رواية جديدة حارة الدخاخني جـ 2 لأسماء المصري - الفصل 4 - الخميس 11/6/2026
تم النشر في: 11 يونيو 2026
لا أريد التنبؤ بالمستقبل، أنا مهتم بالحاضر فقط لأن الله لم يعطني آية سيطرة على اللحظة التالية.
مهاتما غاندي
❈-❈-❈
لم تكن تتخيل أن تجده هنا بالتحديد بذلك الوقت أيضا وبتلك المقابلة السرية بأحد المكاتب التابعة للأمن العام الغير معلن عنها، ولكنها لم تتخذ أي مبادرة منها بالتحدث حتى تفهم الموقف فهزت رأسها لتحيته ودلفت تبتسم بتصنع وجلست على الأريكة بجواره ونظرت ليحيى تطلب تفسيرا ولكن الأول لم يبخل بتوضيح نفسه بصوته العميق:
-واضح إننا هنشتغل مع بعض الفترة الجاية يا ملك.
التفتت له غير منتبهة لما تفوه به فتسائلت:
-شغل؟ انا مش فاهمه حاجه.
رد يحيى عنه:
-حسين عارف تفاصيل كتير ﻷنه تقريبا بقى معانا يا ملك.
لا تعلم كيف يمكن ان ينضم حسين للعمل بالأمن العام ولا تعلم سبب تواجده هنا فسألتهم بغضب:
-ممكن تفهموني ايه الحوار!
رد حسين على الفور يشرح لها ما حدث:
-الحكاية كلها لما سهر كلمتني من اسبوع تحكيلي اللي حصل مع حسن وكانت خايفه ومرعوبه عليه.
هاتفته فرد من الرنة الأولى:
-سهر! ازيك؟
سألته بوجل:
-حسن جنبك؟
نفى بهمهمة بسيطة فهمست:
-طيب أنا عايزه اقعد معاك، في حاجه مهمة اوي لازم اتكلم معاك فيها بخصوص حسن بس أوعى تعرفه حاجه.
أومأ فهتفت:
-دلوقت يا حسين أبوس ايدك انا مبنامش بقالي 3 أيام.
وافقها وتحرك من الدكان ﻷخيه الجالس يباشر العمل بتكاسل كحاله الأخير، فوقف أمامه وسعل متصنعا المرض:
-حسن.
انتبه له أخيه الأكبر وسأله:
-مالك بتكح ليه كده؟
أجابه بصوت متحشرج:
-شكلي أخدت برد من سخونية الشوايه، بقولك أنا هروح الصيدلية أجيبلي مجموعة برد وهطلع ع البيت اريح شويه، ومعلش كمل أنت مكاني انهارده.
وافقه بعد أن ترك أرجيلته ووقف يربت على كتفه باستحسان:
-ده انت اللي حقك عليا، سايبلك الدنيا لوحدك من نزول الفجر عشان تجيب نقلة السمك للوقوف ع الشوايه لتقفيل الحسابات، معلش يا حسين حقك عليا.
احتضنه فابتعد حسين متصنعا:
-ابعد بدل ما تتعدى مني، ويا سيدي فوق أنت بس لنفسك ولشغلك وأرجع حسن الوكيل بتاع زمان.
ربت على كتفه وغادر للموقع الذي أرسلته له زوجة أخيه فوجدها جالسة بالمقهى تلتفت حولها تبحث عنه حتى وجدته أمامها فأشارت له ليقترب وجلس متلهفا لمعرفة بواطن الأمور:
-في ايه يا سهر قلقتيني، وأول مرة أكدب على حسن.
تنهدت وبكت فورا فتعجب وزاد خوفه، ولكنه أبدا لم يتخيل ما ستتحدث بشأنه فظن ما ظنه وسألها:
-هو حسن لسه على حاله ولا ايه؟
لم تفهم مقصده أو ربما فهمت ولكنها لم تعلق فزاده صمتها إصرارا على فتح ذلك لأمر:
-شطارتك تنسيه التشتت اللي هو حاسه ناحية ملك ﻷنك حبه الأول يا سهر وأم ابنه اللي جاي إن شاء الله.
ابتسم لها وأضاف:
-وملك خلاص بقت مرات المعلم رشوان وحامل منه و....
قاطعته فور ذكر أسمها الذي يستفذها كثيرا:
-الموضوع مش بخصوص ملك خالص يا حسين ده بخصوص...
صمتت قليلاً وعادت ترفع وجهها تنظر له:
-الموضوع بخصوص أبوكم وموضوع موته و...
هنا قاطعها حسين غير متفهم لما تثير هذا الموضوع الذي مر عليه زمن:
-موت بابا! ايه الحكايه أنا مش فاهم حاجه؟
لم تبخل عليه بتفسير كل الأحداث التي مر بها أخيه وقصها عليها وما وصل له حتى تلك اللحظة:
-اللي اسمه عزام ولا فتحي ولا معرفش هو مين بالظبط ده، عايز حسن يشتغل معاه وعايز يدخل في دماغه إن المعلم رشوان هو اللي قتل ابوكم زمان وده طبعا عشان...
قاطعها مواصلا الحديث:
-عشان يخلي حسن ينتقم من رشوان، اللي فهمته من يوسف إن أبوهم مش عايز ملك تكمل في الجوازه دي وهي اللي متمسكه برشوان الدخاخني وواضح كده أنه عايز يستخدم حسن عشان يخلص منه بعيد عنه.
لم تفهم هي تلك النقطة تحديدا فأخبرها ما علمه من يوسف:
-ملك مهددة أبوها أنه لو أذى رشوان هتموت نفسها عشان كده عايزها تيجي من حسن عشان يبقى بعيد عن الصورة ويبقى كأن حسن انتقم لموت بابا.
بكت بكاءا شديدا وترجته:
-أبوس ايدك يا حسين شوف حل أنا خايفه على حسن اوي وهو متغير خالص ومبقتش أعرف ماله، مبقاش زي زمان خالص وعلى طول سرحان ومبقاش حتى...
صمتت وأطرقت رأسها ﻷسفل:
-مبقاش بيحبني خلاص، ولا بيقرب مني من ساعة ما عرف اني حامل.
رغم تأففه من فتحها لهكذا حديث خاص بها وبزوجها ولكنه تعجب، إلى هذا الحد أثر عليه ذلك الأمر أم أن حبه لملك لازال يتملك وجدانه؟ ولكنه يرى حالته بالدكان وكم يبدو شادرا أغلب الوقت وهو ظن أن كل هذا بسبب ملك وها هو فهم الأمر برمته فسألها:
-طيب ايه الحل دلوقت؟
هزت كتفيها لا تعلم ما تقوله:
-اومال أنا جيباك ليه؟ أمبارح ابو ملك ده جاله البيت وقعد معاه بتاع ساعه وبعدها لقيت حسن في ايده مسدس.
لمعت عين حسين منتبها:
-ايه!
هزت رأسها تضيف:
-وكمان خلاص بيقولي بكل صراحه أنه هيقتل المعلم رشوان وينتقم ﻷبوه.
هنا بالتحديد شرد حسين قليلاً فيما قصته عليه، هل معنى حديثها أن والده الراحل كان يعمل أيضا بتجارة الممنوعات كما عمل أهالي تلك الحارة الملعونة جميعا، هل أكلوا طوال حياتهم بأموال حرام وهو الذي لم يكن يفوت فرضا؟ هل كان هذا كله تصنع ضمن تخفيه كما تخفى فتحي والد ملك وسطهم بشخصيته الطيبة؟
تنهد وتذكر جلوسه مع يوسف بعد قضيته الشهيرة التي وقف فيها أمام رشوان ولم يبلغ عنه وكان سبب براءته وأنه أخبره بوقتها أنه يعمل مع ضابط بالأمن العام هو من أبلغه بالكثير من الأمور الغائبة عنه، فقرر بداخله أن يذهب للقاء هذا الضابط ليفهم منه أكثر ويطلب منه المساعدة والحماية لعائلته وﻷخيه بالتحديد حتى يأمن مكر رشوان وجماعته بما فيهم والد ملك.
التفت بعد طول صمت وتكلم:
-مش أبو ملك ده يبقى جوز عمتك يا سهر؟
أومأت تصحح له:
-طليقها، هو بابا حمزة بس كان ضاحك عليهم ومنتحل شخصية راجل من أهل البلد وهي لما عرفت أنه نصاب اتطلقت منه ومن ساعتها وحمزة مسافر و...
قاطعها مستفسرا:
-اللي سمعته أنه قريب من أبوه يعني مش واخد منه موقف على اللي عمله في عمتك، فعشان كده خدي بالك منه وابعدي عنه خالص لحد ما اعرف هعمل ايه.
❈-❈-❈
تبادر في زهنها الكثير من التكهنات عن ما قصه حسين عليها من خطط ومؤامرات تحاك ضد رشوان بهذا الوقت تحديداً، وحقا تعجبت من إصرار والدها أن يتخلص منه بعد أن أفنى عمره بخدمة هؤلاء الكبار الذي دائما ما يتحدث عنهم رشوان.
هل حقا هو حانق عليه بسبب زواجه منها أم أن هناك مخطط ما لذلك يريدها أن تنفصل عنه حتى يستطيع التخلص منه بسهولة ويسر.
رفعت وجهها تنظر للجالسين أمامها وسألت بهدوء:
-وأنت بقى روحت واتواصلت مع حضرة الظابط كده بسهوله! هو انتو متعرفوش إن الشبكة دي لها عيون جوا قلب البوليس وبتعرفهم كل حاجه...
قاطعها يحيى مؤكدا:
-جوه البوليس مش هنا، احنا مش بوليس وقولتلك الكلام ده ألف مرة.
هزت رأسها بتخوف:
-أنا خايفه، أنا ورشوان اتطلقنا وبشكل مش ممكن حد يصدقه، وأول مرة في حياتي أشوف رشوان بالضعف ده قدام حد.
لمعة عين حسين جعلته يبتسم رغما عنه لسماعه خبر طلاقها ولكنه نظر تلقائيا لبطنها وسألها:
-والبيبي؟
ردت بلامبالاة:
-أنا مش حامل أصلا، رشوان...
صمتت خجلا من فتح هذا الحديث معهما ولكنها تابعت رغما عنها:
-أحنا متجوزناش بجد أصلا، ودلوقت أنا مش عارفه أعمل ايه بعد ما بابا أجبر رشوان يطلقني وبقيت بعيد عن كل حاجه أقدر احط ايدي عليها عشان أساعد.
اقترب يحيى منها وهتف ببسمة واسعة:
-أنتي ادتينا معلومات كتير جدا الفترة اللي فاتت خلتنا نعرف نقلل الفجوات اللي في القضية دي يا ملك، بس معلش كملي جميلك وحاولي تعرفي حاجه واحدة كمان.
سألت بتعابيرها فأجاب بجدية مفرطة:
-عايزين نعرف مركز أبوكي ايه بالظبط في المنظمة دي، وهل له تواصل مباشر مع القادة بتوعهم بره ولا عن طريق وسيط والأهم من ده كله، هل فاروق الوكيل مات فعلا ولا دي كمان كانت لعبه منهم بما أنه كان صاحب والدك من سنين.
زفرت بحيرة وسألته:
-أنت عايزيني أجيبلك كل المعلومات دي إزاي؟ إذا البني آدم الوحيد اللي كان بيحكيلي عنهم مبقاش جوزي خلاص ولا كان يعرف أي حاجه من دي؟
رد بعد أن ابتسم بسمة خبيثة:
-ما انتي لازم تعرفي من مصدر المعلومات بنفسه.
هتفت بوجل:
-قصدك من بابا؟ مستحيل ﻷن بابا ذكي جدا وعارف موقفي كويس منه ومش هيصدق لو حاولت أقرب.
عقبت على نفسها وكأنها تذكرت لتوها:
-هو يوسف صالح بابا عشان يجيبلكم المعلومات دي؟ صح؟
نفى برأسه متجهمًا:
-للأسف، يوسف مبقاش معانا يا ملك ومش قادر أعرف باباكي قدر إزاي يقنعه يبقى دراعه الشمال بما إن حمزة هو دراعه اليمين.
عند ذكر اسمه تذكرت يوم سبوع زواجه بمنزله كم كان ينظر لها بحنين اخوي كبير وكأنه يود أن يضمها بداخل حضنه، وتذكرت أيضا معاملته معها الأيام الماضية التي مكث معها بفيلة زواجها بعد أن تم طلاقها فتفائلت قليلا وهي تعلق:
-أظن الوحيد اللي أقدر اتكلم معاه هو حمزة، انا هحاول أعرف منه أي معلومات بما انه قاعد عندي الفترة دي، بس بعد كده أنا عايزة اخلص الترم ده والإمتحانات وتبعدوني من هنا خالص، ماشي؟
أومأ موافقا واتجه لمكتبه ليخرج ملف كبير أمامه وجلس بجوارها هي وحسين يختم حديثه بفتح الملف وهو يسمي الله:
-يلا بسم الله ونبدأ مع بعض الخطة الجديدة والمرة دي بمساعدة حسين الوكيل يا ملك.
❈-❈-❈
ظل جالساً على الأريكة كما هو برائحة السمك التي تتغلغل بملابسه ممسكا ذلك المسدس الذي أهداه له فتحي يقلبه يمينا ويسارا وكأنه يريد أن يحفر تفاصيله بذاكرته، فدلفت سهر بذلك الوقت تضع الأواني على المائدة لتستدعيه لتناول الطعام ولكنها شهقت فور أن تفاجئت به بهذا الشكل فصرخت بخوف:
-حسن، أيه اللي ممسكك الزفت ده تاني؟ أنت مش وعدتني أنك مش هتعمل الجنان اللي في دماغك ده! عشان خاطر ابننا يا حسن.
جلست على ركبتيها أمامه تتوسله وهي تتمسك براحتيه المتمسكة بقوة بالسلاح:
-عشان خاطري، ولا بلاش عشان خاطري أنا عارفه خلاص مبقاش ليا خاطر عندك زي زمان، عشان خاطر ده.
أمسكت راحته ووضعتها على بطنها المنتفخ قليلا ترجوه:
-عايز ابنك ييجي الدنيا يلاقي ابوه ميت ولا في السجن؟ عايزه يتبهدل أكتر ما أنت اتبهدلت يا حسن! على الأقل أبوك سابكم وسنك كبير لكن أنت عايز تودي نفسك في داهيه قبل حتى ما ابنك يشم نفسه بره بطني.
اعتدلت وجلست بجواره تحضنه وتكمل توسلها له:
-وحياة أغلى حاجه عندك ابعد عن الطريق ده ﻷن الراجل ده مش سالك، أنت متعرفش عمل ايه مع حمزة ومخلي عمتي هتموت بحسرتها عشان أخده منها خالص، وأهو دار ولف وأخد يوسف كمان في صفه وواخدك وراه من غير ما تتأكد إذا كلامه صح ولا غلط.
ابتلع ريقه وهتف بغضب:
-كلامه صح يا سهر، رشوان هو اللي قتل أبويا.
صرخت به صرخة مدوية:
-اتأكدت منين بس؟
رد والوجوم يحتل ملامحه ووجهه محتقن بالدماء:
-بالصوت والصورة، عم فتحي وراني تنفيذ حكم الإعدام في أبويا وهو على مركبه.
بكى رغما عنه وأضاف:
-موته بطلقة واحدة في دماغه وبعدها غرق المركب بس بعد ما ربط أبويا بسلاسل وجنازير ورماه في البحر عشان جثته متطلعش للبر.
زاد بكاؤه وهو يتابع:
-عشان كده ملقناهوش كل المدة دي، استكتر علينا ندفنه ويبقى له قبر وسابه أكل للسمك.
تجعدت ملامحه أكثر وأكثر وارتمى بحضنها يبكي كالطفل الذي فقد والده للتو، فاحتضنته ولم تبتعد عنه حتى هدأ ورفع بصره فيها فتلاقت عينيه الدامعتين بخاصتها الممتلئة بالعبرات وتشوشت من حزنها على من عشقت، فاقترب بوجهه ليقبلها قبلة شغوفة ومتسرعة تغيرت بعد لحظات لقبلة متمهلة حتى حلمها ودلف غرفتهما يوصم جسدها ببصمة عشقة لها بعد طول فراق.
اعتدل على فراشه يتنفس عاليا فاستندت هي على صدره برأسها تشعر باللاحتواء بعد أن أحاطها بذراعه الحره فابتسمت وهمست بحب:
-بتحبني؟
أومأ مقبلا رأسها:
-طبعا.
سألته بغصة حاولت إخفائها:
-أومال كنت بعيد عني ليه الفترة اللي فاتت؟
أجاب فورا دون تفكير:
-ماما قالت لي لازم أبعد عشان ميحصلش مشكلة زي الحمل اللي فات.
لمعت عينيها بالفرحة والحب وأحاطت وجهه بكفيها تسأله:
-بجد؟ هو ده سبب بعدك عني؟
أومأ مؤكدا فتابعت:
-مع إن الدكتورة ممنعتش ده يحصل.
هز كتفه غير متهم:
-عادي يمكن نست أو يمكن شايفه إن مفيش خطورة بس أنا محبتش أجازف.
غمزت له تسأله:
-طيب ودلوقت مجازفتش ولا كنت وحشاك؟
رد بضحكة خفيفة:
-كنتي وحشاني أوي بس ماما قالت عادي بعد الشهر التالت، مش أنتي كملتي التالت برده.
أومأت تؤكد:
-أيوه اول امبارح.
زفر وتنهد وهو يقول:
-طيب يبقى خلاص، هنتعامل عادي خالص.
رمشت بأهادبها وهي تعلم إن فتحت ذلك الحديث معه ستنقلب تلك اللحظة الرومانسية ﻷخرى تنتهي بشجار كالعادة ولكنها لا تستطيع التحكم بنفسها فقالت:
-أنت عرفت إن المعلم رشوان طلق ملك؟
أومأ يؤكد معرفته بالأمر فسألته:
-طيب وايه رأيك؟
رفع حاجبا ﻷعلى ورد:
-وأنا مالي؟ ملك حامل منه يا سهر، شيلي بقى الموضوع ده من دماغك ابوس ايدك، ويلا اومي سخني الأكل أحسن جوعت.
وقفت ترتدي مئزرها وهي تتدلل عليه تشعر الفرحة تغمر خلاياها:
-طيب خد دوش الأول على ما أسخنه.
اقترب يشتم جسده فتأفف من نفسه ومن رائحته فاعتذر لها:
-حقك عليا، ريحة السمك لازقه فيا.
قبلته من وجنته بقوة:
-أحلى ريحة والله.
غمزت وتحركت للخارج فقال وهو يتبعها للمرحاض:
-يعني مش بتغمم نفسك وأنتي حامل؟
نفت وهزت رأسها فاقترب منها وقبلها قبلة عميقة وهو يحتضنها بقوة:
-بحبك يا سهر، اوعي تزعلي مني ومن اللي حصل مني في حقك، أنا كنت مشتت ومش في حالتي الطبيعية
❈-❈-❈
ظلت شاردة بغرفتها لا تعلم من أين تبدأ بعد أن وضحت أمامها الأمور وتهيأت لتصبح عين بداخل عائلتها.
طرقت ورد الباب عليها ففتحت وسمحت لها بالدخول وانتظرتها أن تبدأ حديثها معها فهي عائدة توا من الخارج:
-جيتي امتى؟
أجابتها وغصة بكائها تنبح بصوتها:
-لسه حالا.
سحبتها وأجلستها بجوارها ونظرت للباب تسأل باهتمام:
-وحمزة فين؟
أجابت مطرقة رأسها بحزن:
-تحت قاعد مع باباكي.
اتسعت حدقتيها ووقفت لتغلق الباب عليهما وعادت تهمس:
-عملتي ايه؟
بكائها ارتفع ليقطع الصمت المحيط بهما وقصت عليها ما حدث:
-جرجرني لحد الدكانة عند أبويا وقاله مبروك مجالك يا حمايا العزيز بنتك حامل وعايزه تنزله.
اعترت الدهشة وجهها وهي تستمع لورد تقلد نبرته الجافة التي يتحدث بها معها هي فقط:
-وقاله لو ولدت يوم واحد بس بدري بسبب عمايلها هتبقى أنت المسؤل قدامي وابنك هيكون التمن، كان اللي من ماهيتاب ولا اللي من ملك.
لم تصدق أنها تسمع هكذا تهديد بحياتها لشخص رشوان الواثق ومن مَن؟ من زوج ابنته فتنهدت بحرقة وسألتها:
-وبعدين؟
ردت الأخرى ولا تزال تبكي حالها:
-ابويا لطشني قلم وقاله مراتك وربيها زي ما أنت شايف وخرجني برا الموضوع ده.
انهارت وهي تنظر لها بحزن دفين:
-تصدقي إن أب يعمل كده في بنته يا ملك؟ أنا مش مصدقة نفسي.
وجدتها فرصة سانحة لربما تستطيع الاستفادة من كره ورد لحمزة وبالتأكيد لديها الكثير من المعلومات بحكم مكوثها معه طوال الوقت، فسألتها بصورة بدت عفوية:
-وهو بابا جاي معاه هنا ليه؟
ردت تجيبها دون اكتراث:
-أكيد جاي يتكلم معاه ف الشغل، ماهو على طول كان ييجي البيت عدنا ويقعدو مع بعض بالساعات وبعدها يمشي.
انتبهت فورا وأخبرتها:
-أنتي عارفه إن أمك عايشة في قصر أكبر من الفيلة دي عشر مرات؟ أصله أخدني انهارده وروحنا على هناك قبل ما نيجو هنا.
تناست قليلا حزنها وابتسمت لتلك الذكرى وهي تردف:
-أمك كانت لابسة حتة فستان يا ملك يحل من على حبل المشنقة ولا العقد اللي كان في رقبتها.
ضحكت ملك بمرار فها هم عائلتها جميعا من ضحت ﻷجلهم تناسوها وعاشوا حياتهم بالترف والغناء الفاحش الذي أنساهم كارثة والدهم:
-وهو بابا لما بيتكلم في الشغل مش بيخاف تقولي لابوكي على أسرارهم؟
ردت ورد مستهزئة:
-ده اتكلم قدامي ولا كأني موجودة بس الحق يتقال، قال لحمزة خلي بالك منها لتكون جاسوسة عليك، بس حمزة قاله إني بره حوارات الشغل دي كلها.
بحثت بعقلها لتستدرجها أكثر بالحديث ولكن لحظة أليس الأفضل لها بتلك اللحظة أن تستمع هي بنفسها لحديثهم لربما يتحدثون بأمر هام!
قوست حاجبها ووقفت ناحية الباب وهمست:
-أنا هنزل ابص عليهم من بعيد كده، خليكي أنتي هنا يا ورد عشان محدش يزعلك.
وافقتها فهي ليس بيدها حيلة ولا سند يقف لهم إن قتلوها حتى.
نزلت ملك الدرج بخطوات هادئة متجهة للبهو وانخفضت قليلاً عندما رأت خيالات أجسادهم فتافجئت بصوت شقيقها وهو يقول:
-يا بابا الشحنة دي كبيرة أوي أكبر من أي شغل كنت بنزله مع رشوان وأنا خايف.
ربت عزام على كتفه بقوة:
-متخافش طول ما أبوك في ظهرك، أنا خسرت مبلغ محترم لما سلمت للجماعة بره فلوس البضاعة اللي اتمسكت في مخازن الدخاخني، فلازم اعوضها بعملية واحدة أنا مش هضيع عمر تاني عشان ائمنكم.
عقب حمزة عليه رافضا:
-منا قولتلك متدفعش حاجه وخليه يلبس هو بس أنت صممت....
قاطعه موضحا:
-عشان أختك يا بني، عملها غسيل مخ والبنت بقت بتموت عليه زي ما عمل في بنت صفوت بالظبط.
زفر بضيق فتابع يوسف:
-طيب أنت ناوي على ايه في موضوع حسن؟
هنا انتبهت حواسها لتستمع لرد والدها القاطع:
-يخلص بس هو من رشوان عشان أنت تمسك مكانه على نضيف وبعدها حمزة هيتصرف مع حسن.
تسائل يوسف مهتما:
-هيتصرف يعمل ايه يا بابا؟ اوعى يكون اللي في دماغي.
نظر له بجمود فوقف يوسف على الفور معترضا:
-لأ يا بابا إلا حسن، ده اخويا وعشرة عمر و...
قاطعه حمزة بعد أن وقف ليجلسه:
-في حاجات بنعملها غصب عننا يا يوسف عشان أمن الشغل، وحسن عرف حاجات كتير مكانش المفروض يعرفها.
رفض وظل على حالته الغاضبة:
-ﻷ يا بابا، أوعى احسن وديني هيبقى باللي بينا وتنساني خالص وتنسى إن ليك ابن تاني اسمه يوسف.
وقف عزام ناظرا له بتحد وقوس فمه مبتسما بجانب فمه:
-أنت بتهددني يا يوسف؟
زغر له بعينه فأطرق يوسف رأسه فورا:
-أنا آسف يا بابا بجد بس أرجوك إلا حسن، هو كده كده لو فعلا خلص على رشوان هيتمسك فكفايه عليه السجن و...
قاطعه عزام فورا:
-منا مش هحط رقبتي تحت رجل ولد زي ده، هو عارف اني فتحي وأنت فاهم كويس إن موضوع المخزن اللي خرج رشوان منه بس عشان ورق الضد اللي باسمي، باسم فتحي، فأنا لو ظهرت في الصورة وجاب سيرتي هشيلها أنا، أنت فاهم بتجازف بإيه يا بني.
جلس يوسف مطرقا رأسه متجهم الوجه رافضا حديث والده:
- يا بابا حسن ده اكتر من أخ وكان....
قاطعة صارخا بقوة:
-أنت ملكش أخوات غير حمزة ومحمد وملك، هم دول اخواتك اللي المفروض تخاف عليهم وتحافظ عليهم وبس، فاهم ولا ﻷ؟ ومش عايز أسمع كلام تاني في الموضوع ده.
نظر لحمزة فور أن انتهى من صراخه وعاد لهدوئه وهتف يأمره:
-ركز معاه الفترة دي عشان الواد ده خفيف ومش راكز وباله مع ملك حتى بعد ما اتجوز بنت خالك، يخلص وأنت تشوف هتنهي مهمتك إزاي ومن بعيد لبعيد فاهم؟
أومأ حمزة بخضوع فعادت ملك تتسحب لتصعد غرفتها بعد أن استمعت لما يكفي من حديث يجعلها تكرههم أكثر وأكثر.
❈-❈-❈
استيقظ كعادته مبكرا ونزل من منزله ليقف بدكانه وﻷول مرة منذ شهور يقف خلف الموقد يبيع ويطهو الأسماك الطازجة التي أحضرها اخيه الأصغر.
ترك مكانه لحظة ووقف بجوار حسين يطمئن عليه:
-عامل ايه يا حسين؟
ابتسم الاخير وضحك عاليا:
-زي الفل يا ابو علي وفرحان اني رجعت اقعد ع الكاشير من تاني.
غمز له فربت حسن على كتفه:
-ربنا يخليك ليا يا حسين، اقف جنبي يا اخويا الفترة اللي جايه لحد ما اعدي المحنة اللي أنا فيها.
بالطبع حسين أصبح يعلم ما يدور بخلد أخيه ولكنه استمر يتصنع الجهل وحدثه عن موضوع ملك:
-ناوي على حاجه مع ملك بعد ما اتطلقت؟
نفى بحركة واحدة من رأسه مؤكدا:
-موضوع ملك مبقاش ينفع خالص بعد ما سهر حملت وهي حملت.
أومأ فسأله حسين:
-يعني لو قدام شويه بعد ما تولد لو دخلت انا في الحوار هيبقى شعورك ايه؟
تجهم وجهه قليلاً وسأله:
-هو انت بتحب ملك ولا ايه يا حسين؟
نفى فعقب الأول:
-أومال ايه حكايتك كل شويه تفتح معايا نفس الموضوع حتى من قبل جوازي من سهر!
قوس حسين فمه وهتف:
-زن امك والله يا بني، هي شايفه إن ملك متتسابش حتى لو في بطنها ابن رشوان الدخاخني على سن ورمح.
ضحكا معا بعد أن سخر حسن من والدته:
-أمك عايشه في عالم موازي يا عم سيبك منها واختارلك بنت كده تبقى أول قطفة، بلاش تدخل نفسك في حوارات رشوان والحارة دي وابعد عنهم خالص.
وقف من جواره رافعا يديه ﻷعلى:
-يا رب.
ترك أخيه وخرج بعد أن أوكل له مهمة أغلاق الدكان وتحرك لخارج الحارة وبالتحديد صوب وكالة رشوان الدخاخني ووقف خارج الباب ينتظر خروجه وهو ممسك بسلاحه الذي أعطاه له عزام.
ظل مختبئا ينتظر اللحظة الحاسمة ولكن نظره أُعتم فجأة لم ير أمامه وحتى صوته لم يخرج منه طلبًا للنجدة حتى أغشي عليه.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة أسماء عادل المصري، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
