رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 27 - الإثنين 15/6/2026
تم النشر في: 15 يونيو 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل السابع والعشرون
تم النشر الإثنين
15/6/2026
كانت الصدمة ما زالت تسكن ملامح وجهها، لم تكن تود أن تسمع المزيد، ولا أن يشرح شيئًا، فقط أرادت أن تهرب منه ..
بهدوء مفاجئ، التقطت حقيبتها من جوارها، ولم تنظر إليه، شعرت بالخوف من أن يرى ارتباكها واضطربها وخوفها، نهضت لكي تهرب منه ومن حديثه ومن دموعها التي كادت أن تسقط لكنه حدثها بصوت حادًا، ممزوجًا برجاء وهو ينهض مانعًا إياها من الرحيل
- استني يا (أوهيلا) ..
صمت لحظة، ثم تابع بصوت منخفض لكنه عميق
- والله ما هسيبك تمشي وانتِ زعلانة مني .. مش هقدر ..
استدارت نحوه ببطء، نظرت إلى عينيه، وكانت عيناها تلمعان بالدموع، اقترب خطوة منها وقال بحرارة وهو يمد يده نحو المقعد
-اقعدي اسمعيني .. لسه مخلصتش كلامي
جلست بصمت، ومسحت دموعها بإصابع مرتعش، لم تكن تريد أن تبكي، لكنها لم تستطع السيطرة على موجة مشاعرها، تنفّس (آسر) بعمق، وقال بصوت خافت
- أنا كنت نويت اني اتوب .. لما مشاعري ابتدت ناحيتك تتحرك .. كنت توبت وعاهدت ربنا إني مش هرجع أئذي بنات الناس تاني .. مكنش ينفع أقرّب منك لمجرد إني بجرب .. أنا مكنتش بلعب ومكنتش هقدر أقول بحبك إلا لما أعيش معاكِ على سنة الله ورسوله
نظرت له نظرة حزينة خالية من القسوة كانت مشوشة، كأنها تريد سؤاله لما أخفى عليها أمر كهذا، تابع هو حديثه بصدق أكبر، وصوته ملئ بالتوتر والخوف من فقدها
– أنا عمري ما غصبتك ولا فرضت رأيي عليكِ، كنت بطلب منك بهدوء وبناقشك وبقولك الشئ ده بيضايقني متعملهوش وفى الآخر كنت بسيب القرار ليكِ ..
حركت قدمها بعصبية خفيفة، لكنها لم تقاطعه، فقال بنبرة هادئة ولكن واضحة
- أنا كنت مستني الوقت المناسب .. الوقت اللي أحس فيه إني مش بس صديق أو حد بيطمنك بالنسبة ليكِ، وقت أحس فبه إني فعلاً شريكك .. ليه ما يكونش ارتباطنا قدام الناس كلها؟ لو أنا غلطان قولي .. لو غلطت عشان ملعبتش بمشاعرك وروحت كلمت أبوكِ من وراكِ قولى اني غلطان؟!
هزت رأسها نافية، وهمست بصوت منكسر
- لا يا (آسر) .. أنا اللي غلطانة .. أنت خلتني احس اني صغيرة اووووى في نظري .. وفي نظرك .. وفي نظر بابا كمان .. أنا اللي كنت وحشة .. مش إنت
اقترب منها أكثر بمقعده، ونظر فى عينيها مباشرة، وقال بحنان
- لا يا (أوهيلا) .. انتِ من حقك تحبي وتختاري بس أنا لو كنت قولتلك وقتها كنتِ هتتعصبي وتقولي احنا مجرد صحاب وده كان حقك .. وكنت سايبك براحتك
أخفض عينيه للحظة ثم تابع
- عمري ما سألتك عن صحابك ولا علاقتك بيهم .. كنت بسيبك تحكي لما تحبي .. وآه، كنت بغير .. وبزعل .. وكنت بقولك ولو كنت حسيت للحظة انك بتضايقي مني مكنتش هتمادى
سحبت محرمة ورقية، مسحت دموعها وقالت بنبرة مكسورة لكنها صريحة
- انت عارف إني مش بكلم غيرك .. وعارف إني أصلاً مش بحب أتعامل مع شباب كتير، أنا دايمًا كان بيعجبني الرجالة الكبار .. مش الأولاد
لم يعلّق، تنفّس فقط بتنهيدة طويلة وأشاح بوجهه بعيدًا تابعت هي، بنبرة خجولة فيها صدق
- الوسط اللي أنا فيه كله كتيك توكرز ويوتيوبرز بيعمل كوبلز بيتعرض عليّا أشتغل مع شباب كتير .. أو نمثل اننا كوبلز عشان نعلي الريتش بس أنا كنت برفض كنت بعمل محتوى كوميدي خاص بيا .. اللي بيعبر عني ليبسينج لايكات هبلة أدي نصايح للناس وانا مش عارفة انصح نفسي، تيجى تقولي بعد ده كله معرفش علاقاتك عاملة ازاى بالشباب!!
فتح فمه لكي يجيبها لكنها توقفت حديثه وتابعت
- حتى صحابي في الجامعة لو لاقيت أي شاب ناوي على ارتباط ببعد عنه
نظرت له بعيون مرهقة، ثم قالت بصوت خافت
- إنت الوحيد اللي دخل حياتى واقتحمها بالعافية لحد ما اتعودت عليك .. وبقيت .. معرفش اعيش من غيرك
ابتسم وكأن صدره انشرح فجأة، ومال نحوها قليلًا
– بجد؟ .. حتى لو مش عايزة تقوليها صراحة .. أنا حاسسها
زمّت شفتاها، وتجنّبت عينيه، وقالت بنبرة خفيفة
- يعني .. بحب وجودك ..
ضحك ضحكة قصيرة، وقال ممازحًا بنبرة مُحبطة مصطنعة
– آه يعنى بتحبي وجودي بس .. عمومًا تخبي زي ما تخبي عارف اني في قلبك وانتِ في قلبي
ضحكت رغم ارتباكها، ثم قالت
- طب يعني أنا كده مخطوبة؟! أنا مش فاهمة ..
ابتسم وهو يسند كوعه على الطاولة، وقال بثقة
- خاتم خطوبتك مع أبوكِ .. شوفيه ولو مش عجبك نغيره بس المهم .. توافقي
نظرت له، ثم أومأت برأسها إيجابًا، وقالت بصوت متهدج لكنه صادق
- موافقة .. عشان بح..
ثم غيرت حديثها وقالت
- مبحسش بالأمان غير معاك .. وليك طريقة بتخليني أقولك كل حاجة .. حتى اللي مكنتش عاوز أقوله
أشرق وجهه، وضحك بخفة وهو يقول
- وأنا برتاح معاكِ أوي.. أكتر ما كنت فاكر .. يعني مش عاوز اقولها صريحة غير لما تبقي في بيتي إن شاء الله
نظرت لساعتها، ثم شهقت
- يا خبر! الوقت اتأخر أوي ..
هز رأسه نافيًا وهو يبتسم
- ناكل الأول .. وبعدين أوصلك
ابتسمت له بهدوء، وأومأت له بالأيجاب نظرت في عينيه وإلى كل تحركاته حتى وهو يحدث النادل أحقًا هو يحبها ويحترمها أكثر مما هي تحب وتحترم نفسها .. حقًا لولا وجوده في حياتها لأرتكبت المزيد والمزيد من الحماقات، أحيانًا نجد أشخاص يكونوا كملاك حارس لنا يقوموا بحمايتنا من شر انفسنا وها هي وجدته ..
❈-❈-❈
مرت أسابيع على تلك القضية، وهذه هي الجلسة الثانية التي جاءت بعد مرور شهر من التحقيقات المكثفة والمتابعة الدقيقة، فتوصلت النيابة إلى حقائق مريرة لتقديمها أمام المحكمة، قدمت أمام القاضي ملفًا مملوءًا بالأدلة والتقارير الطبية التي تؤكد تعرض عدد كبير من الأطفال داخل الملجأ لاستغلال جنسي، تضمنت شهادات الأطفال أنفسهم الذين تحدّثوا بصدق عن زيارات مشبوهة لأشخاص كانوا يأتون في أوقات معينة، ويأخذونهم إلى غرف منعزلة بعيدة عن الأنظار، حيث تعرضوا لأبشع انواع الأستغلال وهم لا حول لهم ولا قوة ..
وسط هذا الزخم من الأدلة وشهادات الأخصائيين النفسيين الذين أجروا جلسات متعددة مع الأطفال، كما أن الولد القاصر الذي اتُهم زورًا بعلاقة مع (چوليا) بعد أن تم علاجه نفسيًا، اعترف الولد بأنه لم يتعرض لأي أذى من (چوليا)، وأن هناك شخصًا آخر هو من تسبب في ذلك الضرر له، فثبتت براءة (چوليا) ..
بعد كل تلك الأدلة نطق القاضي بحكمه الذي نص على إن ما تقدم له اليوم من شهاداتٍ وتقارير طبية، لم تترك مجالًا للشك بأن هناك جريمةً بشعةً تمّت في هذا الملجأ، لتكون النتيجة استمرار حبس مدير الملجأ احتياطيًا على ذمة التحقيق، إحالة القضية إلى النيابة المختصة لاستكمال التحقيقات، اتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة ضد كل من تورط في هذا، وأن تُسلَّم إدارة الملجأ إلى الحكومة مباشرة، ضمانًا لسلامة الأطفال وحمايتهم من أي انتهاكات مستقبليّة ..
بعد أن نطق القاضي بحكمه، شعر (معتصم) بانتصارٍ داخليٍ لا يوصف، وأن هؤلاء الأطفال قد تحرروا من ذلك الظلم وأن التضحية التي قام بها لم تذهب هباءًا، فالتفت نحو (چوليا) التي كانت تجلس بجانبه طَوال الجلسة، وابتسم لها ابتسامة تنم عن شعوره بالراحة، أمسك يدها برفق، ثم رفعها إلى شفتيه وقبّلها قبلةً حانية، سعيدًا بأن برائتها قد ثبتت أخيرًا، خرجا معًا من قاعة المحكمة يسيران جنبًا إلى جنب، فقال (معتصم) وهو ينظر إلى الطريق أمامه، بصوت هادئ
- الآن فقط أشعر أن ما فعلته لم يذهب سُدى .. والآن أستطيع أن أعود إلى مصر
توقفت (چوليا) عن السير لوهلة، وتجهم وجهها ببطء، قبل أن ترفع عينيها نحوه وتقول بنبرة خافتة
- ستتركني إذن يا (معتصم)؟ أليس كذلك؟
توقف هو الآخر، وأدار وجهه نحوها، تنهد بعمق، فقد ضاق صدره بالكلمات، ثم نظر إلى عينيها طويلاً، في داخله لم يكن يملك إجابة عن مستقبلهم سويًا، هو لا يريد أن يكون نذلًا، ولم يُرد يومًا أن يخذلها، ولم يتزوجها فقط من أجل ورقة الإقامة كما كانت تظن، لقد أراد بالفعل أن تكون علاقتهم شرعية لأنه مقيم معها، أراد مساعدتها تبرئتها و لكن الحقيقة كانت واضحة
هو لا يحبها، لم يحبها يومًا إنه يكن لها احترامًا، لكنه يعلم يقينًا أن الاحترام وحده لا يبني زواجًا، هو لا يستطيع أن ينسى (سدرة) ولا يريد أن ينساها ..
كل ما يريده هو فرصة واحدة فقط، لقاءٌ أخير، يسمع فيه صوتها، ينظر إلى عينيها، ويقول لها كل ما في قلبه علها تشفع له وأي قرار ستأخذه سينفذه فى الحال دون حتى مجادلة فمشاعره نحو (چوليا) لن تضاهي أبدًا حبه ل (سدرة) ..
فأشاح بوجهه عنها قليلًا، ثم قال بهدوء
- يمكنك أن تأتِ معي يا (چوليا) لكن عليكِ أن تعلمي أنا لا أنوي العودة إلى إيطاليا مجددًا سأستقر في مصر لا أجد الراحة هنا أشعر بالغربة ظننت أن الأمور ستكون أبسط لكنها معقدة أكثر مما تخيلت وبمصر مشكلات كثيرة تنتظرني من قبل عائلتي، أولها مشكلة شقيقتي الصغرى
رمقها بعينين شاردتين، ثم أضاف ببطء
- إن كنتِ قادرة على العيش هناك فمرحبًا بكِ معي
لم تردّ (چوليا) فورًا ،ظلت صامتة تنظر إليه، تقرأ ملامحه، كانت تظن في البداية أنه يحبها، أنه ربما اختارها لأن قلبه مال نحوها، لا لأن الظروف أجبرته بذلك ..
لكن الآن، وهي تنظر إليه، عرفت الحقيقة كاملة، قلبه لا يزال هناك في مصر، مع تلك الفتاة المصرية ..
وبرغم ذلك، لم تستطع التراجع، لقد تعلّقت به، وتعلّم أن قلبها يهيم به دون إرادتها، فرفعت رأسها، وقالت بنبرة حاسمة
- سآتي معك (معتصم) موطنك هو موطني
تجمّدت نظراته عليها، لم يظهر أي انفعال ،لم يكن هذا ما توقعه لا يريد هذا، كان يظن أنها سترفض وأنه بذلك سيتحرر من هذا الزواج دون أن يشعر بالذنبٍ ..
لكنه الآن يدرك .. أنها ستظل لصيقة به، ربما مدى الحياة، ابتسم ابتسامة باهتة لا تشبه ما بداخله، وجاهد أن يرسمها كي لا يفضح انزعاج قلبه ..
❈-❈-❈
داخل المكتب بينما يعملان إلا أنه لم يستطع تجاهل الشرود البادي على وجهها؛ كانت مستغرقة تمامًا، يدها تستند إلى وجنتها، ونظراتها تائهة نحو اللاشيء، أعاد جملته للمرة الثالثة بخصوص العمل، فلم تجب، فحدّق فيها طويلاً، لقد كانت الفترة الماضية تتعامل بليون أكثر وكانت مرحة بعض الشئ ما الذي حدث مجددًا ليراها هائمة على وجهها بتلك الطريقة، فقال بنبرة مترددة تحمل عتابًا
- ما انتِ كنتِ كويسة الأيام اللي فاتت يا (سدرة) .. إيه اللي رجّعك تسرحي وتزعلي كده تاني؟
انتبهت لصوته فجأة، ورفعت عينيها نحوه، ثم توجّهت بنظرها بعيدًا، وقالت بضيق
- مخنوقة أوووي يا (مالك)
تأملها للحظة، ثم أغمض عينيه وضغط على قبضة يده بصمت، يحاول السيطرة على مشاعره، وقال بصوتٍ خافت يكاد يخنقه الغيظ
- بجد حرام عليكِ .. حرااام! شهرين .. شهرين ومش عارفة تتخطّي انفصالك عنه؟!
هزت رأسها نافية، وقالت بحدة لكنها لم تنظر إليه
- الموضوع ملوش دعوة ب (معتصم) خالص يا (مالك)
ارتخت ملامحه قليلاً، لكن القلق لم يغادر عينيه، فسألها بهدوء
- طب قوليلي في إيه؟ في حاجة مضايقاكي تانية؟
أومأت إيجابًا ثم قالت
- آه .. أول امبارح كنت في عزا مع ماما زوج صاحبتها توفّى وقابلنا هناك صاحبتهم التالتة اللي كانت مسافرة مع جوزها برا ١٠ سنين ولسه راجعة من أسبوعين شافتني ومش مصدقة إني انا البنت الصغيرة بتاعت زمان .. وكبرت وبقيت عروسة
عضّ (مالك) شفتاه بغيظ مكبوت، وقاطعها
- متكمليش وطلبت إيدك لابنها، صح؟
ابتسمت بمرارة وقالت
- آه .. وأنا مش عاوزة وماما مصرة إني أقابل الشاب ده الأول وأنا تايهة مش عارفة يا (مالك) أعمل إيه؟! ده مش وقته خالص، ومش بفكر أصلاً .. معنديش مشاعر لأي حد دلوقتي خاالص .. بس ازاي ماما تسكت انتي كبرتي عاوزين نفرح بيكِ والكلام ده
ظل (مالك) صامتًا للحظات، كأن صوته تاه وسط الصخب الذي بداخله، ثم قال أخيرًا بصوت هادئ
- بصي يا (سدرة) إنتِ كنتِ سألتيّني قبل كده أنا حبيت قبل كده؟ صح؟
رفعت عينيها إليه بدهشة، فلم يكن السؤال في سياق حديثها فهي تحدثه في امر وهو يتحدث عن أمر آخر، لكنه تابع
- حبيت مرتين في حياتي المرة الأولى كانت بنت معايا في الجامعة، ارتبطت بيها شوية .. بس بعدين حسيت اللي بعمله حرام ومكنتش جاهز للجواز خالص مكنتش حابب أظلمها معايا فطلبت منها نبعد ولما أكون جاهز هكلمها هي واهلها
أخذ نفس عميقًا ثم تابع
- هي افتكرت إني استندلت وسِبتها، مع إني كنت بحافظ عليها كانت بنت طيبة أووي وكانت عندي على الفيس بوك
توقف لبرهة، ثم تابع بنبرة منخفضة
- ولاقيتها اتخطبت بعد ما اتخرجنا بسنة تقريبًا مش هكدب أضيقت بس مش أوي بصراحة، حسيت إنه عادي حتى مسحتها من عندي من على الفيس يمكن محبتهاش بجد .. أو يمكن اتعودت على غيابها فتقبلت الأمر بسرعة لكن المرة التانية مشاعري اتجهت ليكِ إنتِ يا (سدرة)
اتسعت عيناها بدهشة، ولم تستطع إخفاء صدمتها، كانت تظن دائمًا أن لطفه معها واهتمامه بها نابع من الشفقة أو الاحترام، لكنها لم تتخيل أنه يحمل في قلبه مشاعر نحوها، تابع وهو ينظر لعينيها مباشرة
- حصل من أول نظرة يمكن عشان انتٌ هادية مش زي باقي البنات، بتتكسفي وفي حالك وده شدني ليكِ كل واحد بيدور على مواصفات معينة وانتِ كنتِ المواصفات اللي بدوّر عليها
بعدها نظر إلى الأرض، ثم قال
- لو كنت أعرف إنك مخطوبة كنت فرملت نفسي من الأول، أنا حتى اللي كلمت مستر (رؤوف) يجيبك تشتغلي معانا عشان كنت عايز أعرفك اكتر .. كنتِ مش بتدي فرصة لحد يتكلم وقلت فرصة أعرفك اكتر عشان احدد مشاعري قبل ما يبقى في رابط رسمي بس لما عرفت، اتصدمت
وضعت (سدرة) يدها على فمها بدهشة، ثم نظرت له، وقالت بصوت منخفض
- كفاية يا (مالك) .. أنا فاهمة الباقي كويس
نظر إليها طويلًا، ثم قال
- أنا مش وحش يا (سدرة) .. ولا عمرى اتمنيّتلك الشر عشان تبقي معايا بس دي جات من عند ربنا يمكن عشان مش عارف أبعد عنك زي ما بعدت عنها مش قادر أعمل كده معاكِ، حاولت ومقدرتش
هزت رأسها نافية، ثم قالت بهدوء
- أنا مش لسه هتعرف عليك يا (مالك) .. أنا واثقة فيك وعارفة إنك محترم
ضم قبضته بيأس، وهمس
- مكنتش ناوي أقولك الكلام ده دلوقتي .. كنت مستنيكِ تتخلصي من مشاعرك القديمة يمكن تفتحي قلبك تانى رغم انى شايف انه مستحيل .. بس لما سمعت إنك ممكن تقابلي حد تاني قلبي وقع مني .. أنا معرفش ابن صاحبة مامتك ولا إن كان كويس ولا لأ ومليش حق أتدخل بس أرجوكِ لو هتفكري في الجواز من اي شخص فكري فيا انا كمان وانا مش بلعب بيكِ وقت ما تقولي موافقة انا هكلم عمو على طول
نظر إلى أسفل يعلم جيدًا أن مشاعره لا تمثل أي شئ بالنسبة لها ولكن لا يستطيع سوا أن يطلب منها هذا اذا تابع
- دي أول مرة أطلب منك حاجة .. ومش هقدر أستحمل بجد مش هقدر يا (سدرة) .. ولو ناوية تبدأي من جديد مع حد تاني قوليلي وأنا همشي من هنا هسيب الشغل فورًا مش هقدر أستحمل أكون جنبك وأعيده تاني
سادت لحظة صمت ثقيلة، قبل أن تنزل الدموع من عيني (سدرة) دون أن تشعر فقد شعرت بصدق مشاعره وحبه لها كانت تظن أنه يحب فتاة آخرى ولكنها ليست معهم بالعمل تذكرت كيف كانت تتحدث معه عن مشاعرها تجاه خطيبها وهو يتعذب دون أن تدري كم أذت مشاعره هي دون أن تعلم، لاحظ (مالك) حزنها، فارتبك وقال سريعًا
- خلاص .. أنا بجد ممكن أمشي .. مش عاوز أضغط عليكِ ولا أضايقك بوجودي
كان حديثه مبعثرًا ومشتتًا، هزت رأسها نافية، تمسح دمعتها بيدها، وقالت بهدوء
- (مالك) إنت بتقول إيه؟ أنا مش غبية .. وفاهمة مشاعرك وفاهمة كمان ليه اعترفت، لأنك حسيت إن في حد تاني ممكن يدخل حياتي، بص لو بعقلي هختارك بس قلبي لسه مش بتاعي وأظن إنك مش عاوزني أختارك بعقلي بس
ابتسمت بخفة، وقالت
- سيبني أفكر ومش هقابله متقلقش وعد مني
نظر لها غير مصدّق ما سمعه منها للتو، فتابعت هي
- بس متطلبش مني أكتر من كده أنا مكنتش بفكر فيك بالطريقة دي .. وصعب فجأة قلبي يتبدّل بس هحاول، بس نحط حدود بينا شوية مادام الموضوع وصل لكده لحد ما افكر كويس
ارتسمت ابتسامة حقيقية على وجهه، كأن قلبه تنفّس الصعداء لأول مرة منذ زمن، وكلماتها البسيطة تلك ساعدته كما لو ذاق الماء بعد ظمأ طالت مدته فقال لها
- بس سؤال أخير .. ممكن ؟
نظرت له بجدية وحثته على الحديث فابتسم هو وسألها
- هو إيه المبهر اللي كنتِ لابساه في العزا عشان يجيلك عريس منه؟!
ضحكت (سدرة)، ضحكة حقيقية من قلبها، وهزت رأسها بآسى، يبدو أنها ستكتشف بداخله شخصيات كثيرة لم تكن تعرفها يومًا غير التي اعتادت عليها الفترة الماضية ..
❈-❈-❈
في ظهيرة اليوم التالي ..
جلس مدير الملجأ في زنزانته يتناول طعامه ببرودٍ، شعر بأن كل ما سعى إليه أصبح سرابًا فجاءة، وجهه شاحبًا، ونظراته شاردة، يتأمل مصيره البائس ظلّ يمضغ الطعام ببطء، كان يعلم جيدًا أن لسانه إن نطق بالحقيقة، فلن يسقط وحده، بل سيسقط معه من هم أكبر شأنًا وأخطر نفوذًا، وكان أيضًا يدرك أن الصمت وحده هو ثمن بقائه حيًّا، عليه أن يضحى من أجل السادة ولكن لا يعقل أن يسقط وحده وأن يسجن هو ويحيا البقية فى الخارج بنعيم ..
مرت دقائق، وإذا به يتلوّى فجأة من الألم، وقد باغته وجعٌ حاد في أحشائه، كأن نارًا اشتعلت في جوفه، سقط على الأرض، يداه تضغطان على بطنه، وجهه تظهر عليه ملامح التألم، وصوت صرخاته وصل إلى الخارج ..
ما هي إلا لحظات حتى اندفع الحرّاس إلى الزنزانة، وأُبلغ الضابط بأنه يوجد حالة طوارئ، فصدر الأمر بنقله إلى المستشفى على وجه السرعة، وفي غضون نصف ساعة، كان قد وصل إلى غرفة الطوارئ، حاول الأطباء إنقاذ ما يمكن إنقاذه ..
وبعد الفحص، أعلن الطبيب وفاته كان جسده قد استسلم، ولم يعد هناك نبضٌ ..
لم يطل الوقت حتى ظهرت نتائج التحاليل الأولية التي أثبتت وجود مادة سامة في معدته عبر وجبته الأخيرة ..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
