قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (13)
حاول حمزة أن يتدخل لامتصاص غضب والده وتبرير الموقف، فتقدم خطوة وقال بنبرة هادئة:
ـ يا ماما اهدي، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، ريان...
لم يكمل حمزة جملته، فقد رفع ياسين يده في وجهه بحركة حازمة وقاطعة، ثم رماه بنظرة أخرست كل صوت في المكان. ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه إلا صوت أنفاسهم المتسارعة.
بخطواتٍ ثقيلة وهادئة، التفت ياسين وسار نحو الباب دون أن يلتفت خلفه، تاركًا خلفه كلماتِ كاميليا المعلقة في الهواء، ونظراتها التي كانت تلاحقه بشراسة. خرج ياسين من الفيلا، وأُغلق الباب بقوة خلفه، تاركًا إياهم في حالةٍ من الصدمة العميقة.
ظلت كاميليا واقفة مكانها، يديها ترتجفان، بينما كان ريان وحمزة يتبادلان نظراتٍ من الذهول، وكأن الأرض انشقت وابتلعت كل ما كان يربط هذه العائلة من تماسك في ثوانٍ معدودة.
ساد صمتٌ ثقيل في الردهة بعد خروج ياسين، لم يقطعه إلا صوت أنفاس كاميليا المتسارعة.
بصوتٍ يملؤه العتاب، هتف حمزة وهو يقترب من والدته:
ـ ليه كده يا ماما؟
التفتت إليه كاميليا وعيناها تلمعان بدموعٍ محبوسة، وردت بحزمٍ قاطع:
ـ مش هستنى يا سيادة الرائد لما تورطوا ريان في شغلكم زي ما ورطتوا غيره! كفاية كارما، مش هسمح لكم تكرروا نفس الغلطة مع أخوك.
هنا، تقدم ريان محاولًا تهدئة الموقف، وقال بنبرة هادئة ومستغربة:
ـ يا ماما اهدي، إيه اللي بتقوليه ده؟ أنا اللي طلبت من حمزة يقابلني، واتأخرت أصلًا لأني بدلت الوردية مع صاحبي. وبعدين بابا هيورطني في إيه؟ أنا مش فاهم.
نظرت إليه كاميليا بضيقٍ واضح، وقالت بنبرة متحشرجة:
ـ يا ريان، أبوك شغله دايمًا بيجيب مشاكل، وأنا مش مستعدة أشوفكم بتدفعوا تمن خياراته. كفاية اللي راحوا، مش عايزة أفقد حد تاني بسبب طموحه أو الناس اللي بيتعامل معاهم.
ساد الصمت للحظة، وحمزة حاول ينهي الحديث بضيق:
ـ ماما، خلاص.. قفلنا الموضوع.
التفت ريان لحمزة، والتوتر بدأ يظهر في عينيه:
ـ قفلنا الموضوع؟ يا حمزة أنت كمان بتخبي عليا؟ هو فيه إيه؟ ليه حاسس إني الوحيد اللي مش فاهم حاجة في البيت ده؟
تنهد حمزة بعمق، ونظر إلى أخيه نظرة مطولة، ثم أوجز له ما مروا به من ضغوط في الفترة الماضية، والأسرار التي سعوا لحمايته منها، دون الخوض في تفاصيل قد تضره.
صمت ريان للحظة وكأنه يستوعب حجم التوتر الذي يحيط به، ثم مسح وجهه بيده وقال بصوتٍ هادئ:
ـ أنا طالع لكارما، لازم أطمن عليها.
بعد أن صعد ريان، أخرج حمزة هاتفه وحاول الاتصال بوالده، لكنه وجد الهاتف مغلقًا. نظر إلى والدته التي كانت تقف مكانها شاردة الذهن، وقال بنبرة مقتضبة:
ـ بابا قافل الموبايل.
تراجعت كاميليا خطوة للخلف، أدركت في تلك اللحظة أنها بالغت في حدة رد فعلها، لكن غريزة الأمومة المذعورة كانت تسيطر على كيانها. تنهدت بأسى، واتجهت في صمت نحو غرفتها، بينما صعد حمزة إلى غرفته هو الآخر، تاركًا خلفه ردهة خيم عليها سكونٌ ثقيل.
اقترب منها ريان ببطء، وجلس بجوارها صامتًا للحظات، ثم وضع يده على كتفها وضمه بقوة وهو يقول بنبرة حنونة:
ـ يا كارما.. اهدي يا حبيبتي، مفيش حاجة مستاهلة زعلك ده كله. كل اللي بيحصل ده فترة وهتعدي، وأنا جنبك ومش هسيبك.
رفعت كارما رأسها ونظرت إليه بدموع صامتة، بينما ظل ريان يربت على كتفها ببطء، يحاول أن يمتص توترها ويهدئ من روعها. بقيا على هذه الحال فترة، يتبادلان كلمات قليلة يكسوها الوجع، حتى شعرت كارما ببعض السكينة.
بعد أن اطمأن عليها، وقف ريان ليتجه نحو الباب، ألقى عليها نظرة أخيرة مطمئنة ثم غادر الغرفة متجهًا إلى غرفته الخاصة، يجر خلفه ثقل يومٍ لم يكن يتوقع أن ينتهي بهذا الشكل.
وصل ياسين إلى منزله القديم في ساعة متأخرة من الليل، حيث كان السكون يطبق على المكان كأنه قطعة من الماضي لم تمسها يد الزمن. كان المنزل يفوح برائحة الغبار الممزوجة بعبق الذكريات؛ الأثاث مغطى بأغطية بيضاء تبدو في ضوء القمر الشاحب كأشباحٍ ساكنة، وصوت خطواته يتردد في أرجاء المكان الفارغ، وكأن الجدران تعاتبه على غيابه الطويل.
جلس ياسين على أريكةٍ في الصالة، تاركًا جسده المنهك يستسلم لثقل الأيام. راح يحدق في الفراغ، وعقله يغوص في دوامة الأحداث المتسارعة التي قلبت موازين حياتهم في الفترة الأخيرة. لم يكن يشغل باله سوى تلك الفتاة الغامضة التي اقتحمت حياتهم فجأة، بلا هوية وبلا ماضٍ معلوم، وكأن وجودها صار عبئًا ثقيلًا يهدد استقرار بيته.
استرجع في ذهنه نبرة صوت كاميليا الحادة واتهامها الصريح له، تلك الكلمات التي اخترقت سكون الليل كأنها سهام. زفر بضيق وهو يفكر:
ًـ إزاي شايفة الأمور كدة؟ وازاي فكرت إني ممكن أدخل ولادي في شغلي ومشاكل الناس اللي بلاحقهم؟
أغمض عينيه محاولاً تجميع خيوط اللعبة، لكنه لم يجد سوى مزيد من التعقيد، بينما ظل الظلام يحيط به في ذلك البيت المهجور، شاهداً على حيرته التي لا تنتهي.
لم تكن الليلة سوى امتدادٍ لثقل النهار؛ مرت الساعات بطيئة وكأنها دهر، بينما كلمات كاميليا تعاود التردد في أذنيه، تارةً بصوتٍ عتابٍ مرير، وتارةً بصوت خوفٍ من المجهول. حاول ياسين تشتيت أفكاره، لكنه وجد نفسه يغوص في الدوامة ذاتها، يحاول الربط بين خيوط الفتاة الغامضة وبين اتهامات زوجته له، حتى استسلم جسده المنهك أخيراً لسطوة الإرهاق. لم يقوَّ على الانتقال إلى فراش، فغلبه النعاس حيث يجلس على الأريكة، تاركاً الليل يمضي به نحو صباحٍ جديد، لا يدري ما يحمله له من مواجهات.
❈-❈-❈
استيقظ ياسين في منزله القديم على وقع ضوء الصباح الباهت، وتنهد بضيق وهو يستوعب أنه قضى ليلته على الأريكة دون أي أغراض شخصية. ما إن التقط هاتفه حتى وجد سيلًا من المكالمات الفائتة من حمزة وكاميليا، ورأى رقمًا غريبًا غير مسجل، فأدرك فورًا أنه رقم الطبيب الذي يتابع الحالة.
ضغط على زر الاتصال، فجاءه صوت الطبيب هادئاً ولكنه يحمل ثقلًا واضحًا، ليقول له:
ـ الحالة فاقت يا سيادة اللواء، بس الصدمة العصبية اللي تعرضت لها كانت قوية جدًا، ودخلت في حالة فقدان نطق كلي. ده مش كل حاجة... التحاليل اللي عملناها بينت وجود مواد مخدرة في دمها، ومبين إنها مخدتش الحاجة دي مرة واحدة، دي بقالها فترة بتتعرض للمواد دي.
تسمر ياسين في مكانه، وشعر بأن الغرفة تدور به. لم تكن الصدمة فقط في صمت الفتاة المطبق، بل في هذا اللغز الجديد الذي يطرق بابهم. حاول التحكم في نبرته قدر الإمكان، وأجاب الطبيب بحزم:
ـ تمام يا دكتور، أنا في طريقي للمستشفى دلوقتي، مش عايز حد يعرف أي تفاصيل عن الحالة دي لحد ما أوصل. هقابلك هناك ونشوف إيه اللي بيحصل بالظبط.
أغلق ياسين الخط، والتقط مفاتيحه ليخرج من المنزل مسرعًا، والأسئلة تتقاذف في رأسه عن هوية هذه الفتاة وسر وجود تلك السموم في جسدها.
بينما كان ياسين يقود سيارته في طريقه للمستشفى، أرسل رسالة قصيرة إلى حمزة:
ـ هات لي طقم لبس معاك وأنت طالع على المقر.
في تلك الأثناء، كان حمزة يجلس في الصالة يغالب قلقه، وعيناه لا تفارقان هاتفه. حين ومضت الشاشة برسالة والده، تملكه التردد؛ فوالدته كاميليا لا تزال بجانبه، وقلقها على والده لا يقل عن قلقه. زفر بحيرة، وأدرك أنه لن يستطيع إخفاء الأمر عنها، فالتفت إليها وقال بصوتٍ متوتر:
ـ ماما.. بابا لسه باعت رسالة، بيقولي أجيب له طقم لبس وأنا طالع على المقر.
رمقته كاميليا بنظرة فاحصة، وبدت علامات الحيرة على وجهها، فسألته بلهفة:
ـ هو فين؟ وليه عايز لبس هناك؟
أجابها حمزة وهو يهز كتفيه بقلة حيلة:
ـ مش عارف.. كل اللي قاله إني أجهز الهدوم وأطلعله على المقر.
لم تتردد كاميليا لحظة، ونهضت من مكانها بقرارٍ حاسم:
ـ مش هتروح لوحدك.. أنا جاية معاك.
دخلت كاميليا غرفتها مسرعة لتبديل ملابسها، وهي عازمة على الاطمئنان على ياسين في هذا الوقت الذي يكتنفه الغموض.
وصل حمزة ووالدته كاميليا إلى المقر، وبدا عليهما التوتر فور نزولهما من السيارة. دخلا إلى البهو وتوجها مباشرة نحو مكتب السكرتير الخاص بياسين. بادر حمزة بالسؤال بلهجة قلقة:
ـ لو سمحت، اللواء وصل؟ كان قايل لي إنه جاي هنا.
نظر السكرتير بجدية واهتمام، ثم أجاب باحترام:
ـ لا يا سيادة الرائد، سيادة اللواء لسه موصلش لحد دلوقتي.
نظرت كاميليا إلى حمزة بنظرة حيرة ممزوجة بالخوف، فتنهد حمزة محاولًا تهدئة الموقف، وقال لوالدته:
ـ طيب يا ماما، مفيش داعي نقف هنا. تعالي ندخل المكتب جوه نستناه، أكيد مش هيتأخر.
أومأت كاميليا برأسها موافقة، وسارا معًا في الممرات المؤدية إلى مكتب ياسين، بينما كانت علامات القلق لا تفارق وجههما في انتظار أي أثر لياسين.
وصل ياسين إلى المستشفى، وكان الطبيب في انتظاره بممرٍ هادئ بعيدًا عن صخب الطوارئ. سار الاثنان في صمتٍ مريب حتى توقفا أمام مكتب الطبيب، حيث بادر ياسين بالسؤال مباشرة بلهجةٍ لا تقبل المراوغة:
ـ دكتور، عايز أفهم أكتر.. إيه موضوع المخدرات اللي لقيتوه في دمها ده؟ وإيه وضعها الصحي بالظبط؟
تنهد الطبيب وأغلق الملف الذي كان بين يديه، ثم نظر إلى ياسين وقال بلهجةٍ عمليةٍ جادة:
ـ بص يا سيادة اللواء، التحاليل أكدت وجود نسب عالية من مواد مخدرة في دمها. الحالة مش مجرد صدمة نفسية وبس؛ جسمها وصل لمرحلة صعبة من الاعتماد على المواد دي، وده معناه إنها بقالها فترة طويلة بتتعاطى، أو بتُجبر على ده. البنت دي محتاجة برنامج علاج طويل عشان نقدر نخلص جسمها من السموم دي ونعالج آثار الإدمان.
شعر ياسين بغصةٍ في حلقه، لكنه استجمع هيبته وقال بحزم:
ـ عايز أشوفها.
أومأ الطبيب برأسه، وسارا معًا نحو غرفتها. ما إن فُتح الباب، حتى وقعت عينا ياسين على الفتاة؛ كانت مستلقية على السرير، وجهها شاحب كشحوب الموت، وعيناها مفتوحتان لكنهما فارغتان تمامًا من أي تعبير، وكأن روحها غائبة في عالمٍ آخر. جسدها النحيل كان يعلو ويهبط مع تنفسٍ بطيء ومضطرب، وأسلاك الأجهزة الطبية تتصل بها من كل جانب، مما جعلها تبدو أضعف مما تخيل.
اقترب ياسين منها خطوة، فالتفت إليه الطبيب هامساً بنبرةٍ خافتة:
ـ إحنا اضطرينا نديها جرعات معينة من أدوية بديلة ومسكنات قوية.. أصل جسمها كان في حالة انهيار، وكان محتاج بشدة للمخدر عشان يقدر يكمل وظائفه الحيوية، وأي تأخير في إعطائها البديل الطبي ده كان هيؤدي لتشنجات عصبية عنيفة.
وقف ياسين يتأمل حالتها، والحزن والغضب يتصارعان في صدره. لم تعد أمامه مجرد حالة، بل أصبحت لغزاً مؤلمًا يجسد براءةً سُلبت في ظروفٍ لا تزال غامضة.
أخرج ياسين هاتفه والتقط صورًا دقيقة للفتاة من زوايا مختلفة، وهو يراقب ملامحها الشاحبة بحذر، ثم التفت للطبيب بنبرة آمرة وحازمة:
ـ اسمع يا دكتور، البنت دي مسؤوليتي من اللحظة دي.. عايز عناية خاصة ومشددة، وأي تطور يحصل في حالتها، صغيرة كانت أو كبيرة، تبلغني فورًا. أنا هجيلها تاني النهاردة بليل أطمن عليها.
أومأ الطبيب بالموافقة، بينما انصرف ياسين بخطوات سريعة متجهًا إلى سيارته. كانت وجهته التالية مقر مكافحة المخدرات، فالحقائق التي تكشفت في المستشفى غيرت مسار تفكيره تماماً.
أثناء القيادة، اتصل ياسين بريان الذي كان يجلس في الحديقة برفقة كارما. أجابه ريان بصوته الهادئ:
ـ أيوة يا بابا، في حاجة؟
تنهد ياسين وقال بجدية:
ـ ريان، أنا لسه خارج من عند البنت اللي لاقيناها.. التحاليل بينت إنها كانت بتتعرض لجرعات مخدرات بقالها فترة، وجسمها حاليًا في حالة انهيار كامل ومحتاجة علاج مكثف. الوضع أعقد مما كنا متخيلين.
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، قبل أن يرد ريان بنبرة حازمة ومباشرة:
ـ مخدرات؟ طب إنت فين دلوقتي يا بابا؟ أنا هقوم حالًا أروح المستشفى أشوفها بنفسي وأتابع وضعها هناك.
تنهد ياسين قليلًا قبل أن يجيب ريان بحزم:
ـ ماشي يا ريان، روح أنت دلوقتي وأنا هخلص اللي ورايا في مقر المكافحة وأحصلك على هناك.
أغلق ياسين الخط، بينما كان ريان لا يزال جالسًا في حديقة المنزل وملامح الجدية ترتسم على وجهه. بمجرد أن وضع الهاتف، التفتت إليه كارما التي كانت تراقبه بفضول، وسألت بقلق:
ـ في إيه يا ريان؟ ومين البنت دي؟ الحكاية إيه؟
نظر إليها ريان للحظة، ثم قرر أن يشركها في الأمر:
ـ دي البنت اللي لقيتها وأنا راجع من المطار، طلعت ضحية لموضوع مخدرات كبير ومحتاجة رعاية خاصة. بابا في طريقه للمقر، وأنا قايم دلوقتي أروح المستشفى أطمن عليها.
لم تتردد كارما، وقفت بسرعة وقالت بإصرار:
ـ مستحيل تروح لوحدك.. أنا جاية معاك.
شعر ريان بصدق رغبتها في المساعدة، فأومأ برأسه موافقًا، ثم نهض الاثنان وتوجها إلى السيارة للانطلاق نحو المستشفى.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
دخل ياسين مكتبه بخطواتٍ واثقة، لتتبدل ملامحه فور رؤية حمزة وكاميليا في انتظاره. لم يضيع الوقت في المقدمات، بل أخرج هاتفه من جيبه بجديةٍ بالغة، وعرض الصور التي التقطها للفتاة على شاشة الهاتف أمام حمزة قائلاً:
ـ الصور دي هتوصلك حالًا، عايزها تتعمم في كل الأقسام فورًا. وتعملي فحص شامل وتشوف لو فيه أي بلاغات اختفاء عن بنات في الفترة الأخيرة.
أومأ حمزة برأسه بتركيزٍ شديد وهو يقلب الصور بجدية:
ـ تمام يا فندم، هباشر العمل فورًا.
وبينما كان حمزة يتهيأ للانصراف، توقف فجأة وعقله يربط بين ملامح الفتاة في الصور وبين قضايا أخرى، ليهتف بنبرةٍ متسائلة:
ًـ سيادة اللواء.. مش ممكن تكون البنت دي نور شاكر؟
ساد صمتٌ ثقيل في المكتب لعدة دقائق، لم يقطعه إلا صوت أنفاس ياسين المتسارعة وتفكيره العميق في الاحتمال الذي طرحه ابنه. ثم قطع الصمت بصوتٍ حازم:
ـ هات ملف نور شاكر حالًا عندي.. وبرضه عمم الصور في الأقسام زي ما قلتلك.
تحرك حمزة مسرعاً لتنفيذ الأوامر، بينما ظلت كاميليا تجلس في زاوية المكتب صامتة، تراقب المشهد وعيناها تفيضان بالقلق والترقب لما سيحمله هذا الملف من أسرار.
في هذا الوقت، كانت كارما وريان قد وصلا إلى المستشفى، وتوجها بخطوات سريعة نحو غرفتها. دفع ريان الباب بهدوء ودخل أولًا، وخلفه كارما التي كانت تراقب ملامح الفتاة بقلق، ليجدا الممرضة تقوم بضبط بعض الأجهزة بجانب السرير.
سأل ريان الممرضة بنبرة جادة وهو لا يزال يراقب وجه الفتاة الشاحب:
ـ لو سمحتٍِ، إيه آخر تطورات الحالة؟ وهل بدأت تفوق أو تنطق بأي حاجة؟
نظرت الممرضة إليهما ثم عادت بنظرها إلى شاشة الأجهزة وقالت بصوت منخفض:
ـ الحالة لسه مستقرة، بس المهدئات اللي أخدتها عشان التشنجات لسه مأثرة عليها. إحنا حاليًا ماشيين على بروتوكول علاج مكثف عشان نسحب السموم من جسمها ونعوضها بالبدائل اللي جسمها محتاجها.
ظل ريان يراقب الفتاة بعينين لا تفارقانها، وسأل الممرضة بنبرة خافتة تحمل الكثير من التساؤل:
ـ يعني جسمها كان فعلاً في حالة انهيار؟ وهل الحالة دي ممكن تكون بقالها فترة طويلة في الدائرة دي؟
أجابت الممرضة وهي تضبط المحلول:
ـ تقدر تقول كدة.. جسمها كان شبه متدمر، وماكانش قدامنا حل غير الأدوية البديلة دي، لأن أي تأخير كان هيعرضها لتشنجات عصبية عنيفة ممكن تأثر على حياتها. هي حاليًا في مرحلة تعافي صعبة.
صمت ريان، وعيناه لا تزال معلقتان بوجه الفتاة الشاحب، بينما شعرت كارما بغصة في حلقها وهي تلمس مدى قسوة التجربة التي مرت بها هذه الفتاة.
اقتربت كارما ببطء من السرير، كانت أنفاسها متسارعة ويدها ترتجف وهي تزيح خصلات الشعر عن وجه الفتاة الشاحب. اتسعت عيناها بذهول وصدمة لا توصف، وسقطت دموعها دون أن تشعر، وصوتها يتقطع وهي تهمس:
ـ نور.. نور؟ ردي عليا، أنا كارما.. نور ردي!
لكن الفتاة ظلت غائبة تمامًا، غارقة في عالمٍ بعيد لا تصل إليه صرخات كارما.
كان ريان يقف مذهولًا من رد فعل شقيقته العنيف، فاقترب منها ووضع يده على كتفها بقلق شديد:
ـ نور مين يا كارما؟ إيه اللي بتقوليه ده؟ إنتي تعرفي البنت دي منين؟
التفتت إليه كارما وعيناها تغرقهما الدموع، وصوتها يرجف بالألم:
ـ نور يا ريان.. صاحبتي! الصحفية اللي حكيتلك عنها قبل كده.. اللي إنت جبتلها الكاميرا! هي دي نور يا ريان!
ساد صمت مرعب في الغرفة بعد هذه الكلمات؛ ريان تراجع خطوة للخلف، وعقله يربط الأحداث ببعضها، مدركًا أن البنت التي أنقذها من المطار، هي نفسها الصديقة التي كانت كارما تبحث عنها.
خرج ريان من غرفة نور فوراً، ووقف في الممر بعيدًا عن كارما التي كانت تبكي بجانب صديقتها، وسحب هاتفه ليتصل بوالده مباشرة. بمجرد أن أجاب ياسين من مكتبه، قال ريان بصوتٍ متهدج من الصدمة:
ـ بابا.. كارما عرفت البنت، البنت طلعت نور.. نور شاكر صاحبة كارما!
تجمد ياسين في مكانه خلف مكتبه من المفاجأة، وسأله بقلق:
ـ إنت متأكد يا ريان؟ نور شاكر؟
رد ريان:
ـ أيوة يا بابا، هي.. بس كارما في حالة انهيار.
في هذه اللحظة، طرق حمزة الباب ودخل مسرعًا وبيده الملف، ليهتف بحماس:
ـ بابا.. عرفت البنت تبقى مين، الملف ده طلع لنور شاكر!
أشار ياسين بيده لحمزة بالدخول، ثم قال لريان في الهاتف بحزم:
ـ خليك جنبها يا ريان، إوعى تسيبها.. أنا مسافة الطريق وهكون عندكم في المستشفى.
أغلق ياسين الخط، ونظر لحمزة وقال بجدية حادة:
ـ سمعت؟ البنت اللي ريان لقاها طلعت هي نور شاكر. يا حمزة، اتصل بعلياء المحامية فورًا، بلغها إننا وصلنا لمكان نور واديها العنوان.. وجودها ضروري جداً.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفت ياسين فوراً إلى كاميليا التي كانت تقف مذهولة، وقالت هي برجاء:
ـ ياسين، أرجوك.. لازم أروح معاك المستشفى، قلبي مش مطاوعني أسيب كارما لوحدها في حالة زي دي.
أومأ ياسين بالموافقة وهو يمسك بملف القضية:
ـ ماشي، تعالي معايا.
وقبل أن يخرجوا من المكتب، قال حمزة:
ـ يا فندم، هخلص بس اللي ورايا في الشغل وهحصلكم على هناك فورًا.
كان ريان يقف عند الباب، يراقب المشهد بقلبٍ يعتصره الألم؛ لم يكن يتخيل أن هذه الفتاة التي أنقذها من المطار، والتي كانت غامضة تمامًا بالنسبة له، هي نفسها الصحفية التي كانت كارما تتحدث عنها دائماً. كان يراها في حالتها المزرية تلك، ويبحث في ملامحها عن أي أثر للشخصية القوية التي كانت تصفها كارما.
أحست كارما ببرود يد نور يتسرب إلى عروقها، فبدأت تحرك أصابعها على معصمها ببطء، وكأنها تحاول إيقاظ نبضٍ نائم.
ـ فاكرة يوم ما اتقابلنا في الجريدة؟ فاكرة لما كنا بنخطط للتحقيق بتاعنا؟ نور.. أنا كارما، أنا مش هسيبك، بس لازم ترجعيلي.
لكن نور ظلت صامتة، نظراتها مثبتة على نقطة غير مرئية في سقف الغرفة، غارقة تمامًا في عالمها الذي لا تصله أصوات البشر. التفتت كارما إلى ريان، وعيناها متورمتان من البكاء:
ـ هي ليه مش بتستجيب يا ريان؟ كأنها مش سامعانا خالص!
أخذ ريان نفسًا عميقًا، واقترب منهما ببطء، جلس على طرف السرير الآخر، وقال بصوتٍ هادئ، محاولًا ألا يكسر هذا الهدوء المشحون:
ًـ هي محتاجة وقت يا كارما.. الصدمة اللي مرت بيها مش سهلة، والجهاز العصبي عندها محتاج أمان عشان يقرر يرجع للحياة تاني. سيبيها، وجودك جنبها هو الأمان اللي هي محتاجاه.
في تلك اللحظة، لاحظ ريان وكارما معًا حركة يد نور؛ كانت تحاول قبض أصابعها ببطء شديد، وكأنها تمسك بشيءٍ وهمي في الهواء، أو ربما تدفع شيئًا بعيدًا عنها. كانت حركات غير منتظمة، توحي بأن عقلها يصارع ذكريات مؤلمة داخل ذلك الصمت المطبق.
وصل ياسين وكاميليا إلى الغرفة، وبمجرد أن دلفا، كان المشهد يمزق القلب. كارما تجلس بجوار نور التي كانت تحدق في السقف بنظرات غائبة. كانت كارما تهمس لها بكلمات مألوفة، لكن نور لم تبدِ أي رد فعل.
فجأة، لاحظت كارما حركة أصابع نور التي تشنجت وبدأت تتحرك بطريقة عصبية، وعقدت نور حاجبيها رغم أن عينيها لا تزالان زائغتين. هتفت كارما بذعر:
ـ نور! في إيه؟ إنتي حاسة بحاجة؟
في تلك اللحظة، دخل الطبيب المعالج ومعه الممرضات. وبمجرد أن نظر الطبيب إلى حالة نور، اقترب منها بسرعة وتفحص علاماتها الحيوية ثم التفت إلى ياسين وكاميليا وقال بنبرة عملية ومباشرة:
ـ لو سمحتوا وسعوا شوية.. ده ميعاد الجرعة اللي جسمها متعود عليها، مينفعش نتأخر عنها أكتر من كدة.
بمجرد أن أعطتها الممرضة الحقنة، انطلقت آهة خافتة ومكتومة من صدر نور، وبدأت ملامح وجهها تتقلص تدريجيًا، وبدا وكأن الألم بدأ يتسلل لجسدها. فتحت نور عينيها أكثر، وبدأت تمسك ذراعها بقوة، وارتجف جسدها بالكامل، وأطلقت صرخة متقطعة ومبحوحة.
شهقت كاميليا وهي تغطي فمها بيدها، بينما كان ياسين يراقب بتمعن، مدركًا أن هذه الجرعات التي يحتاجها جسدها قسرًا ليست مجرد علاج، بل لغزٌ جديد يُضاف لقصة اختفائها.
مع تصاعد أنين نور المكتوم، بدأ جسدها يرتجف بعنف على السرير، وبدأت الأجهزة بجانبها تُطلق أصواتًا متقطعة نتيجة تسارع نبضاتها. الطبيب تحرك بسرعة وبدأ يعطي أوامر للممرضات، ثم التفت للجميع بضيق وقال بحزم:
ـ يا جماعة لو سمحتوا، اتفضلوا كلكم بره. الحالة محتاجة هدوء تام، وجودكم هنا بيوترها أكتر وبصراحة بيعطلنا عن الشغل.
حاولت كارما أن تعترض وصوتها يرتجف:
ـ يا دكتور بس هي..
قاطعها الطبيب بلهجة حازمة:
ـ مفيش بس، اتفضلوا بره فورًا. هنطمنكم أول ما الأمور تستقر.
تراجع ياسين خطوة للخلف، وأمسك ذراع كارما برفق ليجعلها تتحرك معه، بينما كانت كاميليا تنظر لنور بنظرات مليئة بالشفقة وهي تخرج معهم. خرج الجميع إلى الممر، وأغلقت الممرضة الباب خلفهم بقوة، ليتركوا نور وحدها في صراعها مع الألم.
في الممر، وقفت كارما وهي تستند على الحائط، تغطي وجهها بيديها ودخلت في نوبة بكاء مكتومة، بينما وقف ياسين أمام باب الغرفة مباشرة، عيناه لا تفارقان الزجاج، وعقله مشغول بتلك الجرعات التي لا يفهم سرها.
اقتربت منه كاميليا بخطوات ثقيلة، وقالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
ـ ياسين.. إنت شايف زي ما أنا شايفة؟ الحالة اللي كانت عليها نور.. دي مش مجرد مريضة بتتعالج، دي حالة حد كان بيتم السيطرة عليه بحاجة معينة.
التفت إليها ياسين، ونظراته تحمل مزيجًا من الحيرة والريبة، وقال بصوت منخفض وحاد:
ـ ده اللي خلاني أطلب علياء المحامية. الموضوع أكبر من مجرد خطف، إحنا قدام جريمة منظمة، وجسد نور ده هو الدليل الوحيد اللي فاضل لينا.
التفت ياسين نحو ريان الذي كان يقف بعيدًا قليلًا يراقب الممر بترقب، ثم عاد بنظره لكاميليا وأضاف:
ـ لازم نعرف إيه المادة اللي كانت بتاخدها، وده مش هنعرفه غير لما الطبيب ده يخرج.. لازم نواجهه، وبطريقة تخليه يتكلم حتى لو مش عايز.
كارما، التي كانت تسمع طرفًا من الحديث، رفعت رأسها ببطء، وعيناها مليئتان ببريق غاضب ومكسور في آن واحد، وقالت:
ـ لو كان حد عمل فيها كدة.. أنا مش هسكت، هعرف مين اللي وصلها للحالة دي وهخليهم يدفعوا الثمن.
لم يكد الطبيب يخرج من الغرفة ويمسح العرق عن جبينه، حتى كان ياسين يقف أمامه بوقفته العسكرية المعتادة، ونظرته الصارمة التي لا تقبل الجدال.
نظر ياسين في عيني الطبيب نظرة فاحصة، ثم سأله بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقلاً يفرض الاحترام:
ـ يا دكتور.. حالتها دي، والجرعات اللي جسمها بيحتاجها.. هل لاحظت وجود أي علامات غريبة في جسمها؟ أي أثر لعمليات جراحية أو تدخلات مش طبيعية؟
ارتبك الطبيب قليلًا من حدة نظرات ياسين، وتراجع خطوة للخلف وهو ينظر لملف نور في يده، ثم رد محاولاً التماسك:
ـ سؤال حضرتك دقيق يا سيادة اللواء.. أنا بتعامل مع حالة تسمم دوائي شديد وانهيار عصبي حاد، لكن جسمها مفيش فيه أي أثر لجروح أو عمليات، ده اللي مستغرب له فعلًا.
ضيق ياسين عينيه وهو يستوعب المعلومة، ثم قال بحدة:
ـ يعني جسمها سليم تمامًا؟
أومأ الطبيب بالإيجاب:
ـ تمامًا. الجرعات اللي بتاخدها دي هي اللي مسببة الانهيار العصبي، كأنها بتتعرض لضغط كيميائي متعمد عشان تفضل في الحالة دي، مش عشان علاج أي إصابة جسدية.
شعر ياسين بالخطر يتضاعف؛ فالأمر لم يكن مجرد استغلال جسدي، بل كان غسيل دماغ أو محاولة لتعطيل إدراكها تمامًا. التفت ياسين إلى ريان وكارما وقال بنبرة جازمة:
ـ ده معناه إنهم كانوا عايزينها حية، بس من غير وعي.. بيحاولوا يمسحوا ذاكرتها أو يسيطروا على أفعالها. علياء لازم تكون هنا فورًا، ونحط حراسة مشددة على الغرفة دي. اللعبة أخطر بكتير مما كنا متخيلين.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كان الممر يضج بحركة التمريض المستمرة، بينما وقف ياسين وكاميليا ومعهم ريان في زاوية منعزلة، والتوتر بادٍ على وجوههم في انتظار وصول حمزة من شغله. وفجأة، أقبلت علياء بخطوات واثقة، وما إن رأتهم حتى اقتربت منهم بكل تقدير.
قالت علياء بصوت هادئ:
ـ مساء الخير يا سيادة اللواء، مساء الخير يا أستاذة كاميليا. طمنوني، إيه اللي حصل؟
نظرت كاميليا إلى علياء بتردد، ويدها ترتجف قليلًا وهي تفكر في ولديها، ثم قالت بصوت منخفض:
ـ يا أستاذة علياء.. ريان وحمزة هما اللي لقوا نور في الطريق الصحراوي وجابوها هنا. أنا بجد في حيرة، وخايفة يتورطوا في قضية أكبر منهم، وخايفة عليهم من الناس دي. حمزة لسه موصلش من شغله، وقالي إنه جاي على هنا فورًا.
التفتت كاميليا إلى ريان وأكملت حديثها لعلياء بحزم المحامية:
ـ يا أستاذة علياء، لازم نتحرك قانوني فورًا. ريان وحمزة هيعملوا محضر 'عثور على مصاب'. هيقولوا إنهم لقوها في الطريق الصحراوي وكانوا فاكرينها حادثة عادية، ونقلوها للمستشفى من باب الإنسانية، من غير ما يعرفوا هويتها في البداية.
أومأ ياسين برأسه تأييدًا، وأضاف بصوت رصين:
ـ ده التصرف الصح يا أستاذة كاميليا. المحضر ده هيخلي وجودهم هنا رسمي، وهيضمن إن أي تقرير يطلع من المستشفى يكون تحت إشراف قانوني محكم.
نظرت علياء إلى ريان بتقدير، ثم التفتت لكاميليا وقالت بثقة:
ـ رأيك سليم جدًا. أول ما حمزة يوصل من شغله، هنراجع سوا صيغة المحضر. ريان، أنتم الاثنين شركاء في اللي حصل وعارفين كل التفاصيل، لازم نضمن إن كلامكم في القسم يكون متطابق تمامًا عشان محدش يمسك عليكم غلطة.
أومأ ريان برأسه وقال:
ـ حاضر يا أستاذة علياء. أول ما حمزة يوصل هنظبط كل حاجة سوا، وإحنا مش ممكن نسيب نور تضيع، ولا عايزين نسيب ثغرة حد يمسكها علينا.
قبل أن ينهي ريان جملته، ظهر حمزة وهو يقترب بخطوات سريعة قادمًا من ناحية الاستقبال، ملامحه تعكس إرهاق اليوم، لكنها تحولت لجدية تامة بمجرد أن رآهم.
اقترب حمزة من والده ياسين، وبمجرد أن ألقى نظرة سريعة على الجميع، وجه كلامه لريان مباشرة وبنبرة قلقة:
ـ إيه الأخبار؟ نور وضعها إيه دلوقتي؟
قبل أن يجيب ريان، تدخل ياسين بوقار، واضعًا يده على كتف حمزة ليطمئنه، وقال بصوت خافت وصارم:
ـ حمد لله على السلامة يا حمزة. اسمعني، الوضع هنا محتاج حذر. نور لسه تحت الرعاية، والحالة مستقرة نوعًا ما، لكن وجودكم أنتم وريان هنا لازم يكون له غطاء رسمي علشان نحميكم.
نظر حمزة إلى والده بتركيز، فأكمل ياسين بهدوء:
ـ إحنا اتفقنا على خطة قانونية، علياء وكاميليا شافوا إن ده الطريق الوحيد. هتعملوا محضر 'عثور على مصابة'. هتقولوا إنكم لقيتوها مرمية في الطريق الصحراوي، ونقلتوها للمستشفى من باب الإنسانية ومن غير ما تعرفوا هويتها في الأول. ده اللي هنمشي عليه، ومحتاجين كلامكم يكون متطابق تمامًا عشان نقفل أي ثغرة.
سكت حمزة للحظة، استوعب فيها الموقف، ثم نظر إلى ريان وعلياء، وقال بثبات:
ـ تمام. أنا موافق، ده أفضل حل عشان نأمن نفسنا ونحميها. ريان، لازم نراجع كل كلمة قبل ما نتحرك لأي إجراء.
تدخلت كاميليا في الحوار قائلة بحسم:
ـ أنا هروح معاكم القسم علشان نعمل المحضر، وجودي معاكم هيظبط الإجراءات ويسرعها.
أومأت علياء برأسها وأضافت:
ـ تمام، وأنا هكلم أهل نور دلوقتي عشان أعرفهم إنها ظهرت وإنها معانا هنا.
تحرك ياسين مبتعدًا عنهم ودخل الغرفة ليطمئن على نور، فوجد كارما قد دخلت إليها مرة أخرى وتجلس بجوار فراشها وعلامات الحزن واضحة عليها. اقترب ياسين منها وهدأ من روعها قائلاً بصوت حنون:
ـ اطمني يا كارما، هتبقى كويسة وبخير إن شاء الله.
التفتت كارما إلى والدها، وعيناها تلمعان بالغضب، وقالت بصوت مخنوق:
ـ يا بابا، مدحت وابنه لازم يتعاقبوا على كل اللي عملوه ده، مش لازم يهربوا بعملتهم.
أمسك ياسين يديها برفق ليحتوي ثورتها، وقال بنبرة صارمة ووعد لا رجعة فيه:
ـ اطمني يا كارما، مش هسيبهم يخرجوا من السجن أبدًا بعد اللي ارتكبوه في حقها. اهدي بس، حقها هيرجع وتشوفيهم بيتحاسبوا قدام عينك.
في نفس الوقت، كانت علياء قد ابتعدت قليلاً عن المجموعة في الممر، وأخرجت هاتفها لتتصل بيارا. وما إن جاءها الرد حتى قالت بصوت هادئ ومطمئن:
ـ يا يارا، اسمعيني كويس.. إحنا عرفنا مكان نور، هي دلوقتي في مستشفى ........ تعالي فوراً.
جاء رد يارا سريعًا ومفعمًا بالدموع والراحة:
ـ بجد عرفتوا مكانها؟! الحمد لله.. إحنا جايين حالاً، مسافة الطريق ونكون عندكم!
ساد الصمت في الممر بعد أن غادر حمزة وريان وكاميليا متوجهين إلى قسم الشرطة. أغلقت علياء هاتفها بعد أن تأكدت من وصول رسالتها ليارا، ثم دفعت باب الغرفة بخفة ودلفت إلى الداخل. وجدت ياسين يقف بجانب كارما التي لم تبرح مكانها، وعيناها لا تفارقان وجه نور الشاحب.
نظرت علياء إلى ياسين وقالت بهدوء:
ـ أهلها جايين في الطريق، بلغتهم إنها هنا.
أومأ ياسين برأسه متفهمًا، وربت على كتف كارما التي كانت غارقة في صمتها الحزين، بينما خيم على المكان ترقبٌ ثقيل بانتظار وصولهم.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
