قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
نظن أن الماضي مر وانتهى، وقفلت صفحته للأبد، لنتفاجئ، بعودة الماضي من جديد يفتح أبوابه علينا، ويطل منه كاشفًا عن صفحاته المؤلمة، ويتسبب في فتح جراحًا كنا نظن أنها قد التئمت، وهي في الحقيقة لم تلتئم، انتظرت حتى حان وقت للمواجهة وفتحت من جديد، تاركة خلفها نزيف حاد يقطر دماءً.
وعلينا أن نواجه الماضي بأنفسنا، وأن نداوي نحن جراحنا، ولا تنتظر من يداوينا لنا، فمع الآسف فأن أقرب الأقربين لدينا هنا سبب جراحنا، وهم من يتفنون في أوجاعنا، وجراحنا. دون وجه حق، خطأنا الوحيد أننا وثقنا في أشخاص لا يستحقون الثقة. وتركنا أناس تشبهنا في غمرة الأوجاع وتركناهم من أجل من لا يستحقون.
آصف إلياس….
❈-❈-❈
يسير داخل أروقة الشركة وكل من يراه يتوقف في مكانه باحترام شديد. على الرغم من صغر سنه. إلا أنه أثبت جدارته في سنوات قليلة حتى أصبح هو اليد اليمنى لجده إلياس، ورئيس مجلس إدارة الشركات، فهو الوحيد من أشقائه وأبناء عمومته الذي أحب مجال الإدارة وعمل بالشركة منذ أن كان طالبًا بالجامعة.
كان يراقب نظرات الإعجاب التي يراه في أعين الموظفات التي يعملون لديه، ومع ذلك لم تقدر واحدة منهم أن تخطف قلبه، بما فيهم زوجته التي تزوجها زواج مصلحة من أجل العمل لا أكثر، والوحيدة التي وقع قلبه صريعًا في حبها، لم تكن سوى تلك المرام التي كانت في يوم من الأيام زوجته، ولكن ما يريح قلبه الآن أنه يتبقى أيام معدودة وتنهتي عدتها وتزوجها هو ليذيقها ويغرقها في بحور عشقه التي لم تذق مثلها من قبل.
وصل أمام مكتبه، توقفت السكرتيرة باحترام، ملقية عليه التحية. تجاهل تحيتها وتساءل بحدة:
-عرفتي مين أخد الصفقة؟
ابتلعت ريقها بتوجس وأجابت:
-أيوه يا فندم شركة أبو المجد.
أغمض عينيه، وأغلق قبضة يديه بقوة حتى أن أظافره غرزت في لحم يده ومع ذلك لم يخفف قبضته، ألقى نظرة نارية على السكرتيرة، وتحرك سريعًا تجاه مكتبه وأغلق الباب خلفه بعنف أجفلت الجميع.
❈-❈-❈
توقف الزمن لديهم، وكل منهم في مواجهة بعضهم يتبادلون النظرات إحداها معاتبة، والآخرى متهكمة. لو كان شخصًا أخبره ذات يوم أنه سيقف تلك الواقفة مع من ظنه صديقه يومًا وهو في الحقيقة كان ألد أعدائه دون أن يدرك.
يتسأل داخل، كم كان غبي ولم يدرك حقيقته، هل كان مغيب لتلك الدرجة التي جعلته يتغاضى عن عيوبه وأعطائه ألف عذر دومًا وفي نهاية المطاف كان أول شخص يغدر به، ويطعنه في ظهره.
طال الصمت بينهم، والنظرات هي سائدة الموقف، آخذ نفس عميق، وتحدث بنبرة هادئة أجاد في اصطناعها:
-أزيك يا حازم.
رد الأخير بثبات مصطنع:
-أهلاً يا آصف اتفضل.
ارتسم على وجهه ابتسامة ملتوية وقال:
-أنا مش جاي أتفضل.
قطب الآخر جبينه بحيرة، وتساءل:
-أمال جاي ليه يا آصف؟
رده كان لكمة قوية في وجه حازم أطاحت به إلى الخلف، بينما هو يقترب منه ويتحدث بفحيح:
-جاي أخد روحك يا ابن المضايقة.
تراجع إلى الخلف وهو يضع يده على وجهه ويصيح بحدة:
-إنتَ اتجننت يا آصف؟ جاي تتهجم عليّ في بيتي؟ أنا هوديك في ستين داهية.
توقف آصف في مكانه، وتبسم بسخرية:
-هههههههه يامي يامي خاف يا عيد تصدق خوفت وبترعب من الخوف، فوق بروح أمك ياض أنا آصف إلياس أنا ماضيك الأسود إللي راجع يطلع عليك القديم والجديد.
اعتدل حازم في وقفته، وهتف بنفاذ صبر:
-إنتَ عايز إيه بالظبط مني؟
وضع يده السليمة في جيب بنطاله، واستند بظهره على باب الشقة مطلقًا صفيرًا أثار استفزاز الآخر.
ما كاد أن يتحرك داخل الشقة ويتركه، ريثما يمل ويغادر، لكن تصنم بجسده وهو يسمعه يقول.
-سيبتها ليك عشان تصونها وفي الآخر رميتها في أول محنة ليها؟ إنتَ فاكر إنك كده راجل؟
توقف في مكانه، ولا يزال معطيًا إياه ظهره، ارتسمت ابتسامة متشفية على وجهه والتفت إليّه واضعًا يديه في جيوبه وهتف بنبرة متهكمة:
-يا حبيبي بقى هو ده إللي حارقك أوي يا غالي؟! أنا اختارتني أنا وسيبتك؟ لسه محروق صح؟ إزاي واحدة ترفض آصف إلياس وتبص للعبد لله.
عند هذا الحد تخلى آصف عن جموده، وهجم عليّه مرة أخرى بيده الطليقة وثبته بجسده على الحائط ووضع يده فوق عنقه وهو يضغط عليّه، وتمتم بصوت عالي كما لو كان جاء من أعماق الجحيم:
-هقتلك يا واطي. مش هرحمك. إنتَ إللي عندك نقص يا خفيف. طول عمرك شايف إنك أحسن منك وكعبي عالي عليك. أعيش وأنا حارق دمك ومولعك يا واطي. وأوعدك إني هندمك على اليوم إللي اتولدت فيه. وخليك فاكر كويس أوي. وأظن إنك عارف إني لما بوعد بوفي.
بصق في وجهه، وطالعه بنظرة محترقة، وتركه وغادر دون أن ينبت بحرف واحد.
بينما سقط الآخر أرضًا وهو يسترد أنفاسه بصعوبة، التقط أنفاسه بصعوبة، ونهض مكانه، وأغلق الباب خلفه بعنف وتهاوى على أقرب مقعد تمامًا بتوعد:
-صبرك عليّ يا آصف الكلب لما نشوف أنا ولا إنتَ.
❈-❈-❈
في كافيه على النيل، حيث الهواء النقي، والهدوء النفسي الذي يعم المكان، وسط الطاولات التي تعم المكان، وتحديدًا على طاولة مستديرة تطل على النيل مباشرة. كان يجلس إلياس يراقبها بعينين تفيض عشقًا وهو يتأملها تتناول طعامها برقة شديدة أذابت قلب الآخر.
انتبهت هي على تحديقه بها، فابتلعت ريقها بتوجس، وتوقفت عن تناول الطعام. وظلت تفرك في يدها بتوتر شديد.
لاحظ هو تركها للطعام، فقطب جبينه بحيرة وتساءل:
-مالك وقفتي أمل ليه؟ الأكل مش عاجبك؟ تحبي نروح مكان تاني؟
هزت رأسها نافية، ورددت بتوتر:
-لا الأكل حلو.
تبسم بحب، وأكمل حديثه:
-طالما الأكل حلو بطلتي أكل ليه؟
-عشان إنتَ مش بتأكل وبتتفرج عليّ.
نطقتها بعفوية شديدة، وما أن أدركت ما تفوهت به عضت شفتيها بخجل، وتهربت من النظر إليّه.
تحدث بتروٍ وهو يحثها أن تكمل طعامها:
-أنا مش بتفرج عليكِ، أنا بتأمل فيكِ وبشبع منك. كل شوية وترجعي البيت وهترحم منك. على العموم يلا كملي أكلك وأنا كمان هكمل أكلي أهو.
مد يده في طبقه وبدأ يتناول طعامه وهو يحثها أن تعود لطعامها من جديد، فأكملت هي الأخرى طعامها بخجل شديد.
بعد فترة انتهوا من تناول طعامهم، أمسك محرمة ورقية وبدأ يمسح فمه بخفة، ونظر إليها، وتدارك مستفهمًا:
-تحبي تشربي إيه؟
هزت رأسها نافية وأجابت:
-لا شكرًا مش عايزة أشرب حاجة. ينفع أروح بقى؟
-زهقتي مني بسرعة وعايزة تمشي؟
نطقها بعتاب مصطنع، وهو يراقب تعابير وجهها.
فأجابته بلهفة:
-أنا آسفة مش قصدي كده والله.
اتسعت ابتسامته، واستند بمرفقيه على الطاولة، وغازلها برقة:
-آه يا قلبي آه تعرفي أنا بحس معاكِ إني طائر في السماء.
طالعته بحيرة، وهتفت مستفهمة:
-هو إنتَ بتتكلم جد؟
قطب جبينه بحيرة وتساءل:
-بتكلم جد؟ مش فاهم قصدك هو إنتِ فاكرة إني بهزر؟ أو أتسلى بيكِ؟
هزت رأسها نافية ورددت بتوتر:
-لا لا مش قصدي كده والله أنا قصدي إننا متعرفش بعض غير ما وقت صغير. وكمان الظروف إللي أتعرفنا فيها مش أحسن حاجة. لكن معاملتك ليّ غير كأنك تعرفي من زمان، وما بينا قصة حب كمان. فأنا بجد مش فاهمة.
تبسم بحب، واسترسل حديثه بإبانة:
-هتصدقيني لو قُلت ليكِ أنا نفسي مش فاهم مشاعري دي حصلت إمتى وإزاي؟ كل إللي أقدر أقوله ليكِ إن أول مرة شوفتك فيها إنتِ خطفتيني واختارقتيني كأنك رصاصة خرجت من الطبنجة بشكل مستقيم واستقرت في القلب مباشرة. يمكن تستغربي كلامي بس هو ده الحقيقة.
ازدرد ريقه واستطرد قائلاً:
-أنا عارف إنك مستغربة وأنا كمان مستغرب من مشاعري ولو من كام شهر حد قالي إني هتعرف على بنت وأحبها لدرجة أنها تشقلب حياتي استحالة كنت أصدق. بس سبحان الله سخرك ليّ وظهرتي ليّ وشقلبتي كياني يا وتين يا بنت أم وتين.
اشتعلت وجنتيها خجلاً، وصمتت بخجل شديد وهي لا تجرأ أن تتحدث بحرف واحد، لم تدري بنفسها، وهي تنهض بتوتر، وهي تحاول أن تلملم شتاتها مرددة بصوت خافت:
-أنا عايزة أروح ممكن.
آخذ نفس عميق، ونهض من مكانه وأغلق أزرار حلته، وضع يده في جيبه وأخرج محفظته الجلدية وأخرج عدة أوراق مالية، ووضعها على الطاولة. وأشار لها بلباقة:
-اتفضلي يا برنسس ليدز فيرست.
تبسمت على استحياء، وتحركت أمامه بتردد شديد، بينما تحرك هو خلفها وهو يغض بصره عن النظر إليها.
❈-❈-❈
كانت في طريقها إلى المدرج كي تلحق بالمحاضرة، وأثناء ذلك باغتها صوت يناديها، توقفت في مكانها، واستدرات فتفاجأت بزميل لها يناديها.
وقفت في مكانها وانتظرت حتى اقترب منها ووقف في مواجهتها مبتسمًا باتساع. لم ترقها ابتسامته فتململت في وقفتها بضيق وتساءلت باهتمام:
-أفندم حضرتك محتاج حاجة؟
أشار إلى نفسه يزهو وقال:
-أنا ماهر معاكِ في الدفعة.
قلبت عينيها بنفاذ صبر:
-تمام طيب حضرتك موقفني ليه؟
ما كاد أن يجيب حتى تفاجأت بأسوأ كوابيسها تتجسد أمامها، ابتلعت ريقها ما أن أبصرت نظراته النارية المصوبة تجاهها.
توقف أمامها ووقف في مواجهة الشاب وتساءل بحدة:
-خير في إيه يا أستاذ؟
ابتلع الشاب ريقه بتوجس:
-مفيش يا دكتور أنا كنت هسأل الآنسة على محاضرات. عشان بتحضر على طول.
كتف ذراعيه فوق صدره العريض، وزجره بعنف:
-لا والله؟ وحضرتك متابع بقى وعارف إنها بتحضر على طول؟ ما بدل ما جنابك متابعها أولى تتابع المحاضرات أفضل.
شعر الشاب بالارتعاد من نظراته، فتحدث بتبرير:
-أنا…أنا مش قصدي هي يعني بتقعد قدام فأكيد متابعة.
تجاهل حديثه، وتحدث بنبرة حادة:
-أظن فيه زمايل شباب ليك تقدر تاخد منهم المحاضرات يا أستاذ. مش توقفها على السلم يا محترم. أول وآخر مرة الموضوع ده يتكرر سواء معاها أو مع غيرها. سامع ولا مش سامح؟
خفض الشاب نظراته بخجل:
-أنا آسف يا دكتور بعد إذنك.
تحرك الشاب سريعًا قبل أن يفتك به هذا النمر المفترس. انتظر حتى غادر الشاب. والتفت إلى تلك الصغيرة التي تقف خلفه مرتعدة.
آخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه، وانتظر ثوان حتى استعاد رباطة جأشه قبل أن ينفجر بها الآن ويحدث ما لا يحمد عقباه:
-مين ده؟ وواقف معاكِ ليه؟
-والله ما أعرفه.
نطقتها بعفوية شديدة، فأكمل هو بحدة:
-ولما الهانم متعرفهوش هو موقفك ليه؟ وأشمعنى إنتِ بالذات إللي يوقفك الباشا متابعتك يا آنسة وعارف إنك طالبة منتظمة كمان.
رفعت كتفيها لأعلى دلالة على عدم معرفتها، وأجابت ببراءة:
-معرفش والله حضرتك تقدر تسأله وهو يجاوب ينفع أطلع المحاضرة؟
رمقها بازدراء ورفع يديه مشيرًا في وجهها بتهديد:
-ألو الموقف ده اتقرر تاني وقتها متلوميش غير نفسك سامعة ولا مش سامعة؟
قلبت عينيها بنفاذ صبر:
-حاضر يا دكتور بعد إذنك.
انهت جملتها سريعًا، واستدرات في مواجهة الدرج، وصعدت سريعًا وهي تكاد أن تصعد درجتين دفعة واخدة كي تهرب من آسر نظراته.
بينما هو ظل واقفًا يتابعها بغيظ شديد، ضغط على قبضة يديه وهتف بفحيح:
-ماشي يا نوران هانم لما أشوف آخرتها معاكِ إيه.
❈-❈-❈
أما بقصر إلياس وتحديدًا بالحديقة الشاسعة، الممتلئة بالأشجار الكثيفة، والزهور المتفتحة، وسط الحديقة الخلابة، كانت تجلس مرام على الطاولة تتأمل الخضراء الطبيعية مستمتعة بالهواء الطلق، وأصوات العصافير التي تزقزق بصوت خلاب كما لو كانت سنيفونية موسيقى لموسيقار كبير، وليس إلى طيور صغيرة أبدعها الخالق في أحسن تقويم.
قطع اندماجها اقتراب سيرين منها ووجها لا يبشر بالخير، ما أن وقع نظر مرام عليها حتى انتفضت من مكانها، تنوي المغادرة، ولكن أوقفها صوت الساخر.
-بتهربي على فين يا عروسة.
توقفت في مكانها، واستدرات إليها وهتفت بنفاذ صبر:
-أفندم؟ عايزة إيه بالظبط يا سيرين؟ هو خلاص مبقاش وراكِ غيري؟ عايزاني أرفض زوجك صح؟ طيب يا حبيبتي أنا رفضته حلو كده؟ أعمل إيه أكتر من كده؟ بدل ما جنابك عمالة تجري ورايا وتجري شكلي روحي يا حبيبتي شوفي زوجك أحسن واتكلمي معاه وخليه هو إللي يسبني في حالي أنا لا عايزة أتجوز أوس ولا غيره أنا كل إللي أنا عايزاه أعيش في حالي كافية غيري شري.
ما أن انهت حديثها حتى استمعت صوت تصفيق، يتبعه ابتسامة ساخرة:
-لا شابو ليكِ حلو كلامك تصدقي أنا أرفع ليكِ القبعة كمان. إنتِ فاكرة إن الهبل ده ممكن أصدقه؟ أنا عارفة وفاهمة كويس أوي إنك إنتِ إللي عايشة في دور المسكنة والدلع بتاعك عشان تصعبي عليه ويتجوزك.
تبسمت مرام باستفزاز، وأفحمتها بما جعل وجه الآخرى يشحب كالأموات:
-ما هو يا حبيبتي إنتِ لو مالية عين زوجك مش هيفكر ولا هيبص لواحدة غيرك يا حبيبتي من رأي تهتمتي بزوجك أحسن وتسبيني في حالي لأن مش هسمح إللي حصل يتكرر تاني، وآه عند فيكِ أنا موافقة أتجوز أوس وريني بقى شطارتك هتعملي إيه؟ ولا هتقفي في وشه إزاي وتمنعي الجوازة دي. أتمنى ليكِ حظ موفق يا أم زين بعد إذنك مضطرة أمشي عشان إنتِ سحبتي الأكسجين من المكان والجو بقى خنقة أوي باي باي سيري.
غادرت يزهو وفخر من صنيعها فقد لقنتها درسًا أن تستطع نسيانه، يكفي سزاجة حتى الآن فهي لن تظل ضعيفة كما هي كل شخص يقلل من شأنها وهي تقف عزلاء أمامهم لا حول لها ولا قوة. من اليوم ستصبح مرام جديدة قوية قادرة على الوقوف في وجهه من يعاديها.
❈-❈-❈
في الحارة الشعيبة التي تسكن بها وتين، وتحديدًا العقار المتهالك الذي تقطن به، توقف إلياس بسيارته أمام العقار، والتفت إليها مبتسمًا:
-حمد الله على السلامة.
تبسمت باستحياء:
-الله يسلم.
وضعت يدها على مقبض الباب كي تفتحه لكن أوقفها بلطف:
-خدي بالك من نفسك هاجي أخدك بكره أوديكِ للدكتور نغير على الجرح.
هزت رأسها بخفة وهتفت ممتنة:
-شكرًا ليك أنا هروح لوحدي.
قطب جبينه بحيرة وتساءل:
-ليه؟ في حاجة ضايقتك مني؟
أجابته بلهفة:
-لا والله بس إحنا هنا في منطقة شعبية مش هينفع كل شوية أدخل وأخرج معاك فاهمني؟
تنهد بارتياح وقال:
-فاهمك عندك حق يا ستي عمومًا فات الكتير ومبقاش إلا القليل وتتجوز ومحدش يقدر يتكلم وقتها.
استمعت إلى حديثه ولم تعقب، ومدت يدها على مقبض الباب فتحته، وهبطت من السيارة بخفة، وأغلقت الباب خلفها، ودلفت إلى داخل العقار الذي تقطن به. انتظر حتى اختفت من أمامه، وأدار عجلة القيادة واتجه إلى وجهته التالية.
❈-❈-❈
وصلت أمام باب الشقة، طرقت الباب بخفة، وثوان وفتحت زوجة عمها الباب والتي تشدقت ما أن رأتها ومصمصت شفتيها بضيق:
-شرفتي؟! إيه إللي حصل؟ أتأخرتي كده ليه؟ وإلياس باشا فين؟
أغمضت عينينا بضعف وهي تجاهد ألا تسقط الآن من شدة آلمها، والضغط العصبي الذي تمر به، وبدلاً من أن تدعها تدلف كي تستريح تتركها واقفة على باب الشقة وتقوم باستجوابها كما لو كانت قاضية في محكمة الجنايات.
هذا كان ما يدور داخل عقلها، ولكن ما أن وقعت حدقتي عينيها فوق زوجة عمها ومنظرها الإجرامي، انفجرت ضاحكة. مما أثار استفزاز الأخرى التي وضعت يدها على خصرها وهتفت بحدة:
-بتضحكِ على إيه؟ شايفة قدامك أراجوز؟
توقفت عن الضحك، وتحدث بنبرة هادئة:
-طيب ممكن أدخل عشان أرتاح طيب؟
أفسحت لها المجال وأشارت لها أن تدخل بطريقة مسرحية:
-اتفضلي يا ست الكونتيسة ورينا جمال خطوتك.
دلفت إلى الداخل وارتمت على أقرب مقعد قابلها، أغلقت زوجة عمها الباب وتوجهت نحوها تزامنًا مع خروج عمها ما المطبخ وفي يده اليمنى شطيرة من الجبن، واليد اليسرى كوب من الشاي.
تساءلت داخلها أي عقاب أو ذنب ارتكبته حتى يحدث معاها ما حدث، ألا يكفيها أن تقنط مع هذين الإثنان، أطلقت تنهيدة حارة واستغفرت داخلها.
اقترب منها عمها وجلس على المقعد المقابل وهو يتساءل بفضول شديد ويتابع ما تقول كمان لو كان عرضًا مسرحيًا:
-إيه بقى إللي حصل؟ أحكيلي إللي حصل بالتفصيل؟
تنهدت تنهيدة حارة، وأسبلت عينيها بإرهاق:
-حاضر بس ممكن ارتاح شوية وبعدين لما أقوم أحكي ليكم كل حاجة؟!
انهت جملتها، ونهضت سريعًا من مكانها وتوجهت إلى الغرفة دون أن تعطي لهم فرصة للرفض.
نظرت زوجة عمها إلى زوجها بغيظ وقالت:
-شايف بنت أخوك عاملة إيه فينا؟ ولسه لم تتجوز إلياس ده كمان قولتلك زمان نكسر ليها ضلع يطلع لها ٢٤ ضلع مسمعتش كلامي.
قضم قطعة من الشطيرة يلوكها في فمه بامتعاض:
-أهو ده إللي إنتِ فالحة فيه تقعدي تقطمي فيّ والسلام بدل ما جنابك تعملي ليّ لقمة أكلها أنا خلاص معدتي نشفت من العيش والجبنة نفسي في فرخة شمورت ترم عضمي.
رمقته شذرًا وقالت:
-فرخة شمورت؟ تكونش والد يا أخويا وأنا مش عارفة؟ قال يرم عضمه قال روح شوفلك تربة يا راجل ده إنتَ رجلك والقبر.
انتظر حتى رحلت ووضع ساق فوق ساق بزهو:
-رجلي والقبر الدهن في العتاقي ولية سعرانة صحيح، بكره ربنا ياخدك وتموتي وتريحيني واتجوز أنا حتة بت صغيرة تدلعني وأدلعها تحبني وأحبها بدل الجوازة التخليص حق دي.
❈-❈-❈
دلفت إلى غرفتها بخطى وئيدة، وأول شيء فعلته ألقت نفسها فوق فراشها المتهالك وتمددت فوقه بإرهاق تمام، وما أن اطمئنت أنها بمفردها الآن تركت العنان إلى دموعها الحبيسة أن تخرج من محجريها.
سالت الدموع فوق وجنتيها وبداخل قلبها يرتعد تشعر أن القادم سيكون أصعب مما مضى لا تدري ماذا تفعل، ولا من من تطلب المساعدة فهي عزلاء وسط غابة البشر ليس لها سوى المولى عز وجل وهي على يقين أنه لم يتركها وسيكون معها في كل خطوة تخطوها بعلمه وإرادته.
رفعت يديها إلى السماء تناجي ربها وتبتهل:
-يارب مليش غيرك إنتَ يارب إنتَ الوحيد إللي عارف أتوجعت إزاي عارفة إني غلط يارب سامحني وأرفع عني أنا عبدتك الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة يارب أحمينا وأسترها معايا والخير قربه مني وقربني منه والشر أبعده عني وأبعدني عنه يارب العالمين ليس لي مولى سواك بيدك الملك وإنتَ بكل شيء قدير. نجني مما أنا فيه كما نجيت يونس من بطن الحوت. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
❈-❈-❈
يسير داخل أروقة مبنى النيابة العامة بوقار شديد، كما لو كان ملكًا أو سلطان من زمن السلاطين، والحاشية تقف على جانبيه يؤدون التحية.
وصل إلى مكتبه وفتح له الحاجب الباب، دلف إلى الداخل، وتوجه إلى مقعده الوثير، فك أزرار حلته، وجلس فوق مقعده بوقار يليق به.
وقع نظره فوق الملف الموضوع أمامه على المكتب، فتبسم بحماس وهو يبدأ في تفحص الملف بتركيز شديد، فهو يحب عمله لدرجة شديدة، فقد كان هذا حلم حياتي منذ أن كان صغيرًا أن يكون مستشار، وساعده على ذلك تفوقه ونفوذ عائلته، وها هو ذاك يجلس في مقعده وفي مكانه المناسب واسمه أصبح علم من أعلام وكلاء النيابة، والكبير قبل الصغير يحترمه ويهابه.
قطع تمعنه في الملف الذي أمامه طرق على باب الغرفة يتبعها دخول رجلًا من رجاله المخلصين يدعى عامر، وقف أمامه وأدى التحية العسكرية باحترام شديد:
-تمام يا فندم.
تبسم إلياس، وعاد إلى الخلف مستندًا على ظهر مقعده بأريحية:
-كويس إنك جيت يا عامر كنت محتاجك في مهمة بعيد عن الشغل.
هتف الرجل بتلهُف:
-تحت أمرك يا باشا أؤمرني محتاج مني إيه؟
آخذ نفس عميق وقال:
-عايز تراقب ليّ حد عايز كل تحركاته وكل نفس ليه يكون عندي.
أومأ بتفهم:
-سهلة بعون الله يا باشا مين إللي عليه العين والنية؟
إلياس……..
| « السابق | جميع الفصول | التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيدالقاضي، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
