رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 22 - الجمعة 29/5/2026

تم النشر في: 29 مايو 2026


قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ظلها في قلبه

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 


الفصل الثاني والعشرون

تم النشر الجمعة 

29/5/2026


الفصل السابق


كان الليل قد تجاوز منتصفه، جلس على الأريكة في غرفة المعيشة، يتأمل شاشة هاتفه مرارًا، يقلبه بين كفّيه، يشعر بالقلق عليها فهي ليست معتادة أن تتأخر خارج المنزل هكذا، رفع رأسه نحو الساعة، زفر في ضيق، ثم أمسك الهاتف مجددًا واتصل بها
مرة .. ثم مرتان .. ثم ثلاث .. لكن لا إجابة، ليزداد قلقه عليه، ف(چوليا) لا تُجيب، بعد برهة من الوقت استمع لصوت أحدهم يفتح باب الشقة، نهض مسرعًا من مكانه، وركض نحو الباب، ظهرت (چوليا) أمامه، شاحبة الوجه، شَعرها مبعثر، ورائحة الكحول تفوح منها بوضوح، أمسك بذراعها بعنف وقد تملّكه غضب قاتل ، وصاح بنبرة غاضبة لا تخلو من القلق
- أين كنتِ في هذا الوقت المتأخر من الليل؟!

رمقته بنظرة متعالية مستفزة، ثم حاولت أن تحرّر ذراعها من قبضته
- ابتعد عني

كانت ثملة إلى درجة مثيرة للشفقة، خطواتها غير متزنة، وعيناها نصف مغمضتين، أوشك أن يتراجع ويتركها ترتاح قليلًا، لكن رائحة الشراب كانت كافية لإشعال الغضب بداخله مجددًا، زمجر وقد عقد حاجبيه
- هل أنتِ ثملة يا (چوليا)؟! أين كنتِ طَوال هذا الوقت؟!

قالها وهو يقبض على رسغها بقوة أكبر، وصوته يعلو وهو يتابع
- استمعي إليّ جيدًا أيتها الحمقاء .. أنتِ الآن زوجتي ولن أسمح لكِ أبدًا بأن تتصرفي كفتاة طائشة! أنا لست بالرجل الذي يترك زوجته في الحانات!

انتفضت (چوليا) من الغضب، لتسحب يدها بقوة، ثم دفعته بكلتا يديها في صدره، وهي تقول بانفعال لا يخلو من المرارة
- وما شأنك بي؟ أفعل ما يحلو لي! أتصدق أن هذا زواج؟! أنت لا تهتم لأمري أصلًا!

ترقرقت الدموع في عينيها، وانكسرت نبرتها وهي تتابع 
- قلبك مع امرأة أخرى وأنا أعلم ذلك جيدًا .. لكن ما ذنبي؟! قل لي ما ذنبي؟!

ارتبك (معتصم) للحظات، لكنه سرعان ما عاد إلى حدّته
- أنتِ زوجتي شِئتِ أم أبيتِ، وعليكِ أن تحترميني!

ثم أضاف بنبرة مُستنكرة
- لم أرَكِ من قبل بهذا الشكل المُخزي! كيف تفعلينها بعد زواجنا؟!

مسحت دموعها بأطراف أناملها المرتجفة وهي تتذكر كل الضغط الذي مرت به الفترة الأخيرة، جعلها تفقد السيطرة على نفسها خصوصًا أن (معتصم) لا يراها كأنثى وهى أحبته رغمًا عنها، فصرخت قائلة
- ستُطلقني أليس كذلك؟! بعد انتهاء القضية ستتخلص منّي كما كنت تخطط منذ البداية! أنت وغدٌ حقير! لا سلطة لك عليّ وسأفعل ما يحلو لي حتى لو رافقت رجالاً أمام عينيك!

لم يتحمّل (معتصم) ما سمعه، فصفعها صفعةً قوية ارتدّ لها وجهها، وضعت يدها على وجنتها وقد احمرّت عيناها من شدة الغضب، ثم صرخت
- أحلال لك وحرام عليّ؟! أنا أيضًا زوجتك لماذا لا تحترم مشاعري؟!

دفعت صدره مرارًا بعنف، ثم وجهت له سبّابتها وقالت
 - بالمناسبة أنت لست في مصر حتى تتزوج مرةً أخرى وتتركني! إن أردت أن تفعل تخلص منّي أولاً وإلا سأفعل ما يحلو لي ولا يحق لك منعي! .. أنت تقوم بخيانتي معها عبر الهاتف أمام عيني .. هل علي أن اتحمل شئ كهذا؟!

وقف مذهولًا، لا يصدق ما تنطق به، أخفض نظره للحظات ثم قال بهدوء متعب
- أنتِ تعلمين منذ البداية علاقتي بـ(سدرة) .. أنا لم أخدعك يا (چوليا) كيف أتركها فجأة وأقول لها معذرة، لقد تزوجت .. اسمحي لي أن أختفي قليلاً حتى أرى ماذا سأفعل بخصوص تلك القضية ولكن انتظريني بالتأكيد سأعود إليك يومًا ما

تنهّد ثم تابع
- أنا ضائع بينكما لا أعلم كيف أُرضي إحداكما دون أن أظلم الأخرى

انهارت (چوليا) على أقرب مقعد، ودفنت وجهها بين كفيها، تبكي بحرقة
- لا أعلم .. لا أعلم .. لكنني أعلم أنك ستطلقني .. أنت تنوي ذلك، أليس كذلك؟!

جلس (معتصم) بجوارها، أزاح يدها بلطف، وأمسك يدها بحنان، ثم قال بصوت خافت
- لا (چوليا) .. لم أنوِ طلاقك قط .. بعد انتهائنا من الزواج المدني بالبلدية لقد ذهبت بكِ إلى المركز الإسلامي في روما وتم عقد قراننا بطريقة شرعية، أعلم أن الزواج لا يُبنى على نية الطلاق صحيح أن زواجنا كان مصلحة لكنني لم أُفكر في الانفصال عنك بعد القضية .. لا أعلم السبب تحديدًا لكنني لا أستطيع التخلي عنك ربما لأنني اعتدت وجودك فأنا لن اتركك حتى بعد القضية

نظرت إليه بعينين محمرتين وقد تسللت نبرة رجاء إلى صوتها
- حقًا يا (معتصم)؟ لا تنوي طلاقي؟

أومأ برأسه نافيًا، اندفعت لتعانقه بشدة، وهي تقول بنبرة حزينة 
- أنا أحبك أيها الوغد .. أحبك! ولا أستطيع إخفاء مشاعري بعد الآن!

ظل (معتصم) متجمّدًا مكانه، عينيه متسعتان بدهشة، لا يعلم إن كان يجب أن يفرح، أم يحزن، أم يهرب من هذا المأزق العاطفي، صحيح لم ينو طلاقها حتى لا تكون الخلوة بينهم غير شرعية وتزوجها شرعي لذلك السبب وحده، لم ينكر انه عاش معها لشهور لكنه وجد أنه يوجد تجاوزت قد حدثت بينهم أراد أن يدعمها ويخفف عنها دون أن يشعر بالذنب لذا تمم الزواج منها عن اقتناع تام، كان يظنّ أنها هي من ستطلب الطلاق، لكنها احبته وهو مهما استطاع إنكار الأمر لقد تحركت مشاعره تجاهها لكنه لم ولن يحب امرأة مثل خطيبته .. ما كل تلك الأزمة التى تدور فى عقله الآن؟! ..
❈-❈-❈

فى صباح اليوم التالى ..
كانت تجلس على طرف فراشها في غرفة نومها القديمة بمنزل والدها، تَتذكر كل ما حدث بالأمس بينها وبين زوجها، كيف انتهت المشاجرة مع زوجها، كيف كشفته، وهو بكل برود لم يُنكر، كيف سيُنكر والدليل معها ..

لم يخفي أبدًا أنه مُعجب بـ(سدرة)، هي رأت كل شيء رسائله، مكالماته لها، فواجهته، فصفعها بدلاً من أن يعترف بخطأه صفعها لأنها تجسّست عليه، لم تتحمل خيانته ولا ضربه لها فجمعت اشيائها، ارتدت ملابسها، وركضت نحو بيت والدتها ..

وهناك، انفجرت بالبكاء، وقصت كلّ شيء في حضن أمها، فقد تحملت بما يكفي معه وكيف هونت عليها والدتها بالأمس واخبرتها ان زوجها هذا ليس رجلاً يؤتمن، تذكرت نظرات شقيقها الأصغر لها عندما قالت أنها لا تصدق أن زوجها قام بخيانتها مع من هي أقل منها جمالاً حتى فاض به (عمار) قائلاً وهو يشعر بالذنب
- اللي بيحصلك ده كله ذنب (سدرة) .. اللي عمله (معتصم) فيها بيترد لينا دلوقتي

نظرت (فريدة) إليه مذهولة وهي لا تفهم عن أي شئ يتحدث، لتقول
- نعم؟! أنت بتقول إيه؟!

لكن والدتها رمقته بنظرة حادة، ثم أشارت له بيدها كي يصمت، هي تعرف ما الذي يقصده، فقد باح لها (عمار) قبل أيام، أخبرها أن (معتصم) تزوّج من أجنبية، وأنه لا يحتمل أن يرى (سدرة) معلّقة هكذا دون أن تعرف الحقيقة، اعترف لها وهو يشعر بالذنب، وإنه عاجز لا يستطيع الصمت ولا البوح ..

حينها حدثت (معتصم) عبر الهاتف، سألته، فاعترف، قال إن الزواج لأسباب قانونية وقص عليها كل شئ، لكنه لا يستطيع التفريط في (سدرة) فهي حب حياته، ولأنها والدته ستشعر بألمه هو لا الم (سدرة) لذا صمتت هي الأخرى ،فهي لن تُفضّل فتاة على ابنها، في تلك اللحظة، نظرت (فريدة) إلى أمّها، وعيناها مليئتان بالشك، ثم قالت
- بتبصي ل (عمار) كده ليه؟! هو قال إيه؟ بتخبوا عني إيه؟

تنحنحت الأم، ثم قالت بتردّد
- أخوكي اتجوز واحدة أجنبية هناك .. بيقول فيه قضية محتاجة شهادته، ولأنه ملوش إقامة اتجوزها عشان يقدر يشهد

شهقت (فريدة) ثم ضحكت بسخرية مريرة، وقالت
- يعني حتى أخويا؟!

عادت من ذكرياتها تلك و مسحت دموعها بأنامل مرتجفة، ونظرت في المرآة أمامها هي ليست بها عيب بل جميع الرجال خائنين ..
❈-❈-❈

الآن .. لم يعد الزواج على الورق فقط، لقد أصبح زوجًا بحق، قولًا وفعلًا، والليلة الماضية قد تمم زواجها منه، ف (چوليا) كانت في حالة يُرثى لها، مكسورة، ضعيفة، ,أخبرته بصدق حبه لها، و لكن منذ أن فتح عينيه صباحًا، والندم ينهش قلبه ..

بكى يعلم جيدًا أن ما حدث ليس بخطيئة، لكنه شعر بأنه خائن، فهو لم يخن (سدرة) مرة واحدة .. بل مراتٍ عديدة ..

خانها يوم فضل زواج شقيقته عن زواجه واخبرها أن تنتظره ..
خانها بصمته لشهر كامل دون أن يطمئن قلبها ..
خانها حين أخفى عنها أمر (چوليا) ..
خانها بزواجه من (چوليا) دون علمها ..
والآن .. خانها الخيانة الكبرى ..

لكنه يعلم جيدًا أن الخيانة لا تحدث فجأة، فالخيانة طريق طويل، يظن المرء أنه قادر على الرجوع في أية لحظة، ثم يفاجأ بأنه بلغ نهايته ..
لقد سار هذا الطريق خطوة بعد خطوة، بكامل وعيه، حتى وصل إلى حيث هو الآن ..
كان بوسعه أن يتوقف، لكنه لم يفعل ..
هو من اختار .. لا لم يختار لقد أُجبر أو هكذا خُيّل إليه ..
ولكن ظل بداخله صراع كبير ذلك الصوت الذي يطمئنه داخله يدافع عنه ..

ف (چوليا) زوجته، لم يرتكب معصية، ما حدث بينهم حلال، وليس في هذا ما يدعو للخجل أو التوبة، أنت لم تخُن، أنت فقط .. تزوّجت ..

وهم نفسه المتملكة مرة آخرى لتؤكد له أن ما فعله لا يستحق الندم أو لتزينها له، وسيتزوج (سدرة) أيضًا .. لن يتركها أبدًا، لا يمكن أن تكون لغيره، كيف يترك من أحبها لسنوات؟ فحبه لها لم يتغيّر .. ولن يتغيّر ..

هو لا يريد أن يرى علاقته ب (سدرة) قد انتهت منذ قرار رحيله هو يرى أنها لا زالت ملك له ..

ف (چوليا) واقع مفروض، لم يختارها بل أصبحت فى حياته لظروف قاهرية .. لا خيار آخر فيها ..
بل يستحق أن يُقدَّر من أثنتيهم، لقد فعل ما فعله من أجل إنقاذ أرواح الأطفال، من أجل مصلحة عامة، لا من أجل نزوة ..

وبالتأكيد (سدرة) ستتفهم الأمر .. كما تتفهمه دومًا ..
هي تعرف من يكون ..
وتثق به ..
وتعلم أنه لا يمكن أن ينتمي لغيرها ..
واثق أنها لن تخذله وستتحمل ظروفه كما تحملتها كثيرًا من قبل ..

نهض من فراشه بصمت، واتجه نحو الحمّام، لعل الماء يبرد الحريق في صدره ..
لعلّه يستطيع أن ينسى كل تلك الأفكار المتزاحمة التي تلاحقه بلا هوادة ..

هو الآن لا يملك سوى خيارٍ واحد
أن يتقبّل ذلك واثنتيهم عليهم تقبل الأمر مادام يحبونه ..

فما حدث .. قد حدث
وعليه .. أن يُقنعهما معًا، أن يكونا من ممتلكاته ..
❈-❈-❈

كان نائمًا في غرفته، غارقًا في النوم حتى رنّ هاتفه فجأة، فعبس بانزعاج، مدّ يده متلمسًا الوسادة، ووضعها فوق رأسه ليكتم ذلك الأزعاج، لكن الرنين كان صوته عاليًا، فأزاح الوسادة بتأفف، تناول هاتفه ببطء، وألقى نظرة عليه، حتى لاقى اسمها ينير الشاشة مما جعله يبتسم رغم النعاس الذي يثقل جفنيه، ضغط زر الرد وهمس بصوت ناعم، ولكن يبدو للمستمع انه قد استيقظ للتو
- يا صباح الخير والفل والورد

تردد صوته في أذنها، وشعرت على الفور أنه كان نائمًا، فقالت بخفوتٍ وهى مرتبكة
- انت نايم؟ طب خلاص روح كمل نومك هكلمك بعدين .. أنا آسفة بجد، افتكرتك صاحي

ضحك بخفة واجاب، وهو يتقلب في فراشه
- بتتأسفي على إيه يا منبّه الروح؟ ده أنا مبسوط اني صحيت على صوتك

اندهشت لطريقته وقالت بابتسامة 
- بصراحة .. مش جايلّي نوم خالص بفكر في موضوع كده

اعتدل (آسر) في جلسته، مسندًا ظهره على ظهر الفراش، وقال وهو يمط شفتيه بتوجس
- أوعي يكون فيه مهكع تالت في الطريق؟!

زفرت (أوهيلا) بضيق، وقالت بصدق
- لأ يا (آسر) .. بابا بقاله كذا يوم بيبعتلي رسايل بيعتذر وبيقولي إنه عايز يشوفني في آخر الأسبوع نتغدا سوا في مطعم برّة بس أنا مش عاوزة أروح بشوف رسايله وبطنّش مش برد

ابتسم (آسر) بحنو، ثم قال بنبرة هادئة
- طيب وفيها إيه لما تشوفيه؟ من حق أي حد فرصة تانية .. ومادام ندمان وبيحاول ليه مندهوش فرصة؟ أنا حاسس من آخر مرة قولتيلي إنه كان في بيتكوا إنه فعلاً ناوي يصلّح العلاقة

ترقرت الدموع في عينيها، وابتلعت غصّتها قبل أن تهمس
- أنا خايفة يا (آسر) .. خايفة أقرب واتعود عليه وبعدين يبعد تانى ساعتها مش هستحمّل هعيش إزاي؟ أنا مش لعبة في إيده

صمت (آسر) للحظة، يشعر بحزنها، فقال 
- أنا زيك بالظبط .. أنا كنت متعلق بماما جدًا، ولما ماتت اتصدمت بقيت أتصرف تصرفات غريبة ماستحملتش موتها

فكر قائلًا في ترتيب حديثه ثم أردف
- بصي يا (أوهيلا) الحياة قصيرة .. قصيرة أوووووي ومش صح إننا نضيعها بالخوف .. لو حد بيحبنا وإحنا كمان بنحبه لازم نقرب ونعيش اللحظة دي .. ولو هو اختار يبعد؟ يبقى هو الخسران .. مش إحنا

مسحت دموعها بطرف كُمّها وقالت بتردد
- يعني .. أروح؟

رد بصوته الهادئ وهو يطمئنها
- حاولي تكسبي الوقت الضايع من عمرك معاه .. قبل ما حد فيكوا يفلسع ويتكل على الله 

ابتسمت رغم ألمها، وردّت مستنكرة
- اتكل على الله؟! شكرًا يا أستاذ (آسر)

ضحك وقال وهو يتنفس بهدوء
- تحبي أبقى معاكي لما تقابليه؟ أبقى قريب منك أطمنك وأدعمك وأنتِ معاه؟ أنا معنديش مشكلة

ارتبكت للحظة، ثم قالت بتوتر
- لا لا يا (آسر) .. بابا مش بيحبني أكلم ولاد أصلاً ولا بيحب لبسي ولا طريقتي .. أنا بعمل كل ده عند فيه فأكيد مش هينفع تكون معايا

ابتسم (آسر) وهو يجيب بهدوء
- أنا مش لازم أقعد معاكو .. ممكن أقعد على ترابيزة قريبة .. وجودي هيطمنك أنا عارف .. هتبقي أقوى لما تحسي إن في حد جنبك

صمتت قليلًا، ثم قالت بخجل
- لا طبعًا .. هو أنت موراكش غيرى؟ أكيد عندك شغل وحاجات أهم مني

فأجاب بهدوء وعيناه تلمعان
- يولع الشغل يا أوهي .. انتِ أهم

ابتسمت بهدوء، وقالت
- خلاص .. خليك قريب مني ماشي .. عشان لو اتضايقت أو تعبت إنت بتعرف تتصرف

شعر بسعادةٍ غامرة لا تُوصف، سعادته بثقتها فيه كانت تفوق أي كلمة حب، حتى لو لم تفهم هي مشاعرها بعد هو يفهمها جيدًا، أغلق الهاتف، وقرر الاتصال بوالدها سرًّا، ليخبره بأنه سيكون قريبًا منهم في ذلك اللقاء وعليه أن لا يظهر معرفته به ..
❈-❈-❈

فى المساء ..
تقدّمت نحو غرفته وهى مترددة، تتصارع بداخلها رغبة في الحديث وخوف من الرد، فتحت الباب بخفة لتجده جالسًا على طرف الفراش، ممسكًا بمصحفه، يتلو آيات الله بخشوع، فهي البلسم الوحيد القادر على تضميد جروحه المتراكمة، أراد أن يشعر بالسكينة، لم تقاطعه، بل جلست بجواره في صمت، تتأمله فهي أصبحت مدمنة لوجوده بحياتها ..

وحين أنهى تلاوته، أغلق المصحف ووضعه بلطف جانبًا على الكومود، ثم التفت نحوها ونظر في عينيها 
- أتُريدين الحديث في أمرٍ ما؟

هزّت رأسها بالإيجاب، لكن عيناها فرّت من نظراته إلى الأرض، وهمست بصوت خافت
- تعلم أنّني أحبك، وتعلم أنني فهمت منك أنّك تُكنّ لي بعض المشاعر، لكن ما هو وضع خطيبتك الآن؟

زفر (معتصم) ببطء، فالسؤال أثقل صدره، ثم قال بنبرةٍ هادئة
- وما بها؟

رفعت (چوليا) عينيها لتتلقف رده مباشرة، وقالت بصدقٍ
- أعلم أن في دينك يُباح للرجل الزواج من اثنتين أو أكثر لكن أنا .. أنا لا أستطيع تقبل ذلك .. لستُ مثلها ربما هي قادرة على احتمال مشاركتك أما أنا فلا .. أحبك ولا أستطيع تخيّل أن تكون مع امرأة غيري

نظر إليها، ابتسم بخفة، بل سعد بغيرتها عليه وصدق شعورها لكنه أجاب بتنهيدة
- أعلم وأتفهم تمامًا ما تقولين لكن ضعي نفسك مكانها كيف أخبرها الآن فجأة أنني تزوجتُ من أخرى؟ وهي لا تزال تظنني لها وحدها؟ لا أريد أن أبدو نذلًا في نظرها

شعرت (چوليا) بارتجاف قلبها فسألته 
- وهل .. هل ستتخلى عنها إذًا؟ أم ستبقى معها وتطلب مني القبول بذلك؟

أطرق برأسه، ثم كذب لا يستطيع قول الحقيقة
- أحتاج فقط لبعض الوقت .. سأبتعد عنها تدريجيًا لا أريد أن أجرحها .. صدقيني سأكون معك فقط لكن دعيني أُنهي هذا الأمر بطريقتي

ارتسمت على وجهها ابتسامة راحة وامتنان، وأمسكت بيده قائلة
- سأتحمّل أي شيء من أجلك (معتصم) حتى لو أردت أن نعود إلى مصر بعد انتهاء القضية سأفعل فأيّ مكان تسكنه سيكون موطني الحقيقي لكن فقط لا تتركني

تنهّد، وقد شعر بصدق مشاعرها، فقبّل يدها برفق، وقال بحنان
- لن أتركك .. لا أستطيع فبدونك كنت سأفقد نفسي وحياتى تمامًا كنتُ رجلًا ضائعًا ميتًا .. أما الآن .. كيف لى أن اتخلى عن قلب بهذا النقاء!!

غمرتها سعادة عارمة، وابتسمت ثم أشارت إليه بسبابتها محذرة
- أنا لا أفهم اللغة العربية لكن إن سمعتك تتحدث بلطف وحب عبر الهاتف سأفهّم! وإن سمعت تلك النبرة الهادئة الناعمة لغيري .. أقسم أنني سأفصل رأسك عن جسدك (معتصم)! فهمت؟

ضحك وهو يضع يده على عنقه متظاهرًا بالخوف
- حسنًا أيتها السفّاحة
❈-❈-❈

بعد مرور أربعة أيامٍ ..
كانت في غرفتها لا تكفّ عن التفكير تغيّر (معتصم) مؤخرًا كلماته أصبحت رسميّة، فاترة، لا تحمل الدفء الذي اعتادته لم تكن تعلم تلك المسكينة أن (چوليا)، التي أصبحت بلا عمل بسبب القضية، قد تفرّغت له بالكامل، تراقب حركاته وأنفاسه خصوصًا وهو يتحدث معها، حتى أنه لم يعد يقوى على التنحنح أثناء حديثه معها ..

زفرت (سدرة) بضيق، وبينما كانت شاردة، سمعت صوت طرقاتٍ على باب الشقّة، ارتدت حجابها سريعًا، واتجهت نحو الباب، لتتفاجأ ب (فريدة) واقفة أمامها، شعرت بتوتّرٍ شديد، لكنّها رحبت بها، فدخلت (فريدة) إلى غرفة (سدرة) ليتحدثوا معًا، جلست على فراشها دون أن تنبس بكلمة، لتسألها (سدرة) بلطف
- تحبي تشربي إيه؟

زفرت (فريدة) ورفعت عينيها نحوها وقالت بجمود
- مش جاية أشرب .. جاية أعرف مادام (سليم) كان بيضايقك مقولتيش ليا ليه؟

ارتبكت (سدرة)، خافت أن يكون (سليم) حرّف الحقائق، فاستعادت رباطة جأشها وقالت
- صدقيني يا (فريدة) أنا مكلّمتوش هو بس كان بيشتكيلي من غيرتك وكنت بقوله إن ده من حبك ليه بس بعدين لما الكلام بدأ ياخد سكة تانية وقّفته عند حده وصراحة كنت عارفة لو قولتلك هيحصل مشاكل بينا كلنا و(معتصم) كان هيتدخل فخفت الدنيا تولّع

ضحكت (فريدة) بسخرية وقالت
- مش مصدقة إن بيتي بيتخرب .. عشانك إنتِ؟ إنتِ؟ واحدة أساسًا مش ممكن راجل عاقل يبصّ ليها! يعني بالعقل كده، أنا اتخُنت بسببك؟! مش قادرة أستوعب أنا أجمل منك مليون مرة

تلقت (سدرة) الكلمات وهى تشعر بالضيق، شعرت بالإهانة، وقبل أن تجيب، فُتح باب الغرفة بقوة، لتدخل (شهيرة) التى استمعت لكل شئ، وعلى وجهها غضبٌ لم يراه أحد بها من قبل
- إنتِ إزاي تكلّمي بنتي كده؟! رغم إني ماكنتش أعرف ولا كلمة من اللي حصل وحسابي مع بنتي بعدين .. بس إنتِ! إزاي تسمحي لنفسك تهينيها كده؟! جوزك اللي المفروض عينه تتندب فيها رصاصة! وبنتي أجمل منك مليون مرة وأطهر كمان!

توتر الجو بشدة، فحاولت (سدرة) تهدئة والدتها وقالت
- ماما (فريدة) متقصدش .. هي بس مصدومة

ثم التفتت إلى (فريدة)، وقالت بنبرة هادئة رغم الألم الذي بداخلها
- عارفة يا (فريدة) .. الراجل الخاين مش محتاج ملكة جمال عشان يخون أو ميخونش بس بصراحة؟ إنتِ اختارتي غلط لو كنتِ اخترتي صح ماكنتيش هتتعرضي لكده

شعرت (فريدة) بغضب جم وقالت بحدة
- يعني إيه؟! أنا اخترت غلط وإنتِ اخترتي صح؟! الغلط عليا أنا؟!

أجابت (سدرة) محاوِلة السيطرة على انفعالها
- يا (فريدة) جوزك مش كويس احمدي ربنا إنك عرفتي حقيقته بدري في ناس بتعيش سنين مع الخيانة مابتكتشفهاش غير متأخر واننا نغلط ده مش نهاية الدنيا إحنا بنتعلّم

ابتسمت (فريدة) بسخرية مرّة، ثم قالت فجأة، وكأنها تلقي قنبلة
- وإنتي؟! إنتي بقى اخترتي صح؟! مش بتتخاني؟! مش كده طب احب اقولك أن (معتصم) متجوز يا (سدرة) .. وانتِ نايمة على ودانك

تسمرت (سدرة) في مكانها، اتسعت عيناها بذهول، قبل أن تصرخ بقوة
- كدّاااااابة!! إنتِ كدابة!!

لا تعلم (فريدة) كيف خرجت منها تلك الكلمات لم تكن تقصد فضح شقيقها لكن تلك البلهاء استفزتها في حين أمسكت (شهيرة) بذراع ابنتها، تحاول تهدئتها، لكن (سدرة) لم تحتمل، وارتخت فجأة، ثم سقطت مغشيًا عليها ..
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل