وهو يسأل باندهاش
- طيب زهقتي؟ مش قادرة تقعدي مع مرات أبوكِ يعني؟ ولا مزاجك قالك تقومي تمشي

زمت شفتاها من أسلوبه اللاذع، وردّت بضيق
- لا مش بمزاجي أكيد في سبب!

قال بنفاد صبر
- طب ما تنطقي بقى! زهقتيني!

أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تروي له ما حدث، حدثته عن (مازن)، ذلك الشاب السمج الذي كان وقحًا معها فى الحديث، والذي لم تتوقع أن يكون هناك بمنزل والدها، وأنه يريد الزواج منها عنوة ..

صمت (آسر) طويلًا، وتوترت عضلات وجهه حتى ظهرت عظام فكّه، وقبض يده في ضيق شديد، وقال بنبرة حادة مليئة بالغيرة
- كان في واحد متقدملك؟ وما حكيتيليش؟!

قالت بضيق من لهجته اللاذعة
- أنا مكنتش أعرفك وقتها لما (مازن) اتقدّم ليا  
وبعدين ده عيل سمج أوي يا (آسر) عايز يجوزني بالعافية

توقفت لحظة، ثم أكملت بسخرية
- هوّ آه شكله لطيف ولبسه شيك و ..

صرخ (آسر) بغضب حاد، وهو لا يتمالك أعصابه
- وإيه كمان؟! ياللي متربّتيش! ده انتِ ما شوفتيش تربية بربع جنيه! إنتِ بتبصي عليه ليه أصلاً؟ مالك؟ حلو ولا وحش؟ 

هزّت (أوهيلا) رأسها بأسى، ثم قالت ببرود
- واحد كان متقدّملي طبيعي أبص عليه وأقيمه وهو أصلًا مرفوض من البداية كفاية إنه قريب (رغدة)!

ضغط (آسر) على أسنانه بقهر، ثم قال بغيظ
- آه يعني لو مش قريب (رغدة) كان عادي؟!

قالت هي ببرود وهى تستمتع بغيرته
- لا هو سمج وبعدين كان بيتلكك علشان يمسك إيدي ويقعدني بالعافية!

اتّسعت عينا (آسر) بغضب، لم ينطق بحرف فقد كان كتمثال لا يرمش له جفن كانت هي تضحك بخبث وهي تتخيل وجهه الآن، قالت وهي تحاول التماسك من الضحك حتى لا يظهر في صوتها
- بس اديته بالقلم على وشه ومشيت! .. تربيتك يا ايسو
لم يحتمل أن يستمع للمزيد رغم سعادته بتلك الصفعة التي صفعت بها ذلك السمح ولكنه صرخ بانفعال
- اقفلي دلوقتي يا (أوهيلا) .. ده نهار أبوكِ اسود معايا!

وقبل أن تعترض، أغلق الخطّ بوجهها، ظلت تحدّق في الهاتف بدهشة
- ده إيه العبيط ده؟!

هكذا تمتمت ولكنها ابتسمت بسعادة ..

وفي خلال ثوان كان (آسر) قد اتصل بـ (شاكر)، ما إن اجاب عليه، حتى انفجر فيه صارخًا
- بقى أنا أقنعلك البنت تيجي لحد عندك وتصلح علاقتها مع إخواتها ومعاك وتبقوا زى السمن على العسل وتقوم تجبلها رجّالة؟! أنا مش واخد منك كلمة؟! ولا علشان مراتك بتبعني يا عمي؟!

ضاقت عينا (شاكر) من نبرة (آسر) المتهورة، وقال بحدّة
- أنت اتجننت؟! إزاي تكلّمني كده؟!

تنفس (آسر) بعنف، ثم هدأ قليلاً
- ما تدخلنيش في تفاصيل دلوقتي .. مش إنت وافقت عليا وعارف إني بكلم بنتك؟ إيه حكاية (مازن) ده؟!

قال (شاكر) بغيظ
- مكنتش أعرف واتخانقت مع (رغدة) خناقة كبيرة بسبب الموضوع ده .. أنا قولتلها إني ما صدّقت إن البنت علاقتها بيا تتحسن .. مينفعش تبوّظيها تاني (مازن) ده ابن أختها وسبق كلّمني وقال عايز يتجوّزها بس هي رفضته .. (رغدة) كانت فاكرة انهم ممكن يحبوا بعض وان كده علاقتها تتحسن ب (أوهيلا) هي كمان فكلمته يجي .. بس انا فهمتها أن في شخص تاني متقدم ل (أوهيلا) وانا موافق عليه

بدأت نبرة (آسر) تهدأ، لكن ظلت أنفاسه ساخنة بالغضب، فقال (شاكر) فجأة
- بس باين إني هغَيّر رأيي أنت همجي، ووقح وماتستاهلش بنتي! .. وكمان مش بتحترم لما بكون معاك على الخط وانت معاها وكل شوية تقولها يا حبيبتي ويا بتاع

ارتبك (آسر)، وشعر بضيق حاد، ثم قال مبررًا
- بقول يا حبيبتي دي غصب عني كلمة متعود عليها كانت لبانة في بوقي

فاضيقت عينان (شاكر) ثم قال
- لا لا، انا غيرت رأيي فيك

فاجابه بتوسل
- لااا بالله عليك يا عمي مترجعش في كلامك! أنا هبقى مؤدب .. أنا غلطت بس إنت حط نفسك مكاني! سمعت إنها كانت قاعدة مع راجل وبيقولها عايز يتجوزها وكان  عاوز يمسك إيدها! .. أنا دمي حامي برده مستحملش حاجة زي كده

قال جملته الأخيرة حتى يجعل (شاكر) يقوم بتلقين ذلك الوغد درسًا لن ينساه فزفر (شاكر) بعنف
- مسك إيدها إزاي الحيوان ده؟! والله لأربّيه وما يدخلش البيت تاني إلا وانا فيه

ابتسم (آسر) بارتياح شديد، وقال بانتصار
- حيوووان بقى يا عمي حيوووان بجد! .. عشان تعذرني بس لما كنت منفعل

صرخ فيه (شاكر) بغيظ
- وهي البنت دي مش بتخبّي عليك حاجة ابدًا؟ كل حاجة بتحكيهالك! كان المفروض تحكيلي أنا .. أنا أبوها!

فقال (آسر) ببرود تام فقد استشعر غيرته على ابنته
- شايلينك للتقيل يا عمي .. شايلينك لوقت عوزة

صمت (شاكر) لثوان ثم قال بغيظ
- اقفل دلوقتي! أنا هكلم بنتي وافهم منها حصل إيه بالظبط

قال (آسر) وهو يضحك بخبث
- ماشي يا عمي .. مع السلامة

ثم أغلق الهاتف، وأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يقول بصوت منخفض
- فاكر نفسك هتعرف تقرّرها زَيّي؟ بتحلم يا (شاكر) ..
❈-❈-❈

في المساء ..
كانت (چوليا) قد هيّأت الأجواء لعشاء رومانسى بينها وبين زوجها، أطفأت أنوار الشقة، بعد أن أشعلت عشرات الشموع الصغيرة الحمراء، ووزعتها حول طاولة الطعام، كانت الشموع تتوهج بهدوء، وكان المشهد يسر الناظر إليه ..

وضعت طبقين متقابلين على طاولة مستديرة صغيرة، مغطاة بمفرشٍ كريمي أنيق، وفي المنتصف، وضعت مزهرية زجاجية شفافة بداخلها وردة بيضاء، بجوارها شمعتان طويلتان بلون الدم القاني، تتراقص نارهما على الحائط ..

نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط، دقيقتان فقط تفصلها عن وصوله، ابتسمت بخفة وهي تعدّ الثواني في ذهنها، وما أن اكتملت الدقيقة الأخيرة حتى سمعت صوت أحدهم يفتح باب الشقة، ثم دلف (معتصم) إلى الداخل ..

رفع رأسه قليلًا، فكانت أول ما وقع عليه نظره تلك الإضاءة الخافتة والشموع المتلألئة، ثم عيني (چوليا) وهي تقف أمامه، تبتسم له برقة، ابتسم لها وإن كان بداخله لايريد ذلك ويشعر بالضيق، فلم تكن تلك الحياة التي كان يرغب بها، لم يكن هذا حلمه ..

كان يريد شيئًا آخر، يريدها هي فقط ومن سواها دون (سدرة) ،لكنه تماسك فـ (چوليا) هي زوجته ..

قالت (چوليا) بصوت هادئ، تخالطه محاولة لكتم ضيقها
 - منذ بدأت التطورات في القضية وأنا أراك متوترًا متعبًا حتى ..

ترددت قليلًا، ثم تابعت بنبرة أكثر وضوحًا
- حتى بعد انفصالك عن خطيبتك لم أرك .. لم أعد أراك (معتصم) الذي أحببته .. انت تبتعد عني رغم أننا نحب بعضنا البعض

ظلّ صامتًا، ولم يستطع النظر داخل عينيها لشعوره بالذنب ثم قال، بصوت خفيض
- سأبدّل ملابسي وأعود لنتناول العشاء

أومأت برأسها في صمت، تخفي حزنها خلف تلك الابتسامة الشاحبة، شعرت بأن محاولاتها لأسعاده لا فائدة منها، كمن يحاول إشعال نار في رياح باردة ..

لكنه، قبل أن يغادر نحو الغرفة، لمح لمعة الحزن في عينيها، فتوقف لحظة ثم قال بنبرة مفعمة بالحنان والصدق
- (چوليا) .. أنتِ زوجتي ولم تفعلي شيئًا خاطئًا أنا فقط كنت ضائعًا في الأيام الماضية .. أعدك أننا سنتناول العشاء ونشاهد فيلمًا سويًا

ابتسمت بخفة، ثم همست
- أنا فقط .. لا أريد أن اخسر وجودك بجانبي

أومأ لها، ثم اتجه نحو الغرفة الخاصة به ..
في الداخل، خلع سترته ببطء، ثم جلس على طرف الفراش، يشعر بالضيق من نفسه، أسند وجهه إلى كفيه، ثم .. بكى ..

كانت دموعه صامتة، لكنها تحمل الام لم يعد يستطيع تحملها، كيف تحوّلت حياته إلى كل هذا؟
لم يكن هذا ما أراده، لم يرغب سوى بـ (سدرة)، وحبها لها وبيتًا صغيرًا يجمعهم ..

لكنه الآن هو أمام واقع فُرض عليه، زوجته تجهز له عشاءً، تبذل من أجله محاولات صادقة، تحبه على طريقتها، وتتمسك به ومع ذلك .. قلبه في مكان آخر ..
نهض من مكانه ثم تقدم بخطوات للأمام، نظر إلى وجهه في المرآة، ثم مسح دموعه سريعًا ..

عليه أن يعود لها، أن يكمل العشاء، أن لا يزيدها ألمًا، فهي لا ذنب لها ..
❈-❈-❈

مرّت الأيام سريعًا حتى حان وقت الجلسة الخاصة بالملجأ، حينها أقرّ (معتصم) بأنه شاهد فى إحدى الليالي في وقت متأخر من الليل عربة سوداء تقف أمام بوابة الملجأ، وأن أحد العاملين كان يحمل طفلًا فاقد الوعي، وعندما سأله عن حالة ذلك الطفل ، أجابه بأنهم ذاهبين به إلى المستشفى، لكنه شعر بقلق كبير ولم يكن مطمئن لتلك الأقوايل ..

بعد ذلك، تقدم الطفل (فابيو) ليدلي بشهادته، كان حضوره في القاعة يجعل قلب (معتصم) يعتصر من الحزن، فطفل فى عمره لا يجب أن يعرف شيئًا عن قاعات القضاء، وهو الذي اقنعه بأن يدلي بشهادته ولكنه ليس أمامه حلاً أخر يريد إنقاذ هؤلاء الأطفال، أخبر القاضي بأنه رأى زميله (أندريا) يُسحب في الليل نحو العربة السوداء ذاتها، وكان يبدو عليه انه فاقد للوعي، وشاهد بعينيه نفس العامل يضعه بداخلها، وفي الصباح، تم أُعلان أن (أندريا) قد تم تبنّيه، لكنه لم يظهر بعدها مطلقًا ..

ثم قدّم المحامي قائمة بأسماء الأسر التي تبنّت الأطفال على مدار السنوات الماضية، وبعد التحقيق والبحث عن تلك الأسماء، تبيّن أنها أسر وهمية، لا وجود لها على الإطلاق، وأن كل الأطفال الذين نُسبت إليهم هذه الملفات، قد اختفوا دون أثر ..

أضاف المحامى إلى ذلك ما ثبت في ملف قضة (چوليا)، المتهمة السابقة بقضية اعتداء على أحد الأطفال، وبحسب التقارير الطبية الرسمية، ثبت أن الطفل تعرض لأذى جنسي قبل وبعد فصل (چوليا) من العمل، مما يُثبت براءتها، ويؤكد وجود شخص أخر ينتهك حقوق ذلك الطفل ..

وأمام تلك الوقائع، طلب المحامي من هيئة المحكمة إصدار أمر طبي عاجل لفحص جميع الأطفال المتبقين بالملجأ، للتأكد من سلامتهم، وكشف حجم الانتهاكات التي وقعت تحت إدارة هذا المكان ..

وبعد جلسة مطوّلة، ومداولات كثيرة، كان حكم القاضي كالآتى 
 التحفظ الفوري على مدير الملجأ وعدد من العاملين المشتبه بتورطهم، وإيداعهم قيد الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيقات في قضايا الاتجار بالبشر، واستغلال الأطفال جنسيًا، وتزوير مستندات التبني ..
تكليف الحكومة بتشكيل لجنة مؤقتة لإدارة الملجأ، والإشراف الكامل على كافة الأطفال، وإجراء فحوصات طبية ونفسية عاجلة وشاملة لجميع الأطفال ..

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏