قراءة رواية (سالب عائلة) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سالب عائلة)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( هاجر التركي ) | الفصل: ( 2 )
«لو سمحت، حُط الكرسي ده في أوضة النوم مش هنا.»
وزعت «ميرنا» تعليماتها على العاملين المنتشرين بالشقة الواسعة، وقد اختفى اتساعها تقريبًا من كثرة الأثاث المتراكم في كل زاوية، وكانت جميع القطع لا تزال تحمل أوراق التغليف الخاصة بها.
بدأ الجميع العمل على قدم وساق، متتبعين تعليماتها بدقة، فأهم شيء بالنسبة لهم هو إرضاء العميل، ولم تكن «ميرنا» عميلة هينة، فهي لا تقبض يدها أبدًا... خاصةً خطيبها، السيد «عزيز».
كانت قد نزعت عنها سترتها الزرقاء من الجينز، وبقيت بكنزتها البيضاء ذات الأكمام القصيرة، تقف في منتصف الصالة الواسعة، واضعةً يديها على خصرها، تحاول أن تتخيل الصورة النهائية للمكان، وتعيد ترتيبه في رأسها بشكل دقيق وراقي.
أزاحت أحد المقاعد المرتفعة جانبًا، فلاحظها أحد العاملين، وهرول إليها سريعًا، يدفعها بعيدًا بخفة واحترام:
— «عنك يا آنسة، أنا هشيله. قوليلي بس عايزة ترجعيه فين؟»
ابتسمت له بهدوء، ثم أشارت إلى زاوية معينة، فامتثل لرغبتها وحمله إلى المكان الذي حددته. شكرته ممتنة، ثم ابتعدت تنفض الغبار العالق بكفيها، قبل أن ترفع عينيها فتجد وجه «عزيز» يطل عليها من باب الشقة.
وقبل أن توبخه أو تتفوه بكلمة، بادرها بعناق قصير، قائلًا بمغازلة:
— «البش مهندسة بحالها واقفة مع العمال؟ الإيد النايتي دي بتتوسخ تراب.»
دفعت نفسها بعيدًا عنه، وقد احمر خداها خجلًا من أعين العاملين التي اتجهت نحوهما وهم يبتسمون، متمنين لهما السعادة، ثم استأنفوا عملهم بعدما حياهم «عزيز» بحماس:
— «عاش يا رجالة، كان الله في العون... ثواني بس أدبح لها القطة وأرجع لكم، علشان مطلعة عيني بقالها يومين.»
ختم حديثه وهو يسحبها من مرفقها برفق نحو الغرفة الفارغة في نهاية الردهة القصيرة. حاولت أن تنزع معصمها من يده وهي تقول بضيق:
— «إيه اللي أنت عملته ده يا عزيز؟ بجد مبحبش حركاتك دي.»
دفعها إلى الداخل وأغلق الباب خلفه، فتملكتها حالة من التوتر، وسارعت بالاقتراب من الباب:
— «أنت بتقفل الباب ليه؟ هتعمل إيه؟ العمال برا.»
رفع إصبعه في وجهها، وحركه يمينًا ويسارًا بنظرة ماكرة:
— «تؤتؤ... عندي فوبيا من الأماكن المفتوحة، أصل كنت بتعلق فيها وأنا صغير.»
نظرت إليه بعدم تصديق، ثم تراجعت خطوة عندما وجدته يقترب منها.
— «أنت بتقرب ليه؟»
تراجعت إلى الخلف، وكلما تقدم هو خطوة، تراجعت هي خطوتين، وهي تقول بتوتر:
— «يا عزيز، العمال يقولوا عليا إيه بجد؟ افتح الباب وخلينا نطلع لهم، مينفعش كده.»
اقترب منها خطوة أخرى، ففعلت المثل، لكنها اصطدمت بالجدار خلفها، فشهقت بخفوت، وزاغت نظراتها في أنحاء الغرفة الفارغة، متعمدة ألا تنظر إليه.
قال هو بلمعة خبث واضحة:
— «هيقولوا واحد بقاله سنتين خاطب ومحروم على الآخر وخلاص فاض بيه.»
جحظت عيناها بتوتر، وكادت تبكي من شدة خجلها، فترجته:
— «عزيز، كفاية والله هصوت.»
انفجر ضاحكًا، وقال وهو يتراجع عنها قليلًا:
— «أنت كده هتثبتي لهم يا غبية... وبعدين فين الشراسة اللي كنت بشوفها على التليفون؟ ولا هو على المواقع بس؟ وقدامي تقلبي قطة بلدي؟»
هزت رأسها بسرعة، وقالت وهي تحاول إنهاء الموقف:
— «أيوه، أنت عندك حق، أنا قطة بلدي. خلاص بقى، أوعدك مش هنكد عليك تاني، يلا نخرج بقى.»
— «أفكر طيب.»
هتفت بنبرة أقرب إلى البكاء:
— «عزيز.»
ابتسم بمكر، وقال:
— «هاتي بوسة طيب؟»
شهقت بخفوت، وتعثرت الكلمات فوق لسانها:
— «عزيز، احترم نفسك.»
ضربها فوق جبهتها بإصبعه، وقال ضاحكًا:
— «بوسة في خدي، أنتِ اللي تفكيرك وحش.»
تنفست الصعداء ما إن ابتعد عنها، فهرولت نحو الباب وفتحته مغادرة، ووجهها بالكامل يضخ حرارة من شدة الخجل.
وصل إلى مسامعها صوته بينما يقول، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عبثية مستمتعة:
— «ماما عازماكي على الغدا النهارده، هنروح سوا، اعملي حسابك!»
❈-❈-❈
سُحبت المقاعد التابعة للسفرة المخصصة لتناول الطعام، وفي هدوء ورتابة، استقر كل فرد على المقعد المخصص له بأدب، وعلى رأس الطاولة استقرت الجدة «ناهد»، رافعة شعرها الأبيض عاليًا في تسريحة أرستقراطية منمقة.
كل شيء هنا كان منمقًا، الملاعق والأطباق مرتبة على نحو دقيق، وحتى أماكن الجلوس لها قواعدها الخاصة.
انتهت الخادمات من تفريغ محتويات الطعام في الأطباق، فأصبح أمام كل فرد طبقه ممتلئًا من كل الأنواع الموجودة على الطاولة. لم يتجرأ أحد على رفض نوع معين لأنه لا يفضله.
ثوانٍ حتى شرعوا في تناول طعامهم في صمت، احترامًا للطعام... أو للدقة، احترامًا للجدة وقوانينها الصارمة حول الإتيكيت والانضباط.
لم يُسمع في الجلسة سوى صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق، حتى قطعه صوت «ناهد» الآمر بقوة:
— «حمدية، هاتي اللمون باللبن... الظاهر إن الهانم هدير نسيته.»
وقبل أن تجيب الخادمة، كانت «هدير» قد نهضت من مكانها في عجلة وهي تقول:
— «أنا عملته وصبيته، حالًا هجيبه.»
تحركت خطوتين، ثم استشعرت تلقائيًا نظرات جدتها الصارمة، فعادت سريعًا إلى مكانها، وعدلت المقعد في موضعه الصحيح، ثم غادرت.
وبعد قليل، خرجت تحمل صينية واسعة تراصت عليها أكواب المشروب.
وبمساعدة الخادمة، وزعت الأكواب عليهم، ثم جلست في مكانها تستأنف طعامها في صمت، قبل أن يقطعه مرة أخرى دخول «عزيز»، وكفه تحتضن يد خطيبته.
— «اللمون باللبن يتحط قبلي ما أجي؟ إيه الخيانة دي؟ يرضيك كده يا نانة؟»
اقترب منها، وقبل رأسها ثم كفيها باحترام، وفعلت «ميرنا» المثل، لكن «ناهد» استقبلت ذلك على مضض، موجهة كلماتها إلى حفيدها في تجاهل صريح ومتعمد لـ«ميرنا»:
— «مقدرش أنساك يا حبيبي، هنشربه سوا أنا وأنت.»
ابتسم «عزيز» وهو يسحب مقعدًا لخطيبته، ثم آخر له، وقال بمزاح:
— «سوا سوا لوحدينا.»
ابتسمت «ناهد» بخفة، حتى لابتسامتها بروتوكول خاص بها، ثم جلست تراقبهما للحظات قبل أن تسأل «ميرنا»:
— «خالتو مش بتاكل معانا ليه؟»
أجابتها «هدير»، المنشغلة بتناول قطعة من الدجاج المشوي:
— «عجبها فستان، وراحت المكان علشان تشوف المقاسات.»
منحتها «ميرنا» إيماءة قصيرة، ثم بدأت في تناول بعض اللقيمات الصغيرة جدًا. انحنى «عزيز» بالقرب من أذنها، هامسًا بخفوت:
— «مش بتاكلي ليه؟»
حركت شوكتها في محتويات طبقها بلا هدف، وقالت:
— «ما أنت عارف، عاملة دايت علشان فستان الفرح يبقى حلو عليا.»
هتف مستنكرًا:
— «دايت إيه؟ أنا عايزك تاكلي وتملي كده، تبقي بطايّة.»
لكزته بمرفقها في كتفه بخفة، بينما استمرا في التهامس بكلمات خافتة، حتى قالت «ناهد» وهي تتطلع إلى كوب «ميرنا» الممتلئ:
— «مشربتيش العصير ليه يا ميرنا؟»
أجابتها بهدوء:
— «حضرتك عارفة يا تيتة، مش بحب اللبن خالص.»
ربعت السيدة كفيها فوق الطاولة، بعدما تركت شوكتها، وانتبهت إليها كليًا:
— «لازم تتعودي. أنتِ هتبقي واحدة مننا، وهتشربيه معانا كل يوم، وكذا مرة في اليوم كمان.»
قالت كلماتها بنبرة ذات مغزى، التقطته «ميرنا» سريعًا، وفهمت مقصدها من تذكيرها بإقامتها معهم داخل المنزل الكبير، متجاهلة تمامًا أنها سبق وأخبرتها بأمر شقتهما الجديدة، مسكن الزوجية، وكأنها لا تعترف بالأمر أصلًا ولا ترحب بفكرة رحيلها.
كادت «ميرنا» تجيبها، إلا أن «عزيز» أمسك بمعصمها يمنعها، ليرد هو نيابة عنها:
— «طبعًا يا حبيبتي هتتعود إن شاء الله، وبعدين إحنا هنرازيكم كتير لحد ما تزهقوا مننا.»
تنهدت «ناهد»، وابتسمت له ابتسامة قصيرة كشفت عن أسنان بيضاء ناصعة، ثم نهضت وغادرت الغرفة.
وقبل أن تدخل غرفتها في الدور الأرضي من المنزل، أشارت إلى إحدى الخادمات، فأتت مهرولة إليها.
— «شوفيلي جميلة وسيف منزلّوش ليه ياكلوا، وابعتِيها عندي، وجهزي صينية أكل، ومتنسيش العلاج بتاع سيف.»
منحتها الخادمة إيماءة قصيرة بطاعة، وغادرت من أمامها إلى الأعلى، بعدما أبلغت خادمة أخرى بتجهيز صينية الطعام المطلوبة.
❈-❈-❈
ثبتت «جميلة» الهاتف على القاعدة المخصصة له، أعلى طاولة المطبخ الرخامية، لتظهر على شاشته والدتها وهي ترتشف قهوتها، بينما كانت «جميلة» تتحرك في المطبخ، وقد استقرت أمام الموقد تقلب قطع الدجاج المقلية.
قالت والدتها بقلق:
— «جميلة، أنا لازم أقول لبابا... ينزل ويبقى جنبك، ويخلص لك موضوع المطعم، علشان المحامي ميستغلكيش وأنتِ بطولك كده.»
مدت «جميلة» يدها إلى مقبض الموقد وخفضت درجة الحرارة إلى نار متوسطة، وتركت الدجاج ينضج على مهل، بينما التفتت إلى والدتها:
— «مفيش داعي يا ماما، أنا خلاص، أقل من أسبوع وهتلاقيني مسافرة ليكم. بابا تعبان، مينفعش.»
— «خلاص أنزل أنا.»
قاطعتها سريعًا، مستنكرة بقوة:
— «لا، أنتِ لا يا ماما، علشان خاطري. أنا مش ناقصة مشاكل معاهم، عايزة أمشي بهدوء.»
ضحكت والدتها بسخرية:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
— «وهما دول بينفع معاهم حاجة يا حبيبتي؟ ده اسمها إيه دي... سحلية حماتك؟»
رغمًا عنها ضحكت «جميلة» على تشبيهها، فوالدتها لا تمل من اختراع أسماء وألقاب مضحكة لحماتها.
— «فوزية يا ماما، فوزية.»
لوحت والدتها بيدها بلا اهتمام:
— «فوزية ولا سحلية... المهم، أخلي بابا يكلم المحامي؟ علشان بس يعرف إنه في ظهرك ووراكِ حد.»
— «لا، أنا هتصرف، متقلقيش أنتِ... ومتنسِيش تتأكدي مع الدكتور علشان نزوره أول ما أوصل.»
تنهدت والدتها، ثم سألتها:
— «هو عامل إيه دلوقتي؟ لسه بيدوخ ولا العلاج الجديد حسنه شوية؟»
التفتت «جميلة» إلى قطع الدجاج، وأخرجتها من الزيت إلى الطبق المغطى بمناديل المطبخ الورقية، ثم قالت بنبرة خاوية:
— «الحمد لله، نايم من شوية أهو، ولسه مصحيش.»
كادت والدتها تتحدث وتجيبها، إلا أن رنينًا متتاليًا على باب الشقة جعل «جميلة» تسارع بإنهاء المكالمة.
— «ماما، هقفل دلوقتي، حد بيخبط على الباب.»
— «ماشي يا حبيبتي، كلّميني بعدين.»
أغلقت «جميلة» المكالمة، ثم جففت يديها بالمنشفة الصغيرة وغادرت المطبخ.
بعد لحظات، أطلت الخادمة من خلف الباب، وأخبرتها برغبة السيدة «ناهد» في رؤيتها هي والصغير.
امتثلت لطلبها، وبعد دقائق كانت قد بدلت ثيابها المنزلية إلى أخرى سوداء ونظيفة، ثم غادرت بمفردها.
❈-❈-❈
طرقت بخفة على باب غرفة «ناهد» مرتين، حتى سمحت لها بالدخول.
فعلت ذلك، فوجدت «ناهد» جالسة على الأريكة المقابلة للشرفة الواسعة، التي فتحتها على آخرها، سامحة لضوء النهار بأن يملأ الغرفة.
كانت ترتدي نظارتها الطبية المستديرة، وبين يديها جريدة كبيرة تقرأ منها بتمعن. أشارت لها في صمت بأن تجلس إلى جوارها، فامتثلت لها.
مرت دقائق قصيرة، وفرغت «ناهد» مما بين يديها، ثم طوت الجريدة بعناية ووضعتها جانبًا، قبل أن تنزع نظارتها وتقول:
— «مش بتنزلي ليه يا جميلة؟ ولا سيف؟ مشفتهوش من إمبارح. عايزة تحبسي الولد كده أربعة وعشرين ساعة؟»
— «لا يا نانة والله، هو بس الدكتور قال إن اليومين دول ميبذلش مجهود كبير، لحد ما جسمه يتعود على العلاج الجديد.»
منحتها «ناهد» إيماءة قصيرة، ثم عاودت الانشغال بالجريدة، في إشارة واضحة إلى «جميلة» بأن وقتها انتهى وأن عليها المغادرة.
إلا أن «جميلة» بقيت في مكانها، تفرك أصابعها ببعضها البعض، حتى تجرأت وقالت، بعد أن استنشقت نفسًا عميقًا وأخرجته على مهل:
— «بعد إذنك يا نانة، كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع كده... كنت مأجلاه.»
— «همم، اتفضلي، وياريت بسرعة، عندي معاد دوا وهنام.»
ظلت «جميلة» لثوانٍ تشجع نفسها داخليًا، حتى قالت:
— «أنا هسافر لماما.»
رفعت «ناهد» عينيها إليها للحظة، ثم قالت ببساطة:
— «تمام، ومتخافيش على سيف، ههتم بيه كويس.»
توترت «جميلة» أكثر، ورفعت خصلة متمردة تسللت إلى عينيها، ثم قالت بحذر وترقب:
— «لا، أنا هاخد سيف معايا.»
سريعًا ما تبدلت ملامح «ناهد»، وانطفأت تلك السكينة التي كانت تكسو وجهها منذ لحظات. ألقت الجريدة جانبًا بعصبية، واستقامت في جلستها فوق الأريكة، مثبتة عينيها عليها بنظرة حادة:
— «تاخديه فين؟ هو ناقص تعب؟ أنتِ ناوية تطولي ولا إيه؟»
ارتبكت «جميلة» للحظة، وشعرت بأن الكلمات التي ظلت مرتبة في رأسها قبل مجيئها بدأت تتبعثر فجأة.
بللت شفتيها بطرف لسانها، وشدت أصابعها بعضها إلى بعض فوق حجرها، قبل أن ترفع عينيها إلى «ناهد» وتحاول إخراج الكلمات بهدوء:
— «لا ماهو... أصل أنا، يعني كنت ناوية... ناوية إني خلاص هسافر أنا وابني وأستقر هناك.»
ظلت «ناهد» تحدق فيها لثوانٍ، وكأنها لم تستوعب الجملة كاملة، أو ربما كانت تستوعبها جيدًا أكثر مما ينبغي.
عقدت حاجبيها، ومالت برأسها قليلًا، قبل أن تسألها ببطء يحمل خلفه إنذارًا واضحًا:
— «نعم؟ ناوية؟»
تنفست «جميلة» بعمق، وحاولت أن تتمسك بهدوئها. لم تكن تريد أن يتحول الأمر إلى شجار، ولم تأتِ إلى هنا لتطلب الإذن من أحد، لكنها في الوقت ذاته لم تكن تريد أن ترحل دون أن تخبرها بنفسها.
رفعت عينيها إليها، وقالت بصوت خافت لكنه ثابت:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
— «بعد إذنك يا نانة، أنا خدت قراري. أنا بس حابة أبلغك، مكنتش عايزة أعمل حاجة تتفاجئي بيها. أنا خلاص تعبت، ومش قادرة أستحمل أكتر من كده، قعدتي هنا ملهاش لازمة.»
حدقت «ناهد» فيها طويلًا، وكأن الكلمات الأخيرة تحديدًا أصابتها في موضع حساس. تحركت يدها فوق طرف الأريكة، ثم اعتدلت في جلستها، وقد اختفت تمامًا ملامح الهدوء من وجهها.
— «ملهاش لازمة إزاي؟ عايزة تحرمينا من حفيدي؟ الحاجة الوحيدة اللي من ريحة عادل، اللي مصبرنا على فراقه.»
خفضت «جميلة» عينيها للحظة، وشعرت بوخزة مألوفة في صدرها عند سماع اسم زوجها الراحل، لكنها هذه المرة لم تسمح للوجع بأن يجعلها تتراجع.
رفعت عينيها إليها من جديد، وكان الإرهاق واضحًا في ملامحها أكثر من أي غضب:
— «بس أنا تعبت، ووجودي هنا كل يوم بيتعبني أكتر. أنا هبيع المطعم وهسافر، وأنا آسفة جدًا إني قلت لك متأخر، بس مكنتش حابة أعمل حاجة وأنا مش متأكدة منها. بعد إذنك.»
❈-❈-❈
تسللت أشعة الشمس الدافئة من بين ثنايا الستائر الخفيفة، وانعكست على أرضيات المنزل الهادئة، بينما بدأت حركة الخدم تدب في أرجائه تدريجيًا، إيذانًا ببدء صباح جديد.
استيقظ الجميع تباعًا، واتجه أفراد العائلة إلى غرفة الطعام، باستثناء «تسنيم»، حيث اجتمعوا حول مائدة الإفطار كعادتهم، دون أن يخطر ببال أحد أن شيئًا قد تغير في المنزل خلال الساعات القليلة الماضية.
في الطابق العلوي، صعدت إحدى الخادمات بناءً على طلب السيدة «ناهد»، بعدما أوصتها بأن توقظ «جميلة» وتخبرها بضرورة النزول إلى الإفطار.
طرقت الخادمة الباب مرة، ثم ثانية، قبل أن تدفعه بحذر حين لم تجد ردًا.
ثوانٍ قليلة فقط...
ثم دوّى صوتها في أرجاء المنزل، وهي تهبط الدرج مسرعة، تكاد تتعثر من شدة عجلتها، حتى وصلت إلى غرفة الطعام، لتصيح بأعلى صوتها، وقد التفتت إليها جميع الرؤوس دفعة واحدة:
— «الحقيني يا هانم! الست جميلة مشيت... والدولاب فاضي، مفهوش هدوم!»
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (هاجر التركي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
