قراءة رواية (ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (ما تبقى لدي)
الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (رانيا الخولي ) | الفصل: (23)
هزت رأسها برفض قاطع، وأشاحت بنظرها عنه ثم تحركت بخطوات سريعة نحو السيارة
ركبت بجانب آدم، وأغلق الباب خلفها ليعلن نهاية الحوار تحركت السيارة ببطء، ومع كل متر تبتعد فيه كان تميم يشعر بأن روحه تنسحب من جسده، وأن قلبه يتوقف عن النبض
وقف مكانه كتمثال من رخام، يراقب السيارة وهي تبتعد نحو بوابة السرايا الخارجية، والدموع التي حبسها طويلاً بدأت تشق طريقها على وجهه بمرارة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وفجأة.. صرخت فرامل السيارة بقوة، وتوقفت في منتصف الطريق.
اتسعت عينا تميم بذهول وتوقف الزمن لثواني فتح الباب، ونزلت نادين.. لم تكن تمشي، بل كانت تجري، تجري بكل ما أوتيت من قوة نحو تميم وكأنها أدركت في لحظة الفراق أن الموت بعيداً عنه أقسى من الوجع بجانبه.
اندفع تميم نحوها كالمجنون والتقيا في منتصف المسافة
ارتمت نادين في حضنه بقوة كادت أن تكسر ضلوعهما وأطبق تميم ذراعيه حولها وكأنه يغلق أبواب العالم عليهما، اختلطت دموعهما ببعضها البعض وغرق وجهه في عنقها وهو يشهق بنحيب مرير، ويهمس بكلمة واحدة كررها مئات المرات:
ـ أنا آسف.. أنا آسف يا نادين.. سامحيني يا حبيبتي.. سامحيني.
كانت نادين تتشبث بقميصه بقوة وتدفن رأسها في صدره وهي تبكي بانهيار وكأنها وجدت أخيراً وطنها الذي ضاع منها
في تلك اللحظة لم يعد هناك مكان للشك أو العتاب، بل كان هناك فقط قلبان يحترقان عشقاً، وروحان تعاهدتا على أن يبدأ الشفاء معاً تحت سماء السرايا التي شهدت انكسارهما وتشهد الآن أعظم لحظات انتصارهما على الوجع.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
بقي آدم يراقب المشهد من بعيد بابتسامة حزينة وراضية ثم أدار محرك السيارة وغادر وحيداً، تاركاً خلفه قصة حب كتبت بالدموع، وتوجت بالغفران.
بعد أن استقرت نادين في أحضان تميم، وبعد أن هدأت عاصفة الدموع قليلاً، اقترب آدم منهما بخطوات هادئة ورزينة
كان وجهه يحمل ابتسامة حزينة، لكنها صافية كقلبه الذي لم يعرف سوى العطاء توقف أمامهما، فنظرت إليه نادين بعينين غارقتين في الدموع والامتنان، وشعرت بغصة وهي تراه يستعد للرحيل وحيداً بعد كل ما فعله لأجلها.
أمسك آدم يد نادين للمرة الأخيرة، ونظر في عينيها بعمق، وقال بصوت متهدج يملؤه الصدق
ـ نادين.. الآن فقط أستطيع أن أرحل وأنا مطمئن كنتِ دائماً تخافين من الغد، والآن أرى الغد في عينيكِ مشرقاً بجانب تميم.
نزلت دمعة من عين آدم مسحها بسرعة، وتابع بالفصحى التي كانت لغة أرواحهما في لحظات الصدق:
ـ لم تكوني يوماً مجرد مسؤولية ألقاها القدر في طريقي.. كنتِ أختي التي لم تلدها أمي، كنتِ قطعة من روحي، والدرع الذي حميت به نفسي من قسوة الدنيا لقد أحببتكِ أكثر من نفسي، وحاربت العالم لأرى هذه الابتسامة تعود لوجهكِ من جديد.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفت آدم نحو تميم الذي كان ينظر إليه باحترام وتقدير عظيمين، وقال له بنبرة وصية أخيرة
ـ تميم.. أنا أترك معك اليوم أغلى ما ملكت في حياتي، نادين ليست مجرد امرأة إنها روحي وهي جوهرة صقلت بالألم حتى صارت بهذا النقاء، كن لها الحصن الذي لم أستطع أن أكونه دائماً، وكن لها الأمان الذي بحثت عنه طويلاً إذا أوجعتها يوماً، فتذكر أن هناك قلباً خلف المحيط سينزف لأجلها.
لم تستطع نادين الصمود فارتمت في حضن آدم للمرة الأخيرة وهي تشهق بالبكاء
ـ شكراً يا آدم.. شكراً لأنك لم تتركني حين تركتني الدنيا كلها لن أنساك أبداً، ستظل دائماً بطلي وسندي.
ربت آدم على رأسها بحنان ثم ابتعد ببطء وهو يمسح دموعه ركب سيارته دون أن يلتفت خلفه، لأنه يعلم أن الالتفات قد يكسر عزيمته على الرحيل تحركت السيارة، وبقيت نادين وتميم واقفين يراقبانه حتى اختفى عن الأنظار.
شعر تميم بمدى عظمة هذا الرجل رغم الغيرة التي كادت تبتلع روحه لكنه اخفاها بداخله كي لا يويد اخطاءه فضم نادين إليه أكثر وهمس في أذنها
ـ آدم مش بس أنقذ حياتك يا نادين.. آدم علمنا يعني إيه حب حقيقي وتضحية أوعدك إني هحافظ عليكي زي ما هو حافظ عليكي وأكتر.
غادر آدم السرايا تاركاً خلفه قلباً وجد مستقره، وروحاً وجدت مرفأها، حاملاً معه ذكريات سنوات من الكفاح لأجل إنسانة أحبها بنبل الفرسان، ليبقى في ذاكرة الجميع رمزاً للوفاء الذي لا يطلب مقابلاً.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فجأة انفتح الباب ودلف منه تميم ونادين تتشابك أيديهما بقوة، وكأن كل منهما يستمد حياته من الآخر
تسمرت الأنظار عليهما وساد صمت مشحون بالذهول لثواني قبل أن تتبدل ملامح الجميع من القلق والوجع إلى فرحة عارمة لم تسعها جدران السرايا.
انتفضت نغم من مكانها وهي تضع يدها على صدرها غير مصدقة:
ـ نادين! يا حبيبتي يا بنتي.. رجعتي؟
ابتسم تميم وعيناه تلمعان ببريق لم يره أحد فيه من قبل، وقال بصوت واثق رغم بحته
ـ نادين مش هتمشي يا أمي.. نادين مكانها هنا وسطنا.
تقدم جاسر بخطواته الرزينة، ووقف أمام نادين التي كانت تنظر للأرض بحياء وخجل من كل ما حدث رفع جاسر رأسها بيده، ونظر في عينيها بحنان أبوي غامر، وقال بصوته الحكيم الذي يبعث الطمأنينة في النفوس
ـ نادين يا بنتي.. المصحات بتعالج الأجسام، لكن الروح مبيصلحهاش غير الحب أنتي مش محتاجة لعلاج في بلاد غريبة، أنتي محتاجة لحنان عيلة بتحبك بجد، ومش هتلاقي في الدنيا كلها عيلة تحبك وتخاف عليكي أكتر مننا أنتي هنا في أمان، وبين أهلك اللي مستعدين يفدوكي بروحهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لم تستطع نادين الصمود أمام هذا الفيض من المشاعر الصادقة؛ فكلمات جاسر كانت البلسم الذي وضع حداً لكل أوجاعها
انفجرت في بكاء مرير، لكنه كان بكاء راحة وانتماء وارتمت في حضن جاسر بقوة، وكأنها تعتذر له عن كل لحظة شك وتشكره على كونه الأب الذي تمنته طوال عمرها.
ضمها جاسر إلى صدره بقوة وربت على ظهرها وهو يهمس لها
ـ خلاص يا بنتي.. كابوس وانتهى، ومن النهاردة مفيش غير الفرح والأمان.
اقتربت نغم وحنين وتاليا وليال، والتففن حولها في عناق جماعي دافئ، بينما وقف يامن وتميم يراقبان المشهد بابتسامة رضا، مدركين أن السرايا الليلة لم تستعد ابنتها فحسب، بل استعادت روحها التي كانت على وشك الضياع كانت لحظة ولادة جديدة لعائلة الجاسر، لحظة أثبتت أن الحب الحقيقي هو العلاج الوحيد الذي لا يخطئ أبداً.
❈-❈-❈
أُغلق الباب خلفهما، فلف الصمت أرجاء الغرفة، صمت ثقيل يحمل بين طياته عتابًا وشوقًا وألف كلمة لم تقل، كانت نادين تقف على بعد خطوات منه، جسدها ما زال يحمل أثر الصدمة وعيناها زائغتان لا تجرؤان على مواجهته، اقترب تميم منها بخطوات هادئة كل خطوة كانت كأنها تمحو مسافة من الجفاء، رفع يده ببطء شديد يملس بها على وجنتها برقة لم تعهدها منذ زمن سوى منه، وكأنها قطعة كريستال يخشى عليها من الكسر.
_أنا آسف يا نادين.
همس بها صوته الذي يحمل نبرة ندم حقيقية، ندم يمزق قلبه ويجعل قلبها يرتجف، لم تكن مجرد كلمة بل كانت اعترافًا بخطأ لم يكن ليغتفر لولا عمق عينيه التي فاضت بالأسف
أكمل وهو يشدها إليه بلطف، وكأنها آخر ما تبقى له في هذا العالم
_لو كنتي استنيتي دقيقة واحدة بس كنت رجعتلك عشان أعتذر، حتى لو كان ظني صح حتى لو كان كل اللي اتقال حقيقة الموضوع مفرقش معايا قد ما زعلني إنك افتكرتي إنك ممكن تخبي عليا حاجة أو إنك ممكن تشيلي همومك لوحدك، أنا مكنتش عايزك تحسي إنك وحيدة، مكنتش عايزك تشيلي أي هم لوحدك أنا هنا عشانك، عشان كل حاجة.
امتدت يده لتلتقط يديها المرتعشتين، كانت باردة كالثلج فاحتضنهما بين كفيه الدافئتين، ثم انحنى يقبلهما بعمق، قبلة طويلة وكأنه يمحو بها آثار كل خوف أو ألم، كل ذكرى سيئة، كل لحظة قسوة رفع رأسه وعيناه تخترقان روحها تتوهان في عمق عينيها، يبحثان عن بصيص أمل عن غفران
_أنا حبيتك يا نادين حبيتك زي ما أنتِ بكل اللي فات بكل ظروفك بكل جروحك حتى عيوبك اللي فاكراها، كل ده مفرقش معايا، بالعكس خلاني أحبك أكتر خلاني أشوف فيكِ قوة مكنتش أعرف إنها موجودة خلاني أحس إني عايز أحميكي من كل الدنيا، من نفسي حتى
حبك ده أقوى من أي حاجة أقوى من أي ماضي أقوى من أي شك، أنا عايزك جنبي، عايزك ملكي، عايزك أماني.
في تلك اللحظة انهار كل حاجز بداخلها كل تردد كل خوف، لم تعد ترى فيه القاسي الذي صفعها بل الرجل الذي يرى روحها الذي يحبها بكل ما فيها
ألقت بنفسها في أحضانه تشبثت به كغريق يتعلق بآخر قشة نجاة ودفنت وجهها في صدره وكلماتها خرجت كاعتراف مؤلم، لكنه صادق وبصياغة أقوى، تحمل في طياتها عمقًا لا يوصف
_لو كانت كل تلك الحياة القاسية التي عشتها، كل تلك الآلام التي مزقت روحي، كل تلك الليالي التي قضيتها وحيدة، هي الثمن الذي يجب أن أدفعه لألقاك لأجد هذا الأمان بين ذراعيك فأنا أعلنها الآن، مستعدة لتحمل أضعافها أضعاف الألم، أضعاف القسوة لأجلك أنت فقط لأجل هذه اللحظة، لأجل هذا الحب.
ابتعد تميم عنها قليلاً لكنه لم يتركها رفع ذقنها بيده وابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه، ابتسامة أعادت الدفء إلى الأجواء
_طيب وبعدين؟
نظرت إليه نادين بعينيها الواسعتين، لم تفهم قصده لكن قلبها كان يرقص فرحًا بهذا التحول
_ماذا تقصد؟
غمز بعينه نحو السرير ثم قال بنبرة خافتة تحمل الكثير من الوعود والمرح
_الحاج جاسر مديني أسبوعين إجازة بالعافية هنقضيها زعل وعتاب، ولا كل واحد فينا يعوض التاني عن اللي فاته؟
ضحكت نادين ضحكة رقيقة أعادت الحياة إلى وجهها الشاحب وأضاءت عينيها وسألته بمرح، محاولة مجاراته في لعبه
_وعلى أي شيء تعويضك أنت؟ فلقد عشت حياة رغيدة لم تشبها شائبة ولم تعرف مرارة الفقد أو قسوة الظروف.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رفع حاجبيه وهو يقول بمكر محبب
_أنا غضيت بصري طول عمري، يبقى المفروض التعويض يبقى مضاعف ولا إيه؟
اقتربت نادين من أذنه وهمست لأول مرة بجرأة لم تكن لتتخيلها في نفسها كلمات قليلة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل تميم يرجع رأسه إلى الوراء بإعجاب وضحكة مكتومة
_يا لهوي!
لم يمهلها فرصة للحديث حملها بين ذراعيه بقوة ودار بها ثم قال بصوت يملؤه الشغف والتحدي
_طيب ورينا شطارتك بقى يا بنت التهامي.
❈-❈-❈
بعد إن دلفت نغم غرفتها نظرت إلى زوجها بحيرة، وقالت بصوت منخفض
_جاسر كنت بتقول لزينة إن فيه عريس متقدم لتاليا، مين ده يا جاسر؟ وإمتى حصل الكلام ده؟
قبل أن يفتح جاسر فمه ليرد قطعت خلوتهما الخادمة وهي تقترب بوقار
_يا جاسر بيه البشمهندس ريان واقف بره وعايز يقابل حضرتك.
اعتدل جاسر في جلسته وارتسمت على وجهه نظرة عميقة وغامضة ثم قام وقال للخادمة
_ دخليه المكتب فوراً.
ثم التفت لنغم وقال بنبرة حاسمة
_نتكلم بعدين يا نغم الموضوع ده محتاج تركيز.
خطا جاسر نحو مكتبه حيث كان ريان ينتظره
كان ريان شاباً تبدو عليه علامات الذكاء والهدوء المصطنع لكن عينيه كانتا تخفيان خلفهما بريقاً غير مريح
دخل جاسر وجلس خلف مكتبه وقال بنبرة وقورة
_معلش يا بشمهندس تقلنا عليك في الفترة اللي فاتت وشغلك في المستشفى الجديدة أخد من وقتك كتير.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رد ريان بابتسامة باهتة
_مفيش تعب ولا حاجة يا جاسر بيه ده واجبي، وألف مبروك ليامن وتميم.
هز جاسر رأسه بوقار
_الله يبارك فيك تسلم.
ساد صمت قصير قطعه ريان وهو يتنحنح قائلاً
_كنت جاي اعرف رد حضرتك في الموضوع اللي فاتحتك فيه بخصوص الآنسة تاليا.
التزم جاسر الصمت لثواني بدت كأنها دهر، وكان ينظر لريان بنظرة تخترق الوجوه، ثم قال بمغزى
_إشمعنى تاليا يا بشمهندس؟ إيه اللي يخلي مهندس زيك لسه داخل البلد جديد يفكر في بنتي بالذات؟
ارتبك ريان للحظة لكنه سرعان ما استعاد هدوءه وقال بصوت واثق
_انت عارف إني أصلا من البلد بس كنت مسافر يعني مش غريب وسمعت عنها كتير، سمعت عن أخلاقها وتفوقها في الطب، وعن أصلها الطيب وعشان كدة يشرفني إني أرتبط بيها وتكون شريكة حياتي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كان جاسر يستمع إليه وهو يعلم يقيناً أن كل كلمة تخرج من فمه هي محض تمثيل
ويعلم أن وراء هذا الطلب رغبة دفينة في الانتقام وإن كان لا يعرف السبب الحقيقي بعد
لكنه وبحكمة الصقر الذي يفضل مواجهة عدوه في النور قال بهدوء صادم
_أنا موافق يا بشمهندس، تاليا بنتي جوهرة وإنت شاب طموح، تقدر تيجي بكرة تقعد معاها وتتكلموا والقرار الأول والأخير ليها.
اتسعت ابتسامة ريان وشعر بنشوة انتصار زائف
_ده شرف ليا يا جاسر بيه بكرة إن شاء الله هكون عندك في الميعاد.
استأذن ريان وخرج من المكتب بخطوات سريعة وبمجرد أن ابتعد عن أسوار السرايا وأصبح في سيارته رن هاتفه أجاب بسرعة
_ متقلقش كل حاجة ماشية زي ما أنا عايز بالظبط جاسر وافق وبكرة هحط رجلي جوه السرايا واللعبة الحقيقية لسه هتبدأ.
❈-❈-❈
عاد ريان إلى منزله وألقى بمفاتيحه على الطاولة بعنف، وجلس يزفر ضيقاً
كانت صورة تاليا لا تفارق خياله؛ تاليا التي أنقذت حياته يوماً والتي ضمدت جراحه حين أصيب برصاصة غادرة، والتي قطعت له عهداً على نفسها ألا تخبر أباها بوجوده ووفت بوعدها
والآن هو يخطط لكسر قلبها واستغلالها كجسر للوصول إلى رأس أبيها.
قطع حبل أفكاره طرقات قوية على الباب ليدخل الحاج رضوان وعلامات الغضب مرتسمة على وجهه الوقور صاح رضوان بمجرد دخوله
_إيه اللي أنت عملته ده يا ريان؟ بتدخل الحريم في لعبتك ليه؟ أنت نسيت الأصول ولا إيه؟
غمض ريان عينيه بتعب وقال بصوت مخنوق
_لو سمحت يا حاج رضوان أنا مش ناقص اللي فيا مكفيني.
لم يهدأ رضوان بل اقترب منه وواجهه بحدة
_والبنت دي ذنبها إيه؟ أنت نسيت وقفتها معاك وأنت واخد الرصاصة؟ نسيت إنها شالت سرك وحمتك من أبوها؟ أنت كدة بتخون يا ريان والخيانة مش من طبعنا ومتخلنبش اندم إني بساعدك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
شعر ريان وكأن كلمات رضوان سياط تلهب ظهره
ضميره كان يذبحه بالفعل لكن الحقد القديم كان لا يزال يغلي في عروقه، رد بصوت يحاول أن يبدو حازماً رغم اهتزازه
_دي الطريقة الوحيدة اللي هتخليني أعرف خباياه وأبلغ عنه في الوقت المناسب، لازم أكون قريب منه لازم أدخل السرايا من بابها عشان أقدر أكسره.
ضحك رضوان بسخرية مريرة
_وتفتكر إن جاسر بالسذاجة دي؟ تفتكر إنه هيأمن لك في حاجة زي دي لمجرد إنك بقيت جوز بنته؟ أنت بتلعب مع واحد مش سهل أبدا يا ريان.
وقف ريان واتجه نحو النافذة ينظر إلى الظلام الدامس في الخارج وقال بإصرار يائس
_كفاية إني هكون واحد منهم وده هيعرفني مكان "البوابة" فين بالظبط
البوابة اللي مخبي وراها كل بلاويه، لازم أوصلها يا حاج رضوان.
هز رضوان رأسه بأسى واتجه نحو الباب ليخرج لكنه التفت إليه أخيراً وقال بكلمات وقعت كالصاعقة
_يبقى بتحلم يا ريان أنت مش بس بتخسر تاليا أنت بتخسر نفسك واليوم اللي هتوصل فيه للبوابة، هتكتشف إنك قفلت على روحك كل أبواب الرحمة.
خرج رضوان وأغلق الباب خلفه تاركاً ريان في صمت الغرفة القاتل، يصارع وحش الندم الذي بدأ ينهش قلبه قبل أن تبدأ المعركة.
❈-❈-❈
دخلت نغم الغرفة وأغلقت الباب خلفها بعنف، والتفتت إلى جاسر الذي كان يخلع ساعته بهدوء مستفز صرخت فيه بصوت مخنوق من الغضب
_أنت اتجننت يا جاسر؟ أنت فعلاً عايز تجوز بنتك لواحد جاي عشان يوقعنا؟ أنت عارف هو مين وعايز إيه ومع ذلك وافقت؟
التفت إليها جاسر وبنظرة باردة أشار إليها بيده
_وطي صوتك يا نغم عشان نعرف نتكلم.. الخيطان ليها ودان وبعدين الشاب ده أنا عارف معدنه كويس، وعارف هو بيفكر في ايه.
اقتربت منه نغم وتحدته بعينيها
_عارف إيه؟ عارف إن أبوه اتقتل على إيد صخر زمان؟ وعارف إنه متأكد إنك كنت شريك في الدم ده؟ ومع ذلك بتفتح له باب بيتك؟
تنهد جاسر وجلس على المقعد الوثير وقال بهدوء حذر
_أنا مش عايز أواجهه وأقوله إني معملتش كدة الكلام مش هيقنعه أنا هعمل معاه زي ما عملت مع نادين، هخليه يشوف الحقيقة بنفسه، يلمسها بإيده عشان يصدق إن إيدي نظيفة من دم أبوه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
هنا انفجرت نغم وصرخت فيه بمرارة
_نادين غير ريان يا جاسر، نادين كانت بنت مكسورة ومحتاجة أمان، وتميم راجل مكنتش هتقدر تعمل له حاجة إنما ريان داخل بيتك وهو شايل حقد سنين، واخد بنتك وسيلة وجسر عشان يوصل للي قتل أبوه أنت بتضحي بولادك عشان تصفي ماضيك.
توقفت نغم للحظة ثم أكملت بصوت يرتجف من القهر
_زي ما صفيت الحاضر معايا أنا زمان عايز تكرر نفس اللعبة مع تاليا، وده اللي مش هسمح به أبداً.
تغيرت ملامح جاسر فجأة وانفعل بشدة ووقف في مواجهتها وصوته يخرج هادراً
_أنتِ بتقولي إيه يا نغم؟ أنتِ واعية للكلام اللي بيخرج من بقك ده؟
نظرت إليه نغم بنظرة لم يرها فيها من قبل نظرة امرأة قررت ألا تنكسر مجدداً
_بقول اللي أنا شايفاه وحاساه الجوازة دي مش هتم تحت أي ظرف أنا مش هضحي ببنتي مهما كانت الأسباب، ولا هسيبها تكون ضحية لحروبك القديمة.
لم تنتظر نغم رده بل استدارت وخرجت من الغرفة تاركة جاسر في ذهوله يواجه لأول مرة تمرداً حقيقياً من المرأة التي ظن أنه امتلك قلبها وعقلها للأبد
كانت نغم قد وضعت خطاً أحمر، وتاليا كانت هي ذلك الخط.
بعد أن أغلقت نغم الباب خلفها بعنف ساد صمت موحش في الغرفة
وقف جاسر مكانه وكأن كلمات نغم كانت طعنات مسمومة اخترقت دروعه الحصينة
"تصفية الماضي".. "تصفية الحاضر".. كلمات ترددت في أذنيه كصدى مرعب، كان يظن أن السنوات كفيلة بمحو آثار الجراح لكنه اكتشف الليلة أن نغم لا تزال تحمل ندوب الماضي في أعماقها وأنها لم تغفر له حقاً.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
شعر جاسر بنغزة مفاجئة في صدره نغزة حادة كأنها نصل بارد انغرس في قلبه
حاول أن يتجاهلها أن يأخذ نفساً عميقاً لكن الألم كان أسرع، بدأت النغزة تتسع لتتحول إلى ثقل رهيب جاثم على صدره كأن جبلاً من الرصاص استقر فوق أنفاسه.
ترنح جاسر واتجه نحو حافة السرير، جلس ببطء وهو يضغط بيده اليسرى على صدره بقوة محاولاً دفع الألم بعيداً، تصبب العرق البارد من جبينه وشحب وجهه حتى صار بلون الرماد
حاول أن ينادي أن يطلب المساعدة لكن صوته انحبس في حنجرته ولم يخرج منه سوى أنين مكتوم.
في تلك اللحظة طرقت تاليا الباب بهدوء
_بابا.. ممكن أدخل؟
لم يأتي رد شعرت تاليا بالقلق وخاصة عندما وجدت والدتها تخرج بتلك الطريقة
فتحت الباب ببطء وهي تنادي
_بابا.. أنت…
تسمرت تاليا في مكانها عندما رأت والدها الرجل القوي الذي لم تره يوماً ضعيفاً منحنياً على نفسه يده تقبض على جلبابه عند موضع قلبه وعيناه جاحظتان تحاولان التشبث بالوعي.
صرخت تاليا بلهفة وهي تجري نحوه
_بابا مالك يا حبيبي؟ رد عليا يا بابا.
لم يستطع جاسر الرد كانت شفتاه قد بدأت تميل للزرقة وأنفاسه تخرج في حشرجة مخيفة
ارتمت تاليا تحت قدميه وهي تصرخ بأعلى صوتها صرخة هزت أركان السرايا
_يا تميم يا يامن الحقوني بابا بيموت
في ثواني معدودة كان يامن وتميم قد اقتحما الغرفة
تجمد تميم للحظة من هول المنظر لكن غريزته كابن خائف دفعته للتحرك
جرى نحو والده وبدأ يتحسس نبضه ويوجه يامن بصرامة رغم الرعشة في صوته
_يامن اطلب الإسعاف فوراً
تاليا هاتي مية بسرعة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كان يامن يضغط على أرقام الهاتف بيد ترتجف وعيناه لا تفارقان والده الذي بدأ يفقد الوعي تدريجياً
أما نغم التي كانت قد خرجت لتوها غاضبة فقد عادت تجري على صوت الصراخ
وقفت عند الباب واتسعت عيناها بالرعب وهي ترى جاسر يسقط بين يدي ولديه سقطت منها الكلمات وحل محلها ندم قاتل وهي تراه يصارع الموت بعد لحظات من كلماتها القاسية.
❈-❈-❈
أمام باب الغرفة في المستشفى كان الممر يضيق بأنفاسهم المتسارعة.
نغم كانت تسند رأسها إلى الحائط وعيناها غارقتان في صمت مرعب بينما يامن وتميم يذرعان الممر ذهاباً وإياباً وتاليا تجلس في زاوية تضم سجادة صلاتها وتبكي بصوت مكتوم.
فجأة انفتح الباب وخرج الطبيب وهو ينزع قفازاته الطبية
أسرع الجميع نحوه في لحظة واحدة والأسئلة تسبق أنفاسهم
_خير يا دكتور؟ طمنا.
ابتسم الطبيب بطمأنينة وقال بصوت هادئ
_اطمنوا هو كويس الحمد لله كانت أزمة شديدة بس لحقناها في الوقت المناسب، وعدت على خير من غير ما تسيب أي أثر على القلب هو فاق دلوقتي.
لم تنتظر نغم سماع بقية الكلمات بل اندفعت نحو الطبيب وهي تهمس برجاء
_عايزة أشوفه أرجوك يا دكتور.
أومأ الطبيب موافقاً
_تقدري تدخلي بس يا ريت بلاش إجهاد في الكلام، هو محتاج راحة تامة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
دخلت نغم الغرفة بخطوات مرتجفة كان الضوء خافتاً ورائحة المعقمات تملأ المكان لكن عينيها لم تريا سوى جاسر، كان مستلقياً على السرير وجهه لا يزال شاحباً لكن عينيه كانتا مفتوحتين تنظران نحو الباب وكأنه كان ينتظرها هي بالذات.
اقتربت منه ببطء وسقطت على الكرسي المجاور لسريره، أمسكت يده بكلتا يديها وضمتها إلى صدرها وهي تبكي بحرقة
_أنا أسفة يا جاسر أنا أسفة على كل كلمة قولتها سامحني يا حبيبي، مكنتش أقصد والله مكنتش أقصد.
حاول جاسر أن يبتسم ابتسامة باهتة وضغط بضعف على يدها وقال بصوت مبحوح يملؤه الحنان
_عارف يا نغم.. عارف إن الكلام خرج غصب عنك، الوجع ساعات بيخلينا نقول حاجات مش في قلوبنا.
رفعت نغم يده وقبلتها بشوق وندم ونظرت في عينيه بصدق هز كيانه
_أنا معرفش قولت كدة إزاي بس أنا بحبك يا جاسر بحبك حقيقي ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك ثانية واحدة.
لمعت عينا جاسر ببريق رومانسي دافئ واستجمع قوته ليرد عليها بكلمات اخترقت روحها
_وأنا عارف إنك بتحبيني.. وعمري ما شكيت لحظة واحدة في حبك ده، عارف إن حبك ليا بدأ من أول لحظة عيونك جات في عيوني لما أنقذتك من السواق فاكرة؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتسمت نغم من بين دموعها وهي تومئ برأسها، فأكمل جاسر بصوت يقطر عشقاً
_لما وقعتي بين إيديا وقتها وشفت الخوف والجمال في عينيكي أقسمت بيني وبين نفسي إنك مش هتكوني لحد غيري.. وإنك هتفضلي في حضني طول العمر.
انحنت نغم عليه ووضعت وجهه بين يديها وقالت بهمس رقيق
_بلاش تجهد نفسك يا حبيبي.. ارتاح دلوقتي وأوعدك أول ما تقوم بالسلامة وترجع السرايا هعتذرلك بكل الطرق اللي تليق بيك وهعوضك عن كل لحظة وجع سببتها لك.
أغمض جاسر عينيه وهو يشعر بأنفاسها قريبة منه وشعر أن هذه الأزمة، رغم قسوتها قد أعادت إحياء نبض الحب الذي كاد أن يخنقه غبار السنين كانت الغرفة تضج بمشاعر دافئة، وكأن الزمان قد توقف عند تلك اللحظة، ليعلن أن الحب الحقيقي لا يكسره مرض ولا يمحوه عتاب.
❈-❈-❈
في ممر المستشفى كانت نغم تقف بصلابة الأم التي لا تكسرها المحن
نظرت إلى أولادها وقالت بصوت حازم لا يقبل النقاش
_اسمعوا يا ولاد أنا مش هتحرك من هنا هفضل مع أبوكم لحد ما يخرج بالسلامة
تميم يامن خدوا إخواتكم وروحوا ارتاحوا.
حاول تميم الاعتراض وعلامات الإرهاق بادية على وجهه
_يا أمي مينفعش نسيبك لوحدك.
قاطعته نغم بنظرة هادئة
_أبوك اللي عايز كدة يا تميم هو مش عايز يشوف حد فيكم شايل الهم بسببه روحوا يا حبيبي، وطمنوا الباقي في البيت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انصاع الجميع لأمرها وغادروا المستشفى بقلوب معلقة هناك وبمجرد وصولهم إلى السرايا كانت حنين تجلس مع والدتها والقلق يأكل ملامحها
هبت واقفة بمجرد رؤية يامن وجرت نحوه بلهفة
_يامن طمني عمي عامل إيه دلوقتي؟
أخذ يامن نفساً عميقاً وحاول أن يبتسم ليطمئنها
_كويس الحمد لله يا حنين الأزمة عدت على خير والدكاترة طمنونا إنه محتاج راحة بس.
سأل تميم حينما لم يجد نادين معهم
_أومال نادين فين؟
ردت حنين
_لسة طالعة حالا لقتها مجهدة من العياط وكانت مصرة تروح المستشفى بس ماما هدتها وخلتها تطلع ترتاح.
استأذن تميم بصمت وانسحب نحو غرفته وخطواته توحي بوقار الحزن الذي يسكنه أما تاليا وليال فكانت دموعهما لا تزال تنهمر بصمت وصعدتا خلفه وهما تشعران بغصة في حلقهما.
نظرت حنين إلى يامن بعتاب رقيق
_كنت عايزة أروح معاكم المستشفى مكنش ينفع أسيبكم في وقت زي ده.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أمسك يامن يدها وقال بنبرة يملؤها التعب والأسى
_مكنش ينفع يا حنين إنتي لسة عروسة مع إن الكلمة دي مش كاملة خالص من يوم فرحنا وإحنا في مشاكل وهموم، متهنيناش ولا لحظة.
اقتربت منه حنين ووضعت يدها على كتفه بحنان
_متقولش كدة يا يامن إحنا لسة قدامنا العمر كله نتهنى فيه المهم دلوقتي إن عمي يقوم بالسلامة وهو قوي وهيستحمل، إنت عارف إنه جبل ومبيتهزش بسهولة.
كانت والدة حنين تراقبهما بصمت وتقدير لموقف ابنتها تدخلت بصوتها الهادئ لتقطع حبل التوتر
_خلاص يا ولاد الحمد لله إن الغمة انزاحت خدي جوزك يا حنين واطلعي أوضتكم هو محتاج يرتاح وإنتي كمان محتاجة تهدي أعصابك.
أومأ يامن برأسه وشعر بامتنان كبير لوجود حنين بجانبه في هذه اللحظات القاسية وصعد معها الدرج وهو يأمل أن تكون هذه آخر الأحزان التي تطرق باب سراياهم.
❈-❈-❈
في غرفة تميم
دلف الغرفة وقلبه يقطر حزناً على والده
وجد نادين تجلس على الفراش تبكي بانهيار
فور رؤيته أسرعت بالذهاب إليه
_تميم كيف حال عمي الآن؟
ربت على كتفها بحنو
_اطمني هو بخير.
فك ازرار قميصه وسالته نادين
_لما لم يأت معكم إذًا، أرجوك تميم أخبرني الحقيقة.
جلس تميم على السرير بتعب ووضع رأسه بين يديه
_ارجوكي يا نادين انا تعبان جداً ومحتاج انام ولو حتى ساعتين قبل النهار ما يطلع
أومأت نادين وساعدته على الاستلقاء ثم جذبت عليه الغطاء وقبل ان تبتعد جذب تميم يدها ليقبلها ثم تمتم بنعاس
_خليكي جانبي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اومأت له نادين واستلقت بجواره لتغير الوضع حينها وتاخذ هي رأسه بين احضانها
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (رانيا الخولي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

❤️❤️❤️❤️