ما تبقى لدي - الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح - الفصل 22 | رانيا الخولي

قراءة رواية (ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (ما تبقى لدي)

الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (رانيا الخولي ) | الفصل: (الثاني والعشرون)



تسمرت أقدام نادين أمام ذلك الطيف الذي انشق عنه سكون الليل، وكأن الماضي قرر أخيراً أن يمنحها صك الغفران

 لم تصدق عيناها أهو "آدم" حقاً؟ أم أن عقلها الذي أضناه الوجع قرر أن ينسج لها خيالاً يواسي انكسارها؟ عادت بنظرها سريعاً إلى ملامحه، إلى الحقيقة الوحيدة التي لم تخذلها يوماً، وانفجرت في بكاء مرير وهي تصرخ بلغتهما الخاصة، لغة الأسرار التي لا يفهمها سواهما:

ـ "Adam.. Adam.. Are you real Or am I finally losing my mind?

(آدم.. آدم.. هل أنت حقيقي؟ أم أنني فقدت عقلي أخيراً؟)


أجابها آدم، وصوته يتهدج بوجع يمزق نياط القلب، وخطواته تقترب لتطوي مسافات الموت والغياب التي فصلت بينهما، هامساً بيقين يزلزل الروح

ـ "I am real, Nadi.. I came bac for you. I would never leave you alone in this darkness.

(أنا حقيقي يا نادي.. عدت لأجلكِ، لم أكن لأترككِ وحدكِ في هذا الظلام أبداً.)


هزت رأسها بنفي هستيري، وعقلها يرفض استيعاب المعجزة، لكن قلبها كان قد اتخذ قراره بالفعل؛ قرر أن ينعم بهذا "الخيال" حتى لو كان وهماً لم تتحمل نادين أكثر؛ ألقت خلف ظهرها كل شيء، خوفها، وجعها، وكرامتها التي ذبحت منذ قليل على عتبة غرفة تميم، وركضت نحوه لم تكن تركض، بل كانت تطير نحو النجاة، نحو الصدر الذي كان دائماً سماءها الوحيدة.


وقبل أن تصل فتح آدم ذراعيه كوطن يستقبل لاجئاً أضناه الشتات، وارتمت في حضنه بكل ثقل سنين العذاب اختبأت في صدره، وأطلقت صرخة مكتومة ذابت في معطفه، صرخة لخصت كل مرارة اليتم والفقر والظلم

سندا جبينهما على بعضهما البعض، وأغمضا أعينهما بقوة والدموع تجري لتختلط على وجنتيهما، وكأنهما يتنفسان وجع السنوات ويستنشقان رائحة اللقاء المستحيل الذي عاد بعد شهور من الاحتراق.


همست نادين وهي تشهق بالبكاء الذي يكاد يقتلع أنفاسها:

ـ أين كنت يا آدم؟ أين ذهبت وتركتني في هذه الدنيا الغادرة؟ لقد استباحوا روحي في غيابك.


شهق آدم بدموع حارة وشدد من ضمتها وكأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه

ـ أنا آسف.. أنا آسف يا قطعة من روحي لم يكن أمامي حل آخر، كان ذلك لأجلكِ ولأجلي، لكنني لم أتخيل أبداً أنني سأعود لأجدكِ بهذا الانكسار.


عادت الرعشة اللعينة تحتل جسدها بقوة، وقالت بضياع يمزق نياط القلب

ـ لقد قتلوني يا آدم.. قتلني في الليلة التي كان يجب أن أكون فيها أسعد نساء الأرض طعنني في شرفي، ورماني بالظنون، وأنا ليس لي سواك ليصدقني.


دفن آدم وجهها في عنقه وبكى بصوت مسموع لأول مرة، بكاء رجل عاد من الموت ليجد غزالته جريحة تنزف كرامةً وعزة قال بنبرة قاطعة كالسيف

ـ أنا هنا الآن.. وأقسم بمن أعادني إليكِ، لن يلمس شعرة منكِ أحد وأنا أتنفس سامحيني لأنني تأخرت، سامحيني لأنني تركتكِ للذئاب تنهش في طهركِ من اليوم أنا درعكِ، وأنا موتكِ وحياتكِ.


كان المشهد يوقف نبض القلوب حيث امتزجت رائحة المطر بدموع اللقاء، وبقي الاثنان في عناق سرمدي، لا يريدان العودة للواقع، وكأن العالم كله قد توقف عند هذه اللحظة، لحظة عودة الروح إلى الجسد، وعودة الأمان إلى قلب نادين الذي كاد أن يتوقف عن النبض.


من بعيد وقف تميم كالمصعوق يرى زوجته في حضن رجل غريب تبكي بانهيار لم تبكه معه قط

تحرك بغيرة عمياء ليخطو نحوها لكن يد والده جاسر كانت كالحديد على كتفه تمنعه بقوة وحزم

_لا.. سيبها دلوقتي يا تميم.


صاح تميم بذهول وألم يمزق قلبه

_إزاي يا بابا؟ إزاي أسيبها في حضن راجل غريب وأنا واقف اتفرج؟


نظر جاسر في عيني ابنه بنظرة قاسية نظرة تحمل كل لوم العالم

_لأنك لو قربت منها دلوقتي هتقتلها بجد شوفتها مرعوبة بالشكل ده قبل كده؟ إنت اللي سببت لها الانهيار ده، الليلة دي مش ليلة غيرتك يا تميم، دي ليلة إنقاذها من اللي إنت عملته فيها، آدم ده هو أمانها الوحيد اللي فاضل، حتى لو ده بيجرح رجولتك هو اللي هيلم اللي إنت كسرته.


ضيق تميم عينيه وسأل والده

_انت كنت عارف انه عايش؟


_قولتلك مش وقته خلينا نطمن عليها الاول وبعدين نتكلم.


سكت تميم وسقطت دمعة حارقة من عينيه وهو يشاهد نادين زوجته التي كان يحلم بها، وهي تجد سكينتها وأمانها في صدر رجل آخر بينما هو "زوجها وحاميها" يقف عاجزاً مطروداً من جنة قلبها بفعله، كانت تلك هي اللحظة التي ادرك بها تميم أن الكسر الذي فعله قد لا يغفره ندم الدهر كله..


أما نادين فقد شدد آدم من ضمتها ودفن وجهها في عنقه  

_أنا هنا لا تخافي بعد الآن حبيبتي


فجأة بدأت عينا نادين تدوران في محجريهما كأنها تفقد الاتصال بالعالم من حولها تنفسها تسارع بشكل مخيف، ثم بدأت ركبتاها ترتخيان تحت ثقل جسدها المنهار

آدم لم ينتظر لحظة، انهار على ركبتيه معها وسندها بذراعيه القويتين قبل أن تلامس الأرض وأنزلها برفق على التراب البارد وهو يضع رأسها على صدره تسمع دقات قلبه كأنها آخر ما تمسك به من الحياة

_نادي…. نادين أنا هنا أنا موجود بجوارك.


كان يمسح على وجهها بيد ترتجف هو الآخر وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب الذي فقد كل لون فيه.


من خلفهما تحرك تميم كالسهم اقترب بسرعة ومد يده ليزيح يد آدم عن كتف نادين ثم قال بصوت قاسي ومتصلب باللغة الإنجليزية

_Back off! Get away from her!

(ابتعد عنها)


رفع آدم رأسه ببطء وعيناه تشتعلان بغضب لم ير مثله من قبل

 نظر إلى تميم وكأنه يقيس مدى خطورته ثم سأل بنفس اللغة لكن بصوت حاد كالسكين

_Who are you to tell me that?

(من أنت لتأمرني بذلك؟)


لم يتراجع تميم ثبت نظراته فيه وقال باندفاع

_I am her husband.

(أنا زوجها)


لحظة صمت ثقيلة مرت بينهما أعقبها ضحكة باردة من آدم ضحكة لم تلمس عينيه أبداً

_Husband? Is this how you treat your wife? She is unconscious on the ground because of you!

(زوج؟ أهكذا تعامل زوجتك؟ هي فاقدة الوعي على الأرض بسببك أنت)


قبل أن يتصاعد الموقف أكثر تدخل جاسر بسرعة ووقف بينهما كان صوته حازماً لكنه لم يفقده هدوءه القسري

_خلاص كفاية دلوقت، مش وقت كلام ولا مواجهات البنت فاقدة الوعي على الأرض واحنا واقفين نتخانق؟ خلينا ندخلها جوة الأول وبعدين نتكلم.


لكن آدم لم يتحرك شد نادين إليه أكثر وكأنه يعلن أنها تحت حمايته ثم قال بصوت لا يقبل الجدل

_This is my sister She has no one else in this world except me I will not leave her here We will leave now

(هذه صديقتي ليس لها أحد في هذه الدنيا غيري لن أتركها هنا سنرحل حالاً)


تنهد جاسر بعمق وشعر بأن رأسه يكاد ينفجر مما يحدث لكنه تمالك نفسه واقترب من آدم خطوة ونظر في عينيه مباشرة وقال بنبرة الرجل الذي لا يسأل عما يفعل

_دي برضه بنت أخويا فايز اللي مات في أمريكا، كان أخويا يعني دي من دمي وأنا اللي بقولك دلوقتي دخلها جوة عشان نعالجها، وبعد كده تشوفوا إنتو اللي عايزينه بس دلوقتي البنت مريضة ومحتاجة سرير وعلاج مش أرض وعفرة.


تميم لم ينتظر رداً من آدم انحنى بسرعة ورفع نادين بين ذراعيه كأنها لا تزن شيئاً

 كان جسدها يرتجف حتى وهي فاقدة للوعي ورعشة خفيفة تجتاح أصابعها بين الحين والآخر

 حملها واتجه نحو البيت بخطوات سريعة واسعة وكأن الزمن كله يضغط عليه كي لا يتأخر

 وجد نغم وأخواته واقفين أعلى الدرج

_أمي…. أمي نادين تعبانة.


 كانت تهمس بشيء غير مفهوم شفتاها تتحركان وكأنها تنادي أحداً في حلمها


خلفه وقف يامن بجوار آدم الذي كان لا يزال على ركبتيه على الأرض نظر إليه يامن وقال بصوت هادئ لكنه دافئ

_اتفضل معانا جوة متفضلش كده إنت واضح إنك غالي عليها وجودك جنبها أحسن لها.


 وقف آدم ببطء مسح التراب عن ركبتيه وعيناه لا تفارقان الباب الذي اختفت منه نادين بين ذراعي تميم، ثم مشى خلف يامن دون أن ينطق بحرف واحد


دخلوا جميعاً إلى القصر صعد تميم الدرج حاملاً نادين كأنها طفلة نائمة وأدخلها إلى غرفتها التي غادرتها قبل ساعات وهي تحاول الهرب منه

 وضعها على السرير برفق شديد كأنها مصنوعة من الزجاج ثم نظر إلى نغم وتاليا وليال اللواتي تجمعن حول الباب بقلق

تميم بصوت متعب

_أرجوكم متسيبهاش لوحدها دقيقة

 

نظر إلى جسد نادين المرتجف ثم إلى يديها اللتين ترتعشان وكأن البرد القارس قد دخل عظامها ثم أدار ظهره وخرج من الغرفة مغلقاً الباب خلفه.


نزل الدرج ببطء وكل خطوة كانت أثقل من التي تسبقها

 كان يعرف أنه سيواجه آدم وكان يعرف أن ما سيقوله لن يكون سهلاً لكنه كان مصمماً

آدم كان واقفاً في صالة القصر الكبرى لم يجلس كان ممسكاً بحقيبة نادين القديمة التي وجدها على الطريق الترابي يحملها كأنها أمانة ثمينة

  كان جاسر جالساً على الكنبة بجوار يامن وكلاهما يراقبان الموقف بصمت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تميم وقف أمام آدم ونظر إليه من علو 

آدم كان أطول منه بقليل لكنه لم يكن يبدو أقل قوة.

تميم قال ببرود وهو لا يزال يستخدم الإنجليزية

_When she wakes up, if she doesn't find you next to her, she will collapse. You know that, right?

(إذا استيقظت ولم تجدك بجوارها هتنهار أليس كذلك ؟)


 رفع آدم حاجبيه ساخراً ورد بنفس اللغة

_And whose fault is that? Yours.

(وذنب من ذلك؟ أليس ذنبك أنت)


 انفجر تميم فجأة تحولت عيناه إلى نار وتقدم خطوة نحو آدم وكاد أن يصرخ فيه لكنه تمالك نفسه في آخر لحظة قال بصوت عال لكنه مكتوم بالغضب

_بصفتك إيه؟ إنت مين عشان تيجي هنا وتاخدها من بيتي؟


آدم ابتسم ابتسامة باردة ثم فاجئ الجميع

 فتح فمه وتحدث بالعربية الفصحى واضحة كأنه لم يتحدث غيرها طوال حياته

_وما هي صفتك أنت؟


صمت للحظة ليرى رد فعل تميم ثم أكمل بصوت يعلو قليلاً

_هي قالت لك إنها تعرف العربية صحيح؟!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

 أنا الذي علمها إياها نحن كنا نتحدثها طوال السنوات التي عشناها معاً في أمريكا

أنا الذي علمها كيف تحلم كيف تقاوم، كيف لا تموت وهي لا تزال حية.


 تراجع تميم خطوة إلى الخلف لم يكن يتوقع أن هذا الشاب ذا الملامح الغربية يتحدث العربية بهذه الطلاقة لكنه سرعان ما استعاد توازنه وقال

_أنا زوجها وبنت عمي دي حقيقة واقعة سواء عجبك ده أو لأ.


آدم انفجر فجأة لم يعد يتحمل التماسك تقدم نحو تميم بسرعة ووجهه احمر غضباً وصوته ارتفع حتى كاد يزلزل المكان

_زوجها؟ زوجها؟ أنت؟


اقترب أكثر حتى أصبح وجهه أمام وجه تميم مباشرة

_أين كنت حينما نامت في الطرقات يا زوجها؟ حينما كانت تغطي وجهها في شتاء نيويورك القارس لأنها لم تجد مكاناً تأوي إليه؟


صوت آدم ارتفع أكثر وبدأت عيناه تدمعان لكنه لم يكترث

_أين كنت حينما مرضت ولم تستطع الغياب من العمل كي لا يطردها صاحب المطعم الجشع؟ كانت تذهب وهي تحترق من الحرارة تطعم الناس وهي تكاد تسقط من الإرهاق والجوع، عينها منتفخة وأصابعها مصابة بالرعاش ثم تعود لتستلقي على الأرض الباردة في المرآب المهجور.


صوت آدم تحول إلى صراخ مكتوم والألم يقطر يقطر من كل كلمة

_أين كنت حينما طاردتها العصابات كي تعمل لديهم؟ حينما كانوا يحاصرونها في الزقاق الضيق ويصرخون فيها أنها إما أن تفعل ما يقولون وإما أن يقتلوها؟ أين كنت حينما كنت أنا الوحيد الذي يقف بينها وبينهم؟


تنفس آدم بعمق ثم قال بصوت خفيض لكنه قاتل

_وإن كنت تريد المزيد فلن تملك الوقت للسماع، أنا الذي غسلت جروحها، أنا الذي أطعمتها من جوعي، أنا الذي حملتها على ظهري حينما لم يعد لديها قوة المشي فمن أنت لتقول لي إنها زوجتك؟


 حاول تميم أن يثبت موقفه قال بصوت مرتفع

_أنت مش فاهم أنت مهما كان غريب عنا ودي مراتي، ودي حاجة بيني وبينها.


آدم صرخ فيه من أعلى صوته والكلمات تخرج كالصواعق

_وهي أيضاً أختي….


صمت المكان كله فجأة

جاسر الذي كان جالساً نهض واقفاً كأن صاعقة أصابته يامن قطب جبينه بصدمة حتى تميم تجمد في مكانه وعيناه اتسعتا كمن يرى شيئاً لا يصدقه.


قال جاسر بصوت خشن

_يعني إيه أختك؟ إيه الكلام ده؟


يامن أضاف بدهشة

_نادين مالهاش إخوات وعني فايز كان وحيد معندوش غيرها.


رد آدم بحدة

_هي أختي في الرضاعة، أمي هي من أرضعتها لأنها كانت تعمل لديهم

وهي من ربتها بعد أن خسر والدها كل شيء وأصبحنا جيران في ذلك الحي الفقير، كان والدها يخبرني بذلك دائمًا بأنها أختي وعلي حمايتها، أنا الذي رأيتها تكبر وأنا الذي رأيتها تنهار وأنا الذي وعدت نفسي أن أحميها بروحي.


قبل ان يتحدث تميم

كانت نادين تصرخ صرخة مبحوحة متقطعة بالبكاء وكأنها طفلة تائهة في ظلام دامس تبحث عن النور الوحيد الذي تعرفه صرخة مزقت الصمت، ومزقت قلوب الواقفين في الأسفل

_آآآدم، آآآدم أين انت؟


لم يتمالك نفسه وركض نحو الدرج كالمجنون، لم ينتظر إذناً لم يلتفت لأحد كان يسمع صوتها ينهار وهو يصعد الدرج ويتخطى درجتين في كل مرة، قلبه يسبقه إلى حيث هي

 فتح باب الغرفة بقوة وكأن روحه تقتحم سجنها

كانت نادين كانت جالسة على السرير جسدها كله يرتعش بعنف كأن زلزالاً يضربها من الداخل

يداها ترتجفان كتفاها يهتزان شفتاها ترتعشان حتى أسنانها كانت تصطك ببعضها

 دموعها تنهمر كالنهر الذي انكسر سده، تغرق وجهها الشاحب

 نغم كانت تحاول تثبيتها لكنها لم تستطع وتاليا كانت تبكي من بعيد وليال كانت ممسكة بيد أمها مرتعشة يشاهدن المشهد بذهول وألم.


وعندما رأى آدم نادين على تلك الحالة جرى إليها كالسهم

 جلس على حافة السرير وضمها إلى صدره بقوة كأنه يريد أن يعيد لها الروح بأنفاسه، أن يلملم شتاتها بين ذراعيه

_نادين، نادين أنا هنا أنا موجود لن أتركك ثانية أبداً…. أبداً…. أبداً.


نادين تمسكت به كأنه آخر قطعة خشب في سفينة غارقة أصابعها التي كانت ترتعش تشبكت بملابسه كأنها تخشى أن يختفي إن تركت جزءاً واحداً منها

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وجهها غاص في صدره وهي تبكي بانهيار كامل، دموعها تبلل قميصه وأنفاسها المتقطعة تصطدم بصدره وكأنها تطلب منه ألا يتركها ولو للحظة

_آدم… آدم خذني معك أرجوك، دعنا نرحل من هنا أنا لا أستطيع لا أستطيع أكثر من هذا خذني يا آدم

لا تتركني وترحل مرة أخرى أرجوك أرجوك لن أستطيع العيش إن رحلت ثانية.


كانت ترتجف في حضنه كعصفور صغير في عاصفة ثلجية كل كلمة كانت تخرج بصوت مبحوح مكسور وكأن روحها تخرج مع كل حرف لتعلن عن هشاشتها المطلقة وعن حجم الألم الذي تحملته وحدها.


 ضمها إليه أكثر وأكثر، حتى كاد جسدها يختفي في جسده

 كان يمسح على شعرها بيد ترتجف أيضاً ويهمس في أذنها وصوته يرتجف من الألم والوعد

_سأبقى، سأبقى يا نادين لن أتركك ثانية هذا وعد مني، سآخذك معي وسأرحل بك من هنا، ولكن الآن اهدئي اهدئي يا حبيبتي أنا بجانبك أنا موجود


 ما زالت نادين ترتعش برعشة لم تتوقف بل كانت تزداد وكأنها صدى لكل الصدمات التي مرت بها

في زاوية الغرفة وقفت حنين تراقب المشهد وعيناها المدربتان رأتا ما لا يراه الآخرون رأتا أن الرعشة ليست مجرد بكاء أو خوف عابر كانت رعشة عصبية شديدة، أصابع نادين كانت تتقلب بشكل لا إرادي، وجفونها ترتجف بعنف، وحتى تنفسها أصبح غير منتظم بشكل خطير


 اقتربت ببطء ونظرت إلى تاليا ثم قالت بصوت لم تحاول إخفاء قلقه فيه

_الرعشة دي مش طبيعية أنا شفت زيها قبل كده في المستشفى.


نغم نظرت إليها بقلق قلبها يكاد يتوقف

_يعني إيه مش طبيعية يا حنين؟


أجابت وهي لا ترفع عينيها عن نادين التي كانت لا تزال ترتجف في حضن آدم

_الحالة دي لو استمرت على كده ممكن تدمر الأعصاب أنا بتكلم بجد، الرعشة اللي عندها دي مش مجرد خوف أو صدمة نفسية عابرة دي استجابة عصبية شديدة جسدها بيدق إنذار خطر.


صوت حنين أصبح أكثر جدية وهي تحاول إيصال خطورة الموقف

_انا شايفة إن نادين محتاجة تروح مصحة او محتاجة دكتور أعصاب، محتاجة علاج مكثف، وحد متخصص يقدر يوقف الرعشة دي قبل ما تسبب تلف في اعصابها

انا مش متخصصة في الأعصاب اللي عندها محتاج تدخل طبي سريع، مش مجرد هدوء وحضن.


تطلع إليها تميم وقد أدرك حجم الكارثة


 نظرت حنين إلى جسد نادين المرتجف، إلى أصابعها التي كانت ترتعش كأنها في نوبة صرع صامتة، إلى عينيها المغلقتين بقوة وكأنها تحارب شيئاً لا يراه أحد

_لو سبتها كده بدون علاج ممكن تخسر القدرة على التحكم في يديها خالص.


في تلك اللحظة فتحت نادين عينيها نظرت إلى آدم بعينيها المليئتين بالدموع والرعب معاً وقالت بصوت لا يكاد يسمع، وكأنها تستجدي الحياة

_آدم.. لا تتركني


 اقتربت حنين بهدوء حقنت نادين بمهدئ خفيف في وريدها وهمست لها بكلمات مطمئنة

 لم تمضي دقائق حتى بدأت عينا نادين تثقلان، وارتخى جسدها المنهك غابت عن الوعي لكن يدها ظلت متشبثة بيد آدم بقوة كأنها غريق يتعلق بآخر قشة نجاة.


​❈-❈-❈


بعد أن غادرت نغم وحنين وتاليا وليال الغرفة ساد صمت ثقيل صمت يكسوه الألم والترقب تميم كان واقفاً عند قدمي السرير عيناه مثبتتان على نادين التي كانت تتنفس بصعوبة ورعشة خفيفة لا تزال تسري في جسدها

 أما آدم فكان جالساً على حافة السرير يده لا تزال تمسك بيد نادين وعيناه تنظران إليها بوجع صامت وكأنه يعاتب نفسه على كل ما حدث على كل ألم مرت به.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

مرت دقائق بدت كأنها ساعات وتميم كان يفكر

 يزن الكلمات يجمع شتات قراره، ثم التفت إلى آدم وقال بصوت خفيض لكنه يحمل حزماً غير معهود

_بص يا آدم أنا موافق إنك تاخد نادين وتمشي من هنا.


رفع آدم رأسه ببطء نظرة مفاجأة امتزجت بالترقب في عينيه لم ينطق بكلمة بل انتظر تميم ليكمل


تابع تميم وعيناه لا تزالان على نادين

_بس لازم تروح مصحة مينفعش أسيبها بالحالة دي أكتر من كده حالتها محتاجة علاج متخصص، مش مجرد رعاية عادية.


أومأ آدم برأسه موافقاً ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل كبرياءً جريحاً

_أعلم ذلك وقد قررت أبحث عن مصحة مناسبة لها منذ أن عدت سأتولى أمر علاجها لا تقلق.


تميم تنهد بعمق ثم قال بلهجة عامية لكنها تحمل ثقلاً من المسؤولية

_المصحة اللي أعرفها غالية أوي، مصحة في أمريكا متخصصة في الحالات اللي زي نادين وأنا هفتحلك حساب هناك….


قاطعه آدم بحدة وقد اشتعلت عيناه للحظة

_لا أحتاج لمالك أنا من سيتولى علاجها.


تميم نظر إليه مباشرة بنظرة هادئة لكنها حازمة وكأنه يرى ما وراء كبرياء آدم

_دي مش فلوسي دي فلوس نادين حقها في ورثها من جدها الفلوس دي هتكون لعلاجها ولحياتها اللي جاية، أنا مش هقدر أكون معاها هناك لأن أنا آخر واحد نادين عايزة تشوفه دلوقتي

 لكن أنا مسؤول عنها وهي مراتي وواجب عليا أضمن إنها تتعالج بأحسن شكل ممكن.


صمت آدم نظر إلى نادين ثم إلى تميم، كان يعلم أن تميم محق

 المصحة التي يتحدث عنها تميم كانت تفوق قدرته بكثير ونادين كانت تستحق الأفضل كبرياؤه كان يصرخ بالرفض، لكن مصلحة نادين كانت أسمى من أي كبرياء

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

 قال بصوت خفيض وكأنه يتجرع مرارة القرار

_حسناً إن كانت أموالها فلها الحق فيها سأقبل من أجل نادين.


أومأ تميم برأسه وشعر بثقل يزاح عن صدره قليلاً لكن ثقلاً آخر حل محله ثقل الفراق والندم كان يعلم أن هذا هو الطريق الوحيد لإنقاذها حتى لو كان الثمن هو الابتعاد عنها.


​❈-❈-❈


في غرفة جاسر

 كان جاسر يجلس على حافة السرير يمسك رأسه بين يديه وعلامات الأسى والحيرة ترتسم على وجهه

كانت نغم تجلس بجانبه تربت على كتفه في صمت تشاركه الألم لكنها كانت تحمل في قلبها تفسيراً لما حدث تفسيراً يختلف عن اللوم القاسي الذي كان جاسر يوجهه لابنه.


تنهد جاسر بعمق وقال بصوت مثقل بالهم

_مش قادر أصدق اللي حصل يا نغم

 ابني... ابني يعمل كده في بنت عمه؟ في ليلة زي دي؟ أنا ربيته على إيه بالظبط؟


نظرت إليه نغم بحنان ثم قالت بصوت هادئ محاولة أن تزرع بعض الفهم في قلبه

_متظلموش يا جاسر، تميم غصب عنه اي حد مكانة كان هيشك ويتهور كمان انما هو انسحب بس معملش اكتر من كدة، انا لما روحته اعرفه الحقيقة لقيته راجعلها وباين عليه الهدوء يعني مكنش ناوي يتهور.


رفع جاسر رأسه ونظر إليها بعينين متسائلتين

_يعني إيه ميعرفش؟ هو طفل؟ هو مش راجل وعارف الصح والغلط؟


أومأت نغم برأسها ثم قالت بلطف محاولة أن تشرح ما يصعب شرحه

_هو ايوة راجل يا جاسر بس هو متربي على قيم ومبادئ يمكن تكون غابت عن كتير من الشباب، بس هو ميعرفش إن فيه حاجات في الدنيا دي في طبيعة البشر، ممكن تكون مختلفة عن اللي بيسمعه، البنات يا جاسر طبيعة خلقهم مختلفة ممكن تكون بنت بس...


صمتت نغم للحظة ثم أكملت بنبرة خفيضة وكأنها تتحدث عن سر مقدس

_ممكن تكون بنت ومفيش دليل مادي على ده في ليلة زي دي

دي حاجة ربنا خلقها في بعض البنات ومحدش يقدر يلومهم عليها، وتميم... تميم ميعرفش ده هو ميعرفش إن فيه حقائق طبية ممكن تخالف اللي في دماغه أو اللي اتربى عليه من مفاهيم عامة.


نظر جاسر إليها بدأت الصورة تتضح في ذهنه شيئاً فشيئاً، تذكر حيرة حنين وكلماتها التي لم تكملها نغم أمامه

 أدرك أن تميم في براءته والتزامه وقع ضحية جهله بحقائق لا تدرس في الكتب الدينية وكان يظن أن كل شيء يجب أن يكون وفقاً لتصوراته وأن أي اختلاف هو دليل على الخطأ.


تنهد جاسر مرة أخرى لكن هذه المرة كان تنهيداً ممزوجاً بالأسف على ابنه وعلى نادين

 قال بصوت خفيض وكأنه يحدث نفسه

_بس هو اتسرع.


أومأت نغم برأسها بحزن

_مكنش يعرف يا جاسر وهو لما ملقاش دليل عقله رفض يصدق

 فكر إنها بتخدعه وهو أكتر حاجة بيكرهها الكدب وان حد يخدعه، وهو مكنش فاهم إن فيه حقيقة تانية خالص.


أغمض جاسر عينيه وشعر بمرارة الفهم،

 ابنه الذي رباه على الطهر والعفة وقع في فخ جهله ودفع الثمن غالياً ودفعت نادين معه ثمناً أفدح

 

​❈-❈-❈


في وقت متأخر

كان آدم قد استنزفه القلق وغلبه النعاس وهو جالس على حافة السرير يسند ظهره على الوسائد خلفه، ويده لا تزال تحيط بيد نادين.


أما تميم فجلس على المقعد المقابل عيناه لا تفارقان وجهها الشاحب وقلبه يعتصر ألماً وندماً.


مر الوقت ثقيلاً كان تميم يراقب رعشة يديها التي لم تتوقف تماماً حتى في نومها

ولاحظ شيئاً أدهشه شيئاً لم يفهمه كلما اجتاحت نادين رعشة خفيفة كان آدم وهو غارق في نومه يشدد قبضته على يدها، ويهمس بصوت خفيض كأنه يردد تعويذة قديمة

_لا تخافي نادي اطمئني.


تكرر المشهد عدة مرات وفي كل مرة كان تميم يزداد ذهولاً

أي ترابط هذا؟ أي لغة خفية تربط بينهما تجعل روحه تشعر بها حتى في غيابه عن الوعي؟ 

كانت غيرته تتآكل لا من آدم كرجل، بل من هذا الرابط الروحي الذي لم يكن له فيه مكان.


فتحت نادين عينيها بتثاقل وقد شعرت بخدر في كامل جسدها

لكنها شعرت بالدفء في يدها، نظرت بجانبها فرأت آدم نائماً يده تحيط بيدها كحصن منيع، هنا هدأت قليلاً لكن الخوف لم يغادر عينيها.


لاحظ تميم كل ذلك رأى كيف كان وجوده يثير رعبها وكيف كان وجود آدم يمنحها الأمان

_نادين.


انتفضت وعادت الرعشة تجتاح جسدها بقوة

فقال بصوت خفيض مهزوز مليء بالندم

_متخافيش... متخافيش مني يا نادين.


أغمضت نادين عينيها مرة أخرى كأنها لا تريد أن ترى وجهه وقال بصوت يخنقه الأسف

_أنا آسف وعارف إن الكلمة دي متكفيش ومتغفرش اللي عملته

 أنا غلطت واتسرعت كنت أعمى والغيرة عمتني والشك خلاني وحش

أنا مش ببرر لنفسي أنا بس... أنا بس عايزك تعرفي إني ندمان، ندمان على كل لحظة ألم سببته لكي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم ترد نادين ظلت مغمضة العينين لكن دمعة حارة تسللت من زاوية عينها ورسمت خطاً لامعاً على خدها الشاحب

كانت دمعة صامتة لكنها كانت أبلغ من ألف كلمة

 كانت تقول:

 "لقد كسرتني"


مد تميم يده المرتجفة وأمسك بيدها التي سحبتها منه 

تلك اليد التي كانت ترتعش وحدها

وضعها بين كفيه وشعر ببرودتها ورعشتها المستمرة 

قال بروية وصوته يكاد لا يسمع

_أنا حجزتلك في مصحة في أمريكا وهسيبك تسافري تتعالجي مع آدم بس وقت ما تتحسني هتلاقيني واقف مستنيكي وأطلب منك تسامحيني موافقة؟


فتحت نادين عينيها ببطء ونظرت إليه

 لم يكن في عينيها خوف هذه المرة بل نظرة فارغة متعبة تحمل ثقل جبال من الخذلان

 لم تقل شيئاً لكن نظرتها كانت كافية لتخبره أن الطريق إلى الغفران طويل وربما مستحيل.


​❈-❈-❈


نزلت نادين الدرج بخطوات بطيئة تسند يدها المرتجفة على ذراع آدم الذي كان يمشي بجانبها كظلها يحميها بصمته المعهود، كانت الردهة الكبرى تعج بالحزن والوجوه التي كانت منذ ساعات تضج بالفرح أصبحت الآن شاحبة يغلفها انكسار لم يسبق له مثيل في السرايا.


في أسفل الدرج كانت العائلة كلها في انتظارها

 ارتمت تاليا وليال في أحضانها وهما تنفجران بالبكاء ولم تستطع ليال كتمان شهقاتها وهي تقول بصوت مخنوق

ـ هتوحشينا أوي يا نادين.. السرايا هتضلم من غيرك متغبيش علينا واصل.


أما نغم فقد اقتربت منها وعيناها تفيضان بحنان أمومي جارف ضمت وجه نادين بين كفيها وقبلت جبينها قائلة بصوت مرتعش

_ قلبي معاكي يا بنتي.. روحي هيفضل يدعيلك في كل سجدة إن ربنا يشفيكي ويرجعك لينا بالسلامة، أنتي بقيتي حتة مني يا نادين ومكانك هيفضل محجوز في قلبي وفي البيت ده.


تقدم جاسر بوقاره المهيب لكن عينيه كانت تحملان نظرة أب يودع ابنته الغالية

 أمسك يدها وضغط عليها برفق وقال بنبرة دافئة وقوية في آن واحد

_اسمعيني يا نادين الغربة صعبة بس أنتي قوية وهتعدي المحنة دي، عايزك توعديني يا بنتي توعديني إنك أول ما تحسي إنك بقيتي أحسن ترجعي لبيتك وأهلك فوراً السرايا دي ملكك، وإحنا ملناش غنى عنك.


أومأت نادين برأسها وهي تحاول حبس دموعها والتفتت لتجد حنين تقف أمامها

 لم تجد حنين كلمات تصف حجم الألم والتعاطف الذي تشعر به، اكتفت بضم نادين إلى صدرها في عناق طويل، عناق حمل كل معاني الدعم والوفاء وكأنها تخبرها بصمت أنها ستظل تنتظر عودتها لتكملا ما بدأتاه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

جاء دور يامن الذي وقف بجانب آدم ووضع يده على كتفه ثم نظر لنادين وقال بلهجة مطمئنة

_ متخافيش يا نادين أنتي مش لوحدك إحنا كلنا معاكي ووراكي أنا رتبت كل حاجة مع المصحة هناك وهيكون فيه تأمين كامل ليكي ولآدم، مفيش أي داعي للقلق أو الخوف

ركزي بس في علاجك وسيبيلنا إحنا أي حاجة تانية.


نظرت نادين إلى وجوههم جميعاً وشعرت لأول مرة في حياتها بأنها تملك "عائلة" حقيقية تخاف عليها وتحبها بصدق كانت الرعشة لا تزال تسكن أطرافها لكن دفء مشاعرهم بدأ يتسلل إلى روحها الباردة.


تحركت نادين نحو الباب بخطوات ثقيلة يتبعها آدم بحقائبها بينما بقيت العائلة تراقبها بقلوب تعتصر ألماً مدركين أن هذه اللحظة هي أصعب وداع شهدته السرايا وأن انتظار عودتها سيكون الاختبار الأصعب لحبهم جميعاً

 كانت الأجواء مشحونة بالدموع والدعوات بينما كانت نادين تخرج نحو قدرها الجديد تاركة خلفها قلوباً لن تهدأ حتى تعود إليها من جديد.


​❈-❈-❈


أمام بوابة السرايا الكبرى كان الفجر يلملم أذياله والضباب يلف المكان ببرودة موحشة

 وقف آدم بجانب السيارة يراقب نادين التي كانت تمشي بخطوات متهدجة تسند روحها المنكسرة على ذراع كبريائها الجريح

 كانت الرعشة لا تزال تسكن أطرافها وكأن جسدها يرفض مغادرة هذا المكان رغم كل ما حدث.


فجأة شق صمت الصباح صوت تميم صوتاً لم يكن مجرد نداء بل كان صرخة روح توشك على الغرق

_نادين..


توقفت نادين في مكانها رغماً عنها وكأن جسدها مبرمج على الاستجابة لهذا الصوت وحده

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

شعرت بقلبها ينتفض خلف ضلوعها لكنها لم تلتفت، نظر آدم إليها ثم نظر إلى تميم القادم من بعيد بملامح شاحبة وعينين لم تعرفا النوم، فأدرك أن هذه اللحظة ملك لهما وحدهما

ترك يدها بهدوء وسبقها إلى السيارة مانحاً إياهما فرصة أخيرة للوداع أو اللقاء.


اقترب تميم منها ولم يتوقف إلا حين أصبح ظلها يلامس ظله

وقف بشموخه المعهود الذي لم يكسره سوى انكسار عينيه وقال بصوت متهدج يملؤه الرجاء

_ نادين.. أنا عارف إن الوجع اللي سببتهولك ميتداواش بكلمة وعارف إن خذلاني ليكي كان طعنة في أغلى ما تملكي، بس والله يا نادين أنا كنت راجعلك عشان أتأسفلك حتى قبل ما أعرف الحقيقة من أمي.. كنت راجع وأنا مقرر إني هسامحك على أي كذبة أو أي سر خبيتيه لأن حبي ليكي كان أكبر من أي شك، وأكبر من أي حقيقة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

صمت لثانية ثم تابع بنبرة تفيض بالعشق

_ لما أمي قالتلي الحقيقة حسيت إن الدنيا اسودت في عيني مش عشان اللي عرفته، لكن عشان اكتشفت إني كنت وحش مع ملاك زيك، نادين.. لو محتاجة علاج أنا هعالجك بحبي، أنا هكون ليكي المصحة والسند والستر مش محتاجة تسافري وتغربي نفسك تاني أنا هبني ليكي عالم جديد ميعرفش غير الأمان.


التفتت نادين إليه ببطء وعيناها تلمعان بدموع حارة نظرت إليه بنظرة فارغة، محملة بثقل جبال من الخذلان وقالت بصوت يخنقه البكاء

_ الحب وحده لا يكفي لترميم روح هدمت يا تميم.. لقد قتلت نادين القديمة بكلماتك وأنا الآن مجرد حطام

أحتاج أن أبتعد أحتاج أن أجد نفسي التي ضاعت بين الشكوك والقسوة أريد أن أتعالج لأعود نادين التي تستحق الحب لا نادين التي ترتعد من كل شيء.


هزت رأسها برفض قاطع وأشاحت بنظرها عنه ثم تحركت بخطوات سريعة نحو السيارة

 ركبت بجانب آدم وأغلق الباب خلفها ليعلن نهاية الحوار

تحركت السيارة ببطء ومع كل متر تبتعد فيه، كان تميم يشعر بأن روحه تنسحب من جسده وأن قلبه يتوقف عن النبض. 


وقف مكانه كتمثال يراقب السيارة وهي تبتعد نحو بوابة السرايا الخارجية، والدموع التي حبسها طويلاً بدأت تشق طريقها على وجهه بمرارة.


وفجأة.. صرخت فرامل السيارة بقوة وتوقفت في منتصف الطريق.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (رانيا الخولي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل