قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) | الفصل: (الثاني عشر)
من يراهم يظن أنهم شياطينُ، والخبث والمكر يسري بأوردتهم، لكنهم في الحُب أوفياء حدّ القداسة، متمردون، أقوياء، ومن يقف في طريقهم لا يلومنّ إلا نفسه، هم الذين لا يمكنك التنبؤ بخطوتهم القادمة؛ يرتدون غموض الليل وثياب الكبرياء، ويمشون في الأرض كأنهم ملوكٌ لم تُتوّج بعد. في ملامحهم قسوة لا تخطئها العين، وفي نبرات أصواتهم صدى ثورة لا تهدأ. يظنهم العابرون بلا قلوب، ويرى فيهم الأعداء حصونًا منيعة لا سبيل لكسرها أو ترويضها. إنهم المتمردون بالطبيعة، الذين صُنعت أرواحهم من مزيج من النار والنور، فلا هم يخضعون لقانون، ولا هم ينحنون لعاصفة. لكن، خلف هذا القناع الشيطاني الصلب، يختبئ سرٌ لا يعرفه إلا من غاص في أعماقهم. في محراب الحب، تتبدل تلك الشراسة إلى طمأنينة مطلقة، وتتحول القسوة إلى حنان جارف يفيض بلا شروط. عندما يحبون، يحبون بصدقٍ مرعب، وفاءً يصل حدّ التقديس والتضحية الكاملة. يصبحون السند والأمان، والملجأ الذي لا يخون يوماً. من يملك قلب أحدهم، فقد ملك جيشًا كاملاً يحارب العالم لأجله، وحصنًا دافئًا لا تطاله رياح الغدر. أولئك الذين يجمعون النقيضين في جسد واحد الجحيم لمن يعاديهم، والجنة لمن يسكن قلوبهم. عبورهم في حياة الآخرين لا يمر مرور الكرام؛ إما أن يتركوا خلفهم دفئًا أبديًا لا ينسى، أو رمادًا ودمارًا يشهد على قوة إعصارهم.
❈-❈-❈
آخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه وتحدث بنبرة هادئة:
-فوزي السمري عايزك تحطه تحت عيونك.
صمت لثوانٍ قبل أن يسترسل حديثه:
-وكمان وتين.
أومأ بتفهم وقال:
-أوامرك يا باشا حضرتك محتاج مني حاجة تانية؟
أشار بيده أن يرحل:
-لا تقدر تمشي.
غادر الرجل، بينما أغمض هو عينيه وتمتم بشرود:
-لم أشوف آخرتها معاكِ يا وتين هتكون إيه؟!
❈-❈-❈
لم يدري بنفسه سوى وهو يقف أمام المستشفى التي تقطن بها. هبط من السيارة الأجرة ودلف إلى الداخل، وما أن ولج بقدميه حتى تفاجئ بصديقه يقترب منه بلهفة وهو يتفحصه.
تفرس صديقه في ملامحه الشاحبة وعينيه اللتين غشاهما القلق، ثم قبض على كتفيه بقوة وكأنه يتأكد من وجوده حقًا، وتساءل بنبرةٍ لاهثة ومصدومة:
-مالك في إيه؟ هدومك مبهدلة ليه؟ إنتَ تعبان؟ الجرح تعبك؟
لم يجد الكلمات ليردّ بها؛ فقد كان عقله مشلولاً عن التفكير، وقلبه يخفق بعنفٍ كطبلٍ يقرع في صدره، بينما كانت رائحة المستشفى المعقمة تزيد من ضيق أنفاسه وتدفعه نحو حافة الانهيار.
اقترب منه أيهم يضرب على جبهته بخفة:
-يا آصف رد عليّ مالك في إيه؟
أخذ نفس عميق، وازدرد ريقه واستطرد قائلاً:
-مفيش حاجة جاي أزور حد.
اتسعت مقلتي الآخر وردد ببلاهة:
-نعم يا أخويا؟ هو إنتَ عايز تشلني ولا عايز تجلطني؟ قولي الصراحة بجد جاي تزور حد بحالتك دي؟
رمقه من أعلى لأسفل بسخرية:
-يا راجل قول كلام غير ده ده إنتَ إللي محتاج تتلقح على ترولي والناس هي إللي هتيجي تزورك.
قلب عينيه بضجر وتساءل بنفاذ صبر:
-خلصت كلامك؟
ضغط على شفتيه بغيظ:
-خلصت كلامي إللي طبعًا جنابك دخلته من ودن وخرج من الناحية التانية بلا نيلة.
تحرك آصف وغادر من مكانه، تاركًا الآخر يتمتم بكلام غير مفهوم، وتحرك خلفه ليعلم وجهته.
وصل آصف إلى الغرفة التي تقطن بها مروج وتوقف أمامه، ولكن قبل أن تمتد يده كي بطرق على الباب تفاجئ بأيهم يقف أمامه عازلًا بينه وبين الباب، واضعًا يديه في خصره، ويطالعه بنظرات مشتعلة.
رفع يده اليمنى مشيرًا باصبعه في وجهه وهو يهدد أخطائه التي اقترفها كما لو كان أمٍ لطفل صغير تعدد أخطائه كي تعاقبه:
-أول غلطة لجانبك خروجك من المستشفى بحالتك إللي زي الزفت دي، تاني غلطة مجيك هنا تاني تزور المريضة إللي هنا. تالت غلط لجنابك يا بيه مجيك بمنظرك ده وإللي واضح منه إنك طالع من خناقة، لا وكمان تسبني بتكلم مع نفسي كأني كلب به هو، وتيجي بردوا تزور نفس المريضة هو إيه الموضوع بالظبط وإيه حكاية البنت دي.
أزاحه جانبًا بيده الطليقة وتحدث بنبرة حادة:
-أظن إنك شغلتك هنا دكتور وبس. وملكش إنك تراقب تصرفاتي مهما كانت العلاقة بتربطنا ده ميديش ليك الحق إنك تتعامل معايا كأني طفل صغير فوق يا أيهم أنا آصف إلياس يعني لسه متخلقش إللي يقف قدامي ويحاسبني على تصرفاتي حتى لو كان مين.
رمقه بعتاب، واستطرد واستطرد قائلاً بنبرة هادئة لكنها مشحونة بمرارة خذلان حقيقي:
-يا خسارة يا آصف يا خسارة لما تفتكر إن خوف رفيق عمرك عليك هو محاولة للتحكم فيك. أنا عمري ما نسيت أنت مين، بس الظاهر إنك أنت إللي نسيت مين هو أيهم في حياتك.
صمت لثوانٍ، يلمم شتات كرامته التي تبعثرت أمام كبرياء صديقه، ثم تابع وهو يخطو خطوة للوراء، مبتعدًا عنه جسديًا ونفسيًا:
-دكتور وبس؟ تمام يا ابن إلياس من اللحظة دي اعتبرني الدكتور إللي هيدي لك تقريرك الطبي ويمشي، وملكش دعوة بأي حاجة تخصني تاني بس افتكر كويس الكبرياء إللي عميك الوقتِ، هو نفسه إللي هيخليك تلف حوالين نفسك لما تلاقي الكل سابك وأولهم نفسك.
التف أيهَم بكامل جسده كي يغادر، لكنه توقف لثوان، والتفت برأسه قائلًا بجمود:
-آصف إلياس فوق الجميع مبروك عليك القمة إللي واقف فيها لوحدك.
غادر تاركًا بقوة صدى الصوت يتردد في أرجاء المكتب الفاخر، تاركًا آصف في مواجهة صمته وعاصفة من الأفكار التي بدأت تهاجم حصون كبريائه.
أسبل جفنيه بندم، ورغب في أن يتحرك خلفه يهدأ من روعه، ويطيب من خاطره لكن لا يستطع الآن فهو جاء في مهمة وعليّه أن ينفذها في التو واللحظة.
❈-❈-❈
وسط الحديقة الخلابة، يجلس على مقعده الوثير مستمتعًا بالخضرة الطبيعية وأصوات الطيور التي تحلق من حوله، يطالعهم بعينين شاردتين، فكل ما يجول في خاطره الآن هما أحفاده الأعزاء لا يدري ماذا يفعل معهم، لكل منهم شخصية مختلفة عن الآخر، وطبع يغلفه القسوة من الداخل، فمن يراهم يرتعد من الخوف، فكيف لأحد أن يقف أمامهم فهم أحفاد إلياس يعرفون بقوتهم وغضبهم والتي بمثابة جحيم أبدي على من يعاديهم، هو لا يخاف عليهم من أحد، بل يخاف عليهم من أنفسهم. يخشى أن تنقلب قوتهم عليهم، وينقلب السحر على الساحر و يتذوقوا مرارة قسوتهم. لطالما تساءل في سره: هل زرع فيهم القوة أم أنه أشعل في صدورهم نارًا ستلتهم الأخضر واليابس يومًا ما؟ إنهم يملكون كل شيء، السلطة والنفوذ والهيبة التي تجعل أعتى الرجال ينكسون رؤوسهم أمامهم، لكنهم يفتقرون لشيء واحد، شيء يخشى الجد أن يكونوا قد فقدوه إلى الأبد الرحمة. وفي تلك اللحظة، وسط سكون الطبيعة، شعر ببرودة تجتاح أوصاله، فبقدر فخره بهذا الإرث المرعب، كان قلبه يعتصر خوفًا من ذلك اليوم الذي تصطدم فيه صخور قسوتهم ببعضها، ليدمروا أنفسهم بأيديهم قبل أن يطالهم أي عدو.
أغمض عينيه وتنهد تنهيدة حارة في محاولة بائسة منه في تهدئة أعصابه الثائرة، فقد جاء إلى هنا وابتعد عن أحفاده كي يفكر بذهنٍ صافي في الأحداث الأخيرة التي مضت منذ وفاة نجله الأصغر فريد.
❈-❈-❈
متمددة على فراشها في وضع الجنين جسدها مرتخي تفكر فيما مرت به، وما توصلت إليّه في حياتها، تمنت داخلها لو كانت وافتها المنية وانتهت حياتها لعلها تستريح مما حدث لها، ومما سيحدث في المستقبل.
تُحدق في الفراغ الممتد أمامها، بينما تتسارع في مخيلتها شريط الذكريات كأنه فيلم سينمائي طويل. تلك العواصف التي ظنت يومًا أنها لن تنتهي، والقرارات الصعبة التي مزقتها حيرةً، تبدو الآن وكأنها استقرت في مكانها الصحيح. في هذه اللحظة من السكون التام، لم يعد يراودها الخوف؛ بل غمرتها سكينة غريبة نابعة من عمق التصالح مع الذات، يقينٌ خالص بأن كل شرخٍ مرّت به لم يكن إلا اتساعًا لوعيها، وأن ما توصلت إليه اليوم هو حقيقتها الكاملة والوحيدة.
فاقت من حالتها تلك على سماع صوت هاتفها، اعتدلت بوهن، ومدت يدها وجدت رقم خاص، قطبت جبينها بحيرة وضغطت على زر الإجابة بأصابع مرتعشة:
-ألو؟
أجابها الطرف الآخر:
-أحلى ألو سمعتها في حياتي.
انتبهت إلى الصوت وتساءلت بحيرة:
-إلياس؟
تبسم بدوره وأجاب:
-أيوه إلياس يا قلب إلياس. أخبارك إيه الوقتِ؟
تسارعت دقات قلبها فجأة، وكأن ذلك الاسم الذي نطق به قد بثّ في عروقها جرعة من الحياة لم تكن تتوقعها. تلاشت غيامة الوهن التي كانت تغلّف جسدها شيئًا فشيئًا، وحلّ محلها شعور غريب يمزج بين التوجس والراحة. أبعدت الهاتف عن أذنها لثوانٍ قليلة، حدقت في الشاشة للتأكد من أنه رقم خاص بالفعل، ثم أعادته قائلة بنبرة حاولت جاهدة أن تبدو متماسكة:
-ده رقم خاص؟ ليه مش بتتكلم من رقم عادي وجبت رقمي منين؟!
سمعت ضحكته الرجولية الهادئة عبر أثير الهاتف، تلك الضحكة التي كانت دائمًا ما تنجح في إثارة غيظها وطمأنتها في آن واحد. قال بنبرة دافئة حملت الكثير من الاشتياق:
-مفيش حاجة تصعب على إلياس يا سيلا، خصوصًا لو كانت الحاجة دي تخصك. وبعدين مش مهم كلمتك إزاي، المهم إني سمعت صوتك بس قوليلي مال صوته فيه بحّة تعب؟ أنتِ مش طبيعية، صح؟
تنهدت بعمق، وضغطت بيدها الحرة على جبينها الذي بدأ يتعرق برفق. لم تكن تريد أن تظهر ضعيفة أمامه، فالعلاقة بينهما لطالما كانت أشبه بمد وجزر، مشاعر مكبوتة وكبرياء يمنع الطرفين من الاعتراف. لكن في هذه اللحظة، ومع حالة الإنهاك التي تعيشها، خانتها دموعها وانسابت على وجنتيها دافئة صامتة.
أحس بصمتها، وتغيرت نبرته فورًا من العبث والمغازلة إلى القلق الشديد:
-إنتِ بتعيطي؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟ حد ضايقك؟
حاولت ابتلاع غصتها المتشكلة في حلقها، وأجابت بصوت متحشرج:
-مفيش يا إلياس مجرد شوية تعب وإرهاق من ضغط الأيام اللي فاتت. أنا مخنوقة وحاسة إني لوحدي.
ساد الصمت من طرفه للحظات، ظنت خلالها أن الخط قد انقطع، لكنها سمعت تنهيدته الطويلة الحارة التي أتبَعها بقوله بلهجة حاسمة وقاطعة:
-لوحدك وأنا موجود في الدنيا دي؟ ده أنا أهد الدنيا ومستحملش أشوف دموعك أو أحس إنك خايفة. أنا جنبك يا وتين حتى لو المسافات بينا بعيدة، روحي دايماً حواليكِ. بصي أنا مضطر أقفل عشان عندي شغل خدي بالك من نفسك هكلمك تاني سلام.
أغلقت الخط، وضمت الهاتف إلى صدرها، وعيناها تلتمعان ببريق لم يزرهما منذ أسابيع. نظرت إلى غرفتها التي كانت تبدو مظلمة وموحشة قبل دقائق، فإذا بها الآن تبدو دافئة، وكأن طيفه قد حلّ فيها ليطرد كل المخاوف. قامت بنشاط لم تعهده مؤخرًا، متجهة نحو النافذة لتستنشق الهواء النقي.
❈-❈-❈
تجلس نوران برفقة غنى في المدرج في الصف الأول كعادتهم، حيث لا تفوتهم شاردة ولا واردة من حديث المحاضر. النظرات المتبادلة بينهما تختصر الكثير؛ تارةً تعبر عن تركيزٍ تام، وتارةً أخرى تخبئ ضحكة مكتومة على موقفٍ عابر.
بين أيديهما دفاتر مفتوحة تمتلئ بالتدوينات السريعة والرسومات الجانبية، وفي قلوبهما طموح يتجدد مع كل صباح تلتقيان فيه على نفس المقعد، لتصنعا معًا ذكريات جامعية لا تُنسى.
انتهت المحاضرة، وغادر المحاضر إلى الخارج، أغلقت غنى الكتاب والتفت لها وهتفت متسائلة:
-اتأخرتي ليه يا نوران؟
أغلقت هي الأخرى دفترها، و استدارت إليها نصف استدارة وأجابت:
-متأخرتش ولا حاجة جيت في معادي بس وقفني واحد لازج كده.
تساءلت غنى بفضول، وهي تحدق بها بعينين متربصتين:
-ها وإيه إللي حصل قالك إنه معجب بيكِ؟
قلبت عينيها بنفاذ صبر وقالت:
-إنتِ هبلة يا غنى؟ أكيد طبعًا مش هسمح ليه يقول كده وبعدين جنابك مستنتيش أقولك إيه إللي حصل. دكتور عمر شافه وجه هزئه وحظرني أقف معاه أو مع غيره تاني وأنا سيبته ومشيت.
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه غنى، وهي تردد بعدم تصديق:
-بجد؟
أومأت بايجاب:
-أيوه بجد يعني هضحك عليكِ؟!
أكملت بلهفة:
-أصل أنا محكتش ليكِ ده قعد يقرر فيّ إمبارح والنهاردة الصبح وإحنا جايين تقصدي مين وأنا عاملة نفسي من بنها.
تعجبت مما قالته، وقطبت جبينها بحيرة وتساءلت:
-بتهزري صح؟! أنا افتكرت هو نسي الموضوع خلاص.
هزت غنى رأسها بنفي:
-لا لا ده مُصر يعرف عارفة ده معناه إيه؟
-معناه إيه؟
أجابتها بحماس:
-إنه غيران عليكِ.
طالعتها بعدم تصديق، وسرعان ما انفجرت ضاحكة وهي تتمتم من بين ضحكاتها:
-لا والله إنتِ بتهزري صح؟! أخوكي ده يا حبيبتي مش بيحب غير نفسه وبس. وبعدين إنتِ مش شايفة بيعاملني إزاي؟!
توقفت عن الضحك وغامت عينيها بالدموع واسترسلت حديثها بمرارة:
-أنا بالنسبة ليه الخدامة إللي عندكم إللي هو بيعطف عليها ولا أكتر ولا أقل.
أخرجت محرمة ورقية، وبدأت تجفف الدموع قبل أن تتساقط على وجنتيها ويفضح أمرها.
لم تجد غنى ما تقوله لها ولا كيف تبرر ما يفعله شقيقها، فاكتفت أنها ضمتها بحنان في أحضانها، وهي تربت على ظهرها بحنان:
-خلاص يا قلبي اهدي حقك عليّ أنا مقصدش وأنا واثقة بإذن الله إن ربنا هيعوضك بخير.
قطع وصلة حديثهم دخول دكتور المادة التالية والذي لم يكن سوى عمر، اعتدلت نوران على الفور، وأدعت انشغالها في دفترها كي لا تواجهه بعينيها ويرى بقايا دموعها العالقة بأهدابها.
وضع عمر أغراضه على المكتب وهو يسترق النظر إليها برفقة شقيقته فهو انتبه على بكائها الذي تعجب منه، خمن داخله أنها تبكِ من أجل هذا الشاب الذي كان يقف برفقتها صباحًا، تساءل داخله بحيرة هل هذا هو حبيبها الذي كانت تتحدث عنه؟! لكنها انكرت معرفتها به. هل من الممكن أن تكون تكذب عليه؟ عند هذه النقطة امتعض وجهه وطالعها بعينين تقطر شرًا.
اعتدل في وقفته ووقف على المنصة في مواجهة طلابه، وحدقتيه لا تزال مصوبة تجاهها. أجلى حلقه وتحدث بصلابة:
-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عاملين إيه يا شباب؟!
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله يا دكتور.
كتف ذراعيه فوق صدره، وتحدث بنبرة حادة:
-مين فاكر شرحنا إيه المحاضرة إللي فاتت يا شباب؟
بدأ الطلاب في رفع يدهم لكن لم يعر منهم أي منهم اهتمام، وأشار إليها بتحدٍ:
-فاكرة شرحنا إيه يا آنسة؟
❈-❈-❈
آخذ نفس عميق استعاد به رباطة جأشه، وطرق على الباب بخفة، وانتظر حتى استمع الإذن بالدخول، وضع يده على مقبض الباب وأداره وفتح الباب.
ولج إلى الداخل وجدها تجلس على سجادة الصلاة، مرتدية إسدال الصلاة، وبين يديها المصحف الشريف، تقرأ بخشوع تام.
ترك الباب مفتوح وتوجه نحوها، سحب مقعد ووضعه في مواجهتها وجلس فوقه، وعينيه لا تزال مصوبة فوقها.
صدقت الآية القرآنية، وأغلقت المصحف الشريف، ونظرت إليه بتمعن وتدراكت مستفهمة:
-جاي ليه تاني يا آصف؟
حك ذقنه بخفة يتحسس ذقنه الحليقة وتحدث بجمود:
-هو ممنوع أجي أزورك؟
خفضت نظراتها وابتسمت بهدوء، واستطردت قائلة:
-أظن إللي بينا حاليًا يمنعك تيجي تشوفني إلا إذا إنتَ جاي تشمت فيّ؟
اتسعت مقلتيه، ورمقها بنظرات معاتبة، وأشار إلى نفسه بعدم تصديق:
-أنا أشمت فيكِ؟ بجد وبتقوليها كده عادي؟ حالك قلب تقوليها؟
ألتوى على ثغره ابتسامة ساخرة، وأكمل:
-وأنا هستغرب ليه إنك تقولي كده بعد إللي عملتيه فيّ؟
أطلق زفيرًا حادٍ، واسترسل حديثه بجدية:
-أنا جاي اطمئن عليكِ وأبغلك إن في مفاجأة حلوة أوي ليكِ هتعرفيها قريب أوي.
قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:
-مفاجأة إيه؟
-بكره تعرفي سلام.
نطق بها برزانة وتحرك من مكانه تاركًا إياها في صدمتها أغلق الباب خلفه ورحل، وظلت هي تطالع أثره بتعجب.
❈-❈-❈
بعد ما حدث بينه وبين آصف، تحرك صوب مكتبه، ودلف إلى الداخل وأغلق الباب على نفسه وداخله غضب من هذا الأهوج الذي لا يعلم مصلحته.
أخرج هاتف من جيبه، وظل يقلب به بملل شديد قاطعه دق على باب الغرفة. اعتدل في جلسته، ووضع هاتفه في جيبه، وأذن للطارق بالدخول ظنًا منه أنها إحدى الممرضات.
فُتح الباب وطل من وجه آصف الذي غمغم بمرح مصطنع:
-ينفع أدخل؟
تحاشى النظر إليه، ولم يجب، فتقبل الآخر غضبه بصدر رحب، ودلف إلى داخل الغرفة وأغلق الباب خلفه، وتوجهه إلى المكتب وجلس على المقعد أمامه، وتحدث بنبرة جاهد أن تكون طبيعية:
-متزعلش مني يا صاحبي حقك عليّ.
التفت إليه، وتبسم باستخفاف:
-لا والله بجد؟ بقى آصف باشا إلياس بيعتذر من الفقير إلى الله؟
تنهد بنفاذ صبر، واستطرد قائلاً:
-خلاص بقى حقك عليّ يا سيدي أنا متعصب شوية.
زفر بضيق، وهتف بنفاذ صبر:
-خلاص يا سيدي ماشي مفيش مشكلة قولي بقى إيه موضوع البنت دي؟ وليه بتيجي تشوفها؟
نهض من مكانه وتحدث بجمود:
-مش هقدر أتكلم الوقتِ. لكن أوعدك هتعرف كل حاجة في وقتها. بعد إذنك.
غادر سريعًا، بينما ضرب أيهم كف بكف، وهتف بنبرة متهكمة:
-مجانين والله عائلة منخولية.
❈-❈-❈
كتف ذراعيه فوق صدره، وعينيه مصوبة فوقها، وبداخله يشعر بلذة الانتصار ما أن رأى شحوب وجهها ظنًا منه أنها لن تستطيع الإجابة عن السؤال.
لكن صُدم وهو يراها، تنهض من مكانها وتتوجه صوب المنصة وتقف جواره وتأخذ من المايك، وتسترسل في الشرح المحاضرة بعملية شديدة.
أعجب بشدة بما تقوله فمن يراها ويستمع إليها لا يصدق أنها طالبة بالفعل. انتهت من الشرح ووضعت المايك فوق المكتب وهتفت بابتسامة مصطنعة:
-ده إللي حضرتك شرحته المحاضرة إللي فاتت يا دكتور أقدر أقعد.
أشار إليها بيده، فعادت هي إلى مكانها مرة أخرى بشموخ وكبرياء. بينما توجه هو إلى مكانه فوق المنصة أخذ نفسًا عميقًا، وضغط على حافة المنصة الخشبية، ثم بدأ في استعراض محاور المحاضرة الجديدة، مستخدمًا أعقد المصطلحات ليثبت لنفسه أولًا، وللجميع ثانيًا، أنه ما زال سيد الموقف. ومع ذلك، كانت عيناه تتسللان بين الحين والآخر نحو المقعد الذي تجلس فيه، يراقب هدوءها وثباتها وهي تفتح دفترها وتدون الملاحظات ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن. لقد تحولت تلك الحصة من مجرد درس أكاديمي تقليدي إلى صراع إرادات خفي، حيث يدرك كلاهما أن قواعد اللعبة قد تغيرت تمامًا منذ هذه اللحظة.
❈-❈-❈
طرقات على باب الشقة جعلت فوزي يرتعد من أن يكون آزاد قد عاد، فخشى أن ينهض كي يفتح الباب فنادى زوجته من المطبخ والتي أتت على الفور بضجر شديد.
-إيه يا راجل قاعد كده ليه؟ ما تقوم تفتح الباب.
رمقها بضيق وقال:
-ولم أنا أفتح الباب إنتِ لزمتك إيه؟
شهقت بصدمة، وهتفت بنبرة حادة:
-بتقول إيه يا راجل إنتَ فاكر إني شغالة عندك في السرايا بتاع بابا الباشا؟ فوق يا راجل وأقف معوج وأتكلم عدل يا حبيبي. ده عشة الفراخ أحسن من الخرابة إللي عايشين فيها.
قطع صياحهم ارتفاع صوت الطرقات على الباب، فتوجهت تجاه الباب على مضض وفتحت الباب لتفاجئ برجل كبير تجهله.
ارتعدت بخوف وتراجعت إلى الخلف عدة خطوات وتسألت بحيرة:
-خير يا باشا حضرتك مين؟ وعايز مين؟
أجابها بجمود:
-أنا إلياس وجاي أشوف وتين.
صُدمت المرأة وتساءلت بحيرة:
-نعم يا أخويا؟! إلياس مين؟ هو إنتَ لحقت تعجز كده؟
ازدادت صدمتها وهي تجد وجه إلياس الذي تعرفه يطل من خلف العجوز، فطالعتهم ببلاهة:
-يا حلاوة يا ولاد إلياس الكبير وإلياس الصغير يعني XL و3XL مفيش نسخة تالتة تكون وسط 2XL ؟!
طالع إلياس حفيده باستنكار، بينما استطردت هي بنبرة جادة للغاية وهي تشير بسبابتها بينهما:
-يعني بذمتكم ده كلام؟ ده أنا لو داخلة محلات التوحيد والنور مش هلاقي تفاوت المقاسات ده في طقم واحد! طب حتى المقاس الوسط بيبقى حلو في اللبس ومريح للعين إنما كده؟ ده انتوا ناقصكم نسخة سمول ونفتح بيكم توكيل ملابس جاهزة في العتبة ونكسب من وراكم دهب!
| « السابق | جميع الفصول | التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيدالقاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
